جمال عبد الناصر ، وتلك ... ( الناصريات ) يكتبها : حبيب عيسى
التاريخ: الأثنين 26 يوليو 2010
الموضوع: ثورة يوليو
على بساط الثلاثاء
84
يكتبها : حبيب عيسى
(1)
عود على بدء :
منذ زمن بعيد ، ونفر من الشباب العربي ، منهمك في الحديث عن " الناصرية " ، وماهيتها ، حاضرها ، ومستقبلها ، والحديث عن عبد الناصر ، لا يقتصر أثره على أطراف الحديث ، والحوار ، والخلاف ، والاتفاق ، وحسب ... ، وإنما يمتد أثره ، طولاً ، وعرضاً ، في الأرض العربية ، فالرجل ، كان أكبر من المجموعات ، والشلل التي حملت أسمه حياً ، وتلك المجموعات ، للأسف الشديد ، لا تزال أصغر ، من ، أن تغطيّ المسافات التي يفرشها ظله ، غائباً .
وهذا الانهماك ، بالحديث عن عبد الناصر ، له ما يبرره موضوعياً ، لو أنه اتجه بالفكر ، والحركة ، باتجاه تحقيق الأهداف ، التي عاش ، وقضى الرجل ، الفذ ، لتحقيقها . لكن ما حصل ، وما يحصل ، ابتعد بدرجة كبيرة عن جوهر المسألة ، وتحّول إلى "لغو" لا طائل وراءه ، ووصلت الأمور إلى ذروة المأساة ، عندما حاول أطراف هذا "اللغو" أن يشهروا "دكاكين" في الوطن العربي ، تتصدّرها صورة الرجل ، ثم يبتدع كل منهم " جمال عبد الناصر " على مقاسه ، ويصبح ما عداه ، ليس " ناصرياً " ، وتحّول ، هذا كله ، إلى ركام ، يغلق الطريق الصحيح ، إلى الرؤية الصحيحة.. ، يغلق الطريق ، ليس ، إلى فهم ظاهرة عبد الناصر ، ووضعها في سياقها التاريخي ، وحسب ، وإنما ، أدى ، إلى تغييّب مساحات واسعة ، من الشباب العربي ، عن ساحة الفعل الثوري ، النهضوي ، التنويري ، الجاد ، في الواقع العربي ، لتغييّره إيجابياً ، فتحول أولئك "الناصريون جداً" إلى شلل ، ومجموعات ، تكفرّ بعضها ، بعضاً ، ويهدر البعض ، دماء البعض الآخر ، ويفتك بعضها ، بالبعض الآخر ، فتكاً شديداً ، وتحّولوا إلى طوائف سياسية ، شديدة الشبه ، بتلك الطوائف ، والمذاهب ، التي نبتت ، إبّان الثورة العربية الإسلامية التوحيدية الأولى ، وتحّول عصرهم ، إلى عصر ، شديد الشبه ، بعصر ، تلك الطوائف ، والمذاهب ، الذي سمي ، في ذلك الوقت ، عصر الانحطاط الذي استمر بشكل ، أو بآخر حتى هذه اللحظة ، حيث الأرض مباحة لكل طامع أجنبي ، وحيث عقل الشعب مباحاً ، لكل مشعوذ ، وأفاقّ ، وصولاً إلى الاستبداد ، والغزو الثقافي الواسع ، الذي أتى على ما تبقى من ايجابيات مدينة الرسول في يثرب .
كل هذا ، وذاك ، حصل بالأمس ، ويحصل الآن ، بينما كهنة تلك الطوائف ، والمذاهب ، السالفة ، والمعاصرة ، يدقوّن الطبول ، وينفخون الأبواق ، تصنيماً ، لهذا ، أو رجماً ، لذاك . لكن ، وحتى لا نبدو ، وكأننا نقسّم الأحداث ، تقسيماً تعسفياً ، لا بد من الاعتراف ، أن ما يجري داخل "الشلل الناصرية" لا ينحصر داخلها ، وإنما يمكن تعميمه ، لهذه الدرجة ، أو تلك ، على الخريطة السياسية العربية ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار .
وأكاد ، لا أجد ، على الخريطة السياسية العربية ، حزباً ، أو حركة ، أو تجمعاً ، أو مجموعة ، لا تفتك فيها ، جرثومة التفتيت ، والارتداد ، إلى الأصغر .. ، فا لأصغر .. ، وصولاً إلى الفردية .
( 2 )
فالشعب العربي ، يمر الآن بمرحلة ، من تلك المراحل الخطيرة ، التي تمر فيها الشعوب ، عندما يتهدّد وجودها ، تهديداً شديداً ، حيث ينظر العربي ، إلى ما يجري حوله ، مشدوهاً ، ثم يتملكهّ الخوف من الحاضر ، ومن المستقبل ، فكل ما يجري حوله ، مخيف ، يدفعه للارتداد ، لا شعورياً إلى التقوقع الطائفي ، أو المذهبي ، أو الإثني ، أو الإقليمي في ما يتوهم ، أنه وكر الأمان الضيق ، الذي يتقلصّ مع الأيام إلى الأصغر ، فالأصغر ، بينما تتصاعد شكوكه بالآخرين ، أكثر ، فأكثر ، ويؤدي هذا كله ، إلى حالة فردية ، إلى حالة ، لا مجتمعية .. لا إنسانية ، حيث المواطنة مفقودة موضوعياً . وهذا كله ، يفتح الطريق واسعاً ، أمام الغزو الخارجي ، ممثلاً ، بأية عصابة، أو قرصان ... ممثلاً ، بأي مشروع ، أو مخطط ، أو خريطة ، لتفرض على الأمة العربية ، قهراً ، وليسود هذا العصر ، الشديد الانحطاط ، الذي نحيا ، حيث الوطن ، بخبطة قلم ، وببعض الأسر الحاكمة ، والعصابات الصهيونية ، وغير الصهيونية ، منقسم إلى عشرات الأجزاء ، إضافة إلى أجزاء ، امتدت إليها ، يد الجوار ، شرقاً ، وشمالاً ، وجنوباً ... وحيث الشعب العربي ، منقسم إلى مئات ، بل آلاف الأجزاء .. ،وحيث ، لكل الانتماءات الانعزالية ، في الوطن العربي ، وجود مادي فعال ، ثقافي ، وفكري ، ومسلح ، بينما ، الانتماء للأمة الواحدة ، للوطن الواحد ، مجرد مشاعر ، عند البعض ، وحلماً ، عند البعض الآخر العاجز ، حتى الآن ، عن تجسيده بمؤسسة ، تسعى لتحقيق الحلم العربي الذي انحسر بفعل عوامل عدة في السنوات الأخيرة ..
( 3 )
إنها صورة مأساوية ، لواقع مأساوي ... أدى إلى فراغ سياسي حقيقي في الوطن العربي ، مما أتاح المجال لأفكار ، وقبائل الجاهلية ، ومذاهبها ، أن تسود . وهذا واقع مثالي ، ليتحول القراصنة الذين يغتصبون الأجزاء العربية ، إلى أصنام ، وآلهة ، يفرضون ، وحواشيهم ، على الشعب العربي ، مالا يخطر ، ببال أحد ، من القهر ، والتعسف ، والتسلط ، والهيمنة ، والنهب ، حيث يصبحون ،هم ، أصحاب الأرض ، والثروة ، والناس ، وحيث السواد الأعظم ، من الشعب العربي ، كعبيد روما ، يبحث عن فتات موائد النبلاء ، وصولاً إلى هذه المفارقة التي نحيا ، وهي ، أن الشعب العربي ، الذي يملك من الثروات المادية ما يكفي لأن يحيا حياة لائقة ، بل ، وأن يمد يده ، بالمساعدة لشعوب أخرى كثيرة في العالم ، على الأقل .. هذا الشعب العربي بكتلته الكبيرة ، مربوط ، الآن ، من أمعائه ، لا يعرف كيف يؤمّن مستلزمات الحد الأدنى المطلوب للحياة .. هذا الشعب ، الذي ُيحاصر بلقمة العيش ، وُيعصر ، عصراً ، إلى أن ينزل إلى الشارع صارخاً ، نادباً ، فتلاحقه قوى فرض النظام ، والقانون ، وترتكب بحقه من المجازر ، ما يكفي ، لأن تخمد ثورته إلى سنين أخرى قادمة ، ثم يطلق على تلك " الفورة " .. " مظاهرات الخبز " .. أو مظاهرات الجوع " ، أو أن ُيساق كالقطيع يّؤله المستبدين ... ! !.
( 4 )
أليس غريباً ، أن الشعب العربي ، الذي ترتكب بحقه جرائم ، لا حصر لها ، من أول التسلط ، والقهر ، إلى آخر القمع ، والطرد من الأرض ، وصفقات التنازل عن أرض الوطن للأعداء ، والطامعين ، ُيحاصر ، وُيفتك فيه ، من الاتجاهات ، كلها ، ثم يتم تجويعه ، فلا يتظاهر ، إلا من اجل لقمة العيش ... ؟ ، ثم ُيحاصر بعدها ، بتساؤلات التشكيك ، بكل شيء ، وعوضاً عن ، أن يبحث العربي ، في الواقع الموضوعي ، عن أسباب الخلل ، وكيفية مواجهة ما يجري ، يحدق كل عربي ، بالآخر العربي ، باحثاً فيه ، عن عصب موروث ، عن طائفة ، أو مذهب ، أو قبيلة ، ليصطنع منه عدواً له ، فيهدر دمه ، شاء هذا الآخر أن يقبل تلك العداوة ، أم لا ، وتحولت " الباطنية " التي فرضتها عصور الخوف ، والاستبداد ، على بعض المذاهب القليلة ، لتصبح منهج الجميع ، مع الجميع ... هذا كله ، أدى ، ويؤدي إلى تثبيت هذا المناخ ، الذي لا يمكن ، أن يتيح التنفسّ الإيجابي ، لأي تحرك سياسي نهضوي ، تحرري ، تنويري ، عقائدي جاد .. وهذا هو المطلوب ، لأصحاب هذا الواقع السوداوي الراهن ، وللمستفيدين من استمراره . فانتشرت في الوطن العربي ، فتاوى أهدار دم البعض ، من قبل البعض الآخر ، حتى نكاد ، لا نجد عربي ، غير مهدور دمه ، من عربي آخر ، بينما الأرض العربية ، مباحة ، والشعب مستباح ، لقوى تستثمر الذين يهدرون الدماء ، والذين تهدر دماءهم ، في آن واحد ...
نقول هذا بداية ، حتى لا يبدو الحديث عن " المسألة الناصرية " ، وكأنه حديث عن مسألة منعزلة يقتصر عليها في الواقع الذي نشأت فيه ... فالسؤال من هو " الناصري " . ؟ ، قابله ، ويقابله سؤال داخل "كل تجمع سياسي عربي " من هو العربي ؟ ، من هو المسلم ؟ ، من هو المسيحي ؟ ، من هو اليساري ؟ ، من هو اليميني ؟ ، من هو الوطني ؟ ، من هو الاشتراكي ؟ ، من هو البرجوازي ؟ ، من هو الديمقراطي ؟ ، من هو ، أي ، أحد في الوطن العربي .. ؟ ، وكما تعددت الإجابات ، هنا ، في الناصرية ، وتناقضت ، ودخلت باب السفسطة ، حصل الشيء ذاته ، هناك ، بنسب مختلفة ، وحسب ظروف كل حالة ، على حدة .
