منتديات الفكر القومي العربي

منتديات الفكر القومي العربي (www.alfikralarabi.net/vb/index.php)
-   حبيب عيسى (www.alfikralarabi.net/vb/forumdisplay.php?f=143)
-   -   على بساط الثلاثاء (www.alfikralarabi.net/vb/showthread.php?t=4551)

سليم حجار 08-30-2010 06:15

على بساط الثلاثاء
89



حبيب عيسى



خروج العرب من الفتنة
كمقدمة لدخولهم التاريخ






( 1 )

" الله أعلم حيث يجعل رسالته "
الأنعام (124) صدق الله العظيم
أعترف بداية أنني ترددت طويلاً بين موقفين : المقدرة على الصمت ، أو الشجاعة على الكلام في موضوع شائك كلما تهرّبنا من مواجهته ينتصب أمامنا حائطاً مسدوداّ كتيماً ، بيننا ، وبين التطور من جديد .

ذلك أنه حتى الصمت في هذا الزمن يحتاج إلى مقدرة ، وشجاعة خاصة ، لأن المطلوب الآن ليس مجرد السكوت عن هذا المنكر الذي يتم تفعّيله في مختلف مناحي حياتنا ، وإنما المطلوب أن نشارك فيه على عكس القاعدة الشرعية التي تفرض مقاومته .المطلوب أن ننخرط في أوحاله بالفعل ، أو باللسان ، أو بالقلب ، وهذا أضعف الواجبات " الشرق الأوسطية " التي يلزمنا بها النظام الإقليمي السائد في الوطن العربي ، على مستوى السلطات ، وعلى مستوى تفعيل عوامل التخلف والشقاق والنفاق مجتمعياً في الوقت ذاته ، بعد أن تم نشر أوبئة الفتن ، والفساد من كل نوع ، وفي سائر المجالات ، و الأنحاء بين المحيط والخليج .

أما الشجاعة على الكلام ، أو باللغة الفقهية ، أعظم الجهاد عن طريق الجهر بالحق في وجه جور السلاطين الذين يحكمون عالم اليوم و يعيثون فيه فساداً ، و إفساداً ، وتلويثاً ، و تخريباً ، ونهباً ، وفي وجوه المتاجرين برسالات السماء والأرض في قاع المجتمع العربي ، فإنني حقيقة لا أعرف إن كنت أملك بعضاً من تلك الشجاعة ، ذلك أن الكلام الذي يستحق أن ُيقال ، وأن ُيسمع بعد تلك السنوات من الأحلام ، والخيبات ، لا بد أن يكون مختلفاً، محدداً، حاداً كحد السيف ، ذلك أن الخلط في المفاهيم ، والغزارة في القصف الإعلامي الذي يستهدف عقولنا قد أوجد هذه الحالة النادرة في التاريخ من الاستلاب الحاد ، وهي أن ُيفرض على الأمة كلها أن تفكر بعقل أعداء الخارج ، والمستبدين القابضين على عنقها في الداخل ، وتسعى ، وكأنها عمياء ، لتحقيق أهداف أعداء مصيرها ، وتعتبر الوصول لما يريده هذا العدو انتصاراً ، يستحق المسيّرات ، و المهرجانات ، و ضجيج أناشيد النصر .

- ويل لأمة تفكر بعقل عدوها .

- ويل لأمة تسعى لتحقيق أهداف أعدائها .

- ويل لأمة لا تحترم دماء شهدائها .

(2)

ونحن لا نلقي الكلام جزافاً ، وإنما نعايش أدق تفاصيل الواقع ، وحقائق الأمور ، ومن هذه الحقائق أنه في أواخر القرن التاسع عشر وضع قراصنة أوروبا برنامجاً للقرن العشرين للسيطرة على العالم ، ونهب ثرواته ، وكان ما يخص الوطن العربي من هذا البرنامج تحقيق ثلاثة عناصر أساسية يجب تحقيقها بالتوازي :

أولا ً: وضع خرائط تفصيلية ، لتقسيم الوطن العربي ، وإنشاء دول عدوانية "فعلية" تتسلط على أرضه ، ترتهن الأرض ، والشعب معاً .

ثانياُ: استيراد مرتزقة ، غرباء عن الأرض العربية يشكلون "غيتوات" غير مرغوب فيها ، أوروبياً ، فيتم زرعهم مستوطنات في القلب العربي فلسطين للتخلص منهم من جهة ، وتحويلهم إلى عصابات من المرتزقة يخدمون المشاريع الاستعمارية الأوربية في الوطن العربي من جهة أخرى .

ثالثاً : تحقيق مشاركة ، وتفاعل ، وتعاون بين مختلف الكيانات المصطنعة ، بما في ذلك كيان المرتزقة المستوردين ، لإحكام شبكة العدوان على الأمة العربية ، والتبشير بكيان "شرق أوسطي" فيه كل ما يحلو لهم ، من قبليات ، وعنصريات ، و مذاهب ، وتغيب عنه الأمة العربية تماماً .

هل يجادل أحد في صحة ، أو حقيقة هذه الأهداف المعادية للأمة …. ؟ ، خاصة ، و أن الوثائق التي تكشفت أخيراً ، والتي لا يتسع المقام لها ، هنا ، أضحت في متناول الجميع ، وهي وثائق تقشعّر لها الأبدان ، ويشيب من تفاصيلها الولدان …..

(3)

الآن ، وبدون الغوص في التفاصيل ، دعونا نتابع المشاريع الاستعمارية الأوربية في الوطن العربي ، وماذا تحقق من الأهداف الثلاثة المعلنة ؟ ، وكيف تم تنفيذها بأيد "عربية" للأسف الشديد ، غباء ، أو استلاباً ، أو خيانة ، وما هي النتائج التي تحققت لهم في القرن العشرين …؟. دعونا نقرأ تلك الأحداث بواقعية مفرطة حتى لا نتهم بأننا خارج الواقع ، وربما خارج التاريخ كما يحلوا للبعض أن يوّصف حالتنا الراهنة .....

أولاً: لقد احتاجوا إلى النصف الأول من القرن العشرين لتحقيق الهدفين الأول والثاني ، فقام النظام الإقليمي لدول "فعلية" تجاوز عددها العشرين سلطة تعتدي على البلاد والعباد ، وتقيم أنظمة الاستبداد ، والفساد ، وتضخ ثروات الأمة للأعداء ، وتقيم السجون في كل مكان وتغتال ، وتفتك بالأمة ، والأبناء حتى بات المواطن العربي لا يعرف الفرق بين حدود السجون الرسمية ، وحدود الدول الإقليمية التي فرض عليه أن يحمل جنسيتها . وتشكلت جامعة للتنسيق بين أعمال سلطات تلك الدول ، ثم دخلت جيوشها إلى فلسطين لتحاصر جيش الإنقاذ العربي والفدائيين العرب الذي هبوا لنصرة عرب فلسطين ، فتجرّد عرب فلسطين ، وعرب غير فلسطين من السلاح ثم تنسحب لتعلن ، هي ، بالضبط هي ، قيام دولة " إسرائيل " ، "دولة" التوأم ، للنظام الإقليمي بين المحيط والخليج .

ثانياً : ثم احتاجوا إلى النصف الثاني من القرن العشرين لتقف سلطات تلك الدول بجامعتها ، وجيوشها ، ومخبريها ، وسجونها حائلاً بين الأمة العربية ، وبين تحرير فلسطين، ثم تُشْهِر في النهاية شراكتها مع دولة المرتزقة المستوردين عبر عقود كامب ديفد ، ووادي عربة ، وأوسلوا ، وما خفي كان أعظم ، و تبشرّ بكيان شرق أوسطي تتقاسم فيه الثروات ، والمياه ، والهواء .

ثالثاً : يعلن الجميع الانضواء تحت مظلة الهيمنة الدولية أمريكية ، وغير أمريكية ، التي ورثت النفوذ الأوروبي في العالم .

هذا ما جرى في الجوهر ، وكل ما عدا ذلك مجرد تفاصيل قد تكون مهمة لكن يجب عدم الاستغراق فيها حتى لا يضيق أمام أبصارنا مجال الرؤيا الشاملة .

(4)

المهم علينا الاعتراف بأن أساليب وأدوات مواجهة هذا العدوان على الأمة العربية لم ترتق إلى مستوى المقدرة على تحقيق النصر ، وبالتالي فأن الأهداف التي تحققت هي أهداف أعداء الأمة ، و لهم كل الحق أن يحتفلوا بكل هذا الذي حققوه ، وهو كثير ، والحالة الراهنة للأمة العربية تنطق بذلك ، دون حاجة إلى استنطاق .
- لكن أن ُيفرض على الأمة العربية أن تحتفل بذلك ؟؟ ، فهذا أكثر من أن ُيحتمل ، وهذا للسف الشديد يحصل في أكثر من مكان عربي عندما ُتحشر الجماهير العربية في ُمسيّرات لتأليه جلاديها ... .
- لكن أن يصل الخلط في المفاهيم إلى حد حشو العقول العربية بأن ما تحقق هو أهداف الأمة ، وأن عليها أن ترقص طرباً لذلك ، وأن تشيدّ الأصنام ، والتماثيل للذين حققوا هذا الانتصار العظيم للأعداء على الأمة ؟؟ ، فهذا يصل إلى حد الفظاعة ، هل علينا أن نكون ضد أنفسنا …..؟
هل رأيتم كم أنا حزين ، ومقهور ...؟ ، صدقوني ، أن الحزن ليس مما يفعله الأعداء بنا ، و لكن مما نفعله نحن بأنفسنا ، فنحن جميعاً ، فرداً ، فرداً مسئولون عما نحن فيه "ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

- هل رأيتم ، كم الحديث صعب بالنسبة لأمثالي …..؟

- هل رأيتم ، كم الصمت قاتل …؟

- هل اقتنعتم ، أن القلم ليس دائماً خير وسيلة للتعبير …؟

وأن القلم ... ، إذا لم يرتبط مع وسائل النضال الأخرى ، ويتفاعل معها ، لتحقيق جملة الشروط المطلوبة للفعل الإيجابي المقاوم ، من أول من يطلق الرصاص ، إلى آخر من يربي الأطفال ، ويزرع الأرض ، ويقتحم مجالات العلوم … يتحول مداداً للثرثرة ، بل ربما ينقلب إلى أداة للاستكانة ، والنفاق ….؟
(5)

إذن ، دعونا نعترف بدايةً أن الخطأ الجوهري الذي وقعت فيه قوى التحرر في الوطن العربي أنها لم تقدّر خطر النظام الإقليمي ، التقسيمي ، للوطن العربي حق قدره ، لقد انشغلت بالخطر المتمثل بالكيان الصهيوني ، واستكانت للنظام الإقليمي ، بل ، وتصالحت معه أحياناً ، ودخلت في دهاليز أجهزته أحياناً أخرى ، حاولت أن تركبه فركبها هو ، و انشغلت بالتنافس ، والصراع على السلطة ، وبين السلطات ، وهذا كله كان جهداً ضائعاً استهلك الكثير من الشهداء ، والضحايا .

الآن ، وبعد كل هذا الذي جرى ، لابد من الإقرار أن النظام الإقليمي في الوطن العربي بكل مكوناته هو الأخطر على الأمة العربية ، ووجودها ، وحضارتها ، وهويتها ، وهو الذي أقام دولة الصهاينة في فلسطين ، وهو الذي حماها من الجماهير العربية لأكثر من نصف قرن ، وهو الذي يتشارك معها الآن جهاراً نهاراً في العدوان على الأمة العربية شعباً ، وأرضاً ، وثروات ، وهو الذي يلغي وجود الأمة العربية ، ويفتعل الفتن بين أبنائها ، ويؤسس مع الكيان الصهيوني مؤسسات "الشرق أوسطية" الأخطبوطية متعددة الأطراف ، فلنخرج جميعاً من مستنقع التفاصيل عن العلاقة بين هذه الأطراف المعادية للأمة العربية ، ولنخرج من دائرة الصراع فيما بين بعضها بعضاً ، ولنغادر خنادقهم ، فلسنا مسئولين عن حجم الحصص التي يستحقها كل طرف من الكعكة العربية ، فنحن ، باسم الأمة العربية ، لسنا طرفاً في كل هذا الذي جرى ، و يجري ، وسيجري من معاهدات ، ومواثيق بين بعضهم البعض .. والأمة العربية يجب أن تكف ، فوراً ، عن تقديم الشهداء لتزيد حصة فلان من غنائم الحرب على الأمة ، على حساب حصة علان ، فهم جميعاً سواسية في عدوانهم على الأمة ، إنهم جميعاً ينتظمون في نظام القرصنة متعددة الجنسيات ، يؤدون الوظائف المطلوبة منهم ، والخطأ التاريخي الذي ارتكبته حركة التحرر العربية في القرن العشرين ، وحتى الآن ، ودفعت الأمة العربية ثمنه شهداء ، وثروات ، وإمكانيات تقدم ، وتطور ، وتحرر، هو التوهّم بأنه يمكن الركون إلى النظام الإقليمي ، أو لبعض منه في معركة مقاومة الصهيونية .

الآن ، لابد من إعادة ترتيب الأولويات ، كما هي فعلاً ، لابد من التمسك بالهوية العربية ، كما هي حقيقتها ، لابد من فرز منهج الأمة العربية ، وفكر الأمة ، وعوامل أصالتها ، وحضارتها ، وتحصين العقل العربي بمواجهة عمليات الاختراق ، والتشويه ، والفتن .

(6)

وبمناسبة الحديث عن الفتنة ، فإن المهم ، الآن ، الانتباه والتنبيه والتحذير بأن الحلف بين "دول الشرق أوسطية" يدرك تماماً كم أن هذه الأمة أصيلة ، وكم أن مكوناتها الحضارية قوية وعصّية على الموت رغم المظاهر الاحتفالية التي تعمّ صفوف الأعداء ، وبالتالي فإنهم يدركون تماماً أنهم لن يمروا ، إلا بتعميم الفتن بين أبناء الأمة العربية ، وبالتالي فإن ما يسمونه "سلام عادل وشامل" ، و "سلام الشجعان" ، هو المعادل الحقيقي للفتنة في المجتمع العربي ، ذلك أن الشعب العربي الذي سيقارع الصهيونية وجهاً لوجه سيعرف كيف يبدع الأساليب المناسبة للمقاومة ، وبالتالي سيهدّد مشروع تحالف الدول الشرق أوسطية ، وسيهدد وظائفها في الوطن العربي .. وحتى يحصل ذلك ، يجب (صهيونياً ، و قوى هيمنة دولية ، وأنظمة إقليمية ) أن تفتح أشكالاً قديمة جديدة من الصراعات ، والفتن الطائفية ، والمذهبية ، والعنصرية داخل المجتمع العربي ، وهي لذلك تنبش فتاوى القتل ، والتقتيل بين العرب ، وبعضهم البعض ، فتطغى الفتن الداخلية على ضرورات قتال الأعداء ، ومقاومتهم ، بينما يقوم تحالف سلطات الدول الشرق أوسطية على تسليح بعض العرب لقتل البعض الآخر ، فيقتل العرب بعضهم بعضاً ، و يستمر تحالف سلطات الدول الشرق أوسطية في تأدية الوظائف المرسومة .

(7 )

وحتى لا يحصل هذا ، وحتى تتمكن القوى الحية في الوطن العربي من تحقيق مقتلاً للقوى المعادية ، لابد من إفشال تلك الفتنة ، وهذا لن يكون إلا بالتمسك بالهوية العربية ، بالمواطنة ، حيث المساواة والعدالة والحرية لجميع مكونات الأمة العربية ، وبسد الذرائع لكل أشكال الفتن ، وتحديد المهام والأهداف ، وفصل عناصر الصراع الاجتماعي الذي يحصل داخل الوجود القومي للأمة العربية ، وبين الصراع مع القوى المعادية التي تستهدف وجود الأمة ، وحضارتها ، وثرواتها . فالصراع الأول يدار بالحوار ، والديمقراطية ، والجدل الاجتماعي ، بينما الصراع الثاني يدار بالمقاومة ، والقتال المسلح إذا دعت الضرورة بمواجهة القوى المعادية الطامعة بغض النظر عن هوية تلك القوى ..... .

لهذا ، وبكل وضوح ، وتحديد ، يجب ألا يتم السماح ، بأي حال من الأحوال ، لأدوات الصراع الاجتماعي أن تستخدم في الصراع مع العدو . وفي الوقت ذاته لا ُيسمح لأدوات وأسلحة الصراع مع العدو أن تستخدم في الصراع الاجتماعي ، داخل مجتمعنا العربي ، الحوار في الداخل ، والقتال مع الغزاة . ولا استثناء .....

(8)

إنني أدعو إلى عهد ، وعقد نتعاهد عليهما جميعاً ، لتحديد هذه المفاهيم ، والالتزام بها ، ففي هذا تحصين للأمة العربية ، وللمجتمع العربي ، وتمهيداً للطريق القويم إلى معركة شاملة مع قوى الهيمنة الدولية ، والاحتلال التي تفرض ظلالها المقيتة على أمتنا العربية بين المحيط والخليج ، ومواجهة لقوى العدوان التي تفرض نظام القرصنة الذي يسمونه زوراً وبهتاناً : نظاماً دولياً ، وشرعيةً دوليةً . إنني أقول ، وبكل وضوح ، واستناداً إلى ما أعرف ـــ وهو تخصصي – عن مشروعية القوانين ، والأنظمة ، إن ما يسمونه شرعية الأمم المتحدة ، وما يسمونه قانوناً دولياً ، وشرعية دولية ، لا أساس له في الحق ، والعدل ، و في الشرائع ، و أن مستنده الوحيد كان ، هو القوة الغاشمة التي كان يفرضها قراصنة القوة ومصاصي دماء الشعوب على العالم في القرون الوسطى ، و أن النظام الإقليمي في الوطن العربي ليس إلا نتاجاً لنظام القرصنة هذا ، وإن الدول القائمة على أرض الأمة العربية من أول دولة الصهاينة إلى آخر دولهم بين المحيط والخليج قامت على معاهدات بين دول القرصنة الدولية ، ولا أساس لها في مفهوم شرعة الحق ، والقانون ، والعدالة ، فالدولة المشروعة الوحيدة في الوطن العربي قانوناً هي الدولة القومية التي تتطابق حدودها مع حدود أرض الأمة العربية ، ويتطابق شعبها مع حدود شعب الأمة العربية .

وبالتالي فإن الوطن الوحيد الذي ننتمي إليه هو الوطن العربي ، وأن الأمة الوحيدة التي ننتمي إليها هي الأمة العربية، وأن دويلات التجزئة من أكبرها إلى أصغرها ، من جمهورياتها إلى ممالكها ، وسلطناتها ، وجماهيرياتها ، هي دول غير مشروعة، لا تمتلك عناصر الدولة المشروعة المتمثلة بالوطن والشعب و السلطة التي تمثل الوطن والشعب ، فليست أية قطعة من الأرض وطناً ،وليست أية مجموعة من الناس شعباً . إن لهذا مقاماً آخر لا يحتمله هذا الحديث ، لكننا نشير إليه هنا مجرد إشارة لنسّن قاعدة قانونية تفيد " أن الثورة على الأوضاع القائمة في الوطن العربي ، ومقاومة القوى المعادية بكل أشكالها ، وصورها وتموضعاتها ، وسلطاتها ، ودولها ، ومنظوماتها القانونية ، وأجهزتها القمعية ، ليست عملاً مشروعاً ، وحسب ، و إنما هي واجب شرعي أيضاً .