( 5 )
وحتى لا يخرج هذا الحديث عن دائرة العنوان الذي اختاره لنفسه ، دعونا ، بداية ، نحاول الإجابة على السؤال الهام : لماذا الحديث في هذا الموضوع الآن ...؟ ، خاصة ، وأن الذي يتحدث ، ويكتب هذه السطور ، نأى بنفسه عن الخوض في هذه المسألة ، حتى عندما كانت في مرحلة الذروة ... وحتى عندما حملت بعض الشلل شهادات "الانتماء للناصرية" .. وشهادات "الطرد من الناصرية" توزعها على من تشاء ، كما كان يفعل الولاة العثمانيون ، عندما كانوا يمنحون رتب الباشوية ، والبيكوية ، والأفندية ، لمن يشاءون ، ويوزعّون ، في الوقت ذاته ، شهادات الارتداد ، والكفر بالله ، والإلحاد ، على من يشاءون ، حسب ما تقتضي مصلحة "الباب العالي" ، بل وصلت الأمور ، بالبعض "الناصري جداً" إلى درجة توجيه السؤال المباشر : هل أنت ناصري .. ؟ ، ولم أعرف في ذلك الوقت ، ولم أعرف إلى الآن ، ما قيمة الإجابة ، بالنفي ، أو الإيجاب ، وكأن " الناصرية " ، هي أمر مباح ، لمن يدعيّه .... وكأنها ، ليست تعاملاً إيجابياً فعالاً مع الواقع ، لتغييره باتجاه الهدف ، الذي قضى جمال عبد الناصر من أجل تحقيقه ... والأغرب من ذلك ، كله ، أن البعض سّطر المقالات ، والكتب ، لدحض "ناصرية فلان" ، أو إثبات "ناصرية عّلان" .. يحيط بهذا كله ، أجواء من المناقشات ، أو على الأصح ، من اللغو الفارغ ، حول شكليات ، وقضايا جزئية ، لا علاقة لها ، بالخط الاستراتيجي لجمال عبد الناصر .. كل هذا يجري ، بينما ، الصهيونية ، والامبريالية ، وتموضعاتها الاستبدادية ، في كل مكان من الأرض العربية ...كل أولئك يشتركون ، معاً ، في إدارة اللعبة على الأرض العربية ، وإدارة الرؤوس العربية ، في الاتجاه الذي لا يخدم ، لا الأمة ، ولا الوطن ، ولا ذكرى الرجل العظيم ، وعادت الساحة العربية تستقبل ، دون مقاومة تذكر ، مخططات الأعداء ، وجواسيسهم ، ولم نعد نسمع ، تلك ، الـ " لا " ، التي كان يتحدى ، بها ، جمال عبد الناصر ، أولئك المتألهين في نظام الهيمنة الدولي ..." سواء كان يملك إمكانيات هذا التحدي أم ، لا " ،.. وتحولت " ناصريات " هؤلاء ، وأولئك ، إلى "برواز" ، وصورة لجمال عبد الناصر ، يعلقهّا من يشاء ، فوق رأسه ، ليتحول إلى زعيم ، حارة ، أو شارع ، أو شلة ، أو عصابة ، أو بعض من طائفة ، أو عشيرة ، أو حتى حاكماً لدولة فعلية ، حسب الحال ، وأصبحت ، تلك "الناصريات" ، ككل الشلل السياسية في الوطن العربي ، تتلهّى بالمهاترات ، والشرذمة ، والانقسامات ، والقضايا الجزئية الصغيرة ... وعندما تتملمّل الجماهير العربية ، التي عاشت مع جمال عبد الناصر ، عصر التحدّي ، والمقاومة ، والرفض ، تظهر دعوات لتوحيد " الناصريين " في قطر معين ، ونادراً ما تشمل الدعوة الوطن العربي ، ثم يتبيّن ، وبعد جدال ، وصراخ ، وإلى آخره .. أن توحيد أصحاب الجلالة ، والفخامة ، والنيافة ، والسمو ، حكام الدول الفعلية في الوطن العربي ، أقرب ،وأكثر سهولة ، من ذلك بكثير .
فعلى ، ماذا ، يختلفون .....؟ ، وبماذا هم "ناصريون" .. ؟ !
سنوات عديدة مضت ، ونحن نهرب من الإجابة على هذا السؤال : ليس خوفاً ، ولا جهلا ،ً ولكن رجاء ، في ، أن ينفضّ هذا السوق ، الذي نصبوه ، للاتجار ، بالقائد ، الفذ ، عبد الناصر – حياً ، وميتاً – ، ورجاء ، في ، أن تأخذ ، جماهير القائد ، الفذ ، دورها ، في شق الطريق " الذي قضى القائد ، الفذ ، نحبه " باتجاه الأمة الموحدة ، والأرض الواحدة ، والشعب العربي المتحرر من السيطرة ، والاستنزاف الأجنبي ، والاستغلال ، والاستبداد الداخلي ... متحرر ، من التخلف ، وأمراضه ، وطوائفه ، ومذاهبه ، وعنصرياته ، وقبلياته ، حيث يعيش ، بما يملك من إمكانيات ، ويتقدم ، بما يملك من طاقات ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ...
( 6 )
إن المتتبع ، لمجريات الأحداث ، التي تلت رحيل جمال عبد الناصر ، وممارسات ، الذين يدعّون " الناصرية " في الوطن العربي ، يستنتج ، دون عناء يذكر ، أن ، لا علاقة ، البتة ، بين "المدعيّن" ، وبين الرجل ، الذي ينسبون أنفسهم إليه ... لا شكلاً ، ولا موضوعاً .. يكفي التأكيد على حقيقة واحدة ، ماثلة ، وهي ، أن المخططات المعادية للأمة العربية ، للوجود العربي ، والتي كان الطريق إلى تنفيذها ، غير سالكة ، بسبب عقبة التحدي ، التي كان يمثلهّا جمال عبد الناصر ، أصبحت ، الآن ، واقعا معاشاً ، أو هي ، على الأقل ، قيد التنفيذ الفعلي . فإذا كان ثمة وجود "لناصرية ، ما" في الوطن العربي ، هل لنا ، أن نسأل :
ما هو التحدي ، الحقيقي ، الذي جسّدته تلك "الناصريات" للمخططات المعادية ، وإذا كانت ، لم تفعل ، عجزاً ، أو خيبة ، أو .. ؟ .. ، هل لنا ، أن نسأل ، بماذا هي "ناصرية" .. ؟
قد تأتي الإجابة ، بالميثاق ، ببيان "30 مارس" ، بخطب عبد الناصر ، بفلسفة الثورة ، بتحالف قوى الشعب العاملة ... لكن ، هل هذا كله ، كلمات تقال ، أم واقع يعاش . لقد كان "الميثاق" ، والتحالف ، والوحدة ، والعدالة الاجتماعية ، بالنسبة لجمال عبد الناصر ، معارك يومية ، مما جسّد ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، تلك المشاعر ، العريضة ، التي حصّنت الأمة في أيامه ، ضد الانزلاق ، إلى مخططات الأعداء ، ومشاريعهم . فالمطلوب " كحد أدنى " لأي فرد ، أو جماعة ، حتى ينتسب ، أو ينسب ، لخط جمال عبد الناصر ، هو المحافظة على روح المقاومة ، والتحدي ، للمشاريع المعادية ، لإجهاضها ، ثم العمل على تحقيق مخطط الاستقلال الوطني ، والاقتصادي ، والسياسي ، للأمة العربية ، وهذا ، مالا يتوفر ، على حد علمنا " بالناصريات " موضوع الحديث .
لقد حاولت ،أغلب ، تلك " الناصريات " أن تكسب حب ، وولاء جماهير عبد الناصر ، من جهة ، وأن تحقق المكاسب ، والسلامة على حساب مباديء جمال عبد الناصر ، وأن تبحث عن صفقة مع هذا النظام ، أو ذاك في الوطن العربي من جهة أخرى ، والمسألة لا تكلفها في النهاية ، إلا صورة ، بإطار فاخر ، لجمال عبد الناصر ، وقليل من الورع ، والخشوع ، عند الحديث عنه ، وهذا بنظرها ، يكفي ، لأن تفعل بعد
ذلك ما يحلو لها ، ثم ، يغدو ، هذا الذي يحلو لها ، هو " الناصرية " ، وما عداها " كفر ، بها " .. !!
( 7 )
لقد ، كانت المعايير ، التي تحكم تصرفات جمال عبد الناصر ، تتجسّد بمعايير التحدي ، والمقاومة ، لقد قال ، يوماً ، أنه ، كان ، إذا اتخذ إجراء ، أو تصرف ، ما ، ولم تهاجمه القوى المعادية ، وأجهزة إعلامها ، فمعنى هذا ، أن ، في هذا التصرف ، خلل ، ما ، ... هذا النمط ، من التفكير ، والسلوك ، انقلب رأساً على عقب في السبعينات ، و الثمانينات ، وحتى نهاية القرن المنصرم ، والعقد الأول من القرن الحالي ، وأضحت الشطارة ، والفهلوة ، ومعرفة ، ما هي مخططات القوى المعادية "العظمى" ، ثم الاتساق مع تلك المخططات ، وبذل كل الجهود لتنفيذها ، هو الشعار المرفوع ، وهو معيار الذكاء ، ليس على مستوى الأنظمة ، وحسب ، وإنما على مستوى المنظمات ، والأحزاب ، والقوى السياسية ، في الوطن العربي ، " إلا ما ندر " ، نقول ، هذا ، في معرض حديثنا عن " الناصريات " علنّا نحدّد ، موضوعياً ، الأسباب الكامنة ، للمأساة ، التي تلقي ، بظلالها ، الكثيفة على وجودنا ، فأوضاع القوى ، والأحزاب ، والمجموعات ، والفرق ، والملل السياسية الأخرى ، في الوطن العربي ، ليست أحسن حالا ، من أوضاع "الناصريات" إياها ... ذلك ، أن الخريطة السياسية ، في الوطن العربي ، تحولتّ بالمطلق إلى قوى كاريكاتورية التكوين ، تفتقد ، أدنى حد ، من الترابط المنطقي ، بين الشكل ، والمضمون ، بين الممارسة ، والأهداف المعلنة . حتى يكاد المراقب ، لا يجد أدنى علاقة بين الأيديولوجيات المشرعة ، والسلوك الحقيقي ، لأصحابها ، وهذا ، ما أدى إلى النتيجة المنطقية ، وهي تهميش دور الحركات السياسية ، في الوطن العربي ، وعودة علاقات التخلف ، من أول القبلية ، والعشائرية ، إلى آخر الطائفية ، والمذهبية ، والعائلية ، والإقليمية ، والأثنية ، لتصبح ، هي العلاقات الحقيقية ، الموضوعية ، السائدة ، وما عدا ذلك من أول الإيديولوجيات ، إلى آخر المباديء المعلنة ، مجرد لافتات خالية من أي مضمون .
وتحولت القوى السياسية ، والإيديولوجيات السياسية ، إلى مجرد قشور سطحية ، تسقط في الممارسة الحقيقية ... لقد أضحى السؤال ، إلى ، أية ، طائفة تنتمي..؟ ، أو ، من أي مذهب أنت...؟ ، أو ، أين مسقط رأسك..؟ ، أو ، من أين انحدر ، جد ، أجدادك ..؟ ، من قبيلة كلب ، أم من قبيلة كندة ؟ ، من الكرد ، أم من الآشور ، من الفراعنة ، أم من البربر ، من الفينيق ، أم من القبط ، وإلى آخرهم ... ، أكثر أهمية ، بما لا يقاس من :
ما هو حزبك السياسي ...؟ ، أو ، ما هي المنظومة الفكرية التي تضبط تصرفاتك .. ؟ ، أو ما هي توجهاتك السياسية ؟ ، أو كيف تفهم المواطنة ؟ ، أو ما هي المقاييس التي تحكم علاقتك بالآخر ؟ !! .
نقول هذا ، لنشير إلى الأزمة العامة ، لحركة التحرر ، والنهوض ، والتنوير العربية ، أو حتى ، لا يخطر ببال ، أياً كان ، أن يعتبر خصوصية هذا الحديث عن " الناصرية " ، أنه يقتصر عليها .. فلدينا ما نقوله ، لمختلف الفصائل ، والمجموعات ، والأحزاب السياسية العربية ، كل ، بالأسلوب المناسب .. ، ذلك ، أن ما جرى في الوطن العربي ، وما يجري ، يستحق من كل عربي ، مراجعة شاملة ، حتى ، لبعض الأفكار التي "ارتقت" لديه ، في بعض الأحيان ، إلى درجة "التقديس" ، وذلك بهدف الوصول إلى فرز حقيقي ، يعتمد على ، ما اختار ، ومارس ، وفكرّ أي ، عربي ، لا على صك ميلاده ... ، على هويته الفكرية ، والعقائدية ، فكرا ،ً وسلوكاً ، لا على الهوية ، التي تصدرها دوائر الأحوال المدنية ، وغير المدنية ، في الوطن العربي .
( 8 )
وإذا كان لابد من تغييّر الصورة المأساوية الراهنة ، فإن عملية التغييّر ، المرجّوة ، تبدأ ، بالتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، دون الاستسلام ، لظواهره المرضية ، ودون الانزلاق ، إلى خنادق الصراعات المشبوهة ، بين قوى تتصارع ، حتى الموت ، أحياناً ، لكنها تصل في النهاية ، بهذا الشكل، أو ذاك ، إلى ذات المحطة المرسومة ، سلفاً ، من القوى المعادية ، وهذا يقتضي ، من الذين يرشحّون أنفسهم ، للنهوض ، بحركة التحرر العربية ، من جديد ، أن يمتلكوا رؤية جديدة ، شاملة ، تقتضي ، في اغلب الأحيان ، تخطيّ حدود ، الشلل ، والأحزاب ، والمجموعات ، والأقاليم ، والطوائف ، إلى نمط جديد من التفكير ، والممارسة ، فلم تعد تكفي ، انتفاضة داخل هذه الفئة ، أو انقسام تصحيحي داخل ذاك التيار ... فكل ما تؤدي إليه ، مثل هذه الحركات ، هو زيادة تفتيت البنية السياسية السائدة .. ، وأجزاء ، الأجزاء ، لن تكون أكثر فاعلية ... مهما بدت ولادة الجنين المنقسم ، براقة .
المطلوب ، هو مراجعة عميقة لما جرى ، ثم الكفّ عن البكاء على الأطلال ، ثم الكف عن المحاولات العقيمة لاسترجاع الماضي ، أو التمترّس قي أساليبه التي لم تعد تناسب الظروف الموضوعية الراهنة ، ومن ثم بناء مؤسسة قومية عربية تقدمية ، حقيقية ، بين المناضلين القوميين العرب التقدميين ، الذين أفرزتهم التجربة المرة ، ... مؤسسة ثورية بأفكارها ، ومنهجها ، وشفافيتها ، وأساليبها ، مكوناتها الأساسية ، مستمدة من مواقع مختلفة المنشأ ، لكنها موحدة الرؤية ، والهدف ، والسلوك ، نتيجة للخبرة ، والمعرفة ، وانكشاف الكثير ، الكثير من الأوراق ، التي كانت مستورة ، إلى وقت قريب جداً ... ما نقصده باختصار ، هو ، أن الحدود القائمة بين القوى ، والمجموعات السياسية ، في الوطن العربي ، لم تعد تعبّر ، تعبيراً موضوعياً ، عن واقع الحال ، فلم يعد الانسجام ، سائداً ، داخل المجموعة الواحدة ، ولم يعد التضاد ، حاداً ، بين المجموعات ، التي كانت متناقضة ، إلى وقت قريب ، أو ، هي متناقضة ، إلى الآن – بل نحن أمام واقع ، قد نجد ، فيه " كادر .. ما " في حالة تصادم ، مع عناصر خليته ، حول قضية حارة مطروحة ، بينما ، نجده ، متفقاً ، ومنسجماً ، مع آخر ، في تجمع آخر ، من المفترض ، أن التنافس حاد ، بينهما ، في المنطلقات ، والأهداف .. هذه ، الحال ، تعبّر ، تعبيراً حقيقيا ، عن أزمة البنية الحزبية ، والحركية العربية ، وتعبّر ، أيضاً ، عن تخلف تلك البنية ، في فهم التغيرات الحادة ، التي جرت في الواقع العربي ، مما حولهّا ، من أحزاب تسعى ، لتغيير هذا الواقع ، إلى أحزاب تجري ، وراء الأحداث ، علهّا ، تفسّر ما يجري ، وغالباً ، ما تعجز ، حتى ، عن تفسير ، هذا الذي يجري ، وهذا يفسّر لنا ، بوضوح ، حالة العجز الصارخ – الذي هو ، السمة المميزة ، للحركات السياسية العربية – عن الفعل ، والتأثير ، فأضحت تلك الأحزاب ، هي ، أحزاب "الأمين العام" ، الذي ، هو صاحب الامتياز ، والتصرف ، وبالتالي ، فإن البنية التحتية ، لتلك الأحزاب ، اقتصر دورها ، على التلقيّ ، وأصبحت العلاقة ، ذات اتجاه واحد ، من الأعلى ، إلى الأسفل ، وفقط ، فتحّولت ، تلك البنى الحزبية ، إلى أطر شكلية ، أكثر من كونها ، قوى حقيقية ، قادرة على الفعل ، والتأثير ، والتقرير ، والتدبير ، والحركة . قد يثور سؤال مشروع هنا : ما علاقة هذا كله بالحديث عن "الناصرية" .. ؟
( 9 )
نقول : بما ، أننا ، ندعّي عدم ممارسة هواية " المماحكة والمناظرة " ، فإن ، لهذا الحديث ، هدف ، وغاية أساسية ، تتمثل في معرفة الواقع العربي ، كما هو ، وكشف أسباب ، وملابسات ، وظروف المرحلة الخطيرة ، والصعبة التي تجتازها الأمة ، وحقيقة القوى ، التي تحتل مساحات واسعة من الأرض العربية ، وبالتالي ، البحث ، والعمل ، والسعي ، بالوسائل ، كلها ، لأن تفرز هذه الأمة ، المضادات الحيوية ، أو صادات فعالة ، تحمي الوجود ، المهدد ، وتنطلق إلى التحرير ، والتوحيد ، ورفع الظلم السياسي ، والاجتماعي ، وهذا لن يكون ، إلا ، برؤية شاملة ، تتجاوز الحدود التقليدية ، بين المجموعات ، والقوى ، والأحزاب السياسية .. ثم عليها ، أن تسقط من الحساب ، الأفكار ، والممارسات ، التي أوصلت الأمة ، إلى مرحلة الخطر الراهنة ، وأن توضّح ، وتحدّد ، وتسّن الشرائع العقائدية ، والقانونية ، التي ولدت من مخاض المحنة ، والتجربة الشديدة التنوع ... وهذا يعني ، أننا نريد وضع هذا الحديث ، عن جماهير جمال عبد الناصر ، في سياقه التاريخي ، لأن هذا التيار الجماهيري ، الهام ، يجب ، أن يخرج ، من سوق الاتجار فيه ، والتسلقّ على أكتافه ، بهدف جرجرته إلى مواقع معادية ، ومناقضة ، لأهداف تلك الجماهير ... فتتبصّر تلك الجماهير طريقها ، في السياق العام ، للنهوض ،والتنوير ، مع ، من تفرزهم التجربة المرة ، أو الذين ، أفرزتهم من سائر الجماهير العربية : لإنقاذ الوطن ، والشعب ، من المحنة .
( 10 )
لعل ما تقدّم ، يجيب جزئياً عن مبررات هذا الحديث ، ولماذا ، في هذه الظروف..؟ ، أما الجزء الباقي ، من الإجابة ، فيأتي من مصدر آخر تمثل في الردة عن الثورة ، تلك الردة التي قادها أنور السادات ، واستلم المهمة من بعده حسني مبارك ، مع كل ما ترتب ، ويترتب عليها في مصر ، والوطن العربي ، لكن ليس هذا هو موضوع حديثنا اليوم ، فقط سنقف عند حدث كان يمكن أن يشكل محطة هامة من ناحية الأسلوب ، والهدف ، لوقف الردة ، والتقدم على الطريق المقاوم لاستئناف مشروع التحرير ، والنهوض ، والتنوير الذي بدأه جمال عبد الناصر ، وقضى قبل أن يحققه ، أبطال هذا الحدث ، مجموعة من الشباب العربي في مصر تشكلت مع بداية عقد الثمانينات من القرن المنصرم ، بينهم خالد جمال عبد الناصر .
تقول حيثيات القضية " الدعوى " التي رفعتها الإدارة الأمريكية ، ممثلة ، بشخص السفارة الأمريكية في القاهرة ، بالتضامن مع الحركة الصهيونية ممثلة ، بشخص "السفارة الإسرائيلية" المتواجدة في القاهرة ، أيضا ، تمثلهّا وزارة الخارجية ، في جمهورية مصر العربية ، بعد إلقاء القبض على المجموعات الفدائية : إن هذه المجموعة ، من الشباب العربي ، التي تضم خالد عبد الناصر ، وآخرين ، قد خططوا ، ونفذوا ، عمليات ملاحقة ، وترصّد ، وقتل ، وشروع بالقتل ، لمجموعات من "الإسرائيليين" ، والأمريكيين ، في مصر .
في مواجهة ذلك ، جاء على لسان أعضاء المجموعة ، وهيئة الدفاع ، برئاسة "المحامي عصمت سيف الدولة" في حينه ، ما يضيف إلى ملف القضية ، مالا تطيق جهة الادعاء مواجهته ، فهيئة الدفاع عن الفدائيين ، تستطيع أن ُتدخل في هذه القضية ، عشرات الآلاف من عرب مصر ، وربما عشرات الملايين ، من الذين ، قتل لهم ، أب ، أو أخ ، أو ابن ، أو زوج ، أو زوجة ... هؤلاء الذين قتلوا على أرض مصر ، بسلاح أمريكي ، وأياد صهيونية ، والمحكمة ذات اختصاص ، مكاني ، بهذه الجرائم ... فهل تستطيع المحكمة أن ترّد تدخل أم ثكلى ، أو أب استشهد ولده ، في مدرسة "بحر البقر" ، أو أرملة قتل ، زوجها في معمل "أبي سنبل" ، أو أولياء آلاف الأسرى الذين ُدفنوا أحياء في سيناء ... ؟ .