( 9 )

هكذا نعتقد أننا أشد ما نكون حاجة لنخط خطاً في العقل ، ولنحفر خطاً في الواقع العربي ، لا للتعبير عن نهاية مرحلة ، وبداية أخرى ، وحسب ، ولكن لإجراء تقييم موضوعي لتجربة بالغة الثراء بالشهداء والضحايا ، بالانتصارات والهزائم ، إن هذا يحتاج منا إلى شجاعة على النفس أولاً ، وعلى الغير ، وعلى المفاهيم ، ومن ثم إعداد العدة لاستنفار طاقات الأمة العربية ، ومخزونها الحضاري ، وزجها في معركة فاصلة مكشوفة على وشك أن تبدأ ، كما نحلم ، و أن ُيوقف على الفور أي هدر للطاقات في غير أماكنها الصحيحة ، يكفي ما حصل حتى الآن من هدر …!!.

إن ما قدمته الأمة من ضحايا ، وشهداء في القرن الأخير يكفي لتحرير أرض الأمة عشرات المرات ، لو أن الضحايا ، والشهداء ، والدماء قد بُزلت في سياق نهج واضح للتحرير والنهوض والتنوير .
- لقد استغرق البعض في البحث عن النهج ، والمنهج الصحيح .
- وقدمّ البعض الآخر حياتهم ، ودماءهم ، شهداء في الفعل الميداني المباشر .
واتهم الفريق الأول ، الفريق الثاني ، بأن الدماء التي تبذل لن تؤدي إلى الهدف إلا إذا كانت في سياق منهج صحيح ، وأنها ستذهب هدراً .
و أجاب الفريق الثاني ، بأننا سئمنا تنظيراً ، ونظريات ، وكلاماً … وذهبوا إلى الشهادة في طرق قد يعرفون مآلها ، وقد لا يعرفون .
الآن ، وبعد التجربة المرة ، نجد في كلا الموقعين شيئاً من الحق ، وأشياء من الباطل ، فلا الاستغراق في التنظيّر يحرّر الأمة وينهض بها ، ولا نبل الشهادة ، وطهارة الدماء تحصّن الفعل ، و تؤدي إلى تحقيق الأهداف ، و المشهد أمامنا بالغ الثراء ، ( إنهم يخوضون بدماء الشهداء حتى الركب لمصافحة القتلة ، والنكوص عن الأهداف التي استشهد في سبيلها الشهداء ، وللأسف الشديد فإن الدماء العربية في الغالب مازالت ُتسفك في غير ساحاتها ) .

(10)

السؤال المطروح بقوة علينا جميعاً : كيف نحصّن الشهداء ، فلا تذهب دماؤهم هدراً ؟ كيف نحترم دماء الشهداء ، ونحصّنها دون أن يستخدمها الأعداء ، والخونة مداداً في أقلام توقيع صفقات الخيانة ، والعدوان على الأمة العربية …..؟

إن هذا لن يكون إلا بالكف عن المماحكات العقيمة لتحديد الخيار بين ضرورة الغوص في الواقع ، وبين ضرورة الغوص في التنظير ، وذلك بالتعامل الإيجابي مع عناصر التحرر والتغيير وضبطها في معادلة واحدة للفعل الإيجابي على المسار الصحيح ، فيغتني الفكر والإبداع ، ويتصلب في أتون المعارك ، و تطمئن أرواح الشهداء بأنهم بذلوا أرواحهم على الطريق الصحيح إلى الأهداف التي افتدوها بأرواحهم ، وأنه لن يتم العبث فيها .

إن تحقيق الشروط الضرورية لبناء هذا المعادل الإيجابي للعمل الثوري التحرري النهضوي ، التنويري ، يتوقف على مقدرة العرب على الخروج من نهج الفتنة ، وبأن نضع حداً لعصر الفتنة في رؤوسنا ، فنقرّ : أن معارك داحس والغبراء قد انتهت ، قومياً ، وأن معارك الجمل وصفين قد مضى عليها الزمن ، إسلامياً ، وأن هذا الجيل العربي ليس مسئولاً ، لا عن هذه ، ولا عن تلك ، و من غير المقبول ، ولا المعقول قومياً ، وإسلامياً أن يفرض على جيلنا ، وعلى الأجيال العربية القادمة ، أن تبقى حبيسة تلك الفتن ، بينما الوطن العربي والعقيدة الإسلامية ، كليهما ، في أشد درجات الحرج ، والخطر ، والحصار .... .

(11)

في حدود المراجعة الصحيحة ، والتدقيق الصائب ، نقول أنه لم يوجد في التاريخ العربي تيار قومي عربي ، وتيار آخر إسلامي ، بالمعنى الصحيح ، فلا القوميين العرب الذين ناهضوا المكون الإسلامي للأمة العربية كانوا قوميين ، ولا الإسلاميين العرب الذين ناهضوا القومية العربية كانوا إسلاميين ، بل لابد من التأكيد على أنه ، وعبر التاريخ العربي المعروف ، ومنذ الرسالة التي تلقاها جدنا العربي محمد بن عبد الله "ص" أضحت عقيدة التوحيد القومي العربي هي عقيدة العرب المسلمين ، وغير المسلمين من العرب ، و بهذه العقيدة التي توهجّت في صدور الجنود العرب تمّ استئصال القبلية من العقل العربي ، بعد أن تشكلتّ " أسر الثورة " في يثرب حيث تتكوّن كل أسرة من ثلاثة ، أو خمسة أفراد من قبائل عربية مختلفة يتعاهدون فيما بينهم على الأخوة الكاملة في كل شيء ، والمشاركة في كل شيء إلا ما حرمه الله ... وكان ذلك على حد علمنا أول تنظيم نضالي شعبي في التاريخ البشري كله ، ثم اندفعت تلك الأسر المؤمنة منضبطة تحت قيادتها المركزية فهزمت القبلية محلياً ، وواجهت في وقت واحد ، وفي معركة واحدة متعددة الساحات ، موحدة الأهداف كل أشكال العدوان الخارجي على الأمة فأبعدت المعتدين عن أرض الأمة شرقاً ، وغرباً ، وشمالاً ، وجنوباً . وتم التفاعل الإيجابي بين الشعوب والقبائل التي كانت تقطن هذه الأرض العربية الطهور بين المحيط والخليج، واكتمل الوجود القومي للأمة العربية ، ومنذ ذلك التاريخ بات النكوص عن هوية الأمة العربية الواحدة وتكوينها المكتمل ، رجعية، وعدوان على الأمة العربية أفراداً وجماعات مهما كان اللبوس إثني ، أو ديني ، أو اجتماعي ، وإلى آخرهم.

(12)

فهل يستطيع عاقل ، بعد هذا كله أن يمّيز بين عنصري العروبة ، والإسلام في تحقيق هذا الانتصار على القبلية والفتن الداخلية من جهة ، وعلى الغزاة الخارجيين من جهة أخرى والذي أدى إلى اكتمال التكوين القومي للأمة العربية :

- هل كان هذا النصر بفعل العروبة …؟

- هل كان هذا النصر بفعل الإسلام …؟

- أبهذا النصر انتصرت العروبة على الإسلام …؟

- أم بهذا النصر انتصر الإسلام على العروبة …؟

لقد كان نصراً بالعروبة ، و بالإسلام التوحيدي معاً ، لا بعروبة القبائل ، ولا بإسلام المذاهب ، وكان انتصاراً للعروبة ، وللعقيدة معاً ، هذا الانتصار الذي فتح أبواب العالم لتغيير النظام العالمي الفاسد الذي كان سائداً في تلك الأيام ، ولم يتوقف التقدم إطلاقاً ، لأن وهناً أصاب سواعد الرجال ، أو وهناً أصاب عقيدتهم .. و لكنها الفتنة التي ضربت المركز فامتدت آثارها إلى الأطراف، فعاد عرب المركز يقتتلون ، قبائل ، و أسر ، ومذاهب ، وامتد ذلك إلى المسلمين غير العرب ، فخفت التوهج هنا ، وهناك ، وعاد طواغيت النظام العالمي الفاسد يتحكمون بالعرب الذين عادوا نتفاً ممزقة ، بالعالم كله ، وإلى يومنا هذا . وهذا يقودنا للسؤال عن، ما هي مرتكزات ، وعناصر النهضة والتحرر العربي …؟‍

هل هي مرتكزات التوحيد العقائدي ، والتوحد القومي ، أم هي مرتكزات الفتن القبلية والفتن المذهبية ؟؟ .

ذلك ، أنه لا يمكن لنا أن نكون بشراً أسوياء ، كما أردانا الله سبحانه وتعالى ، أن نحمل النقيضين معاً .

فإما أن نحمل الفتنة في رؤوسنا ، ونمضي معها إلى حيث تتجه الآن من قبلية تتمثل بالنظام الإقليمي التابع الذي يحتل أرضنا ويتحالف مع الصهاينة لتحقيق وظائف نظام القرصنة الدولي ، تماماً كما كانت تفعل القبائل الجاهلية التي كانت تعمل لحساب الفرس ، أو الروم ؟ ، وإما أن نحمل الأمة الحقة والعقيدة الحقيقية معاً في رؤوسنا ، فنمضي بهما إلى حيث التحرر والانعتاق والتوحد القومي ، والنهضة ، والتطور ، والتنوير ، ومن ثم نمضي مع جميع قوى التحرر والأنسنة في هذا العالم لتغيير هذا النظام الدولي الفاسد ؟ ، إنه الخيار ، والاختيار في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا.

(13)

إن الفتنة بين القوميين العرب والإسلاميين العرب ، لم تنحصر على الإطلاق بينهما فتفصلهما إلى تيارين ، و إنما كانت تؤدي من حيث تفاعلاتها السلبية إلى فتنة داخل الإسلاميين العرب أنفسهم ، و إلى فتنة داخل القوميين العرب أنفسهم ، أيضاً ، فنقع بذلك في مستنقع ثلاثة أنواع من الفتن :

أولاً : فتنة بين القوميين ، والإسلاميين .

ثانياً : فتنة بين الإسلاميين ، والإسلاميين .

ثالثاً : فتنة بين القوميين ، والقوميين .

لهذا فإن نجاح "المؤتمر القومي – الإسلامي" في ردم الفتنة بين القوميين العرب ، و الإسلاميين العرب يؤدي في الوقت ذاته إلى ردم الفتنة بين القوميين والقوميين ، وإلى ردم الفتنة بين الإسلاميين والإسلاميين ، أيضاً، ويفتح الطريق واسعاً إلى وهج من التحرر ، والتحرير لن يقتصر أثره على الأمة العربية ، وإنما سيشمل الإنسانية بأسرها .

(14)

المهم أن نتفق على أننا تيار واحد على امتداد الساحة القومية للأمة العربية ، وأنه ليس بيننا ، وبين بعضنا البعض منتصر ومهزوم ، فإما إن ننتصر معاً ، وإما أن ُنهزم معاً .. فلم ينتصر العرب ، يوماً ، على حساب هزيمة الإسلام ، ولم ينتصر الإسلام يوماً على حساب هزيمة العرب.

فعوامل الهزيمة عندما كانت تحلّ ، كانت تشمل العروبة ، والإسلام معاً ، وعندما كانت تتوفر عوامل النصر كان يشملهما معاً ، و لهذا قلت ، أنني لا أجد مكاناً لواو العطف بين العروبة الحق ، والإسلام الجوهر ، إنهما كيان عضوي واحد في عنصرين متكاملين .

(15)

لا يجادل أحد في هذه الدنيا ، أن الرسالة التي حملها خاتم النبيين جدنا العربي محمد بن عبد الله "ص" موجهة إلى الإنسانية كافة ، إلى الإنسان أينما وجد على أرض هذا الكوكب ، و إلى أجل مستقبل من الزمان لا يعلمه إلا الله .

لكن هذا لا يعني أنها رسالة هائمة فوق الوقائع ، والحقائق التاريخية والاجتماعية والجغرافية والإثنية ، و إنما كانت الرسالة استجابة إلهية لحاجات ملحة ، وفي سياق رسائل إلهية تعاقب نزولها إلى البشرية حملها الأنبياء الذين جاء ذكر بعضهم في القرآن الكريم ، وكانت هذه الرسالة هي الرسالة الإلهية الأخيرة للبشرية "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، بهذا المعنى فإن تلك الرسالة العظيمة قد حملت فيما حملت هذا القرار الإلهي الذي لا راد له بأن التدخل الإلهي المباشر في حياة البشر تقويماً ، وتصويباً عن طريق الأنبياء والرسل والرسالات الإلهية قد انتهى ، وأن على الإنسانية ، وقوى الحق ، والعدل أن تتحّمل من الآن فصاعداً مسؤولية إبداع الأساليب ، وتوفير الإمكانيات لمواجهة قوى الظلم والطاغوت ، والاستبداد والاستغلال ، فالمهمة أصبحت منوطة بها استناداً إلى قواعد رسختها الرسالات الإلهية للبشرية المتعاقبة .

(16)

ليس صدفة ( و حاشا لله أن ينسب إليه ذلك أحد ) أن الجماعة البشرية التي خاطبتها الرسالة الختامية مباشرة ، والتي جاءت الرسالة بلسانها وبقصص مغروسة في تاريخها هي تلك الجماعات البشرية التي تقطن وتنزاح تجوالاً في هذه الأرض العربية الطهور ، والتي كانت مهبط الوحي للرسالات الإلهية السابقة عليها ، والتي تتابعت تمهد الواحدة للأخرى فهي ليست رسالات من السماء وحسب ، وإنما موضوعها هو تلك الجماعات البشرية العربية لتتجاوز الطغيان والفساد والفرقة والتخلف .

وإذا كانت هذه الأرض العربية الطهور محط أنظار الإنسانية لتتلقى منها الإشعاع الحضاري والرسالات الإلهية في الوقت ذاته ، فإنها كانت عبر العصور ، وحتى هذه اللحظة من التاريخ الإنساني هدفاً للقرصنة ، والغزاة ، والطواغيت من كل مكان في هذا العالم .

فما من قوة على هذه الأرض ، وما من طاغية أراد أن يمد طغيانه على العالم ، أرادت ، أو أراد أن يكون لهما شأن في السيطرة على هذا العالم إلا وأدركوا أن ذلك يتوقف أولاً وأخيراً على الاحتفاظ بموقع قدم على هذه الأرض العربية ، و هكذا فإن صراع القبائل ، والعشائر ، والشعوب في الداخل العربي على الأرض العربية ، اختلط بالصراع على هذه الأرض بين القوى الغازية من الخارج ، وأضحت الصراعات المحلية في الوطن العربي تدخل في سياق الصراع الدولي على العالم .

(17)

في هذا السياق ، فإن حاجة البشرية إلى الرسالات الإلهية تم إشباعها ببعثات الأنبياء والرسل ، يحملون الرسالات المتعاقبة التي لم تقتصرْ في جوهرها على الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد ، وإنما تدعو إلى ذلك ، في سياق دعوة البشرية للانعتاق من العبودية للظالمين ، ومن عبادة أصنامهم ، والحث على مقاومتهم ، و تخليص البشرية من شرورهم ، وتوحشهّم ، وصولاً إلى إحقاق الحقوق ، وترسيخ العدالة ، والمساواة بين البشر .

وإذا كانت الإرادة الإلهية ، التي لا راد لها ، قد اختارت هذه الأرض الطهور حاضنة لرسالتها الموجهة للبشرية ، فإن ذلك تزامن ، وتواكب ، وتفاعل مع القوى الموجودة على الأرض ، فانحازت لها قوى التحرر ، والإنعتاق ، والعدالة ، والحق في الوطن العربي ، وقبضت عليها كالقابض على الجمر ، وفي الوقت ذاته فقد قاومتها ، ووقفت في طريقها قوى الطاغوت والظلم ، فحاربتها بكل ما تملك ، ولهؤلاء المؤمنين بها امتداد على ساحة الإنسانية كلها ، ولأولئك المتضررين منها امتداد على مدى ساحة الإنسانية كلها أيضاً .

(18)

هكذا ، وعلى هذه الأرض العربية الطهور ، بالذات ، تفاعل ما هو حاجة بشرية ، بما هو مطلب إلهي .

وهكذا أيضاً أصبح مصير البشرية يتوقف على أن تتمكن سفينة نوح من الإبحار من هنا ، من أرض العرب ، أو يعمّ الطوفان فتتمكن قوى الطاغوت والظلم من محاصرة هذا الميناء العربي المقدس الذي استقبل الرسالات الإلهية حيث انطلقت بها ، ومنها ، سفن النجاة العربية للبشرية جمعاء ، في مواجهة أساطيل الدمار التي يطورها القراصنة لإخضاع العالم للطاغوت ، أو تدمير البشرية تماماً والمعادلة مازالت هي ، هي .

هكذا على هذه الأرض الطهور تفاعلت شرائع حمورابي مع شرائع أخناتون ، وملاحم جلجامش ، مع حضارة بلقيس ، وأوغاريت ، وحروب الهكسوس مع حروب نبوخذ نصر ، وقوارب البردي مع قوارب الفينيق ، وتغريبة بني هلال مع تشريقة الزير سالم ، وتمرد زنوبيا مع تمرد النعمان ، ومعارك ذي قار مع حروب أبرهة ، ومقاومة الفرس مع التصدي لظلم البيزنط . ثم إعلان حلف الفضول الذي تزامن إعلانه مع استعداد هذه الأرض الطهور لتلقي الرسالة الإلهية الختامية للبشرية .

( 19)

لقد تفاعل ما كان يجري على الأرض العربية بما كان يهبط من السماء ، وتم التفاعل والفرز هنا على أرض العرب ، ثم على صعيد العالم ، فتحالفت قوى الظلم والطاغوت ، هنا ، مع قوى الظلم والطاغوت في العالم ، بينما حملت قوى الحق رسالات العدالة والحرية إلى العالم ، فالتقت بقوى التحرر والعدالة على الصعيد الإنساني كله .

هكذا حمل جدنا إبراهيم الخليل فأسه ، وحطم أصنام قومه ، ولننتبه ، هنا ، فقبل إبراهيم الخليل عليه السلام كانت القبائل تحطمّ آلهة بعضها ، بعضاً دفاعاً عن آلهتها هي . أما الآن فنحن أمام حالة نوعية ، فجدنا إبراهيم الخليل لم يحطمّ أصنام وآلهة الأقوام الأخرى ، وإنما حطم أصنام قومه ، هو ، وتحدى مماحكاتهم ، وطرح جدوى الصنمية ، والتصنيم ، والنمردة ، و عندما ُبعث موسى عليه السلام تحدى ظلم الفراعنة ، ومهد لرسالة جدنا المسيح عليه السلام الذي حمل صليبه رافضاً ظلم وطاغوت القوى الغاشمة وعبودية الإنسان للمال ( إن دخول جمل من سنام إبرة أسهل من دخول الأغنياء الجنة ) ، و إذا كان الطواغيت قد تمكنوّا من السيد المسيح ، فإن قلة من حوارييه انطلقوا إلى العالم لا يملكون إلا تعاليم أستاذهم التي اخترقوا بها مراكز الطاغوت العالمي ، في ذلك الوقت ، فمنحوا العالم نصف دينه السماوي خلال سنوات قليلة . وبعد ذلك ُبعث جدكم محمد بن عبد الله "ص" بالرسالة الختامية للبشرية فحملها رسل مشبعون بالعقيدة والعدالة والمساواة بين بني البشر إلى مراكز الطاغوت مرة أخرى في هذا العالم فمنحوا العالم نصف دينه الآلهي الآخر ، ورفعوا الظلم عن الجماعات البشرية العربية ، فتفاعلت تلك الجماعات البشرية على أرضها بعد أن ارتفع عنها الغزو الخارجي ، والطغيان الداخلي ، واكتملت الأمة العربية بذلك تكويناً ، و توحيداً ، ووضعت بصمتها لبناء نظام دولي عادل ، ومتوازن ، وللذين ينسبون للأمة العربية ظلم الجماعات البشرية التي حكمتها خارج نطاق الوطن العربي ، نقول : أن ذلك الظلم كان مرتبطاً بالانقلاب على الخلافة الراشدة وقيام سلطة العائلات التي استبدت وطغت في الداخل العربي أكثر بما لا يقاس من ظلم الغير ، وبالتالي فإن الأمة العربية وجوهر الرسالة تعرض للظلم الشديد قبل أن يتعرض له الغير .