( 11 )
على كل حال ، هذا موضوع كان مفتوحاً أمام "محكمة أرض المعارض بالقاهرة" في عقد الثمانينات من القرن المنصرم ، والأطراف لم تبخل بتقديم ما لديها ، من أدلة نفي ، وإثبات ، وقد صدرت وقائع تلك القضية مع وثيقة الدفاع ، بالغة الأهمية ، التي قدمها عصمت سيف الدولة في كتاب تحت عنوان "دفاع عن ثورة مصر" ... ، وفي هذه القضية ، ما يغري للحديث عنه ، من أول ظروف ولادة الفكرة ،بتأسيس ،"منظمة ثورة مصر العربية" ، إلى إطلاق الرصاص ، إلى الطريقة التي حرّكت فيها قوى العدوان ،هذه القضية " الدعوى " ، فيما بعد ، والتي ندعّي ، من وجهة نظر قانونية بحتة ، أن الطرف المدعي " الأمريكي الإسرائيلي " ، قد وجّه إهانة ، بالغة ، لسيادة دولة مصر العربية ، وقرارها المستقل ، الذي "حرص عليه"الرئيس "المرحوم" أنور السادات ، ويواصل "الحرص" عليه الرئيس الابن حسني مبارك .
المهم في الموضوع ، أننا ندعّي ، أن المهام ، التي نذرت تلك المجموعة الفدائية من الشباب العربي في مصر ، أرواحها لتنفيذها ، من أول ولادة الفكرة ، إلى تنظيم الخلايا السرية ، إلى تحديد الأهداف ، وتأمين الوسائل ، وإطلاق الرصاص على الجواسيس الصهاينة ، والأمريكان ... هي، مهام ، شديدة القرب ، من جمال عبد الناصر ، من ناحية الجوهر ، والموضوع ، وأنه نضال نوعي ، يفترق عن " الناصريات " التي كانت ، ومازالت منتشرة ، شمالاً ، وجنوباً ، طولاً ، وعرضاً ، في الوطن العربي . أما ، من ناحية الوسيلة ، والأسلوب ، فقد جاء هذا الفعل ، قاصراً عن الأداء ، المتصاعد ، المستمر ، فما يجري في مصر ، لا يمكن مواجهته ، إقليمياً ، وتلك النتيجة ، عبارة عن قاعدة قانونية ، ننسبها إلى جمال عبد الناصر ، الذي واجه الأعداء ، بتنظيم سري ، للضباط الأحرار ، في مصر ، ثم إلى ، تنظيم جماهيري هو "هيئة التحرير" ،فالإتحاد القومي ، ومن ثم الاتحاد الاشتراكي العربي ، كل ذلك ، كان ، في مصر ... ثم ، اكتشف جمال عبد الناصر عجز الأدوات الإقليمية ، بدءاً من أجهزة الدولة الإقليمية ، إلى الأحزاب ، والتنظيمات الإقليمية ، فكان ، إعلانه الشهير ، بأن " الحركة العربية الواحدة " هي ، وحدها القادرة ، على مواجهة الأعداء ، في مصر ، وفي الوطن العربي ...ثم كانت هزيمة ال67 لتثبت ، نهائيا ، عجز المؤسسات الإقليمية......
( 12 )
إن جمال عبد الناصر ، لم يطلق نداء الدعوة ، للحركة العربية الواحدة ، إلا بعد ، أن جرّب ، وخبر ، واختبر ، كل ، الوسائل الإقليمية الممكنة ، وبالتالي ، فإن نظرة موضوعية إلى خط عبد الناصر الاستراتيجي ، تبيّن ، بوضوح ، أن عبد الناصر ، كان ، ثائرا ، متطوراً ، وهذا ما ميّزه ، عن الانقلابيين العسكريين ، في العالم الثالث ، عموماً ، وفي الوطن العربي ، على وجه الخصوص ، وما يحدّد الأطر ، والقواعد ، للذين يرغبون ، نسبة أنفسهم إليه ... فما فعله جمال عبد الناصر في فترة زمنية محددّة ، ثم طورّه ، إلى وضع أرقى ، وأكثر تقدماً ، يكون الوضع المتقدم ، هو ، واجب الالتزام فيه ، وما فعله ، ومارسه ، ووضع أطره الفكرية ، والتنظيمية ، وهو قائد لحركة التحرر العربية ، يلغي ، كل ، ما يناقضه ، من أفعال ، وممارسات ، نفذها عبد الناصر ، كحاكم ، لدولة مصر قبل ذلك ، كما أن التعامل الإيجابي مع الظروف الموضوعية المستجّدة ، هو المعيار ، فالأساليب تتّغير من مرحلة إلى أخرى ، وتلك هي القضية الهامة الأخرى ، فإذا كان الانقلاب العسكري ، أو النضال العنيف ، والسري ، هو الأسلوب الذي كان مناسباً في منتصف القرن العشرين المنصرم ، فإن الظروف الموضوعية التي استجدّت في الوطن العربي ، والعالم من حيث تطور وسائل ، وأدوات ، وأسلحة أجهزة المخابرات أدت إلى تغّول النظام الإقليمي في الوطن العربي ، حيث باتت تلك الأجهزة هي مركز ، ومصدر جميع السلطات ، والجميع يدورون في فلكها ، وبالتالي لم نعد أمام مؤسسات مجتمع ، ولا حتى مؤسسات دولة ، مما أدى إلى أن عملية التغيير باتت شديدة التعقيد ، بل تكاد تكون مستحيلة إلا باعتماد أساليب التغيير الشامل البنيوي في الثقافة ، والاجتماع ، والسياسة ، والاقتصاد ، والكفاح المسلح ، والعقائد ، بحيث تتوزع المهام ، والعمل قسمة ، بهذا يمكن أن يستعيد المجتمع العربي إرادته ، وقراره ، فينتفض باتجاه التحرير ، والنهوض ، والتنوير .
( 13 )
ثم ، أن عبد الناصر ، ليس صنماً ، وليس قابلا ، للتصنيم .. إنه ينتمي إلى أولئك العظام ، في تاريخ أمتنا ، الذين يمتدوّن عمقاً ، إلى جذور الأمة ... أولئك الذين حطمّوا الأصنام ، أو حاولوا تحطيمها ، على الأقل ، واستهدفوا بناء وحدة مجتمعية ، حضارية ، للأمة ، وهذا يعني ، أنه ، من العبث ، أن ننسب ، إلى جمال عبد الناصر ، مجموعة إقليمية ، أو مجموعات متصالحة ، مع واقع رفضه عبد الناصر . فأول شروط الانتساب ، لجمال عبد الناصر، هو الشرط المتعلق ، برفض الواقع المجزأ ، التابع ، المستلب ، وعدم التحالف ، بأي شكل ، من الأشكال ، مع القوى ، التي تدير لعبة التجزئة ، والتخلف ، والاستلاب ، في الوطن العربي . ومن هذا المنطلق ، قلنا ، أن ، ما قام به ، أولئك الشباب العربي ، الذين يضمّون ، بين صفوفهم ، خالد جمال عبد الناصر ، في مواجهة كامب ديفد ، ينتسب إلى واحد من أساليب ، وطرق الخط " الناصري " ، التي أشرنا إليها من حيث الموضوع ، وليس من حيث ، أن بينهم خالد جمال عبد الناصر ، وليس ، من جهة ، أنهم يدعوّن "الناصرية" ، أو لا يدعوّنها .
( 14 )
ففي الأعوام ، التي تلت حرب " أكتوبر " ، تشرين الأول ، 1973 ، وفضّ الاشتباك ، واتفاقيات الفصل ، في سيناء ، والجولان ، ثم ، اتفاقية سيناء الثانية ، التي مهدت ، لرحلة الرئيس أنور السادات "التاريخية" إلى القدس المحتلة ، كان الشباب العربي " الناصري " مشغول بـ " الناصرية " ما هي ؟ : فكراً ، وعقيدة ، وأسلوباً ، واتجاهاً .. وكان تحديد المدلول العقائدي ، والسلوكي ، "للناصرية" ، غاية في الصعوبة ، كان ، بعض رواد نوادي الفكر الناصري ، في جامعات القاهرة ، وعين شمس ، وغيرها ، في غاية الحماس ، لتحديد ، من هو "الناصري" ، ومن ، هو ، غير " الناصري " ، وكانت المشارب ، تذهب ، بهم ، إلى اتجاهات مختلفة ، ومتناقضة ، كان ، البعض منهم ، مازال يراهن على "ناصرية" الرئيس أنور السادات ، رغم ، أن سيادته ، كان ، قد وقعّ اتفاقية سيناء الثانية ، ووضع 99 بالمائة ، من أوراق دولة مصر في الجيب الأمريكي الواسع ... ، وكان ، هؤلاء ، يبنون مراهناتهم ، على أن الرئيس السادات ، تحدث ، في خطابه ، تلك الأيام ، عن جمال عبد الناصر " الله يرحموا " ، مادحاً ... وكأن القضية ، هي موقف ذاتي ، من هذا الشخص ، أو ذاك ، وليست موقفاً ، موضوعياً ، من اتجاه ، وحركة ... لقد كانت الحوارات ، التي شاركت في بعضها ، في تلك الفترة ، عنيفة ، وشائكة ، والأعصاب متوترة ، والتشويش الفكري ، وصل أقصاه ، وأدار الرؤوس باتجاهات ، أقل ، ما يقال فيها ، أنها ، تؤدّي إلى عجز الجميع ، عن الفعل الايجابي ، وارتفعت دعوة الالتزام بالنصوص ، والالتزام ، حتى ، بالسلبيات ، التي مارستها أجهزة دولة مصر الإقليمية ، وبات التكفير ، والتشهير ، متاحاً ، للقاصي ، والداني ، وغدت ، كل ، محاولة ، للفت الأنظار إلى الأخطار المحدقة ، بالأمة ، وتاريخها ، وتراثها ، وأرضها ، وأبطالها التاريخيين ، ومنهم جمال عبد الناصر ... أصبح كل ذلك "انحراف خطير" ... التصدي له ، أكثر أهمية ، من مواجهة ، الصلح ، مع "إسرائيل" ، ومن التصدي ، للتبعية الكاملة ، للولايات المتحدة الأمريكية ، اقتصادياً، وسياسياً ، و ..
( 15 )
محنة عربية .. ، شديدة القسوة .. ، كل ، ما فيها ، يذكرّنا ، بعصر الانحطاط ، بل ، أقسى ، هذه المرة ، فالأسلحة أكثر تطوراً ، الآن .. ، فالسياسة : سياسة طوائف عصر الانحطاط .. ، الفن والثقافة : " السح الدح انبو " .. ، الاقتصاد : اقتصاد ، ربوي ، يعتمد المقامرة ، والفهلوة ، والشطارة ، والفساد ،و ... ، الأرض ، القومية ، المقدسة : لم تعد مقدسة ، في ظل الواقعيات الجديدة ... الخيانة ، والتفريط : غدت ، مجرد وجهات نظر ... هناك ، حقوق مشروعة ، للشعب العربي الفلسطيني ، وبالتالي ، فإن هناك "حقوق لم تعد مشروعة للفلسطينيين" ... في ظل واقع ، كهذا ، هل ، يوجد عبد الناصر ، أو " ناصرية " ، تتصالح مع القوى ، التي تصنع هذا الواقع المأساوي ، وتشرف عليه .. ؟ !! ، وهل ، هناك أقل من الرفض ، ثم التنظيم ، ثم الحركة ، ثم إدارة الصراع ، ضد ، كل ، الأدوات ،والرموز ، التي صاغت ، وتصيغ ، هذا الواقع المناقض ، لكل ، ما أراد عبد الناصر ، أن يحققهّ ، في الوطن العربي ... ففي واقع ، أقل سوءاً ، من هذا ، نظمّ عبد الناصر ، خلايا للضباط الأحرار ، وكتب مناشير تحريضية ، ووضع خطط ، ونفذ انقلاب ، و ...
( 16 )
قد ، تفرض المتغيرات ، أسلوب جديد ، للمواجهة ، يختلف عن أسلوب عبد الناصر ، بل إنها تفرض ذلك حتماً ، لكن ، من ناحية ، تحقيق الأهداف في الواقع الموضوعي ، فإن المطلوب ، هنا ، هو ذات المطلوب ، هناك ،وهو : تغيير الواقع ، ثورياً بالمعنى الحضاري ، باتجاه الهدف الأخير ، الاستراتيجي ، الذي أطلقه جمال عبد الناصر " قبل أن يغيب ، أو يغيّب " ، وهو ، تحرير الأرض العربية ، وتوحيدها ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ،ورفع ،كل أشكال العدوان على الحقوق الأساسية للمواطن العربي ، وتحقيق ، التقدم ، والتنمية ، والاستقلال للشعب العربي ... لكن ، هل ، للادعاء ، بالتزام ، هذه الغاية ، أي معنى ، أو قيمة حقيقية ، دون العمل ، والتفكير ، والاجتهاد ، والممارسة المضنية ، والتضحية ، لبناء حزب ، ثوري ، قومي عربي ، تقدمي ، حقيقي ، بعيد عن الشكليات ، تخوض كوادره معارك الأمة ، والوجود ، والبناء ، والتحرير ، والوحدة ، بكافة الأسلحة ، من أول الأسلحة ، التي تفتك بالأعداء ،وتدفعهم خارج حدود الوطن ، إلى ، آخر الأسلحة ، التي تعيد بناء الإنسان العربي الذي ، يكاد ، أن يفقد الذاكرة ... لكن ، وفي نوادي الفكر الناصري ، كانوا يرفضون مصطلح حزب .. فليكن ، دعونا ، نقول : أداة ، تحالف ، مؤسسة ، تنظيم ، ... سمّوه ، ما شئتم ، المهم ، أنه " شيء ما " له ، حدود واضحة ، يختلف عن " الرخويات " السائدة ، على سطح الحياة السياسية العربية ... " شيء ما " ، قادر ، على الفعل ، والمواجهة . وهذا يعني ، أنه يجب ، أن تتوّفر فيه الحدود الدنيا ، من الشروط المطلوبة ، للمقدرة ، على الفعل الواقعي ، في مواجهة أعداء ، لا ينقصهم ، التطور ، والأدوات ، والخبرة .. فالقضية ، ليست شكلية على الإطلاق ، وعلى سبيل المثال ، هل يمكن ، أن نتصور بناء ، أداة ، لتحقيق ، هدف ، تغيير الواقع العربي ، ثورياً ، دون ، أن تكون ، هذه ، الأداة ، قومية تمتد ساحة فعلها ، وحركتها على طول الساحة العربية ، وعرضها ؟ ... هنا ، كان ينتفض البعض ، في نوادي الفكر الناصري : فالواقعية ، كما يعتقدون ، تفرض عليهم ، تجميع " الناصريين المصريين " توحيدهم ، تنظيمهم ، وتلبية حاجات الشارع المصري : سكن ، طعام ، لباس ، رخاء ، والالتحام ، مع معاناة الناس ، من ، أول ، رغيف العيش ، إلى أزمة السكن .. قلنا ،لكن ، أيها الأخوة : الظروف ، بعد عبد الناصر ، غيرها ، معه .. لقد ، كانت دولة مصر ، تتميّز ، بأن جمال عبد الناصر ،القومي العربي التقدمي ، يحكمها ، ويلجم سلبياتها ولو كان ذلك بحدود ... ، الآن ، أجهزة ، هذه الدولة ، تتجه بطريق معاكسة ، وبالتالي ، فإن ظروفاً جديدة ، لا بد من التعامل معها ... هناك فرق ، بين إصدار قرار ، وأنت على رأس أجهزة ، تضبط حركتها ، فتنفذه ، وبين اتخاذ قرار من سلطة مضادة تقود باتجاه التبعية في شتى المجالات ، وبالتالي المهام هنا مناقضة ، وهي النضال في مواجهة أجهزة سلطة ، تتناقض مع القرار الوطني ، والقومي ، والتحرري ، والتنويري ، وتصارع لإحباطه .
إننا إذن ، في مواجهة واقع جديد ... ثم : ألم يحن الوقت ، لتتحول القضية القومية ، من مجرد مشاعر ، وأفكار ، وتمنيّات ، إلى مؤسسات مقتدرة ، واقعياً ، على خوض المعارك الشرسة المفروضة من قوى متعددة الغايات ... ؟ ، ألم يحن الوقت ، لننظر إلى القضية القومية ، من وجهة نظر واقعية ...؟؟ ، لماذا ، هذا الانحياز ، لسائر أنواع الواقعيات ، في الوطن العربي ، من ، أول ، الواقعية الإقليمية ، إلى الواقعية ، في التعامل مع "إسرائيل" ...؟؟ ، وترفضون التعامل ، مع الواقعية العربية ، القومية ؟ ، لماذا ،هذا ، الإصرار ،العجيب ، على ، أن القضية القومية في الوطن العربي ، هائمة خارج الواقع ... ؟ ، وكأن أزمة رغيف العيش ، والسكن ، والتعليم ، والتحرير ، والتقدم ، والاشتراكية ، والديمقراطية ... ليست أزمات قومية ...؟؟؟ ، لماذا ، التوهمّ ، أو ، الإيهام ، بأنه من الممكن ، أن تحل ، تلك المشكلات ، كلياً ، أو جزئياً ، إلا في الإطار القومي العربي .. ؟ .
( 17 )
إن العرب ، جميعا ، لا يعرفون كيف يأكلون ، لأن التجزئة اتخمت البعض ، لدرجة التقيؤ ، وهي حالة مرضية .. وحرمت ، البعض الآخر ، من الحد الأدنى ، اللازم ، لاستمرارية الحياة ، وهي حالة مرضية ، أيضا ً ... إن التجزئة ، وضعت البعض ، في قصور ، وقلاع ، لا يعرفون كيف يعيشون فيها ، ولا كيف ، يتعاملون مع "الدارات الإلكترونية" المنتشرة على جدرانها ، وأبوابها ... وهي حالة مرضية ، وحاصرت ، البعض الآخر ، ليعيشوا في المقابر ، ويتعلمّوا التعايش ، مع الديدان ، التي ، تنخر عظام موتاهم .. وهي حالة مرضية أيضاً ... إن التجزئة ، وفرّت للبعض وسائل مواصلات ، فارهة ، متطورة ، وألبستهم ، آخر ، صرعات الأزياء ، ووفرت لأولادهم مقاعد ، في أرقى جامعات العالم ، وحاصرت ، البعض الآخر ، في وسائل للنقل ، كتب على أبوابها ،أنها ، مخصصة لنقل الأبقار ، والأغنام ، وتركتهم ، شبه ، حفاة ، عراة ... وأجبرت العديد منهم ، على أن ينزعوا حقائب المدرسة ، عن ظهور أولادهم ، ويستبدلونها ، بصناديق مسح الأحذية ، وبيع اليانصيب ، والدخان المهرب ... ومن ، ثم ، أشياء أخرى .. ؟ !! .
( 18 )
التجزئة ، إذن ، ليست ، "فعيلة" ، هائمة ، على سطح الحياة العربية ، إنها فعل معاد ، مركب ، شديد التعقيد ، يعزل الإمكانيات المادية ، للأمة ، عن الإمكانيات البشرية ، فيها ، فتذهب الأولى ، ترفاً ، وسفهاً ، وتفريطاً ، للأعداء ، وتحاصر ، الثانية ، لاهثة ، وراء لقمة العيش ، تتعثرّ ، في الحصول ، على النذر اليسير ، منها ، بعد ،أن تريق ، ما تبقى من ماء الوجه ، والكرامة ، ويملأها الشعور بالذل ، والإذلال ... ، أليس ، هذا الواقع ، هو الذي فتح عيني جمال عبد الناصر ، على ضرورة ، وواقعية السعي ، والنضال ، لتحقيق ، هدف الوحدة العربية ، وبناء الدولة العربية الواحدة .. ؟
ثم ، هل كان جمال عبد الناصر ، يبحث ، عن إمبراطورية ، يتربّع على عرشها ؟ ، أم ، كان ، يبحث ، عن ، الاستقلال ، والكفاية ،والعدل ، والتحرر من التبعية ، وتحرير الإمكانيات القومية ؟، وهو يتحدث ، عن الوحدة العربية ..
وللأسف الشديد ،فإن الجواب ، كان : إن هذا الكلام ، نظري ، فالمّلح ، الآن ، واقعياً ، هو ، تنظيم الناصريين المصريين ، على حدة ، وكذلك اللبنانيين ، والسوريين ، واليمنيين ، وإلى آخرهم ، بعد رفع شعارات ، تلبي حاجاتهم ، الملحة ...
لكن ، أيها الأخوة ، هكذا قلنا للأخوة في نوادي الفكر الناصري ، لن تستطيعوا ، إقليمياً ، تلبية ، أي ، من الحاجات الملحة ، للجماهير العربية ، في مصر ، أو غير مصر... فلماذا ، هذا الإصرار ، على تكرار التجارب الفاشلة .. ؟ ، ففي ظل هذا المنطق ، تشكلت مجموعات ، وشلل " ناصرية " ، في الإقليم الشمالي ، لم تعجز ، عن استعادة ، الجمهورية العربية المتحدة ، وحسب ، وإنما عجزت ، عن تلبية ، أي ، من الحاجات الملحة ، لعرب سورية ، وتحولت ، موضوعيا ، إلى جزء ، من الإشكاليات السلبية ، التي فرزها الانفصال ، وهي ، الآن ، في المواقع ، والمواقف ، التي تعرفون ... وفي لبنان ، أيضا ، تحدث " الناصريون " ، لنا ، عن خصوصية الوضع اللبناني ، وأنهم سيحررّون لبنان ، أولاً .. وهم ، الآن ، في المواقع ، التي تعرفون ... و "ناصريو" ، فلسطين ، واليمن ، والخليج ، والمحيط ،لم يكونوا أسعد حظاً . فلماذا لا نستفيد من التجارب .. ؟ : ثم ، أليس العزوف ، عن تكرار التجارب الفاشلة ، "قانون ناصري" .. ؟! ، المهم ، أن تلك الحوارات في نوادي الفكر الناصري ، وعلى هامشها ، انتهت إلى ، اللا جدوى ، ولا نتيجة ، وتفرّق ، أبطال ، تلك الحوارات ، في مسالك مختلفة ، وبعضهم ، سطرّ الكتب ، فيما بعد ، ليخلع ألقاب "الناصرية" ،على البعض ، وينفيها ، عن البعض الآخر ، ثم سارت الأمور ، في الواقع العربي ، إلى المنحدر ، الذي نعيش ... وأحس ، الذين ، لا يجيدون الاشتراك في هذا " الهزل " السائد ، والذين ، لا يجيدون ، التلهي ، بالاشتراك في تلك الحركات الكرتونية "بينما وطنهم مباح ومستباح" ... هؤلاء ، ونحن منهم ،غمرهم الإحساس ، أن البساط ، ُسحب من تحت أقدامهم ، فاعتزلوا ، وانعزلوا ، عن الكثير ، من المماحكات الفارغة ، ورفعوا شعار : إذا ، لم يكن من الممكن ، صياغة الايجابيات ، فلنمتنع ، عن المساهمة ، في صناعة السلبيات ... ولنمّيز ، أنفسنا ، على الأقل ، عن بعض " الأنماط الناصرية " التي طفت ، على السطح ، تتجّر ، بجمال عبد الناصر ، والبعض منها ، تبيع نفسها ، وتبيع جمال عبد الناصر ، لمن يدفع أكثر ..، وأنماط أخرى تتمتع بالصدق ، والنوايا الحسنة أبقت على ولاءها العذري لجمال عبد الناصر ، لكن مع عجز مطبق عن ترجمة ذلك الولاء إلى فعل إيجابي على الطريق الصحيح !!