(20)

إننا لا نقول هذا لنعطي أنفسنا امتيازاً على البشرية ، نحن لا نسعى إليه بل نرفضه ، لكننا نقوله في مواجهة دونية تفرض علينا هذه الأيام ، فأما أن نقبل بأن نكون دون هذا العالم الذي يسمونه " عالم أول " و إما أن يدمروا كل شيء ، إنها المعادلة التي يفرضها اليوم هذا النظام العالمي الفاسد الظالم ، والتي نرفضها ، فنحن لسنا مناجم بترول وغاز، نحن أمة الحضارة ، والرسالات .
صحيح أننا نرفض استغلال الآخرين ، لكننا نرفض أن نبقى موضعاً للاستغلال ليس دفاعاً عن الأمة فقط ، و إنما دفاعاً عن إنسانية الإنسان المهدورة في طاحونة الطاغوت الذي يحاصرنا بأساطيله وقواعد عدوانه.
استناداً إلى هذا كله و انطلاقاً منه دعونا نتفق على مواقف ثابتة من قضايا مصيرية تهم الأمة والوطن والعقيدة في آن .

(21)
أولاً : الوحدة العربية :

إن النظام الإقليمي السائد في الوطن العربي لا ينسجم مع المفهوم الشرعي الإسلامي، ويتعارض مع المفهوم القومي الحضاري لأنه وفق المصطلح الشرعي الإسلامي قبلية جاهلية واستناداً للمفهوم القومي العقائدي عدوان إقليمي على وجود الأمة .
كما أن الهدف الإنساني بالمصطلح القومي هو أن تكون للأمة رسالة إنسانية للمساواة والعدل وبناء نظام عالمي متوازن، وهذا ما تعجز عنه الأمة في حالة التجزئة، بل أنها هي ذاتها معرضة لعدوان غاشم من نظام دولي فاسد يشملها ويشمل شعوب الأرض قاطبة ، ووفق المصطلح الإسلامي فإن الرسالة توجب مقاومة الطواغيت الذين يستغلون شعوبهم ويستبدون بالعالم ، ونشر رسالة الإسلام لا يعني بأي حال من الأحوال نشر الدين الإسلامي ، وحسب ، وإنما يعني رفع الظلم عن البشرية ، وتحقيق العدالة ، والمساواة بين البشر ، مهما كانت عقائدهم ، ودياناتهم ، وأعراقهم .
والأمة العربية التي هي مركز الدعوة الإسلامية لن تتمكن من حمل الرسالة وهي معتدى عليها بالتجزئة والفرقة والعدوان الخارجي ، بل ، إنها وهي في حالتها هذه ، ليست عاجزة عن مد يد العون للأخوة في الدين على صعيد العالم وحسب ، وإنما عاجزة عن الدفاع عن العقيدة في نقطة المركز أيضاً . وبالتالي فإن الوحدة العربية ضرورة إسلامية كما هي ضرورة قومية ، وهي قضية يجب أن تتوحد الصفوف حولها ، وليست مسألة خلافية .

( 22 )

ثانياً : فلسطين :
إن فلسطين عربية ليس من البحر إلى النهر فتلك هي الحدود البريطانية لفلسطين أما الحدود القومية لفلسطين فهي بين المحيط والخليج .

1 - فلسطين في المنهج القومي العربي التقدمي هي جزء من أرض الأمة ، وطناً وجزء من أمة العرب ، شعباً ، وهي ملك للأجيال العربية المتعاقبة ، وبالتالي فإن هذا الجيل من العرب بكامله لا يملك أن يتنازل عن شبر واحد من أي جزء من الأرض العربية .

وهذا يعني أن كل العقود والمعاهدات بين سلطات ملكية أو جمهورية ، و بين منظمات فلسطينية وغير فلسطينية ، وبين الصهيونية ، هي عقود ومعاهدات باطلة لأنها تجري بين أطراف لا صفة لها قانوناً في التعاقد حول قضية لا يملكون من أمرها شيئاً . إن الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية هو الشعب العربي بأجياله المتعاقبة ، وبالتالي فإن الحقوق المخولة لهذا الجيل من الشعب العربي محصورة بالحفاظ على الأرض القومية وحمايتها من العدوان ، وبالتالي لا يملك أحد من هذا الجيل العربي أن يتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين كائناً من كان .

فإذا كانت هذه هي حدود الحقوق المخولة للشعب العربي برمته ، فإن الحقوق الممنوحة لبعض الدول الإقليمية أولها جميعاً والحقوق الممنوحة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو للمنظمات الفلسطينية برمتها دون ذلك بكثير ، إنها تتصرف بما لا تملك إطلاقاً .

2 - أما فلسطين في الشرع الإسلامي فهي أرض حررّها العرب من السيطرة الرومانية وهي ، كما شرّع علي بن أبي طالب قاضي دولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب : "إن الأرض ملك للأمة لا تملك لأشخاص ، أياً كانوا، وإنما هي ملك لأجيال الأمة المتعاقبين ، إن الأرض موضع للانتفاع بها ، وليست موضعاً للملكية الشخصية" ، وبالتالي ، فإن كل هذا الجيل من المسلمين برمته لا يملك أن يتنازل عن فلسطين ، أو عن جزء منها ، وإنما تنحصر حقوقه بالدفاع عنها ، وحمايتها والانتفاع الإيجابي بها ، وحسب .

مرة أخرى نجد أن الموقف المنهجي القومي القيمّ ، والمنهج الشرعي الإسلامي القويم متطابقان تماماً مع قضية فلسطين ، وبالتالي فإن تحرير فلسطين ضرورة من ناحية الشرع والفقه الإسلامي ، وهي قضية قومية ومركزية في المنهج القومي العربي التقدمي ، وبالتالي يجب أن تتوحد الصفوف حولها ، وليست مسألة خلافية .

( 23 )

ثالثاً : الأراضي العربية المحتلة بعدوان 67 :

إننا وفي هذا المجال لن نحاسب الدول الإقليمية التي احُتلت بعض أراضيها بعدوان 67 وفق المنهج القومي ، أو الشرع الإسلامي ، وإنما نطلب منها فقط أن تلتزم حدود النهج الإقليمي الذي ارتضته هي ، ذلك أن تلك الدول قد قامت ، وارتضت الحدود التي قامت عليها بموجب المعاهدات الاستعمارية لسايكس وبيكو ، وغيرهم ، وبالتالي فتلك الحدود ملزمة إقليمياً للحكام ، وبالأنظمة والقوانين التي تأسست عليها .

لذلك فإن سلطات الدول الإقليمية لا تملك شبراً واحداً من الأرض خارج حدودها الإقليمية ، ولا تملك أن تفاوض عليه ، أو تقايض به ، أو تتنازل عنه ، أو يكون موضوع صفقة بينها ، وبين الصهاينة .

وبالتالي ، ووفق المنهج الإقليمي ذاته ، فإن سلطات الدول الإقليمية تملك أن تستعيد أرضها بكل الطرق والوسائل المتاحة شريطة أن لا تعتدي على أرض الغير ، وحقوق الغير ، في فلسطين ، وغير فلسطين ، بمعنى أن الاعتراف "بدولة إسرائيل" هو عدوان صارخ على فلسطين المجاورة التي يدور فيها نزاع غير محسوم حتى الآن : لمن الأرض ؟ للفلسطينيين العرب ؟ أم للصهاينة الغزاة ؟ . بهذا المعنى القانوني الحقوقي فإن الاعتراف "بدولة إسرائيل" هو عدوان على حقوق الفلسطينيين ...

إن حدود الدول الإقليمية المحتلة أراضيها وفق المنهج الإقليمي في التفاوض تقف عند حدودها الإقليمية مع فلسطين ، ولا تتعداها ، وسلطات الدول الإقليمية في الوطن العربي كانت تدعّي منذ 15 / 5 / 1948 وحتى 19 / 11 / 1977 أنها تقرّ بأن أرض فلسطين ، للفلسطينيين بعد ذلك التاريخ بدأ المسلسل العلني للاعتراف "بدولة إسرائيل" من قبل النظام الإقليمي حتى الذين لم يشهروا اعترافهم بعد التزموا ما أسموه المبادرة العربية ، وهي لا عربية ولا يحزنون .

الآن نحن لا نطالب الدول الإقليمية المحتلة أراضيها أن تحرّر فلسطين ، ولا حتى أن تعتبر أرض فلسطين للفلسطينيين ، نطالبها فقط أن تقف على الحياد ، وأن لا تقر أن أرض فلسطين أو بعضها للصهاينة ، لأنها بذلك تتجاوز حدودها الإقليمية ، وتشترك في العدوان على أرض فلسطين ، بحجة استرجاع أراضيها الإقليمية .

( 24 )

رابعاً : الأراضي المحتلة على التخوم والثغور العربية :
إن الموقف من هذه الأراضي وفق المنهج القومي والنهج الشرعي الإسلامي يتطابق تماماً وينطبق عليها تماماً ما قلناه عن فلسطين .

خامساً : العراق :
إن العدوان على العراق ، واشتراك دول النظام الإقليمي في الوطن العربي في إحكام الحصار على العراق ، وتسخير الأرض العربية من قبل بعض الدول الإقليمية كقواعد للعدوان على العراق ... ومن ثم احتلاله ، إن ذلك كله عدوان على الأمة العربية جمعاء ، وقد فضح ذلك العدوان أن القواعد الأمريكية ، والبريطانية في الوطن العربي هي بكل المقاييس ، واستناداً إلى الوظائف ، والمهام هي عبارة عن "دول إسرائيلية أخرى" في الوطن العربي ، كاملة المواصفات ، أو أشد خطراً ، وفتكاً .

( 25 )

خاتمة :

إن أمتنا العربية على وشك أن تدخل مرحلة جديدة من مراحل صراعها الطويل مع قوى العدوان والهيمنة الدولية وامتداداتها وقواعدها ودولها على أرض العرب ، وإن الصراع لم ينته كما يتوهم أطراف اتفاقيات النظام الشرق أوسطي ، والراعي الأمريكي ، إن الصراع الحقيقي والجذري على وشك أن يبدأ ، كما يجب ، بعد أن انكشف المستور .. إنها معركة طويلة ، ومتعددة الأطراف ، ومتشعّبة ، ومفتوحة ، وفي معركة كهذه ، فإن الأمة ستعرف كيف تعزّز قواها الحية ، وتستجمع عناصرها الإيجابية ، وطوبى لمن يتقدم الصفوف .

وإذا كانت رياح الفتنة ، وأفكارها ، ومذاهبها ، وطوائفها ، وعصبياتها ، ودويلاتها ، وكهنتها ، قد عصفت بالأمة والوطن ، واغتالت الحلم الإنساني بعالم عادل متوازن، وإذا كانت قوى الطاغوت والشر قد عادت مرة أخرى تحاصر هذه الأرض الطهور بأساطيل الغدر والعدوان ، والتهديد من كل حدب وصوب ، وإذا كانت قوى الطاغوت المحلي تتعاون مع قوى الطاغوت الدولي فتزرع هذه الأرض الطهور خرائط وحدوداً شائهة وقواعد للمعتدين حيث يطبق على صدورنا هذا الليل العربي الحالك السواد ، فما أحوج هذه الأمة العربية ، الآن ،إلى النهوض الشامل ، لتستعيد إرادتها ، وقرارها ، وإذا كان هناك من افتعل مشكلة بين العروبة والإسلام ، بين الوطن والإسلام ، فإننا نقول إن هذا الوطن العربي هو وطن العروبة والإسلام معاً .. هو وطن إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، هو وطن حمورابي وأخناتون ، هو وطن عشتار ونفرتيتي وزنوبيا وبلقيس ... والحديث ذو شجون نأمل أن يكون لها نهاية ، ففي لجة هذا الليل العربي الحالك السواد بوادر بريق ينطلق من السماء يتفاعل مع صرخة تتفجّر فيها هذه الأرض الطهور ، ويتردد صداها في كل مكان من هذا العالم ، أن أفعلوها أيها العرب ..... افعلوها مرة أخرى .... فالإنسانية في محنة ، وأنتم لها ‍‍‍!!

والسلام على من اتبع الهدى ... الهدى ... الهدى ...


حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

احمد اراجه 09-02-2010 03:13

من أجمل ما كتبه حبيب عيسى مرة ثانية

انه والله من أجمل ما كتبه الاخ حبيب عيسى , ومقالته وثيقة فكرية بامتياز في اطار ما طرحته من قضايا في منتهى الأهمية والدقة والموضوعية .. وانها لتصلح منطلقا لوضع برنامجا سياسيا ميدانيا له طابع المهام .. نخرج بها الى ارض الواقع بمبادرة ذاتية ... وبهذا نخرج من أول الفتن أو الافتتان من حيث خرجنا بذاتنا الى موضوعاتنا وومن حيث نخرج من فرديتنا الى نغم مشترك ومن السطور الى الجمهور ومن الشاشة الى الساحة ومن الحوار الى هدم الاسوار ومن (الهويةالوطنية) الى الهوية القومية .. ومن الخاص الى العام .. ومن الجزء الى الكل ......
بل من الفتنة الى دخول التاريخ كما كان عنوان المقال

وانني أضيف إليك شخصيا بعض الملاحظات الهامة :

أولا: ان تضيف يعد عبارة (المسيح حمل صليبه ) أن تذكر ( أوصعد إلى السماء) وهي لن تغير من واقع المقال وهدفه شيئا ولكنها تقطع الطريق على الاسلاميين أن يعترضوا ويقفون عند فكرة صلب أم لا ..
و مسألة ثانية وهي حين ذكرت أن هذا وطن الرسل محمد وعيسى وموسى ثم انتقلت إلى حمورابي واخناتون ونفرتيتي .. الخ كان يفضل أن تدخل إلى غير الرسل بجملة تفصل أو تميز بين الرسل والناس العاديين الذين قد لا يقل دورهم عن الرسل
من جهة ثالثة ركزت كثيرا على كلمة جدنا محمد وأنا وأنت نفهم الغاية من أنه تأسيس عربي عبر رسولنا الكريم العربي حقا ولم تذكر ولو لمرة واحدة (كلمة رسولنا أو رسول الله) بل ذكرت ( تلقى الرسالة ) وكل هذه مسائل مهمة للخروج من الفتن الى التاريخ كما هو عنوان مقالك الرائع

سليم حجار 09-06-2010 06:43

على بساط الثلاثاء
90

يكتبها : حبيب عيسى



"شرق أوسط" ...؟
لكن ... لمن ...؟!





(1 )
إن " الشرق أوسطية " التي اصطنعوها ، وما يزالون حتى اليوم يرممّون ما يتهدّم منها ، ويشرفون على إدارتها ، بشتى الوسائل المباشرة ، وغير المباشرة ، من أول الأساطيل ، والجيوش ، والقاذفات ، والصواريخ ، والشركات متعددة الجنسيات ، إلى الطغاة ، والمستبدين ، والمخبرين ، والفاسدين المفسدين ، وإلى آخر الذين يشهرون الفتن والإقصاء والاستئصال ، فالجنة لا تتسع إلا لهم ، بل ربما للبعض منهم ، بينما تتسع النار لجميع بني البشر الآخرين ... "الشرق أوسطية" تلك لم تكن مجرد مصطلح جغرافي ، وإنما كان الأمل منها ، ومازال يتمثل بتحويلها إلى هوية بديلة عن هوية الأمة العربية التي تشكل مركز هذا الذي يسمونه "شرق أوسط" ، فلا وطن عربي ، ولا أمة عربية ، ولا دولة عربية ، وبالتالي لا شعب عربي ، وإنما "دول فعلية" تحمل أسماء عائلات ، أو ُتنسب إلى مكونات جغرافية ، هذا من الناحية الشكلية ...
أما من الناحية الموضوعية ، فإنها ، جميعها ، إقطاعيات يتصرف فيها الذين ُأقطعت إليهم ، تصرف المالك بملكه ، وهي ملك له ولأولاده من بعده ، وقد نص على ذلك صراحة دستور إحدى الدول الفعلية المصطنعة على جزء من الوطن العربي ، حيث جاء في مقدمة دستور تلك الدولة : "إن دولة كذا ...هي ملك لفلان ... ولأولاده من بعده" ، وموضوعياً ، فإن جميع سلطات الدول الفعلية في الوطن العربي تتمتع بتلك المواصفات حتى لو لم تتضمن مقدمات دساتيرها ذلك النص .....
( 2 )
الغاية إذن كانت تحويل "الشرق أوسطية" إلى مجمّع كيانات بديلة عن كيان الأمة العربية التي تفتقد في "الشرق أوسطية" شخصيتها الاعتبارية ، فشخوص القانون الدولي في الوطن العربي 22دولة فعلية معترف فيها دولياً ، بما في ذلك "دولة للصهاينة" ، وأجزاء مُنحت ترضية لدول الجوار ، ولم تعد عربية في القانون الدولي ، وهكذا فإن ما يسمونه الآن بالشرعية الدولية تتعامل مع "الشرق أوسطية" كشخصية اعتبارية تمثل أراض ، وسكان ، وسلطات ، ودول ، بديلاً عن وطن عربي ، وشعب عربي ، وسلطة عربية ، ودولة عربية .....
وإذا كانت الشرعية الدولية التي صاغتها مصالح المنتصرين في الحروب العالمية ، وغير العالمية ، وإذا كان أي تغييّر في "خريطة الشرق الأوسط" التي رسموها بالدماء والفتن يشكل تهديداً للأمن القومي لدول الهيمنة الدولية ، فأن هذا الحجم الهائل من التدخل الخارجي في أدق التفاصيل العربية يغدو مفهوماً ، ومن حقهم الاحتفاء بدول "الشرق أوسطية" ومؤسساتها وسلطاتها السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والأثنية ، ومذاهبها الدينية ، فتلك الكيانات ليست وليدة الاتفاقيات والمؤتمرات والمنظمات التي تمثل " دول الشرق الأوسط " ، وإنما هي محصلة لجهد مثابر وفعال ودؤوب بذله وما زال يبذله النظام العالمي الذي رسمه الأوربيون للعالم طيلة أكثر من قرنين من الزمان ، منذ أن بدأت أوروبا تعتبر العالم برمّته ، بشراً ، وثروات ، وإمكانيات ، خاضعاً لنفوذها ، وأنه جار بملكيتها وبالتالي فهي المركز ، وللعالم بأسره مسميات تتفق مع موقعه من هذا المركز : شرق أوسط ،أو شرق أقصى ، أو غرب أدنى ، أو غرب أقصى ، أو جنوب غرب أو جنوب شرق ، وهكذا .. وإذا كانت جميع تلك المسميات، باستثناء "الشرق أوسطية" قد بقيت تعبيراً عن مواقع جغرافية ، أو تكتلات عسكرية ، أو أحلاف ، فإن ما يخص الوطن العربي منها كان له مدلول مختلف أجهد الأوربيون أنفسهم ( مؤرخين ورجال أديان ومكتشفي آثار ومبشرين وجيوش ومخبرين وجواسيس وعلماء في أصل الأنواع والكائنات...) لأكسائه صيغة متميزة تجعله بديلاً عن وطن أمة ، وعن أمة عريقة هي أمة العرب ، ووطنها ...
هناك خارج "الشرق أوسطية" يتحدثون عن مناطق جغرافية ، عن أحلاف تضم أمماً ، وأوطاناً ، بينما ، هنا ، يتطلعون إلى محو هوية أمة ، ومعالم وطن ، وإذا كان كثير من العرب لم يدركوا أهمية ذلك ، فإن أصحاب النظام العالمي الأوروبي ، ثم ( الأوروبي – الأمريكي ) يدركون جيداً أهمية ما يقومون به ، ويبذلون لتحقيقه حتى من دماء أبنائهم ...
( 3 )
وإذا كانت " الشرق أوسطية " تجتاز اليوم عتبة التجسيد الواقعي لمؤسسات إقليمية ومحلية ذات طابع دولي وسياسي واقتصادي واجتماعي تتمحور كدول حول "دولة إسرائيل" فإن تلك "الشرق أوسطية" كانت قد اجتازت عتبة المخاض الحقيقي على أصوات المدافع التي حسمت الحرب العالمية الأولى ، بعد أن كانت الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة قد اخترقت – واقعياً – الوطن العربي من المحيط إلى الخليج في ظل السيادة العثمانية عليه ، والتي كانت تتحول شيئاً فشيئاً إلى سيادة شكلية ، وتنسحب خطوة ، خطوة من أمام الزحف الاستعماري الأوربي .
( 4 )
فمنذ القرن السادس عشر ، ومع استقرار الغزو العثماني القبلي للوطن العربي كانت الإمبراطورية الأوروبية تمد بصرها ، وبصيرتها إلى الوطن العربي ، ذلك ، لأن دروس التاريخ علمتهّم أن من يريد أن يفرض سيطرته ، ونظامه على العالم .. عليه أن يضع يده على الوطن العربي ، مركز العالم القديم ، ومركز الأديان ، وبوابة العالم ، وأخيراً مصدر الطاقة ..وهم يدركون أنه كوطن لأمة عريقة عصيّ على الاختراق ، لذا لابد من تحويله من وطن ، إلى منطقة ، ومن مواطنين إلى سكان ، فكان أن أسموه المنطقة العربية ثم منطقة الشرق الأوسط ، وكان أن أطلقوا علينا الشعوب العربية ، ثم شعوب الشرق الأوسط ...
وكان أن اسموا الدول التي صنعّوها "الدول العربية" ، ثم دول الشرق الأوسط ، والذين لم يتنبهوا إلى دلالات الألفاظ في حينه يحصدون اليوم النتائج التي يستحقون . ففي " الشرق الأوسط " متسع لدول ، وطوائف ، وسكان ، وأعراق ، وقبائل من كل نوع ، "فإسرائيل" دولة ، وأم القيوين كذلك ، وهكذا .. وهكذا ، فكل قرية في الوطن العربي هي مشروع دولة إن شئتم ، وكل أسرة ، أو عائلة ، أو قبيلة هي مشروع شعب ... ، وكل دين ، وكل مذهب ، وكل طائفة ، هي مشاريع دول ، وكل عرق أو إثنية مشروع دولة ، وإذا كانت قد انتهت إلى الآن بالدول الـ / 22 / فإن هذا الرقم قد يكون البداية ، وليس النهاية ...!
( 5 )
قلنا أن الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة بدأت تتغلغل إلى الوطن العربي بعد أن بسط الغزو العثماني نفوذه عليه ، ولننتبه إلى التواريخ ( ذلك أنهم مع كل مرحلة يريدون إلغاء ذاكراتنا ، ثم يطالبون بالواقعية والبدء من جديد ، تفعيلاً لنظرية الصهيوني العتيد هنري كيسنجر : / البدء من اللحظة الراهنة / والكف في الحديث عن الحقوق التاريخية ، وهم يريدون لنا أن ننسى التاريخ ، أن ننسى أننا عرب ، وأن لنا الحق في دولة قومية واحدة تشمل أرض الوطن ، وشعب الأمة العربية ، وعلينا أن نتذكر كل ماعدا ذلك ...
علينا أن نتذكرّ أننا فراعنة ، وبربر ، وفينيق ، وآشور ، وكنعان ، وسومر ، وشركس ، وتركمان ، وسبئيين ، وكرد ، وقبط ، وأديان ، وطوائف ، ومذاهب ، وقبائل ، وأسر ، وبدو ، وحضر ، ووبر ، ومدر ، وسواحليون ، وجبليون ، وصحراويون ، ومغاربة ، ومشارقة ، ومذاهب من كل نوع / بينها من الثأر ، والثأر المضاد مالا ينهيه ،إلا هدر الدماء / وأننا دول مستقلة ذات سيادة من كل الأنواع ، ممالك ، وجمهوريات وإمارات ، وسلطنات ، وأخيراً القذافيات الجماهيرية ... وأن ننسى ، ونشطب من تاريخنا ، أننا بكل تلك المكونات دون انتقاص من أي منها ، أو تمييز ، أكتمل تكويننا كأمة عربية كاملة المواصفات ، وأن النكوص رجعية ، أو انحطاط إلى الفتن والتوحش ، وهذا يناقض تطور الإنسان إلى الأمام ، وبالتالي مصادرة مستقبله .
( 6 )
لقد استطاعت الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة أن تحصل من أصحاب الجلالة سلاطين بني عثمان على امتيازات تشمل الوطن العربي وفق ما يلي :
1 – الامتيازات لفرنسا سنة / 1535 / ، ثم لإنجلترا / 1579 / ، ثم لهولندا / 1598 / ، ثم لروسيا / 1700 / ، ثم للسويد / 1737 / ثم لنابولي / 1740 / ، ثم للدانمارك / 1765 / ، ثم لإسبانيا / 1783 / ، ثم للولايات المتحدة الأمريكية / 1830 / ، ثم لبلجيكا / 1813 / ، ثم للبرتغال / 1848 / ، ثم لليونان / 1854 / ...
2 – وفي ظل سلطة ( العثمانيين ) احتلت فرنسا الجزائر / 1830 / ، وتونس / 1848 / واحتلت إنجلترا جنوب الجزيرة العربية / 1838 / ، والأحساء / 1871 / ، ومصر / 1882 / ، ومسقط / 1892 / ، وكاظمة / 1899 / ، واحتلت إيطاليا ليبيا / 1912 / ، وكذلك الهولنديين في الخليج العربي ، والأسبان والألمان والفرنسيين على المحيط ...
3 – وفي ظل سلطة العثمانيين أيضاً : دخل نابليون مصر ، ودخلت بعثات التبشير وكليات الجواسيس الأوروبية من كل نوع لتخترق الثقافة العربية ، ومن ثم بعثات الكشف عن الآثار ، وشركات ما وراء البحار وتم تتويج ذلك بزحف الجيوش الاستعمارية على سائر أرجاء الوطن العربي تنفيذاً لمعاهدات وصفقات من بالمرستون ، إلى كامبل باليرمان ، إلى سايكس ، وبيكو ، وبلفور ، وبدأت مرحلة التفتيت الممنهج ، وتغلغل الجواسيس من أمثال لورانس ، وفيلبي ، وغلوب ، وغيرهم إلى أعماق الأرض العربية ومفاصل السلطات ، وتم تسويد ملايين الصفحات ، وفي كل اللغات عن المذاهب ، والنحل ، والملل ، والطوائف ، والأعراق ، والقبائل ، والمذابح التي حصلت بينها ، والصراعات التي يجب أن لا تندمل جراحها ليسود فكر الفتنة ، وعقل الفتنة لأن هذا هو الطريق الوحيد لميلاد هذا " الشرق الأوسط " الذي يحتفون بميلاد مؤسساته رسمياً هذه الأيام .
( 7 )
نستطيع القول بعد هذا ، ودون أن نجانب الحقيقة ، إن الامتيازات التي منحتها إمبراطورية بني عثمان للأوروبيين في الوطن العربي ، والاختراقات ، والاحتلالات التي رافقتها هي البذور التي استنبتوا منها هذا " الشرق الأوسط " على شكل دول ، وممالك ، وانتدابات ، ووصايات ، وحمايات نتيجة للحرب العالمية الأولى . وقد تم منحها صكوك الميلاد في سايكس بيكو ، وسان ريمو ، ووعد بلفور ، وعصبة الأمم المتحدة . ثم ، تم تكريس ذلك كله أثر الحرب العالمية الثانية في هيئة الأمم المتحدة ، وتم منح تلك الكيانية السياسية الشوهاء ( شرعيتها الدولية ) عبر صكوك هيئة الأمم المتحدة ، ثم ، وفي المرحلة الراهنة تم حل التناقضات الثانوية بين أطراف الكيانات السياسية التي تحتل أرض الوطن العربي ، والتي رغم اختلاف نظمها ، وطبيعتها ، ورغم أن "دولة إسرائيل" تتميّز بأنه تم استيراد سكانها من الخارج ، إلا أن تلك الكيانات تتوحّد من حيث الوظائف التي تقوم بها ، وهي تقسيم الوطن العربي ، ومنع توحده ، وضخ ثرواته إلى الغرب ووضعه موضع التبعية ، والاستلاب ، والفتن ، والاغتراب ، تتوحد في الاستبداد بالشعب العربي ، وفي التبعية للهيمنة الخارجية .
( 8 )
إن تلك " الشرق أوسطية " التي يسميها الصهيوني شمعون بيريز " شرق أوسط جديد " ليست جديدة ، ولا يحزنون ، وإنما نجد بذورها ، ثم جذورها ، ثم أغصانها ، ثم فروعها ، قد نمت عبر محطات بارزة لابد من كشف خباياها ، وبسطها بوضوح أمام نظر وسمع وعقل الجيل العربي الجديد الذي يتعرض لقصف إعلامي وثقافي بالغ التركيز والتأثير عبر الصوت والصورة تستهدف عقله المتعب لترسيخ " الشرق أوسطية " ومصطلحاتها ، ومؤسساتها بديلاً عن الأمة العربية ، والوطن العربي ، واللغة العربية ، والخصائص العربية ، والتاريخ العربي ، والجغرافيا العربية ، والثروات العربية ، والثقافة العربية ، والاقتصاد العربي ، والمشاعر العربية ، ومن ثم المستقبل العربي ... فيتم في ذلك كله تشطيب " عربي " ، وتجزيّء كل مصطلح منها إلى عشرات المصطلحات الشرق أوسطية ، حيث يعثر الغزاة ، والطغاة فيها على كل ما يريدون "هم" ، وما يخدم "مصالحهم" ، وما يرسّخ مفاهيمهم ، ومخططاتهم ، ودولهم ، ومؤسساتهم الصهيونية ، وغير الصهيونية بديلاً عن أمة العرب ، ووطنها .. إن العربي لا يعثر في مصطلحاتهم تلك على ذاته ، ووطنه ، وأمته ، ولكنه يعثر على كل ما يؤدي إلى استمرارية وضع اليد الغاصبة العدوانية على ثروات الأمة ، وإمكانياتها ، فالوطن ، دول متضاربة ، والأمة شعوب ، وقبائل ، وأعراق ، ومذاهب ، وطوائف ، وأديان ، والثروات ، والإمكانيات ، بيد شركات متعددة الجنسيات ، أو وحيدة الجنسية ، والدول الفعلية ، ومؤسساتها تابعة ، وخادمة ، وأدوات منفذة ، والعربي لم يعد مواطن في وطنه إنه من الرعايا بالنسبة للحكام ، وهو مجرد ساكن من سكان هذا " الشرق الأوسط " بالنسبة للغزاة ، والساكن قد يكون ضيفاً ، أو لاجئاً ، أو عابر سبيل ، أو خادماً و... وعلى كل عربي اليوم ، أن يستبدل بنسبه العربي ، نسباً ينحّط به إلى مرحلة العشائرية ، والقبلية ، والعرقية ، أو يُغترب به إلى الخارج ، كي يتمكن من الحصول على بطاقة شخصية ، أو جواز سفر ، أو جواز إقامة في هذا " الشرق أوسط " ، مطلوب من العربي اليوم أن يخرج من جلده ، وأن يحّطم تاريخه ، وحاضره ، ومستقبله ، وأن يتصرّف " كلقيط " يبحث بين الجماعات المستوردة ، والكيانات ، والكائنات التي اصُطنعت .. عن من يتبنّاه ، وكأنه لا أهل له ، ولا نسب ، ولا شهادة ميلاد ...
( 9 )
ولعل من المهم في هذه المرحلة الدقيقة تسليط الضوء على المرحلة الحاسمة ، المرحلة الأهم ، والمفصلية من مراحل تصنيع وتأسيس هذا "الشرق الأوسط" ، وهي المرحلة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، إنها مرحلة الولادة الحقيقية "للشرق أوسطية" ، خاصة بعد اكتشاف الكثير من الوثائق التي تشيب لها الولدان ، وما يجري ، اليوم ، في هذه الأيام السوداء ، هو قطف الثمار المسمومة لذلك الغرس النجس في ذلك الكيان الإقليمي المفتعل ...
إن الذي يسمونه مع بعض الإضافات "الشرق الأوسط" ، يضيفون عليه هذه الأيام شمال إفريقيا ، ففي شرق أوسطهم لا عرب ، وإنما غرب آسيا وشمال إفريقيا ، وبما أن التطور البشري يتوقف على معرفة الواقع ، كما هو ، لابد من تسليط الضوء على هذا الشرق الأوسط من خلال الوثائق والأحداث حيث تلاعبت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بالوطن العربي ، وأسسّت لتلك الكيانات التي تحتل الآن ما يسمونه منطقة " الشرق الأوسط " ، لكن ما تم تنفيذه في تلك الأيام ليس وليد ساعته وإنما كان تتويجاً لجهود مضنية بذلها استراتيجيون وعلماء في مختلف الاختصاصات والمجالات على مدى قرن سابق ، وهكذا فإن ما تم تصنيعه وتأسيسه خلال الحرب الأوربية الأولى ما زال قائماً يقسّم وطن ، ويفتتّ أمة ...
( 10 )
وعلى الذين لا يعجبهم الحال ، ويسعون إلى تغييرها أن يعالجوا الأسباب التي أدت إلى ما نحن فيه ، فالتغيير الذي استهدفته ، وتستهدفه القوى المضادة للنهوض العربي ، ليس تغييراً شكلياً يستبدل مصطلح الوطن العربي ، " بالشرق الأوسط " ، وإنما يستهدف تغييراً جذرياً لشطب وجود أمة ، ووطن ، وبالتالي فإن التغيير الذي يجب أن يستهدفه أولئك الذين يحملون راية الأمة العربية والوطن العربي ، ليس تغييراً بسيطاً ، وإنما تغيير جذري ، بنيوي ، خاصة وأن " الشرق أوسطية " لم تعد مصطلحاً ، ومخططات ، ومعاهدات على الورق ، وإنما أضحت واقعاً ، ودولاً ، ومنظمات ، وقوى ، ومؤسسات ، وسلطات ، وجيوش من المخبرين والمنافقين والمخربّين في شتى المجالات . وإذا كان الطرف الآخر ، محلياً ودولياً ، قد أعدّ للأمر عدّته ، وكسب جولة ، وجولات ، فإن الفريق العربي القومي التقدمي ، رغم الانتفاض ، والرفض ، والمقاومة مازال ، تحت تأثير الصدمة ، غير مصدق لما يرى ، يتصرف بردود الأفعال بينما الفعل المضاد يتجه لتنفيذ استراتيجيات تحدّد الطريق إلى الغاية ، خاصة ، وأن جميع وسائل العرب في الدفاع عن أمتهم العربية قد انهارت من تلقاء نفسها ، أو انهزمت بسهولة أمام قوى مدربة قادرة وقوية ،
المطلوب الآن هو الانتقال من حالة الدهشة ، إلى تحرير العقول للبدء من الممكن ، من الواقع كما هو بكل مكوناته إلى واقع مختلف جذرياً حيث أمة العرب ووطن العرب ، ودولة العرب . على العربي اليوم أن يسّطر خطاً في الواقع ، وخطاً في العقل لتحديد نقطة البداية ، موقعها ، والزمان ... أدوات وأساليب إطلاق صافرة الانطلاق ، وتحديد الاتجاه بحيث تخرج الأمة العربية من هذا التيه الذي طال أكثر مما ينبغي ....
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 09-06-2010 06:43

على بساط الثلاثاء
90

يكتبها : حبيب عيسى



"شرق أوسط" ...؟
لكن ... لمن ...؟!