( 19 )
هكذا ، استمر الليل العربي ، الحالك السواد ... تنطلق ، في حلكته ، بعض الشهب ، التي تضيء الظلمة ، للحظات .. لكنها سرعان ، ما تخبو ، لأنها ، تفتقد عنصر الضبط ، والربط ، والتنظيم ، والتخطيط الاستراتيجي ، المنتظم ، المتصاعد ، أبدأ ، باتجاه ، تحقيق الأهداف المحددة : عربي من ريف مصر – سعد إدريس حلاوة – يؤذن بالناس ، رافضاً الصلح ، مع " إسرائيل" ، ويرتفع الأذان ، إلى ، أن ترتفع روح الشهيد .. ثم ، مجموعات من الشباب العربي ، تتحول إلى ألغام ناسفة ، تطارد الصهيونية .. ثم ، سليمان خاطر ... ثم ، مجموعة ، من الرماة العرب ، يصرعون الرئيس السادات ، في ، مشهد تاريخي ... ، ثم ،أطفال فلسطين ، الذين ، أنتجهم شعب فلسطين ، بكثرة ، في السنوات الأخيرة ، يشهرون الحجارة ، في وجه الاحتلال .. ، ثم ، رافضون ، هنا ... متمردون ، هناك ..... بين المحيط والخليج ... إنها شهب ، لكنها ، ليست من فراغ .. إنها مترابطة الحلقات ، فيما بينها ، رغم التباعد الجغرافي ، والتباينات التنظيمية ...
إنها ، صرخات المخاض ، التي تتصاعد ـ كلما اقتربت الولادة ، والأمة العربية ـ بعد السقوط الأخير ، للقوى ، التي هيمنت على الحياة العربية ... هذه الأمة ، تقترب ، من لحظة إنتاج ، صادات الدفاع ، عن الوجود ، المهدد ، تهديداً شديداً ...
من ، هنا ، جاء ، هذا الاهتمام الشعبي ، بنشاط ، أبطال "ثورة مصر" ، تلك المجموعة ، السرية ، التي لاحقت "الإسرائيليين ، والأمريكيين" في مصر ، فتصرع بعضهم ، وتصيب البعض الآخر ، ثم تختفي ، بصمت ، إلا ، من بيانات ، مقتضبة ، تتحدث عن الأعداء ، الذين استهدفهم الرصاص ، وعن الاستقلال ، والتحرر، والأمة العربية الواحدة ... تميزهمّ علامات هامة ، أهمها :
1- يمارسون " الانتماء لجمال عبد الناصر " ولا يتجّرون بـ " الناصرية " .
2- أعداؤهم ... ، هم ، هم ، أعداء جمال عبد الناصر ، الاستراتيجيين .
3- أهدافهم ... ،هي ، هي ، أهداف جمال عبد الناصر ، الإستراتيجية .
لكن ، محدودية الأسلوب ، أدت إلى محدودية النتائج ، وهذه مسؤولية ، لا تلقى على عاتقهم ، وحسب ... ، وإنما ، هي ، مسؤولية مشتركة ، على "كواهل" ، كوادر حركة التحرر العربية ، جماعات ، وأفراداً ، بين ، المحيط ، والخليج .
( 20 )
هذا ، يقودنا ، للحديث ، عن جمال عبد الناصر : .. الإستراتيجية ، والتكتيك ...؟ .
ورغم ، أن هذا الحديث ، يضيق ، عن الإجابة الوافية ... إلا ، أننا ، سنضع فرضية ، ندعّي ، أنها صحيحة ، على طول الخط ، تقول : أن جمال عبد الناصر ، الذي قلب نظام الحكم ، في دولة مصر ، بحثاً عن الاستقلال ، والتحرر ، من التبعية الاقتصادية ، والسياسية ، واحترام سيادة دولة مصر ، على أرضها ، وشعبها ، وتحقيق برنامج ، إصلاحي ، تنموي ، في ظل عدالة اجتماعية ، وتكافؤ للفرص ... وجد ، نفسه ، في مواجهة ، مخططات ، وقوى استعمارية ، ومحلية ، منتشرة ، بين المحيط ، والخليج ، وأن مصر ، بالنسبة ، لتلك المخططات ، هي جزء من منطقة " الشرق الأوسط " الهامة ، اقتصاديا ، واستراتيجيا ... وأن ، أصحاب ، تلك المخططات ، على استعداد ، للخوض ، حتى في ، خراب ، الحروب النووية ، دفاعا عن الخطوط ، التي رسموها دولاً فعلية ، على خارطة الوطن العربي ، لاستنزاف الثروات العربية ، التي تم تجييّرها ، من ثروات للأمة العربية ، إلى مكاسب ، لأصحاب تلك المخططات ، يقاتلون دفاعاً ، عنها ، ضد أصحاب تلك الثروات ، العرب ، من جهة ، وحتى ضد ، أي ، طامع آخر فيها ، من دول غريبة أخرى " أياً كان " ، من جهة أخرى .
وهكذا ، فإن وعي جمال عبد الناصر ، لمجمل هذه الحقائق ، وما يترتب عليها ، جعله يخوض معارك التحرر العربي ، وهو يقاتل ، ويناضل من اجل استقلال ، وسيادة دولة مصر ...
فحلف بغداد ، والقواعد العسكرية الأجنبية ، المنتشرة بين المحيط ، والخليج ، و"دولة إسرائيل" الصهيونية ، وخريطة " سايكس – بيكو " ، وغيره كثير .. ، هذا كله ، لا يمّثل أوضاعاً خارج مصر ، وإنما يمثل ، أوضاعا ، وقوى تتحكم ، سلباً ، بأية ، محاولة لتطوير مصر ، وتحريرها ... وهكذا ، وجد جمال عبد الناصر ، نفسه ، في خضم معارك التحرر العربي ، يخوضها رافضاً ، المشاريع المعادية ، رغم خطورة ما يترتب على هذا الرفض ، من نتائج ، فأصبح رمزاً للنضال العربي ، وتحّول ، ليكون ، ذلك البطل العربي للشعب العربي كله ، الذي تحيطه الدموع ، والأفراح ....
( 21 )
نحن ، إذن ، أمام قائد ، شعبي ، ثائر ، بجماهيره ، بين المحيط ، والخليج . وساحة نضاله ، هي الأرض العربية ، كلها ، تخطىّ الحدود ، والخرائط المرسومة ، وعدّل الصورة المقلوبة ، في الوطن العربي ، لتكون ، وحدة أرض الأمة ، ووحدة شعب الأمة ، هو الأساس ، وأن التجزئة طارئة ، مصطنعة ، فانحدر الخط البياني ، للإقليمية ، والطائفية ، والعائلية ، والعنصرية ، في الوطن العربي ، وأضحى ، شيوخ تلك الطوائف ، ورموز تلك العائلات ، والأقاليم ، وأصحاب الدعوات العنصرية ، العرقية .. باتوا معزولين ، بعد أن تجاوزتهم الجماهير العربية ، التي كانوا يتوهمّون أنها جماهير طوائفهم ، أو أقاليمهم ، أو عائلاتهم ، فهرولوا بدورهم ، إلى جمال عبد الناصر ، علهّم يلحقون الركب ... كل ، هذا ، وأكثر ، من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن جمال عبد الناصر ، هو حاكم ، لدولة مصر ، الإقليمية ، التي ، هي جزء من ، الكل ، العربي ، أرضاً ، وشعباً ... ، ومن الناحية الموضوعية ، أحسّ جمال عبد الناصر ، بالتناقض ، بين طبيعة ، وتوجهات أجهزة الدولة الإقليمية ، وبين طبيعة ، وتوجهات ، ومستلزمات النضال القومي العربي التقدمي ، وقد تصوّر جمال عبد الناصر ، أن وجوده ، في الموقعين " أي كونه قائد النضال القومي العربي التقدمي ، وحاكم دولة مصر في الوقت ذاته " ، يحلّ هذا الإشكال ، وتصور ، أنه يستطيع ، أن يوّفر ، للنضال القومي العربي ، قاعدة قوية للانطلاق ، باستخدام أجهزة دولة مصر ، وإمكانياتها في معارك التحرر العربي ، وقد فعل " رحمه الله " ، كل ما يستطيع ، لتطويع أجهزة تلك الدولة الإقليمية ، لخدمة الأهداف القومية ... لكن ، أجهزة الدولة الإقليمية ، ليست مؤهلة ، موضوعياً ، للعب هذا الدور ، بل ، لا يمكن ، إلا أن تكون ، معادية له ، وهذا هو الموقف الذي انقلبت إليه فور غياب جمال عبد الناصر ...
فالدولة الإقليمية ، بكل ، أجهزتها ، وقواها ، هي النقيض ، على طول الخط ، لأي نضال قومي عربي ، وهي أجهزة شديدة التعقيد ، ُصممّت ، وُدججّت بالسلاح ، لإجهاض ، أي نضال قومي عربي ، ثوري ، جذري ، لأن نجاحه ، يعني زوالها ، وأن تلك الأجهزة ، لا يمكن ، إلا أن تؤدي هذا الدور المخرّب ، حتى ، ولو اعتلى ناصيتها ، قائد قومي ، فذ ، كجمال عبد الناصر ، فهي تنصاع له ، في أوقات قوته ، وانتصاره ، وتحاول تطويعه ، واحتوائه ، وإذا لم تنجح ، تنقلب عليه ، تلك الأجهزة ، في أقرب فرصة ، ممكنة .. وهذا ، بالضبط ، ما حصل بين جمال عبد الناصر ، وأجهزة دولة مصر ... تلك الأجهزة ، التي انقلبت على جمال عبد الناصر ، وانقادت لنقيضه ، في ضرب ، كل ، الإنجازات القومية ، التي حققها ، بل ، وحتى ، في ضرب الانجازات المحلية ، المصرية ، على صعيد التنمية ، والاستقلال الاقتصادي المصري ، وهذا ، ما يؤكد حتمية العلاقة بين التنمية ، والاستقلال ، في أي قطر عربي ، من جهة ، وبين النضال القومي العربي ،التوحيدي ، من جهة أخرى ، وبالمقابل حتمية العلاقة ، بين التخلف ، والتبعية ، في أي قطر ، من جهة ، وبين واقع التجزئة ، وأجهزة التجزئة ، الإقليمية ، من جهة أخرى ، وإذا كانت السلطة الإقليمية في مصر قد فشلت في تطويع جمال عبد الناصر ، فإن السلطات الإقليمية في أكثر من قطر عربي طوّعت الكثير من القوميين العرب ، وحولتهّم إلى أصنام إقليمية .
( 22 )
ونحن ، سنضع فرضية أخرى ، وسنحاول ، أن نثبتها ، على طول الخط ، أيضاً ، تقول : أن ، كل ، الأخطاء ، والانحرافات ، والمآسي ، والانتكاسات ، التي نسبت إلى جمال عبد الناصر ، هي ، في حقيقة الأمر ، أخطاء ، وانحرافات ، ومآسي ، وانتكاسات الأسلوب الإقليمي ، والأجهزة الإقليمية ، وإنها ، ُتنسب إلى تلك الأجهزة ، في حقيقة الأمر ، لا ، إلى قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، ونهجه التوحيدي .