(1 )
إن " الشرق أوسطية " التي اصطنعوها ، وما يزالون حتى اليوم يرممّون ما يتهدّم منها ، ويشرفون على إدارتها ، بشتى الوسائل المباشرة ، وغير المباشرة ، من أول الأساطيل ، والجيوش ، والقاذفات ، والصواريخ ، والشركات متعددة الجنسيات ، إلى الطغاة ، والمستبدين ، والمخبرين ، والفاسدين المفسدين ، وإلى آخر الذين يشهرون الفتن والإقصاء والاستئصال ، فالجنة لا تتسع إلا لهم ، بل ربما للبعض منهم ، بينما تتسع النار لجميع بني البشر الآخرين ... "الشرق أوسطية" تلك لم تكن مجرد مصطلح جغرافي ، وإنما كان الأمل منها ، ومازال يتمثل بتحويلها إلى هوية بديلة عن هوية الأمة العربية التي تشكل مركز هذا الذي يسمونه "شرق أوسط" ، فلا وطن عربي ، ولا أمة عربية ، ولا دولة عربية ، وبالتالي لا شعب عربي ، وإنما "دول فعلية" تحمل أسماء عائلات ، أو ُتنسب إلى مكونات جغرافية ، هذا من الناحية الشكلية ...
أما من الناحية الموضوعية ، فإنها ، جميعها ، إقطاعيات يتصرف فيها الذين ُأقطعت إليهم ، تصرف المالك بملكه ، وهي ملك له ولأولاده من بعده ، وقد نص على ذلك صراحة دستور إحدى الدول الفعلية المصطنعة على جزء من الوطن العربي ، حيث جاء في مقدمة دستور تلك الدولة : "إن دولة كذا ...هي ملك لفلان ... ولأولاده من بعده" ، وموضوعياً ، فإن جميع سلطات الدول الفعلية في الوطن العربي تتمتع بتلك المواصفات حتى لو لم تتضمن مقدمات دساتيرها ذلك النص .....
( 2 )
الغاية إذن كانت تحويل "الشرق أوسطية" إلى مجمّع كيانات بديلة عن كيان الأمة العربية التي تفتقد في "الشرق أوسطية" شخصيتها الاعتبارية ، فشخوص القانون الدولي في الوطن العربي 22دولة فعلية معترف فيها دولياً ، بما في ذلك "دولة للصهاينة" ، وأجزاء مُنحت ترضية لدول الجوار ، ولم تعد عربية في القانون الدولي ، وهكذا فإن ما يسمونه الآن بالشرعية الدولية تتعامل مع "الشرق أوسطية" كشخصية اعتبارية تمثل أراض ، وسكان ، وسلطات ، ودول ، بديلاً عن وطن عربي ، وشعب عربي ، وسلطة عربية ، ودولة عربية .....
وإذا كانت الشرعية الدولية التي صاغتها مصالح المنتصرين في الحروب العالمية ، وغير العالمية ، وإذا كان أي تغييّر في "خريطة الشرق الأوسط" التي رسموها بالدماء والفتن يشكل تهديداً للأمن القومي لدول الهيمنة الدولية ، فأن هذا الحجم الهائل من التدخل الخارجي في أدق التفاصيل العربية يغدو مفهوماً ، ومن حقهم الاحتفاء بدول "الشرق أوسطية" ومؤسساتها وسلطاتها السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والأثنية ، ومذاهبها الدينية ، فتلك الكيانات ليست وليدة الاتفاقيات والمؤتمرات والمنظمات التي تمثل " دول الشرق الأوسط " ، وإنما هي محصلة لجهد مثابر وفعال ودؤوب بذله وما زال يبذله النظام العالمي الذي رسمه الأوربيون للعالم طيلة أكثر من قرنين من الزمان ، منذ أن بدأت أوروبا تعتبر العالم برمّته ، بشراً ، وثروات ، وإمكانيات ، خاضعاً لنفوذها ، وأنه جار بملكيتها وبالتالي فهي المركز ، وللعالم بأسره مسميات تتفق مع موقعه من هذا المركز : شرق أوسط ،أو شرق أقصى ، أو غرب أدنى ، أو غرب أقصى ، أو جنوب غرب أو جنوب شرق ، وهكذا .. وإذا كانت جميع تلك المسميات، باستثناء "الشرق أوسطية" قد بقيت تعبيراً عن مواقع جغرافية ، أو تكتلات عسكرية ، أو أحلاف ، فإن ما يخص الوطن العربي منها كان له مدلول مختلف أجهد الأوربيون أنفسهم ( مؤرخين ورجال أديان ومكتشفي آثار ومبشرين وجيوش ومخبرين وجواسيس وعلماء في أصل الأنواع والكائنات...) لأكسائه صيغة متميزة تجعله بديلاً عن وطن أمة ، وعن أمة عريقة هي أمة العرب ، ووطنها ...
هناك خارج "الشرق أوسطية" يتحدثون عن مناطق جغرافية ، عن أحلاف تضم أمماً ، وأوطاناً ، بينما ، هنا ، يتطلعون إلى محو هوية أمة ، ومعالم وطن ، وإذا كان كثير من العرب لم يدركوا أهمية ذلك ، فإن أصحاب النظام العالمي الأوروبي ، ثم ( الأوروبي – الأمريكي ) يدركون جيداً أهمية ما يقومون به ، ويبذلون لتحقيقه حتى من دماء أبنائهم ...
( 3 )
وإذا كانت " الشرق أوسطية " تجتاز اليوم عتبة التجسيد الواقعي لمؤسسات إقليمية ومحلية ذات طابع دولي وسياسي واقتصادي واجتماعي تتمحور كدول حول "دولة إسرائيل" فإن تلك "الشرق أوسطية" كانت قد اجتازت عتبة المخاض الحقيقي على أصوات المدافع التي حسمت الحرب العالمية الأولى ، بعد أن كانت الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة قد اخترقت – واقعياً – الوطن العربي من المحيط إلى الخليج في ظل السيادة العثمانية عليه ، والتي كانت تتحول شيئاً فشيئاً إلى سيادة شكلية ، وتنسحب خطوة ، خطوة من أمام الزحف الاستعماري الأوربي .
( 4 )
فمنذ القرن السادس عشر ، ومع استقرار الغزو العثماني القبلي للوطن العربي كانت الإمبراطورية الأوروبية تمد بصرها ، وبصيرتها إلى الوطن العربي ، ذلك ، لأن دروس التاريخ علمتهّم أن من يريد أن يفرض سيطرته ، ونظامه على العالم .. عليه أن يضع يده على الوطن العربي ، مركز العالم القديم ، ومركز الأديان ، وبوابة العالم ، وأخيراً مصدر الطاقة ..وهم يدركون أنه كوطن لأمة عريقة عصيّ على الاختراق ، لذا لابد من تحويله من وطن ، إلى منطقة ، ومن مواطنين إلى سكان ، فكان أن أسموه المنطقة العربية ثم منطقة الشرق الأوسط ، وكان أن أطلقوا علينا الشعوب العربية ، ثم شعوب الشرق الأوسط ...
وكان أن اسموا الدول التي صنعّوها "الدول العربية" ، ثم دول الشرق الأوسط ، والذين لم يتنبهوا إلى دلالات الألفاظ في حينه يحصدون اليوم النتائج التي يستحقون . ففي " الشرق الأوسط " متسع لدول ، وطوائف ، وسكان ، وأعراق ، وقبائل من كل نوع ، "فإسرائيل" دولة ، وأم القيوين كذلك ، وهكذا .. وهكذا ، فكل قرية في الوطن العربي هي مشروع دولة إن شئتم ، وكل أسرة ، أو عائلة ، أو قبيلة هي مشروع شعب ... ، وكل دين ، وكل مذهب ، وكل طائفة ، هي مشاريع دول ، وكل عرق أو إثنية مشروع دولة ، وإذا كانت قد انتهت إلى الآن بالدول الـ / 22 / فإن هذا الرقم قد يكون البداية ، وليس النهاية ...!
( 5 )
قلنا أن الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة بدأت تتغلغل إلى الوطن العربي بعد أن بسط الغزو العثماني نفوذه عليه ، ولننتبه إلى التواريخ ( ذلك أنهم مع كل مرحلة يريدون إلغاء ذاكراتنا ، ثم يطالبون بالواقعية والبدء من جديد ، تفعيلاً لنظرية الصهيوني العتيد هنري كيسنجر : / البدء من اللحظة الراهنة / والكف في الحديث عن الحقوق التاريخية ، وهم يريدون لنا أن ننسى التاريخ ، أن ننسى أننا عرب ، وأن لنا الحق في دولة قومية واحدة تشمل أرض الوطن ، وشعب الأمة العربية ، وعلينا أن نتذكر كل ماعدا ذلك ...
علينا أن نتذكرّ أننا فراعنة ، وبربر ، وفينيق ، وآشور ، وكنعان ، وسومر ، وشركس ، وتركمان ، وسبئيين ، وكرد ، وقبط ، وأديان ، وطوائف ، ومذاهب ، وقبائل ، وأسر ، وبدو ، وحضر ، ووبر ، ومدر ، وسواحليون ، وجبليون ، وصحراويون ، ومغاربة ، ومشارقة ، ومذاهب من كل نوع / بينها من الثأر ، والثأر المضاد مالا ينهيه ،إلا هدر الدماء / وأننا دول مستقلة ذات سيادة من كل الأنواع ، ممالك ، وجمهوريات وإمارات ، وسلطنات ، وأخيراً القذافيات الجماهيرية ... وأن ننسى ، ونشطب من تاريخنا ، أننا بكل تلك المكونات دون انتقاص من أي منها ، أو تمييز ، أكتمل تكويننا كأمة عربية كاملة المواصفات ، وأن النكوص رجعية ، أو انحطاط إلى الفتن والتوحش ، وهذا يناقض تطور الإنسان إلى الأمام ، وبالتالي مصادرة مستقبله .
( 6 )
لقد استطاعت الإمبراطورية الأوروبية الصاعدة أن تحصل من أصحاب الجلالة سلاطين بني عثمان على امتيازات تشمل الوطن العربي وفق ما يلي :
1 – الامتيازات لفرنسا سنة / 1535 / ، ثم لإنجلترا / 1579 / ، ثم لهولندا / 1598 / ، ثم لروسيا / 1700 / ، ثم للسويد / 1737 / ثم لنابولي / 1740 / ، ثم للدانمارك / 1765 / ، ثم لإسبانيا / 1783 / ، ثم للولايات المتحدة الأمريكية / 1830 / ، ثم لبلجيكا / 1813 / ، ثم للبرتغال / 1848 / ، ثم لليونان / 1854 / ...
2 – وفي ظل سلطة ( العثمانيين ) احتلت فرنسا الجزائر / 1830 / ، وتونس / 1848 / واحتلت إنجلترا جنوب الجزيرة العربية / 1838 / ، والأحساء / 1871 / ، ومصر / 1882 / ، ومسقط / 1892 / ، وكاظمة / 1899 / ، واحتلت إيطاليا ليبيا / 1912 / ، وكذلك الهولنديين في الخليج العربي ، والأسبان والألمان والفرنسيين على المحيط ...
3 – وفي ظل سلطة العثمانيين أيضاً : دخل نابليون مصر ، ودخلت بعثات التبشير وكليات الجواسيس الأوروبية من كل نوع لتخترق الثقافة العربية ، ومن ثم بعثات الكشف عن الآثار ، وشركات ما وراء البحار وتم تتويج ذلك بزحف الجيوش الاستعمارية على سائر أرجاء الوطن العربي تنفيذاً لمعاهدات وصفقات من بالمرستون ، إلى كامبل باليرمان ، إلى سايكس ، وبيكو ، وبلفور ، وبدأت مرحلة التفتيت الممنهج ، وتغلغل الجواسيس من أمثال لورانس ، وفيلبي ، وغلوب ، وغيرهم إلى أعماق الأرض العربية ومفاصل السلطات ، وتم تسويد ملايين الصفحات ، وفي كل اللغات عن المذاهب ، والنحل ، والملل ، والطوائف ، والأعراق ، والقبائل ، والمذابح التي حصلت بينها ، والصراعات التي يجب أن لا تندمل جراحها ليسود فكر الفتنة ، وعقل الفتنة لأن هذا هو الطريق الوحيد لميلاد هذا " الشرق الأوسط " الذي يحتفون بميلاد مؤسساته رسمياً هذه الأيام .
( 7 )
نستطيع القول بعد هذا ، ودون أن نجانب الحقيقة ، إن الامتيازات التي منحتها إمبراطورية بني عثمان للأوروبيين في الوطن العربي ، والاختراقات ، والاحتلالات التي رافقتها هي البذور التي استنبتوا منها هذا " الشرق الأوسط " على شكل دول ، وممالك ، وانتدابات ، ووصايات ، وحمايات نتيجة للحرب العالمية الأولى . وقد تم منحها صكوك الميلاد في سايكس بيكو ، وسان ريمو ، ووعد بلفور ، وعصبة الأمم المتحدة . ثم ، تم تكريس ذلك كله أثر الحرب العالمية الثانية في هيئة الأمم المتحدة ، وتم منح تلك الكيانية السياسية الشوهاء ( شرعيتها الدولية ) عبر صكوك هيئة الأمم المتحدة ، ثم ، وفي المرحلة الراهنة تم حل التناقضات الثانوية بين أطراف الكيانات السياسية التي تحتل أرض الوطن العربي ، والتي رغم اختلاف نظمها ، وطبيعتها ، ورغم أن "دولة إسرائيل" تتميّز بأنه تم استيراد سكانها من الخارج ، إلا أن تلك الكيانات تتوحّد من حيث الوظائف التي تقوم بها ، وهي تقسيم الوطن العربي ، ومنع توحده ، وضخ ثرواته إلى الغرب ووضعه موضع التبعية ، والاستلاب ، والفتن ، والاغتراب ، تتوحد في الاستبداد بالشعب العربي ، وفي التبعية للهيمنة الخارجية .
( 8 )
إن تلك " الشرق أوسطية " التي يسميها الصهيوني شمعون بيريز " شرق أوسط جديد " ليست جديدة ، ولا يحزنون ، وإنما نجد بذورها ، ثم جذورها ، ثم أغصانها ، ثم فروعها ، قد نمت عبر محطات بارزة لابد من كشف خباياها ، وبسطها بوضوح أمام نظر وسمع وعقل الجيل العربي الجديد الذي يتعرض لقصف إعلامي وثقافي بالغ التركيز والتأثير عبر الصوت والصورة تستهدف عقله المتعب لترسيخ " الشرق أوسطية " ومصطلحاتها ، ومؤسساتها بديلاً عن الأمة العربية ، والوطن العربي ، واللغة العربية ، والخصائص العربية ، والتاريخ العربي ، والجغرافيا العربية ، والثروات العربية ، والثقافة العربية ، والاقتصاد العربي ، والمشاعر العربية ، ومن ثم المستقبل العربي ... فيتم في ذلك كله تشطيب " عربي " ، وتجزيّء كل مصطلح منها إلى عشرات المصطلحات الشرق أوسطية ، حيث يعثر الغزاة ، والطغاة فيها على كل ما يريدون "هم" ، وما يخدم "مصالحهم" ، وما يرسّخ مفاهيمهم ، ومخططاتهم ، ودولهم ، ومؤسساتهم الصهيونية ، وغير الصهيونية بديلاً عن أمة العرب ، ووطنها .. إن العربي لا يعثر في مصطلحاتهم تلك على ذاته ، ووطنه ، وأمته ، ولكنه يعثر على كل ما يؤدي إلى استمرارية وضع اليد الغاصبة العدوانية على ثروات الأمة ، وإمكانياتها ، فالوطن ، دول متضاربة ، والأمة شعوب ، وقبائل ، وأعراق ، ومذاهب ، وطوائف ، وأديان ، والثروات ، والإمكانيات ، بيد شركات متعددة الجنسيات ، أو وحيدة الجنسية ، والدول الفعلية ، ومؤسساتها تابعة ، وخادمة ، وأدوات منفذة ، والعربي لم يعد مواطن في وطنه إنه من الرعايا بالنسبة للحكام ، وهو مجرد ساكن من سكان هذا " الشرق الأوسط " بالنسبة للغزاة ، والساكن قد يكون ضيفاً ، أو لاجئاً ، أو عابر سبيل ، أو خادماً و... وعلى كل عربي اليوم ، أن يستبدل بنسبه العربي ، نسباً ينحّط به إلى مرحلة العشائرية ، والقبلية ، والعرقية ، أو يُغترب به إلى الخارج ، كي يتمكن من الحصول على بطاقة شخصية ، أو جواز سفر ، أو جواز إقامة في هذا " الشرق أوسط " ، مطلوب من العربي اليوم أن يخرج من جلده ، وأن يحّطم تاريخه ، وحاضره ، ومستقبله ، وأن يتصرّف " كلقيط " يبحث بين الجماعات المستوردة ، والكيانات ، والكائنات التي اصُطنعت .. عن من يتبنّاه ، وكأنه لا أهل له ، ولا نسب ، ولا شهادة ميلاد ...
( 9 )
ولعل من المهم في هذه المرحلة الدقيقة تسليط الضوء على المرحلة الحاسمة ، المرحلة الأهم ، والمفصلية من مراحل تصنيع وتأسيس هذا "الشرق الأوسط" ، وهي المرحلة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ، إنها مرحلة الولادة الحقيقية "للشرق أوسطية" ، خاصة بعد اكتشاف الكثير من الوثائق التي تشيب لها الولدان ، وما يجري ، اليوم ، في هذه الأيام السوداء ، هو قطف الثمار المسمومة لذلك الغرس النجس في ذلك الكيان الإقليمي المفتعل ...
إن الذي يسمونه مع بعض الإضافات "الشرق الأوسط" ، يضيفون عليه هذه الأيام شمال إفريقيا ، ففي شرق أوسطهم لا عرب ، وإنما غرب آسيا وشمال إفريقيا ، وبما أن التطور البشري يتوقف على معرفة الواقع ، كما هو ، لابد من تسليط الضوء على هذا الشرق الأوسط من خلال الوثائق والأحداث حيث تلاعبت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بالوطن العربي ، وأسسّت لتلك الكيانات التي تحتل الآن ما يسمونه منطقة " الشرق الأوسط " ، لكن ما تم تنفيذه في تلك الأيام ليس وليد ساعته وإنما كان تتويجاً لجهود مضنية بذلها استراتيجيون وعلماء في مختلف الاختصاصات والمجالات على مدى قرن سابق ، وهكذا فإن ما تم تصنيعه وتأسيسه خلال الحرب الأوربية الأولى ما زال قائماً يقسّم وطن ، ويفتتّ أمة ...
( 10 )
وعلى الذين لا يعجبهم الحال ، ويسعون إلى تغييرها أن يعالجوا الأسباب التي أدت إلى ما نحن فيه ، فالتغيير الذي استهدفته ، وتستهدفه القوى المضادة للنهوض العربي ، ليس تغييراً شكلياً يستبدل مصطلح الوطن العربي ، " بالشرق الأوسط " ، وإنما يستهدف تغييراً جذرياً لشطب وجود أمة ، ووطن ، وبالتالي فإن التغيير الذي يجب أن يستهدفه أولئك الذين يحملون راية الأمة العربية والوطن العربي ، ليس تغييراً بسيطاً ، وإنما تغيير جذري ، بنيوي ، خاصة وأن " الشرق أوسطية " لم تعد مصطلحاً ، ومخططات ، ومعاهدات على الورق ، وإنما أضحت واقعاً ، ودولاً ، ومنظمات ، وقوى ، ومؤسسات ، وسلطات ، وجيوش من المخبرين والمنافقين والمخربّين في شتى المجالات . وإذا كان الطرف الآخر ، محلياً ودولياً ، قد أعدّ للأمر عدّته ، وكسب جولة ، وجولات ، فإن الفريق العربي القومي التقدمي ، رغم الانتفاض ، والرفض ، والمقاومة مازال ، تحت تأثير الصدمة ، غير مصدق لما يرى ، يتصرف بردود الأفعال بينما الفعل المضاد يتجه لتنفيذ استراتيجيات تحدّد الطريق إلى الغاية ، خاصة ، وأن جميع وسائل العرب في الدفاع عن أمتهم العربية قد انهارت من تلقاء نفسها ، أو انهزمت بسهولة أمام قوى مدربة قادرة وقوية ،
المطلوب الآن هو الانتقال من حالة الدهشة ، إلى تحرير العقول للبدء من الممكن ، من الواقع كما هو بكل مكوناته إلى واقع مختلف جذرياً حيث أمة العرب ووطن العرب ، ودولة العرب . على العربي اليوم أن يسّطر خطاً في الواقع ، وخطاً في العقل لتحديد نقطة البداية ، موقعها ، والزمان ... أدوات وأساليب إطلاق صافرة الانطلاق ، وتحديد الاتجاه بحيث تخرج الأمة العربية من هذا التيه الذي طال أكثر مما ينبغي ....
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 09-13-2010 09:43

على بساط الثلاثاء
91

يكتبها: حبيب عيسى


المقاومة في فلسطين :
من الأمر الواقع ...
إلى الإستراتيجية القومية ...
إجابات مبكرّة على أسئلة راهنة ...

( 1 )
مدخل معاصر ، لحديث قديم :
إن الحديث عن قضية فلسطين لم يكن في يوم من الأيام ، ولن يكون في القادم من الأيام ، حديثاً ينحصر في الإطار الجغرافي لحدود فلسطين كما رسمتها المعاهدات الاستعمارية ، ذلك أن ما جرى لفلسطين ، وما يجري في فلسطين يتعلق بوجود الأمة العربية ، وبمستقبلها ، وبمصيرها ، فدولة المستوطنات الصهيونية ليست مشروعاً من أجل فلسطين ، أو من أجل جزء منها ، وليست مشروعاً دينياً للموسويين ، أو لجزء منهم ، إنما ، وكما كشفت الوثائق ، فإن إقامة تلك المستوطنات تم في سياق مخطط دولي للسيطرة الاستعمارية على الوطن العربي لوضع حد لمشروع النهوض العربي الذي ، وفي حال نجاحه ، سيطيح بالنظام الاستعماري الدولي ليس على صعيد الوطن العربي ، وحسب ، وإنما على صعيد العالم كله ، لقد كشفت الوثائق أن بالمرستون وزير خارجية بريطانيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر قد وضع توصية بإقامة حاجز مستورد من الغرباء عن العرب شرق قناة السويس لمنع وحدة العرب ، كان ذلك قبل أكثر من نصف قرن ، من المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا مما يؤكد أن المشروع الاستعماري الأوربي هو الذي اختلق المنظمة الصهيونية ، وليس العكس ، ثم تأكد ذلك في وثائق بيبرمان بلندن 1905 قبل وعد بلفور ، ثم بما حدث ، ويحدث حتى الآن ...
( 2 )
إن قضية فلسطين هي قضية قومية عربية ، هي قضية الأمة العربية بأسرها ، لأن فلسطين ملك شرعي للأجيال العربية المتعاقبة ، وقضيتها تتعلق بجزء محتل من أرض الوطن العربي ، الحل المشروع والوحيد لها يكمن في تحريرها ، وتحرير سائر أرجاء الوطن العربي من الاحتلال الاستعماري الخارجي ، ومن الاحتلال الإقليمي الداخلي ، فغزاة الخارج ، وطغاة الداخل لا يكتفون باقتسام فلسطين ، وإنما يقتسمون الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ...
هكذا نرى أن حدود قضية فلسطين هي حدود الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ، بل أبعد من ذلك فإن طريقة حلها ستحدّد مصير النظام العالمي برمته .
وحتى يبقى هذا الحديث في إطار الواقع الموضوعي العربي ، كما هو ، فإن علينا أن نبني على الأمر مقتضاه ، باعتبار أن مشكلة فلسطين هي مشكلة قومية عربية ، وهي كذلك من وجهة نظرنا على الأقل ، فإن حلها يكون بتحريرها للأمة العربية ، وبالأمة العربية ، وبالمنهج القومي العربي ، وبالأداة القومية العربية ، وأن أية محاولة ، أو محاولات أخرى ، هي مجرد تزييّف لحقيقة المشكلة من جهة ، وتشتيت للقوى من جهة أخرى ، وتضييّع للفرص ، وتقديم الكثير من الضحايا ، وهدر الكثير من الإمكانيات على الطريق الخطأ في الأحوال كلها ....
( 3 )
لن ندخل في التفاصيل ، ولن نلاحق الفشل التاريخي ، والمعاصر ، فقط سنحاول قراءة الواقع الموضوعي الراهن في فلسطين كما هو الآن حيث نجد المشهد كما يلي :
أولاً : دولة للمستوطنات الصهيونية ، وتشمل الجزء الأكبر من جغرافية فلسطين ، بات من المعروف كيف ولدت من رحم النظام الدولي الاستعماري الذي اتبع استراتيجية واضحة تقول : يجب ألا يتحد العرب ، باستخدام العنصرية الصهيونية من اليهود ، ومن غير اليهود .
ثانياً : سلطة إدارية على جزء من الضفة الغربية لنهر الأردن ، ولدت من رحم مقاومة ولدت عربية ، ومن رحم حركات وأحزاب قومية في منتصف العقد السادس من القرن العشرين ، وفي ظل مشروع نهوض قومي عربي ، لكن مع بواكير انحسار هذا المشروع القومي بعد عام 1967 ، ثم انحساره بعد عام 1970 بغياب ، أو تغييّب قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، ذهبت الخيلاء بعقول بعض قادة تلك المقاومة فأقلموها ، وقطعوا مع جماهير الأمة العربية ، وبدأوا يبحثون عن دور في النظام الإقليمي ، وفي نوادي الرؤساء والملوك والأمراء فتحولوا من منظمة تحرير فلسطين إلى منظمة التحرير الفلسطينية ، وانحدرت الأهداف والمواثيق من تحرير فلسطين إلى المطالبة بسلطة إدارية على هامش المستوطنات الصهيونية في جزء من الضفة الغربية وغزة ، فباتوا جزءاً من لعبة التسويات والصفقات الإقليمية حتى ألقي بهم في بحر بيروت عام 1982 وتم حشرهم في مخيمات سياحية في تونس ثم حملوا إلى مدريد ، ومنها إلى أوسلوا ، ثم إلى واشنطن ، ثم غزة ، ومنها إلى رام الله ، ومازالوا يفاوضون ويساومون ... والتبرير الوحيد لديهم : أنه لا بديل أمامهم ...
ثالثاً : سلطة إدارية على جزء من محافظة غزة ولدت من رحم مقاومة دينية ترفع شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وإزالة "دولة إسرائيل" ، لكن انحدرت الأهداف إلى سلطة إدارية في محافظة غزة المنفصلة عن الضفة الغربية ، وبالتالي فإن التسوية مع دولة المستوطنات الصهيونية لن تنتج دولتين "فلسطينية" و "صهيونية" ، وإنما سينتج عنها "دولة صهيونية" كاملة السيادة دولياً ، وإلى جانبها سلطتين إداريتين في محافظتين منفصلتين الأولى في رام الله ، والثانية في غزة ، وبهذا يكون المشروع الصهيوني قد حقق هدفاً استراتيجياً طالما سعت لتحقيقه قوى الهيمنة الدولية التي زرعت المستوطنات الصهيونية في فلسطين ...
( 4 )
لهذا فقد نبّه القوميون العرب التقدميون من مخاطر أقلمة المقاومة ، ثم نبهّوا من مخاطر مذهبتها دينياً ، فمشكلة فلسطين ليست مشكلة إقيمية تخص العرب الفلسطينيين ، أو عرب الضفة الغربية الفلسطسنيين ، وليست مشكلة دينية تخص المسلمين الفلسطينيين ، أو المسلمين في محافظة غزة ، وإنما مشكلة قومية عربية لن تجد حلها الصحيح إلا في إطار مشروع النهوض والتنوير والتحرير القومي العربي التقدمي وهذا موضوع متشعب تم إشباعه نقاشاً في الفكر القومي العربي التقدمي ... ولا يتسع المجال للتوسع فيه في هذه العجالة ، فقط نقول : أن العدوان على فلسطين خطط له ونفذه عتاة نظام السيطرة الاستعمارية لوضع اليد على الوطن العربي ، وأن هذا العدوان ليس عدواناً دينياً فقد ساهم في تحقيقه محلياً ودولياً معتدون من جميع الملل والطوائف والأديان ، ووقع العدوان على العرب فلسطينيين وغير فلسطينيين من شتى الديانات والطوائف والمذاهب ، وبالتالي فإن مشكلة فلسطين ليست مشكلة إقليمية لتجد حلها في الإطار الإقليمي الفلسطيني ، وليست مشكلة دينية لتجد حلها في ذلك الإطار الديني أو المذهبي .....
قد نواجه باعتراض مشروع يقول : أين أنتم أيها القوميون العرب التقدميون ؟ ، وأين مقاومتكم ؟ ، على الأقل الإقليميون أقاموا سلطة في رام الله ويفاوضون في ظروف صعبة لاكتساب مكاسب جديدة ، كما أن الجماعات الإسلامية صامدة في غزة وتقاتل لتحقيق مكتسبات جديدة ، كل هذا في غيبة ، أو غيبوبة التيار القومي العربي وانحساره ، الذي قد يستعيد الوعي ، وقد يستمر في غيبوبته ؟ ، نعم ، أنا أقر بمشروعية السؤال ، بل أكثر من ذلك أقول أن انحسار المشروع القومي العربي التقدمي النهضوي الديمقراطي قد ولدّ فراغاً خطيراً ، وأن القوميون العرب التقدميون مدينون لكل من قاوم وأطلق رصاصة على الأعداء سواء في فلسطين أو في العراق أو في لبنان أو في أي مكان من وطن العرب ، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن يخطر في بال أحد أن الأمة العربية قد دفنت تحت ركام العدوان الخارجي والفتن الداخلية ، إنها محنة وستمضي ، وسيستأنف جيل عربي حالي أو قادم مشروع النهوض والتحرير والتنوير ، بعد سلسلة الدروس المريرة ، وحتى يتم ذلك ستقاوم الأمة في الأجزاء ، وفي الكل بما هو متاح ، لكن ضمن الحدود والمحدودية المتاحة ، بشرط ألا يخطر ببال احد أنه بديل عن المشروع الاستراتيجي القومي العربي التقدمي ، وبالتالي عليه أن يمهد لانطلاقته لا أن ينفيه ، لأن أي تجاوز للفهم القومي الموضوعي التقدمي سيتحول بتلك الجماعات إلى قوى مضادة سواء بالجهل ، أو بالعجز ، أو بالتخلف ، فالقوى المعادية في الخارج التي عملت وتعمل كي لا يتحد العرب تتناغم معها قوى الداخل التي تعمل كي لا يتحد العرب مهما كان لبوسها علمانياً ، أو دينياً ، أو مذهبياُ ، أو إثنياً ، أو إقليمياً ....
( 5 )
في الشهر الأخير من عام 1992 تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في "المؤتمر العالمي الرابع لدعم الانتفاضة الإسلامية في فلسطين" الذي ُعقد في بيروت في الفترة : ( 14 – 16 كانون الأول – ديسمبر – 1992 ) ، ورغم أن العنوان كان إشكالياً ، فالانتفاضة في فلسطين في تلك الأيام لم تكن تقتصر على فئة دون أخرى ، وبالتالي فإن حصرها باعتبارها "انتفاضة إسلامية" هو تزييف لحقيقتها ، فقد شارك فيها الأطفال والعجائز والنساء والشيوخ والمتدينون والعلمانيون والمسلمون والمسيحيون وحتى بعض اليهود ، فلماذا إسقاط تلك الصفة الوطنية الشاملة عن الانتفاضة العظيمة ؟ ، ورغم ذلك لم يكن بالإمكان أن أتخلف عن المساهمة في ذلك المؤتمر لأنه يدعم انتفاضة الأهل في فلسطين .... مهما كانت العناوين ....
في قاعة المؤتمر كان الحضور مهيباً ، جميع العمائم التي عمّمتها مذاهب المسلمين إلى جانب المطارنة وحضور خجول لبعض القوميين واليساريين ، كانت متراصة إلى جانب بعضها البعض في قبو الفندق البيروتي الذي تم اختياره لأسباب أمنية ، وهذا يعبر عن واقع الحال في تلك الأيام ، كان الحضور هاماً ، فمع حفظ الألقاب ، والمقامات ، حضر السادة الأفاضل : محمد حسين فضل الله ومفتي لبنان وحسن نصر الله وشيوخ العقل والمجلس الشيعي الأعلى ، والمطران خضر ، والفصائل الفلسطينية المنتفضة على عرفات ، والسفارة الإيرانية ، وعدد كبير من الرموز ، وهكذا ...
وما كاد المؤتمر يبدأ أعماله حتى بدأ صدى السؤال يتردد في أرجاء المؤتمر : أين أنتم أيها القوميون العرب ؟ ، أين أنتم أيها الناصريون ؟ ، أين مقاومتكم للمشروع الأمريكي الصهيوني ؟ ، هل اقتنعتم بالتطهر من الرجس القومي ؟ ، أسئلة استنكارية ، واستفذاذية تصب جميعها في نعي التيار القومي العربي التقدمي ، والحديث عن الصراعات بين صفوفه ، وعن ممارساته التي تجاوزت الأخطاء إلى الخطايا ، وعن الأفكار القومية المستوردة والمشبوهة ، وبالتالي فإن المشروع القومي العربي قد انتهى ، وأن الحل في تلافيف تلك العمائم ، وكأن الإسلاميين حضروا لتقديم واجب العزاء ، وكأن كل ما دعينا له ، نحن أيتام القومية العربية ، هو ترداد القول بعد ، شكر الله سعيكم : عظم الله أجركم ...
( 6 )
أعترف أنني كنت قد قررت التزام الصمت ، لكن بعد كل هذا الذي قيل ، كان لابد من كلمة تقال ، خاصة ، وإنني اعتبرت نفسي معنياً في كل هذا الذي يقال ، ورغم صعوبة الموقف ، لأنني احتراماً للانتفاضة في فلسطين كنت مصّراً على الابتعاد عن أي استفزاز حتى نكون معاً في تلك اللحظة التاريخية وراء أطفال الحجارة في فلسطين من جهة ، ثم اعترافاً من قبلي أننا كقوميين عرب في محنة بعد سلسلة من الممارسات الخاطئة وحتى الإجرامية التي ارتكبها بعض المرضى العصابيين باسم القومية العربية فأسأوا إليها وأجرموا بحقها قبل أي أحد آخر ، مما يفرض علينا المراجعة وإعلان البراءة من تلك الجرائم ومن الأساليب التي أدت إليها ، وتجديد مشروع النهوض والتنوير والتحرير القومي قبل أن نواجه الآخر ، من جهة أخرى ، ثم من سيستمع إلى خطاب قومي عربي مهزوم بات من الماضي خاصة وأن القوى الإسلامية التي تملأ القاعة لا تتحدث من فراغ ، وإنما تمارس المقاومة ، وتقدّم الشهداء ، وتنفذ عمليات مقاومة نوعية ترفع رأس كل عربي ..؟ ، وترتب لهم في أعناقنا ديناً لا ننكره ، أنهم يملأون فراغاً سببّه انحسار المشروع النهضوي التحريري القومي العربي ، وبالتالي من حقهم احتلال المقاعد الأمامية ، لكن هذا يذكرنا بانطلاق المقاومة بعد هزيمة النظام الإقليمي 1967 عندها ذهبت الخيلاء بعقول البعض من قادة المقاومة العربية في فلسطين ، فصدقوّا أنهم البديل عن مشروع الأمة العربية القومي التقدمي ، وأقلموا المقاومة وانتهى بهم المطاف إلى الدرك الذي نعايش الآن ، يتكرّر المشهد في هذه القاعة لدى فصيل إسلامي ، هذه المرة ، فيتحدثون عن موت المشروع القومي العربي النهضوي ، وأن الحل لديهم ولا شريك لهم ، وهم حتى لا يتقيدون بالقاعدة الشرعية : أذكروا محاسن موتاكم ، وربما عذرهم أن الفقيد ليس من موتاهم ، هنا كان لابد من كلمة تقال ، ليس من باب المناكفة ، وإنما من باب التصادق ، واحتراماً لدماء الشهداء حتى لا تذهب هدراً ، مرة أخرى ، فإذا كان المشروع القومي العربي التقدمي يدفع ثمن الأخطاء والخطايا في الأساليب والتكتيك ، والممارسات ، فإن الأخوة الإسلاميين سيدفعون ثمن الأخطاء والخطايا التي يرتكبونها على الصعيد الاستراتيجي بعدم فهم الحقيقة القومية العربية لقضية فلسطين ، وبالتالي فإن الحامل للمقاومة القادرة على الوصول إلى الهدف الاستراتيجي هم العرب على مختلف مكوناتهم الدينية والمذهبية والإقليمية والأثنية والاجتماعية ، مقاومة تحمل هوية الأمة العربية ، وفي إطار مشروعها النهضوي التنويري الشامل ، وما دون ذلك هو مجرد ملء فراغ مهما كانت البراعة في الأساليب متوفرة ، فلا الاستراتيجية الصحيحة تبرر الأساليب الخاطئة عند القوميين ، ولا الأساليب النوعية العظيمة في المقاومات الراهنة تبرر فقدان الرؤية الاستراتيجية الصحيحة ، وربما كان ثمن الفشل هنا أكثر فداحة ، وكما دفعت الأمة العربية كلها ثمن فشل أساليب المشروع القومي العربي التقدمي بما في ذلك الإسلاميين ، فإن الأمة العربية كلها ستدفع ثمن فشل الجماعات الإسلامية بما في ذلك القوميون العرب ، وبالتالي فإن الخلط في المفاهيم كارثة على الجميع ، علينا وعليهم بالدرجة الأولى ، ولهذا لا بديل عن التداعي إلى الكلمة السواء ، فما بيننا وبينهم مشكلات مفاهيم تحل بالحوار ، أما المعارك فهي بيننا معاً ، وبين الغزاة والطغاة في الطرف الآخر .... ، هكذا استجمعت ما أبقته السنون من شجاعة ، واعتليت المنبر في اليوم الثاني من المؤتمر : 15/12/1992 في الجلسة الصباحية ، وقدمت مداخلة مكتوبة سهرت عليها ليل ذلك اليوم لأنني كنت حريصاً على موضوعية الحديث وأن لا ننجرف إلى الانفعال وردود الأفعال ، فالحديث بين أخوة ، والتصادق هو حبل النجاة ، لقد همهم البعض استحساناً لبعض ما قلت ، ثم همهموا ، هم ذاتهم ، استنكاراً لبعض آخر مما قلت ...
إنني إذ أضع هذه الكلمة بين أيديكم على بساط هذا الثلاثاء دون تدخل ، أو تعديل ، لأنها ربما تتعلق بإجابات ُمبكرة على أسئلة راهنة ، تحتمل الصواب والخطأ ، فإن كل ما أبغيه هو أن تفتح تلك الأفكار حواراً جاداً نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه ، لنصوّب في عام 2010 ما قلناه في عام 1992 ...
( 7 )
من الأمة العربية إلى فلسطين ، ومنها إلى الأمة العربية
أيها السادة الأفاضل ...
* لعله من دواعي الثقة بالمستقبل أن يتداعى هذا الجمع الكريم ، لدعم انتفاضة الأهل في فلسطين ، وإن كنت أرى أن واقع العرب ، والشعوب المستضعفة في العالم أولى باستدعاء تلك الانتفاضة إلى ساحة الوطن العربي ، والعالم ، لدحر عدو شرس ، متعدّد الأشكال ، موحد الأهداف تشمل أطماعه ثروات العالم ، بكليتها ، وهو لذلك يضع شعوب الأرض قاطبة على لائحة الاستعباد ، أو الإبادة إذا لزم الأمر ، وبالتالي فإن تلك الشعوب ترنوا إلى الانتفاضة في فلسطين ، وتصبوا إلى ذلك اليوم الذي تثمّر فيه تلك الدروس البالغة الدلالة التي يلقيها أطفال فلسطين العربية حجارة على رؤوس العنصرية ، باقتدار ، وصبر ، واستمرارية ، وإعجاز قلّ نظيره في التاريخ البشري .
* هكذا ، فإن الذين يتنادون لدعم الانتفاضة في فلسطين ، يجدون أنفسهم ، لو تبصرّوا واقعهم ، أنهم أولى بالدعم ، ليرتقوا إلى مستوى الانتفاضة في فلسطين ، أو إلى مستوى قريب منها ، فيتنكبّون مسؤولياتهم التاريخية لتوسيع دائرة الانتفاضة ، لتشمل وطن العرب ، بأكمله ، وأوطان الشعوب المقهورة في العالم ، ويحاصروا مراكز الاستغلال العنصري ، وقواعده ، واحتكاراته ، ومصالحه في جميع أرجاء العالم . فبذلك ، وبذلك فقط ، يتم فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين .
* إن العدو ، الأمريكي ، الأوربي ، الصهيوني ، المتعدد الجنسيات ، ونحن هنا نتحدث عن نظم واحتكارات لا عن شعوب ، يعتمد اعتماداً رئيسيا على القاعدة العنصرية ، الصهيونية ، في فلسطين ، لكنه ، وفي الوقت ذاته ، يعتمد على قواعد ومراكز عديدة تغطي ساحة الوطن العربي ، وتمتد إلى أوطان الشعوب المتاخمة ، بل ، إن القاعدة الصهيونية في فلسطين ، ليست إلا قاعدة إنذار مبكر لقوى الهيمنة الدولية ، في قلب الوطن العربي ، مهمتها الأساسية صيانة ، وتقديم قطع الغيار ، لتلك الكيانات السياسية اللقيطة التي تحتل أرض الوطن العربي ، وتزرع الاستبداد والتعسف ، والطغيان ، في كل مكان . وتؤمّن لقوى الهيمنة الدولية طرق النهب ، والاستهلاك ، بالطريقة المناسبة ، من جهة ، وتسهر على شل مقدرة الأمة العربية ، من جهة أخرى ، لأن السيطرة على الوطن العربي ، تعني أن ما يليه شرقاً في آسيا ، وما يليه جنوباً في إفريقيا أصبح تحت السيطرة ، والتحكم .
( 8 )
* لقد كان أولى بتلك الحجارة التي تدمي رؤوس العدو الصهيوني في فلسطين ، أن تحّفز عقولنا ، وإراداتنا ، لإبداع أساليب ، وتحرير إمكانيات ، وتحريك أدوات قادرة على إحداث تهديد مباشر لقواعد ، ومراكز ، وقوى دول الهيمنة الاستعمارية المنتشرة في الوطن العربي ، ليس بهدف فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين ، وحسب ، ولكن لفك الحصار عن إرادتنا ، وتحرير أوطاننا ، وشعوبنا ، وإمكانياتنا ، ابتداء من الوطن العربي ، وانتهاء بمقاومة إخطبوط الهيمنة في كل مكان من هذا العالم . وحتى نستوعب هذا الدرس ، وحتى نحرر إرادتنا من الهيمنة الخارجية ، ومن عوامل التخريب الذاتية ، ونبدأ تنفيذ هذه المهمات ، فإننا ، وفي ظل الأوضاع السائدة ، لسنا قاصرين ، وعاجزين عن دعم الانتفاضة في فلسطين ، وحسب ، وإنما في أمسّ الحاجة ، لتلقي الدعم من عزيمة ، وإصرار ، وصلابة أطفال فلسطين الأبطال ، لعل الله يغير ما في نفوسنا ، فنصبح قادرين على تغييّر واقع الذل ، والمهانة ، والاستبداد ، والتخريب ، والتغريب ، وليكتب التاريخ بعد ذلك أن أطفال فلسطين العربية ، الأماجد ، حفزّوا أمتهم العربية ، والشعوب المقهورة في العالم ، وكانوا الحادي لهم طيلة سنوات ، يدقوّن أبواب الحرية ، وأبواب التاريخ ، لتحريك ثورة تطيح بالنظام العبودي ، الربوي الذي هيمن على شعوب العالم قرونا عديدة ، وارتكب من المجازر ، والفظاعات الوحشية ، بحق الإنسانية ، أضعاف ما عرفته في عصورها البدائية الممتدة .
* إن في هذا الإصرار على تأكيد هذا المدخل ، في الحديث عن الانتفاضة العربية في فلسطين ، تأكيد على إعادة صياغة مفردات الخطاب العربي الذي تعرض عن عمد ، وإصرار إلى تشويه كبير ومقصود ، بهدف اغتصاب العقول العربية ، لقد شوّه الإعلام الدولي ، ومراكزه المحلية في إعلام ما يسمونه "دولاً عربية" ، علاقة العربي ، بأرضه في فلسطين عن طريق وضع القضية خارج إطار الوطن "الإقليمي" ، فهي ليست قضيته ، وإنما هي قضية على الحدود ، قضية جوار ، ثم ، وفي خطوة أخرى هي قضية لها أصحابها الخصوصيين ، ثم ، أن المهمة تنحصر بتقديم الدعم ، والمساندة ، ثم ، وفي مرحلة لاحقة ، يحذرّون ، بأن هذا الدعم ، وتلك المساندة ، تجلب الأخطار ، وتنهك الاقتصاد ، وتقللّ الأجور ، وصولاً إلى أن القضية الفلسطينية ، خاصة الفلسطينيين ، وأنها عبء ثقيل على كاهل العرب آن لهم أن يلقونها عن أكتافهم ، ويتركونها لأصحابها ، وكأن تلك الأنظمة لم تساهم في إقامة دولة المستوطنات الصهيونية في فلسطين .
( 9 )
أيها السادة الأفاضل ...
* لقد آن الأوان ، وبعد كل هذا الذي جرى ، أن نستعيد امتلاك عقولنا ، وقضيتنا ، أولاً ، لقد آن الأوان ، أن يختفي الحديث عن المّنة ، والتضحيات ، والفواتير ، وقوائم الحساب التي قدموها ، لما يسمونه القضية الفلسطينية ، إن أحداً في الوطن العربي ، وفي العالم المقهور ، ليس دائناً لفلسطين العربية ، لا بنقطة دم واحدة ، ولا بدرهم واحد ، بل أن القضية معكوسة تماماً ، نحن جميعا مدينون لأطفال فلسطين ، إنهم يدافعون عن حرياتنا ، يقاتلون عدواً احتل أرض فلسطين ، لا من أجل فلسطين ، ولكن من اجل الهيمنة على ما يسمونه منطقة الشرق الأوسط بأسرها ، وبالتالي فإن كل شعوب ، وأمم تلك المنطقة الممتدة في إفريقيا ، وآسيا ، مدينة ، لتلك الأيادي الطاهرة التي تقاوم أولئك القراصنة الأشرار الذين تمتد أطماعهم في كل الاتجاهات عبر القارات .
* نحن أيها السادة ، لسنا في مجال دعم الانتفاضة في فلسطين ، وإنما في مجال تلقي الدعم منها ، لقد تحررت إرادتهم ، فتحررت أياديهم ، فواجهوا العدو ، نحن ، نتطلع إلى يوم نصل فيه إلى تلك المرحلة المتقدمة من الحرية ، والتحرر .
* إنطلاقا مما تقدم ، فإن الحديث الجاد ، يقتضي أن نتداعى إلى كلمة سواء ، فيما بيننا ، وأن نبحث في الجوهري من المشكلات ، وان نمتلك من الشجاعة ، ما يكفي ، لتصويب مسار توجهاتنا ، ومعالجة الإشكاليات التي تعيق تحرر الإرادة العربية ، وبالتالي ، تعيق إمكانية الفعل الإيجابي ، لقد آن الأوان ، لنكف عن التعامل مع الأوضاع المأساوية ، التي راكمتها عصور التخلف ، والاستلاب ، والاستبداد على أنها مسلمّات لا خلاص منها ، إنما إذا كان لا بد من التعامل معها كما هي ، فليتم ذلك على أنها إشكاليات ، ومشكلات ، يجب حلها . فقد آن الأوان أن نعالج هذا الإنفصام الحاد بين القول ، والفعل في الوطن العربي ، وآن الأوان كي نمتلك المقدرة على تفعيل الثقافة ، والوعي ، كسلوك ، وممارسة ، فقد اكتشفنا بعد سنين طويلة من تشكيل الأحزاب السياسية ، والمنظمات السياسية ، وغير السياسية في الوطن العربي ، أن هناك طلاقاً بائناً ، بين الفكر ، والممارسة ، وأن الخطاب السياسي العربي ، بقي هائماً على السطح ، يغطي تشوهات حادة في أوقات الانتصارات الآنية ، لكن ، ما أن تتكشف آثار الهزائم ، والانتكاسات ، حتى ينكشف الواقع العربي المخترق بالفتن ، والعصبيات ، ومشاعر العداء الداخلي ، ودعوات الثأر ، والتكفير ، والإقصاء ، تفتك بالمجتمع تلبية لأي مؤثر خارجي - وهو جاهز على أية حال – لتطلّ برأسها القبيح .
( 10 )
* لقد آن الأوان ، واحتراماً لأطفال فلسطين ، الذين نجتمع على هامش بطولاتهم ، أن نفكر بجدية أكبر لتهيئة الظروف ، والإمكانيات ، وتحويل الكلام عن تلاحم المناضلين ، والمقاومين ، والمجاهدين إلى ميدان التحقق ، والفعل ، وهذا يقتضي الارتقاء الحقيقي إلى أعلى درجات الوعي ، والتبصّر ، من جهة ، ومواجهة الإشكاليات الموروثة ، والمستحدثة ، بالحوار البنّاء ، والمواقف الحقيقية ، وليس بالمداراة والتأجيل ، من جهة أخرى ، وصولاً إلى حلول حقيقية توحّد الرؤى ، أو على الأقل تؤدي إلى التعدد الذي يرص صفوف القوى المقاومة ، والمجاهدة الشريفة متلاصقة كتفاً إلى كتف ، وساعداً إلى ساعد ، في الخندق الممتد طويلاً على امتداد الوطن العربي ، والعالم المقهور ، لمواجهة قوى العدوان ، والتصدي للهيمنة العنصرية من أي مصدر أتت ، أوربية كانت ، أو أمريكية ، أو صهيونية ، أو محلية استبدادية .
* فبهذا ، وبهذا فقط ، نرتقي إلى المستوى الذي يليق بانتفاضة الأهل في فلسطين ، خاصة ، وأن معظم الإشكاليات التي تعيق حركة التحرر العربي ، وتعيق انطلاقتها ، تتعلق ، بمواقف موروثة ، وبأفكار يسلمّ أصحابها بقدسيتها دون تمحيص ، وتدقيق ، وهي قائمة بفعل الاستمرار ، وبفعل التثمير الخارجي ، وبفعل الكسل الذي أصاب كوادر حركة التحرير العربية ، فلنضع حداً ، لمرحلة الجمود ، وتقديس الإشكاليات ، وليفتح الباب واسعا للعودة إلى البحث ، والاجتهاد تطلعاً إلى أحد الأجرين ، على الأقل .
* لقد أدى الانقطاع عن البحث ، والاجتهاد من جهة ، وتقطعّ أوصال الحوار ، من جهة أخرى ، إلى تحجّر بعض المواقف ، والمغالاة المفسدة للرأي السديد ، في مواقف أخرى ، ولنلاحظ هنا أن نهج التفتيت ، ومزيد من التفتيت ، هو القاسم المشترك الذي عزف عليه أعداء أمتنا طويلاً ، وانساق إليه الكثيرون ، غفلة ، أو أجراماً متعمداَ ، هذا كله أدى إلى استيطان تلك الإشكاليات وطننا ، بعد أن غابت القوى الحية القادرة على تقديم الحلول ، عن الساحة العربية ، وحلت محلها قوى الظلام ، أو الاستبداد ، أو قوى العدوان الخارجي ، أو جميعها معاً .
( 11 )
أولاً – الإشكالية الأولى : وقد تم افتعالها بين العروبة والإسلام ، فهل هناك ثمة مشكلة بينهما ... ؟ :
في واقع الأمر ، ليس للعروبة أية إشكالية مع الأديان السماوية ، فهي الحاضنة لتلك الأديان ، وهي أداة توصيلها للإنسانية جمعاء . ورغم كل ما أثير حول إشكالية العروبة والإسلام من ضجيج ، فنحن نرى ببساطة شديدة أن هذه الإشكالية مصطنعة من الألف إلى الياء ، وأن القومية العربية هي الإطار السياسي ، النضالي للإسلام الحق في الوطن العربي ، وأنه كان من العوامل الأساسية المكونة للأمة العربية .
وإذا كان الإسلام عقيدة دينية أضيفت إلى الشعوب ، والأمم الأخرى ، وأصبح الإسلام بذلك ديناً لشعوبها ، أو لبعض تلك الشعوب ، فإن الإسلام هو الذي نقل العشائر ، والقبائل ، والأثنيات ، والشعوب ، العربية ، من مرحلة القبلية والشعوبية ، إلى مرحلة التكوين القومي . ومعه أصبحنا أمة عربية مكتملة التكوين ، وبذلك أضحى أي عدوان على وحدة الأمة العربية ، هو عدوان على الإسلام في حقيقة الأمر .
ونحن هنا لا نتحدث عن العرق العربي ، أو العنصر العربي ، وإنما نتحدث عن الأمة العربية ، بالمفهوم الحضاري الإنساني الشامل ، فالقبائل ، والعشائر ، والشعوب بمختلف "أروماتها" ، وتنوع مصادرها ، والتي كانت تستوطن هذا الوطن بين المحيط والخليج ، والتي تقاربت فيما بينها بالتفاعل المشترك أنتزع منها الإسلام عبر صحيفة يثرب عوامل الصراع القبلي الداخلي ، فتمكنت من رفع كابوس الهيمنة الخارجية "الفارسية والبيزنطية" ، وحررها من العصبية القبلية ، فتوحّدت أمة ، وإذا كان العرب قد حملوا الرسالة إلى حيث استطاعوا فإنهم بلغوّا الرسالة ، وتركوا تلك الشعوب ، كما هي : فارسية ، أو تركية ، أو أفغانية ، أو أندونيسية ... ، ورفعوا عنها التسلط تاركين لها الدعوة إلى الأخوّة في دين الله ...
( 12 )
وعندما ذهبت الفتنة ، والتسلط الإمبراطوري ، بريح العرب ، فإنها ذهبت ، في الوقت ذاته ، بريح المسلمين ، وفي كل مكان من هذا العالم .
ورغم الدور الهام ، والبارز الذي لعبته العروبة كحاضنة للإسلام ، والقومية العربية كمحصلة له ، فإننا نرفض أن نعطي العرب أي امتياز على الشعوب ، والأمم الأخرى فتلك عنصرية لن نعود إليها بعد أن حررنا منها الدين الحنيف ، ولكننا ، في الوقت ذاته ، ومن الموقع ذاته ، نرفض إعطاء الآخرين ، أياً كانوا ، هذا الامتياز ، وللأسباب ذاتها ، حتى لو تدثروا بعمائم مذاهب المسلمين التي حولوها من منابر للتطور والحوار والاجتهاد والتعامل الحي مع الظروف المستجدة إلى خنادق للفتن والفرقة والتخلف .
وإذا كنا ندعم وحدة الشعوب الإيرانية ، ووحدة الشعوب التركية ، والإفغانية ، فإن من حقنا على إخواننا المسلمين في العالم ، أن يدعموا وحدتنا العربية . لأن في ذلك قوة للمسلمين ، في كل مكان ، بل ، إن في ذلك مصدراً أساسياً لقوتهم .
إن العدوان العنصري الأوربي ، والأمريكي على شعوب ، وأمم الأرض قاطبة ، والذي صاغ ما يسمى النظام العالمي القديم ، الجديد ، لم يكن ليتحقق ، إلا ببسط السيطرة ، ووضع اليد غير المشروعة على الوطن العربي ، أولاً . وبالتالي فإن نزع تلك اليد الشريرة لن يكون إلا بتوحيد النهج النضالي العربي ، وبدعم ، وتكاتف الشعوب الحية التي تدين بالإسلام ، وبغير الإسلام ، وتضامنها ، مع مشروع توحيد ونهضة الأمة العربية .
( 13 )
باختصار شديد ، نقول ودون مواربة ، أن مهام النضال القومي العربي وغائيته ، من المفترض أن تكون هي ذاتها ، مهام وغائية نضال "حملة العقيدة الحق من المسلمين" في الوطن العربي ، وفي العالم ، مع التحفظ الشديد ، ذلك أنه لا يعقل أن ُيفتي بعض القلة الذين ينتسبون إلى تنظيمات سياسية أومسلحة تحمل السمة الإسلامية ، على حد زعمهم ، بأنهم الفرقة الوحيدة الناجية ، وأن كل ما عداهم في النار ، بل ليس مسلماً ، هذا موضوع آخر يطول شرحه ، فقط نقول الآن ، أنه كما أن مهمة المسلمين في إيران هي الحفاظ على وحدة الشعب الإيراني ، وتحقيق العدالة له ، والمساهمة في بناء التقدم ، فإن مهمة العرب المسلمين ، هي تحرير العرب ، وتوحيد أراضيهم ، وبناء نهضتهم ، وتقدمهم . وبالتالي ، فإني لا أرى حاجة لواو العطف التي تفصل بين القوميين العرب ، والإسلاميين العرب ، لأن الغالبية العظمى من القوميين العرب مسلمين ، ولأن جميع "الإسلاميين" في الوطن العربي ، هم من العرب أياً كانت الأرومات التي انتجتهم ، شاء من شاء وأبى من أبى ، واسمحوا لي ، أن أكون حاسماً في هذه النقطة ، فالانتماء للإسلام هو انتماء إلى عقيدة دينية ، والانتماء إلى الأمة ، هو انتماء إلى تكوين اجتماعي ، تاريخي ، متعدد الديانات ، وبالتالي ، فإن الإسلام ، ليس صفة سياسية يطلقها البعض على جماعة بشرية ، أمة ، أو قبيلة ، أو شعب ، أو جماعة سياسية ، وينفيها عن البعض الآخر ، فالدين عابر للجماعات البشرية ، عابر للأمم ، عابر للقارات ، وهو في الوقت ذاته اختيار فردي ، ذاتي ، بمعنى تعدد العقائد الدينية داخل الجماعة البشرية ، وربما داخل الأسرة الواحدة .