إن هذا يعني ، أن جمال عبد الناصر – القائد القومي العربي ، التقدمي ، وأهدافه الإستراتيجية ، التي أعلنها ، وسعى ، لتحقيقها ، والتي ، بات ، بتبنيّه لها ، قائداً جماهيرياً ، للأمة العربية ... هذه الأهداف الإستراتيجية ، هي المعنية ، بالانتماء إليها ، والدفاع عنها ، والبحث ، والسعي ، والعمل ، والممارسة المستمرة ، لتحقيقها ، وإن ، على الكوادر الثورية العربية ، النهضوية ، التنويرية، عبء النضال ، والتضحية ، لبناء الأداة القومية الثورية ، القادرة ، وحدها ، على تحقيق تلك الأهداف ... المهم ، أننا ، نريد القول ، بأكبر قدر من الحسم ، أننا ، معنييّن ، بخط عبد الناصر ، الاستراتيجي ، الذي التفتّ حوله الجماهير الشعبية ، العربية ، فهذا هو الجوهر ... أما ، الأسلوب الإقليمي ، وموقع الضرورة ، الذي ترتبّ على كون جمال عبد الناصر ، حاكماً لدولة مصر الإقليمية ، وما رافق ذلك ، من إحباطات ، وقرارات تكتيكية ، محكومة ، بعجز الدولة الإقليمية ، من ، أول القبول ، بالوجود الدولي ، في "مضائق تيران" عام 1956 ،إلى قبول "مبادرة روجرز" ، وما رافق ذلك ، من إحباطات ، ونتائج سلبية ، فهذا ، كله ، منسوب إلى الأجهزة الإقليمية ، وطبيعة الدول الإقليمية ، بينما ،عرب الأرض ، والتاريخ ، وعبد الناصر ، ليسوا ، معنيين ، لا بتبنيّه ، ولا بالدفاع عنه ، بل ، إن هذا ، كله ، يندرج تحت بند العجز الإقليمي ، والجرائم الإقليمية ، التي ترتكبها السلطات الإقليمية – أيا ، كان ، حاكمها – بحق النضال القومي ، التقدمي ، العربي ، ونحن ، ندعّي أن التناقض بين أهداف جمال عبد الناصر ، وخطه الاستراتيجي القومي التقدمي ، من جهة ، وبين أجهزة دولة مصر الإقليمية ، وأجهزة الدول الإقليمية الأخرى ، في الوطن العربي ، وصل ذروته ، عندما ، لم تتمكن الأجهزة الإقليمية ، من احتواء جمال عبد الناصر ، فعاثت فساداً ، من أول ، إفساد ، وتخريب دولة الوحدة – الجمهورية العربية المتحدة – إلى ، أن خذلته ، حتى ، في معركة الدفاع عن الإقليم المصري ، في الخامس من حزيران " يونيه " 1967 .. إلى ، أن قتلته ، وعكست الاتجاه ، تماماً ، فيما بعد ...
( 23 )
أردنا ، مما تقدم ، أن نحدّد علاقة جمال عبد الناصر ، بالدولة الإقليمية ، وأن ، نفرز ، بأكبر قدر ، من الوضوح الممكن ، ما ، لعبد الناصر ، كقائد قومي ، للأمة العربية ، وما ، للدولة الإقليمية ، وأجهزتها ، من أفعال ، لنرّتب ، على هذا ، كله ، الموقف ، الذي ، ندعّي ، أنه صحيح ، من السلطة الإقليمية ، ومن جمال عبد الناصر .
في 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ، فقدنا ، جمال عبد الناصر ... وشهد العالم ، كله ، الأمة العربية ، وهي تبكي الرحيل ... حتى ، أعداء جمال عبد الناصر ، في الوطن العربي ، انتحبوا ، حزناً عليه ... وهذه ، إحدى صفات القائد التاريخي لأية أمة من الأمم ... ، الذين ، أحبوه – انتحبوا عليه ، حزنا ، لأنهم ، كانوا يعتمدون عليه ، في تحقيق أهدافهم الكبرى ... صحيح ، أنهم ، لم يعرفوا ، كيف يخوضون المعارك ، معه ، لكنهم كانوا ، بين المحيط والخليج ، يلقون على كاهله ، عبء تحقيق أهدافهم ...
والذين ، نصبّوا من أنفسهم ، أعداء له ، في الوطن العربي ، وجدوا أنفسهم ، وكأنهم ، في العراء ، لقد ألقوا ، على كاهل جمال عبد الناصر ، كل سلبيات ، وأسباب الانتكاسات العربية ... ، لكنه ، في الضمير الشعبي ، الموروث ، هو حامل الراية ... صحيح ، أن هؤلاء ، سيفيقون ، بعد قليل ، لاستئناف الهجوم على عبد الناصر ، بل وسيحّملونه نتيجة ما يجري ، من أحداث بعد غيابه ، لكن اللحظة التاريخية ، ستكون ، قد سجلت الحدث ، وما ترتبّ عليه .
المهم ، أنه ، بعد 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ، لم يعد جمال عبد الناصر ، حاكماً ، لدولة مصر الإقليمية ؟ ، وهنا ، كان لابد ، من فرز الموظفين ، الذين خدموا تحت أمرة جمال عبد الناصر في دولة مصر الإقليمية ، بالإضافة ، إلى أولئك ، الذين كانوا يدعوّن قرباً من جمال عبد الناصر ، في الوطن العربي ، بحثاً عن " الوجاهة " ، لدى الجماهير العربية .
الآن ، فرز ، كل ، هؤلاء عن الكوادر الثورية ، التي ، لم تكن معنية ، بتحقيق المكاسب ، عن طريق القرب من عبد الناصر ، ومن أجهزة الدولة الإقليمية ، وإنما كانت معنية ، بالفكر ، والجهد ، والحركة ، بالبحث عن الطرق ، والأدوات الضرورية ، لتحقيق الأهداف الإستراتيجية ، للأمة العربية ، التي ، أصبح جمال عبد الناصر ، بتبنيه ، لها ، والنضال من أجل تحقيقها ، بطل الأمة العربية ، القومي .
بالمعنى الأول ، أي ، كون جمال عبد الناصر حاكماً لدولة مصر الإقليمية ، وصاحب نفوذ ، لدى الجماهير العربية ، التفّ حوله ، وحول الأجهزة الإقليمية ، أشد الانتهازيين ، نفاقاً ، في مصر ، والوطن العربي ، يكيلون له المدائح ، ويقيمون التماثيل ، لشخصه ، وينصّبون ، من أنفسهم ، أولياء "الناصرية" ، دون أن يقدمّوا ، أي ، فعل إيجابي حقيقي ، لدعم المسيرة النضالية ، لجمال عبد الناصر ، وإنما شّكلوا ، في أغلب الأحيان ، حواجز ، تمنع التواصل الثوري ، بين جمال عبد الناصر ، وبين جماهير الأمة ، حتى ، أنهم تحولوا ، إلى أجهزة تشكيك ، بالمناضلين العرب ، الحقيقيين ، فالمطلوب ، بالنسبة إلى تلك الأجهزة ، والجماعات ، هو البحث عن المخبرين ، وليس البحث عن المناضلين ... هؤلاء ، على شتى مشاربهم ، ومواقعهم ، في أجهزة الدولة ، وفي أجهزة الأحزاب ، والمجموعات ، التي حملت لوحة " الناصرية " في الوطن العربي ، كانوا ، عبئاً ، على عبد الناصر ، خلال حياته ، وتحولوا ، إلى عبء ، أكبر ، على مسيرة النضال العربي ، بعد غيابه ... لقد اتجرّوا ، به ، حياً ، ويواصلون ذلك ، ميتاً ...
وإذا ، كان من الظلم أن نعمّم هذا الحكم ، على الجميع ، فإنه ، من الإنصاف ، أن نعترف ، بحسن نوايا البعض ... لكن العجز ، عن الفعل الإيجابي ، لهذا البعض ، كان قاتلاً .
لقد ترك جمال عبد الناصر ، دولة مصر الإقليمية ، بيد مجموعة ، أخلصت له ، علهّا تستطيع المحافظة على ما تحقق ، على الأقل ... ترك ، بيد تلك المجموعة ، قيادة الجيش ، والقوات المسلحة ، وقيادة المخابرات العامة ، وقيادة مباحث أمن الدولة ، ووزارة الداخلية ، وقيادة الإعلام ، وقيادة التنظيم الطليعي ، وقيادة الاتحاد الاشتراكي ، ومنظمة الشباب الاشتراكي ، وقيادة القطاع العام ، وقيادة مجلس الأمة ، وقيادة المكاتب الخاصة ...
وإذ ، بهذه المجموعة ، من الموظفين ، وبلمح البصر ، تضيّع ، كل شيء ، بمهارة فائقة قلّ نظيرها في التاريخ البشري ...
هناك ، فرق كبير ، إذن ، بين ، الذين يصلحون ، لتنفيذ القرار الصحيح ، وبين الذين يملكون مؤهلات اتخاذ القرار الصحيح ، في الوقت الصحيح ...
( 24 )
ونحن ، لا نقول هذا ، تهجّماً ،على أحد ... بل ، إننا نتعاطف معهم ، ونجد في مواقف الوفاء لجمال عبد الناصر ، عند البعض منهم ، ما يستحق التقدير ، والاحترام .. لكن ، هذا كله شيء ، وقضية بناء أداة الثورة العربية ، شيء آخر ... ولنؤكد ، في الوقت ذاته ، على حقيقة من المفترض أنها أصبحت واضحة للجميع :
إن جمال عبد الناصر ، كحاكم لدولة مصر ، وكقائد قومي للأمة العربية ، حاول أن يسّخر الدولة الإقليمية ، لخدمة النضال العربي ... وبغض النظر ، عن حجم ، الإخفاق ، والنجاح ، فإن جمال عبد الناصر ، منذ 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ، لم يعد حاكماً لدولة مصر ، وبالتالي ، فإن الكوادر الملتزمة ، بأهداف الأمة العربية ، التي تبّناها جمال عبد الناصر ، لم تعد تحكم دولة مصر ، ولا غير مصر ، مما يترّتب عليه ، أن " الناصرية " لم ، تعد تعني ، منذ عام 1970 الالتزام ، بأسلوب السلطة الإقليمية ، الذي استخدمه عبد الناصر ، في معاركه ، فهم ، لا يملكون ، أجهزة الدولة : لا مخابراتها ، ولا جيشها ، ولا ، إتحادها الاشتراكي ، ولا تنظيمها الطليعي ، ولا قطاعها العام ، ولا .. إلى آخره .
وإنما ، أصبحت ، جميع تلك الأجهزة ، في الخندق الآخر المضاد ... كما ، أن هذا يعني ، وبأكبر قدر ، من الوضوح ، أن استخدام تلك الأساليب ، تنظيمياً ، أو فكرياً ، لا يصلح لخدمة الأهداف الإستراتيجية ، للنضال العربي ، والتي تبناها جمال عبد الناصر .
فتلك الأساليب ، كانت مرتبطة ، بانصياع الدولة الإقليمية نسبياً، لقرارات القائد القومي ، الذي ، هو جمال عبد الناصر ، والذي من العبث التفكير ، بأن ، أي أحد ، يستطيع أن يعيد التجربة .