( 14 )
إن العرب المسلمين ، في جبل عامل ، وفي جنوب لبنان ، في صيدا ، وبيروت ، والشوف ، وطرابلس ، ودمشق ، والسويداء ، وجبال العلويين ، ووادي الإسماعيليين ، وحلب ، والقاهرة ، وأسوان ، والبصرة ، والقيروان ، وفي كل ديار العرب ، من بغداد ، إلى الدار البيضاء ، الذين رفعوا رايات القومية العربية ، والجمهورية العربية المتحدة ، جهاداً ، وتنظيماً ، ومقاومة ، في الخمسينات من هذا القرن (القرن السابق) ، لم يتنازلوا عن إسلامهم ، لصالح القومية العربية ، وإنما كان الإسلام ، بجوهره التوحيدي الجهادي ، يسكن ذواتهم ، وكانت جهودهم الإيجابية تلك ، ممارسة عملية لما يمليه عليهم الإسلام من مباديء إنسانية سامية ، أما أصحاب الفتن والفرقة فهم ليسوا مسلمين ، وليسوا عرباً .
إن الوحدة العربية ، لا يضار منها ، إلا أولئك القراصنة ، ومصاصي الدماء الذين يهيمنون على عالم اليوم ، بشركاتهم متعددة الجنسيات ، وجيوشهم متعددة الجنسيات ، وجواسيسهم متعددي الجنسيات .
إن هذه الوحدة العربية ، بغض النظر عن النجاح ، والفشل ، والإحباط ، والأمل ، تبقى الرد العربي ، إذا شئتم ، والرد الإسلامي العربي إذا شئتم ، على العدوان الاستعماري ، والصهيوني ، والفراعنة الحكام ، ونحن بدونها مجموعة من القبائل ( لكنها لا تحمل السمات الإيجابية للقبائل السالفة من مروءة ، وشهامة ، وإنما كائنات متوحشة في مواجهة بعضها ، البعض ، مستكينة ذليلة للأعداء في الوقت ذاته ، متنمّرة طاغية على الشعب العربي في الأوقات كلها ) . وأن هذه الوحدة العربية ، بكل ما يمثله الطريق إليها من جهاد ، ومقاومة ، وتحرير ، مهمة أساسية مطروحة أمام كل الشرفاء العرب ، مسلمين ، وغير مسلمين ، وعلى الشعوب الإسلامية الأخرى ، غير العربية ، أن تتفهّم هذه الحقيقة ، وأن تكون قوى مساندة لتحقيق ذلك . وأن لا يكرر أحد في هذا العالم المراهنة على الحلول الخاطئة .
( 15 )
وإذا كان بعض العرب المسلمين ، والمسلمين غير العرب ، يأخذون على بعض القوميين العرب ، أنهم غرّبوا ، واغتربوا ، وانفصلوا عن تراثهم ، وتاريخهم ، وأديانهم ، وأنهم يقتتلون فيما بينهم ، فإن هذا حجة عليهم ، وليس حجة على القومية العربية .
وإذا كان بعض القوميين العرب ، يأخذون على بعض العرب المسلمين ، وعلى بعض المسلمين من غير العرب ، أنهم لا يولون الخصوصية العربية ، الأهمية التي تستحقها ، ولا يستوعبون مخططات التفتيت ، والتجزئة الامبريالية التي تستهدف وطنهم ، وأنهم زادوا الطين بلة ، بتشرذمهم حول مذاهب متعددة ، متصارعة ، فإن هذا حجة عليهم ، وليس حجة على الإسلام .
إن الأمة العربية ، بوضعها الراهن ، لا تفيد المسلمين في العالم ، ولا الشعوب المستضعفة ، شيئاً ، وأن العرب ، في وضعهم الراهن ، عالة على أنفسهم ، وعلى الشعوب المستضعفة الأخرى ، وأن التجزئة الراهنة تضع الثروات العربية ، والإمكانيات العربية ، والمواقع العربية في خدمة الآلة العنصرية الأمريكية ، والصهيونية الدولية ، التي لا تستهدف سحق الوطن العربي ، وحسب ، وإنما تستهدف طحن شعوب العالم قاطبة . وهذا يعني أن الانضواء الكفاحي ، والجهادي تحت راية توحيد الأمة العربية ، يعني ، في الوقت ذاته ، تحرير قاعدة هامة ، ومرتكز أساسي لتحرير الشعوب المستضعفة ، وحركات التحرر في كافة أرجاء الأرض .
( 16 )
الإشكالية الثانية : ماثلة بتفعيل الفتن المذهبية في الإسلام :
أيها السادة ...
لقد كان الاجتهاد في الإسلام عامل تطور ، وتقدم ، وتعامل حي ، مع الظروف البشرية المتغيرة ، تحّمل عن طريقه أجدادنا الأوائل ، مهام حمل الرسالة ، والإجابة على الأسئلة المستحدثة ، والإشكالات المتجددة ، بعد انقطاع الوحي ، ووفاة خاتم النبيين ، لكن الفتنة ، وما تبعها ، وما ترتب عليها ، من ظلم ، وجور ، واستبداد ، واقتتال ، وتفرقة ، وفتك ، وخوف ، حتى أضحت الكلمة تساوي الحياة ذاتها . تلك الفتنة ، وضعت حدوداً فاصلة بين أصحاب تلك المذاهب ، فتعمّق الافتراق ـ والاغتراب ، وتحول بعض حملة تلك المذاهب إلى جماعات خائفة ، أو مخيفة ، قاتلة ، أو مقتولة ، وأدى هذا بدوره إلى الثأر ، والثأر المضاد ، وتصاعد عدد الضحايا الذين يذهبون بالخطأ ، ولمجرد الشبهة .
ولست أنا الآن ،هنا ، بصدد البحث عن الحق ، والباطل في كل ما جرى ، فالحق بيّن ، والباطل كذلك . وعلى الحق أناس من المذاهب كافة ، ومع الباطل ، كذلك .
ولكن البحث ، هنا ، محصور بنتائج تلك الفتنة ، فقد سالت دماء غزيرة ، والدماء تخلق حدوداً من البغضاء ، من جهة ، وحدوداً من المغالاة ، وقطع طرق الوصل ، والتواصل ، من جهة أخرى . وقد ترتب على ذلك كله خطاب قطعي حاسم ، كل طرف ينسب إلى نفسه الإسلام ، ويحجز الجنة لصالحه ، بحيث لا مكان للآخرين ، فيها .
لقد مر على الفتنة حوالي ألف ، وأربعمائة عام ، وأدت إلى الكوارث التي تعرفون ، وتعيشون ، فهل خطر ببال أحد منكم أن يضع حداً حاسماً لها ...؟ .
إنني لا أدعو إلى التسوية بين الحق ، والباطل : فالحلال حلال أبداً ، والحرام حرام أبداً . ولكنني أدعو إلى وقفة حق يتداعى فيها الجميع إلى كلمة سواء ، يتبادلون المعارف ، ويدققون المواقف ، ويخرجون على الناس بخطاب إسلامي واضح ، لا لبس فيه ، ولا غموض ، فمن غير المعقول ، ولا المقبول ، أن يبقى الخطاب "الديني" العدائي الذي صيغ في ظل المذابح ، والاقتتال ، والاضطهاد ، والفتن ، هو الخطاب السائد ، حتى الآن . ثم أرجو ، أن تسمحوا لي ، وأن تحتملوا صراحتي ، إنني أفهم أن المسلم هو ابن المسلم بالفطرة إلى أن يرتد علناً . لكنني لا أفهم "إسلامياً" أن يكون ، ابن المسلم من مذهب معين ، هو منسوب إلى ذلك المذهب ، حكماً ، بالنسب . ذلك أن المذهب ، أي مذهب ، مبني على اجتهاد صاحب ، أو أصحاب المذهب ، وبالتالي ، فإن الانتساب إليه يكون بالاختيار العقلي ، بعد الرشد ، والتدقيق ، والتمحيص . فهل يمكن "إسلامياً" أن نعيد النظر في هذه المسألة ...؟ ، خاصة ، وأن الآباء من القبائل الجاهلية ، ومن عبدة الأصنام ، أنجبوا مع بدء الرسالة ، خيرة الصحابة ، والأئمة ، والمجاهدين في سبيل الله ، فهل يمكن أن نترك أمراً بهذه الأهمية يحسمه النسب البيولوجي، وحسب ...؟ ، بل أكثر من ذلك يتحول ذلك النسب البيولوجي إلى المصدر الوحيد للتقديس أو للرجم ...؟
وبغض النظر عن الجواب ، فإن الخطاب التلاعني ، الإعدامي ، التكفيري ، الذي أنتجته الفتنة من كل فئة اتجاه الفئات الأخرى ، آن له أن يعاد النظر فيه ، فمن غير المعقول ، ولا المقبول أن يكون للعرب المسلمين ، بكل مذاهبهم ، وفرقهم ( التي لا أعرف عددها ) من عدو إلا الصهيونية ، والإمبريالية ، والطغاة المستبدين المتفرعنين من الحكام ، والمنافقين والانتهازيين .... .
( 17 )
3- الإشكالية الثالثة : الدول المركبة على أرض الوطن العربي :
ولا أقول "الدول العربية" ، لأنها "دول فعلية" تحمل صفات صانعيها في الواقع ، وهي "دول" ترافق قرار تركيبها مع قرار تركيب "الدولة الصهيونية" في فلسطين ، وقد آن الأوان ، أن ندرك جميعاً ، أن تفكيك "الدولة الصهيونية" في فلسطين ، مرتبط بتفكيك تلك الدول الخادمة بين المحيط والخليج ، بنضال موحد الأهداف ، متعدد الساحات ، إن تلك "الدول" تحمل مهمتين أساسيتين ، تخريب المجتمع العربي ، من جهة ، والاستبداد بالشعب العربي ، من جهة أخرى ، وللذين لا يدركون أهمية تلك "الدول" بالنسبة لأعداء الأمة العربية ، أن يتعمقوا في دراسة الحرب العالمية الثالثة التي شنتها دولة الولايات المتحدة الأمريكية مع "الحلفاء" لإعادة تركيب دولة على خليج كاظمة تعرضت للتهديد ، فهي لم تفعل ذلك كراهية بصدام حسين ولم تفعله حباً وهياماً بآل الصباح ، وأن يستوعبوا درس الاستعمار الأمريكي الجديد للصومال ، وأن يمعنوا النظر بالمخططات الجاهزة للعدوان على الأمة العربية ، "بدول جديدة" محّملة الآن ، في حاويات الأساطيل التي تجوب بحارنا ....
( 18 )
4- الإشكالية الرابعة : انشقاقات التيار القومي العربي :
لقد بدأ انحسار التيار القومي العربي ، النهضوي عشية هزيمة حزيران 1967 ، وتعمق هذا الانحسار في السبعينات ، والثمانينات ، واحتشدت في الساحة العربية ، بدائل من كل لون ، ونوع ، وللذين يأخذون على التيار القومي العربي انحساره ، نقول : يكفي أنه بدون تلك الضربات المتلاحقة للتيار القومي العربي ، وبدون هذا الانحسار القومي ، الذي ساهمت فيه سلبيات تتعلق ببنيته ، وتكوينه ، ما كانت "كامب ديفيد" ممكنة ، وما كانت كرنفالات ( السلام ) غادية ، آتية .
لقد بدأت تشكيلات هذا التيار القومي العربي ، وتكويناته ، تتمظهر ، وعلى عجل ، لتلحق بركب الجماهير العربية الغاضبة المجروحة ، إثر عمليات توريد ما يسمونه ( الدول العربية ) ، و"الدولة العبرية" ، إلى هيئة الأمم المتحدة في أواخر الأربعينات من هذا القرن (القرن الماضي) ، وقد أدى هذا التيار القومي العربي ، بحدود الملكات التي امتلكها ، والتكوين الذي استطاعه ، دوره ، لكن المعركة لم تكن بسيطة ، بساطة تنظيمات ذلك التيار ، وبالتالي كان لا بد من بدائل أكثر تعقيداً ، ومقدرة ، لتواجه قوى معادية امتلكت من الإمكانيات ، والأساليب ـ صفوة ما أنتجه العقل البشري ، عبر العصور .
وهذه الإشكالية في طريقها إلى الحل ، ذلك أن كوادر هذا التيار ، وقواه الشريفة تعترف بدون مكابرة ، وبشجاعة عالية على نقد الذات ، أن أخطاء هائلة قد ارتكبت ، وأن الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه ، بكل مكوناته الثقافية ، والفكرية ، يستنهض القوى الحية لصياغة برنامج نهوض قومي عربي تقدمي معاصر ، ورسم خط جديد ، في العقل ، وفي الواقع ، لإعلان ميلاد جديد لمشروع النهضة ، والتنوير ، والتحرير في الوطن العربي .
( 19 )
5- الإشكالية الخامسة : العنصرية ، والإقليمية ، والطائفية :
لقد أدى انحسار التيار القومي العربي إلى بروز الظواهر المرضية ، التي كانت قد انحسرت بصعود التيار القومي العربي في الخمسينات ، والستينات ، وهذا طبيعي ، فعندما يضعف الانتماء للأمة ، أو يحاصر ، تبرز الانتماءات الضيقة ، من مذهبية وطائفية وأثنية وإقليمية وعائلية وصولاً إلى الفردية ، ففي ظل المخاطر المحدقة بالأمة ، يحتمي الفرد بطائفته ، إن وجدت ، ثم بإثنيته ، ثم بإقليمه ، ثم بعشيرته ، ثم بأسرته ، ثم بنفسه ، وقد برهنت جروح الفتن التي فتحت في لبنان ، والعراق ، وسورية ، والصومال ، والسودان ، والجزائر ، وهي تفتح الآن في اليمن ، أن الاقتتال على هذه الطريقة ، لا يخدم عرقاً ، ولا إقليماً ، ولا طائفة . إنه يخدم القوى المعادية للأمة ، وحسب ، ويذهب بريح الجميع من العرب مسلمين وغير مسلمين .