لقد عاد جمال عبد الناصر ، منذ عام 1970 ،إلى ضمير أمته ، التي تعاني ، من أوضاع ، شديدة الشبه ، بالأوضاع ، التي كانت سائدة قبل عام 1952، بل أكثر سوءاً بما لا يقاس ، وأكثر سلبية من حيث الحريات العامة ، والاستبداد ، بالناس ، وحيث الأوضاع الفوقية ، تفرض أنواعاً ، شتى ، من العدوان ، المعقد ، والمرّكز ، على جماهير الأمة العربية ... وإذا كان جمال عبد الناصر ، في ، مثل هذه الظروف ، قد فكرّ ، بالتنظيم ، والتخطيط ، والثورة ، على صعيد مصر ، فإن جمال عبد الناصر ، "الناصرية" ، المفترض ، منذ السبعينات ، والثمانينات ، في القرن المنصرم ، إلى الآن ، وإلى ما يأتي من الأيام ، ليس ، معنياً ، بأقل ، من التنظيم ، والتخطيط ، والثورة ، على صعيد الوطن العربي ، مستفيداً من التراكم النضالي ، الذي حصل ، ومن التجارب المرة ، التي نرى حصادها ، في كل مكان ، من الأرض العربية ... وفي مثل هذه الظروف ، لن يلتق جمال عبد الناصر ، بحاكم مصر ، أو غير مصر، ولن يبرّر له ،ولا لسواه ، ما يفعل ، وما يفعلون ، ولن يتزعّم شلة ، أو مجموعة عاجزة عن الحركة ، والفعل الحقيقي ،ولو كانت تحمل أسم "الناصرية" .
ولن يشترك في جبهة مع أية سلطة إقليمية في الوطن العربي تستبد بجزء من الشعب العربي ، ولن يشكل حزباً ، شكلياً ، يبيعه لمن يشتري ... وإنما ، كان ، سيحرّض ، وينظمّ ، ويفكرّ ، ويناضل ، ويقاتل ، في سبيل ، كيف يغيّر الواقع العربي ، ثورياً ،باتجاه النهوض ،والتنوير ،ومقاومة غزاة الخارج ، والمستبدين ،والطغاة في الداخل ... وجمال عبد الناصر ، المفترض ، في هذه "الناصرية" المفترضة، منذ السبعينات ، والثمانينات ، وإلى ما يأتي من الأيام ، هو ذلك كله ، وأكثر ، مضافاً إليه ، خبرة النضال ، والتجارب المرة حتى لحظة الميلاد المنتظر .
هكذا يمكن فرز المواقف النضالية التي يمكن نسبتها إلى جمال عبد الناصر :
أولاً – نحن ، ندعّي ، أن هناك علاقة جوهرية ، وثيقة ، بين ما نسب إلى مجموعة "ثورة مصر" التي ضمّت خالد جمال عبد الناصر ، ورفاقه ، من أفعال ، وبين الخط الاستراتيجي ، للقائد القومي جمال عبد الناصر .
ثانياً – إن محدودية النتائج ،هنا ، مرتبطة بمحدودية الأسلوب الإقليمي ، فالمطلوب ، ليس، الالتفاف الجماهيري ، العربي ، حول الممارسات النضالية ، وإنما ، توسيع ساحة النضال ، والمقاومة لتشمل الساحة العربية عبر الاشتراك الجماهيري العربي ، في النضال ، والممارسة ...
ثالثاً – إن أصحاب "الناصريات" إياها ، الذين يشكلوّن تجمعات شللية بدون برامج مستقبلية آن لهم إخلاء الساحة للجماهير العربية المناضلة ، المعنية ، أولاً ، وأخيراً ، بتقييم ما جرى ، والتفاعل معه ، للانتقال إلى خطوة أرقى ، وأكثر فاعلية ، ومقدرة ، على مواجهة الظروف ، والمستجدات ، بالغة التعقيد .
رابعاً – لقد أثبتت المواجهات ، والأفعال ، التي ُنسبت إلى مجموعة "ثورة مصر" الفدائية ، والتي ضمت خالد جمال عبد الناصر ، ورفاقه ، أن مقاومة ، ما يجري ، من أفعال معادية ،ينفذهّا الغزاة ،والطغاة ، ممكنة ، بأسلوب محدود ، فكيف إذا تطور الأسلوب ، ليشمل ساحة المعركة ، كلها ،وهي ساحة الأمة العربية .
خامساً – لقد ، آن الأوان ، لينفضّ سوق الاتجّار بجمال عبد الناصر ، واختلاق أشكال مشوهة ، من العمل السياسي ، ُتنسب إليه . فجمال عبد الناصر ، رجل ، رافض ، مقاوم ، للواقع العربي المجزأ ، والتابع ، والمستلب ، وبالتالي ، من العبث ، الإدعاء ، بالاقتداء ، به ، من الذين لا يقاومون ، جدياً ، لتغييّر ، هذا الواقع ، عبر انتفاضة شاملة في شتى المجالات ..... .
سادساً – لهذا كله ، لابد من تبيان الخط الاستراتيجي ، النضالي ، لجمال عبد الناصر ، وتحديد إطاره ، من ، أول الأهداف ، إلى آخر الأساليب ، وفرزه ، عن خط الضرورة ، والمرحلية ، الذي تمثل ، في كون جمال عبد الناصر ، حاكماً ، لدولة مصر ، وما ترتب على ذلك ، من وسائل ، غير قادرة ، على حمل مسؤولية النضال القومي العربي التقدمي ، إلى غايته ، وأهدافه .
( 25 )
لقد حدّد جمال عبد الناصر ، في البدايات .. في فلسفة الثورة ، هذه المعاني ، عندما قال : " إن قصص كفاح الشعوب ، ليس فيها فجوات ، يملؤها الهباء ، وكذلك ، ليس فيها مفاجآت تقفز إلى الوجود ، دون مقدمات .
إن كفاح ، أي شعب ، جيلاً ، بعد جيل . بناء مرتفع ، حجراً ، فوق حجر ، وكما أن كل حجر في البناء ، يتخذ من الحجر الذي تحته ، قاعدة يرتكز عليها ، كذلك الأحداث ، في قصص كفاح الشعوب ، كل حدث ، فيها ، هو نتيجة لحدث سبقه ، وهو في نفس الوقت مقدمة ، لحدث مازال في ضمير الغيب ... "
إن ولادة فكرة الثورة ، في ذهن جمال عبد الناصر ، كما حاول أن يحددّها في " فلسفة الثورة " أبعد من حادث نادي الضباط ، وحريق القاهرة ، وحرب فلسطين ، وحصار الفلوجة ، ومظاهرات طلبة الإسكندرية ... إن بذورها ـ كما قال : " ولدت في أعماقنا حين ولدنا ، وأنها كانت أملاً مكبوتاً خلقه في وجداننا جيل سبقنا .. " ، ويضيف : " .. لم يكن الذي حدث يوم 23 يوليو تمرداً عسكرياً ، وفي الوقت ذاته لم يكن ثورة شعبية .. " ، ثم يعبّر عن حالة الإحباط التي تلت حدث 23 يوليو"تموز" ، فيقول : " لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة ، وأنها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور ، فتندفع الأمة وراءها صفوفاً متراصة منتظمة تزحف زحفاً مقدساً إلى الهدف الكبير ... وكنت أتصور دورنا على أنه دور طليعة الفدائيين ، وكنت أظن أن دورنا هذا لا يستغرق أكثر من بضع ساعات ، ويأتي بعدها الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير ... ، ثم فاجأني الواقع بعد 23 يوليو ... قامت الطليعة بمهمتها ، واقتحمت سور الطغيان ، وخلعت الطاغية ، ووقفت تنتظر وصول الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير ... وطال انتظارها .. لقد جاءتها جموع ليس لها آخر .. ولكن ما أبعد الحقيقة عن الخيال . كانت الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة ، وفلولاً متناثرة تعّطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير ، وبدت الصورة يومها قاتمة مخيفة تنذر بالخطر ... " ، هل من يتمّعن في تلك الكلمات ؟ ، وهل مازلنا في الانتظار ؟
هكذا كانت البدايات ... وتطور الأمور ، بعد ذلك ، معروف ، لكن ، جمال عبد الناصر أحسّ منذ اللحظة الأولى : " أن الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة ، وفلولاً متناثرة كانت تعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير " ، ونحن ، نقول ، الآن ، وبعد التجربة المرة ،أن الفلول المتناثرة ، ما زالت ، إلى ، الآن ، تعطل هذا الزحف ... لقد كانت الجماهير العربية ، الأتكالية على جمال عبد الناصر ، تنتظر منه ، أن يفعل كل شيء بمفرده ... تصورت ، أنه قادر على فعل كل ما تريد ، وأنه مسئول عن تحقيق ، كل ، ما تريد ... وعندما ، لم يستطع ، أن يحقق لها ، كل ، هذا الذي تريده ، انكفأت خائبة ، فحدث الفراغ ، الذي ملأه الأعداء .
ثم ، لنفترض ، أن هذه الحالة ، ترافق دائماً ، وجود البطل التاريخي ، في الأمة ... لكن ، هذه الحالة ، كان يجب ، أن تنتهي ، فور غياب جمال عبد الناصر ، في عام 1970 ، ولكن الجماهير العربية ، لم تفعل ذلك ، إلى الآن ، فانتكست مسيرة الثورة العربية إلى النهوض ، والتنوير ، إلى "الدرك" الذي نعيش ... الآن ، لقد آن الأوان ، أن تنفضّ الجماهير العربية عن الفرجة ، على ما يجري ، فالمطلوب ، ليس ، تأييد أي أحد ، وليس ، الانفعال ، بما جرى ، ويجري ، المطلوب ، أكثر ، من ذلك ، بكثير ..
المطلوب ، من جماهير الأمة العربية ، من كوادرها الثورية ، الطليعية المناضلة ، أن تعرف ، وتخطط ، وتبني ، وتتحرك ، وتستخدم ، كل الوسائل ، والطاقات الممكنة ، للانتقال ، من مقاعد المتفرجين ، إلى الاشتراك ، في صنع ، وصياغة الأحداث ، في الوطن العربي ... فما جرى ، خلال السنوات التي تلت غياب جمال عبد الناصر ، كفيل ، بأن يضع ، كل عربي ، أمام مسؤولياته الجسام ، فالأمة تتعرض ، لأخطار جسيمة ، تتهدد الوجود ، أرضاً ، وشعباً ... ووسائل المواجهة التقليدية ، التي طغت على سطح الحياة السياسية العربية ، سقطت في الامتحان ... وبالتالي ، فنحن أمام ، لحظة فاصلة ، من تاريخ أمتنا ، لتفرز ، ما يجب ، لمواجهة ، كل هذا ، الذي يجري .
بهذا ، وبهذا وحده ، يكون الوفاء لجمال عبد الناصر ، وعبره إلى سلسلة الأبطال التاريخيين ، الذين تصدوا ، لموجات من الأعداء ، وفدوا إلى هذه الأرض ... والوفاء ، لن يكون ، إلا بالتصدي ، والمواجهة الجدية ، للموجة المعادية ، الراهنة .
أمّا ، كيف يتم ذلك ... وكيف تترجم ، هذه الكلمات ، إلى واقع ، بعد أن أتخمتنا الكلمات الجوفاء .. ؟ ، فهذا سؤال ، لم يعد ، لعربي ، الحق ، في أن يتهرب من الإجابة عليه ، فقد تراجعنا ، حتى الحائط ، وبالتالي ، لم يعد الهروب ، من المواجهة ، ممكناً ، فكل عربي مهدد . وكل أرض العرب مستباحة ، ومهددة ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com
أتى هذا المقال من الفكر القومي العربي
http://www.alfikralarabi.org/index.php
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alfikralarabi.org/index.p...ticle&sid=8380