(20)
خاتمة :
إن هذه الإشكاليات في صلب الحديث عن الانتفاضة في فلسطين ، والتصدي لحلها ، ومواجهتها ، بصدق ، ومباشرة هو في صلب أية محاولة جادة لدعم تلك الانتفاضة ومجاهديها الأبطال ، وحتى نفعل ذلك ، فإننا لا نملك إلا الدعاء ، لتبقى قبضات الأهل في فلسطين مشرعة ، تحفزّنا صباح ، مساء حتى نفعل ما ينبغي فعله . )
( والسلام على من اتبع الهدى .)
بيروت - المؤتمر العالمي الرابع لدعم الانتفاضة الإسلامية في فلسطين - جلسة : 15/12/1992
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 09-21-2010 11:07

على بساط الثلاثاء
92

يكتبها : حبيب عيسى



العرب ، الوطن ... والإسلام



( 1 )
" الله أعلم حيث يجعل رسالته "
- الأنعام،124، "صدق الله العظيم"
نحن ننطلق في فهمنا للعقيدة الإسلامية من المبدأ الأساس الذي رافق انطلاقة الرسالة التي حملها إلى العرب ، وعبرهم إلى البشرية جمعاء جدنا العربي محمد بن عبد الله "ص" ، والمتمثل بعدم وجود كهانة في الإسلام ، بالمطلق ، لا رجال دين في الإسلام ، صحيح أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، لكن العلم هنا ليس حكراً على أحد ، أو طبقة ، أو فئة ، ولا يُكتسب بالذقون والأزياء والعمائم ، وإنما الطريق إليه مفتوح للجميع على حد سواء ، العلم لا يكتسب بالنسب البيولوجي ، ولا يكتسب بالسلطة والفرض والقهر ، ولا يكتسب بالادعاء ، كأن يدعيه البعض لنفسه أو لغيره ، وإنما يكتسب بتوسيع زاوية المعرفة ، ثم بالاجتهاد ، وتبقى المعرفة نسبية ، ويبقى الاجتهاد نسبياً ، وبالتالي فإن مناخ الحرية والحوار والمساواة والكلمة السواء هو الحاضن الحقيقي للأيمان ، ويبقى الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة ، وتكفير الآخر ، والطغيان ، والاستبداد هو الحاضن الحقيقي للابتعاد عن مقاصد الشرع الحنيف ... ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو لم يدع المعرفة المطلقة ، معاذ الله ، وإنما كان إذا واجهته مسألة عويصة ليس له بها علم يقين يستمهل في الجواب انتظاراً لنزول الوحي ، وإذا أعطى رأياً في مسألة علمية دنيوية ثم ثبت خطأ رأيه يتراجع ويقول : أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وبما أن الوحي قد انقطع ، وبما أن التقدم العلمي لا يقف عند حد ، فإنه لا يحق لأحد كائناً من كان أن يدعي المعرفة المطلقة أو أن يفتي بذلك ، فيقدّس هذا ، ويشيطن ذاك ، أو يفتي بإيمان هذا ، وكفر ذاك ...
( 2 )
لقد فهم أجدادنا العناصر الأساسية للإيمان الحق عندما انقطع الوحي وُقبض رسول الله ، ووجدوا أنفسهم أمام المشكلات المتراكمة والمستجدة ، وأمام الأسئلة الصعبة ، وكان المناخ الراشدي المنفتح نسبياً يتيح لهم إبداء الرأي رغم الخلافات المحدودة التي بقيت في إطار الاختلاف الذي لم ينحدر إلى خلاف إلا بعد الخلافة الراشدة ، فوضعوا أصول علم الفقه ، في السنوات الأولى بعد انقطاع الوحي كان يكفي الكتاب والسنة ، ثم مع ظهور مشكلات مستجدة أبدعوا الإجماع ، ثم القياس ، ثم الاستحسان ، ثم المصالح المرسلة ، ثم العرف ، ثم شرع من قبلنا ، وهكذا كان باب الاجتهاد مفتوحاً للتطور ، والتعامل مع الظروف المستجدة ، ووضع القواعد واللوائح ، والانتقال إلى المؤسسات القانونية ، وتلمس الطريق لوضع الشورى موضع التنفيذ ، كانوا يختمون القول بعد إبداء الرأي "والله أعلم" .... ، إلى أن تم الانقلاب على الخلافة الراشدة ، وقامت الدولة الإمبراطورية الاستبدادية العائلية الوراثية ، فانقطع الاجتهاد والإبداع بعد أن كان قد انقطع الوحي ، وبدأ عهد الابتداع ، والنفاق للسياف الحاكم ، أو الابتداع ، والنفاق لسياف أخر يعارض السياف الحاكم ، فتحولت المذاهب إلى خنادق من الدماء المهدورة في الاتجاهات كافة ، حيث لا يوضع السيف في خدمة الفقه ، وإنما يسخرّ الفقه لخدمة السيف الغاشم ، وبات كل واحد من الفتين هو "الأعلم" ، هنا لم نعد أمام الرسالة التي دعت إلى الإله الواحد في السماء ، وإلى الأمة العربية الواحدة على الأرض التي اكتملت تكويناً بإلغاء العصبية القبلية والشعوبية والمناطقية داخلياً وبتحرير البلاد والعباد من الغزاة الوافدين ، ومن ثم ، تم تحميلها مسئولية حمل الرسالة إلى الإنسانية جمعاء ... وإنما أمام مذاهب تحجز الجنة لحسابها ، وتدفع بجميع بني البشر الآخرين إلى جهنم ... مسلحة بالسياف وليس بالفقه ، فبدأ الانحدار باتجاه الانحطاط ، وتوقف الاجتهاد ، وسادت عقائد الفتنة والاقتتال عوضاً عن عقيدة التوحيد ، وعقائد الفتن تحتاج إلى مفتين وكهنوت يضفون على أنفسهم صفات القداسة لا يتورعون عن الإفتاء بتفجير بيوت الله وقتل الناس وهم ساجدين لله ... لمجرد أنهم من مذهب مختلف ... هكذا فإن المبدأ الأساس للرسالة المتمثل بالمساواة وعدم وجود وساطة بين المسلم وربه تم خرقه بالوحشية والتوحش ، بالثأر ، وبالثأر المضاد ، وإذا كانت طبقات رجال الدين والكهنة في الديانات الأخرى قد تم تنظيمها ووضع لوائح وأنظمة تحكم ممارساتها لمهامها ، فإننا أمام رجال دين مسلمين لم يمروا عبر مؤسسات ، وبالتالي فإننا بتنا أمام فقهاء أجلاء على قدر كبير من العلم والدراية والأيمان من مختلف المذاهب ، وفي الوقت ذاته أمام أدعياء وقتلة من سائر المذاهب أيضاً .... وبما أن الفقهاء ، الفقهاء ، لا يباعون ولا يشترون ولا يتاجرون بدين الله ولا ينغمسون في الفتن ، ولاينافقون ، فإن الأدعياء وفتاويهم التي تدغدغ الغرائز هم الذين يسودون وهم نجوم عصور الانحطاط الممتدة حتى الأيام الحاضرة ... فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة ...
( 3 )
ونحن هنا سنقصر حديثنا على مسألة موضوعية دنيوية تتعلق بالعلاقة بين العروبة والإسلام ، حيث وصل الأمر بالبعض إلى حد القول أن المشروع العربي النهضوي القومي العربي التوحيدي التحرري هو مؤامرة وعدوان على الإسلام ، وكأن الإسلام لم يبدأ وينطلق من القضاء على العصبية القبلية والشعوبية وتوحيد الجماعات البشرية التي تكونت منها الأمة العربية ومن ثم تحريرها من الغزاة والطغاة ....، وكأن تفتيت الوطن العربي والأمة العربية ، والتجزئة الراهنة ليست بفعل الغزو الاستعماري الأوربي وغير الأوربي ، وبفعل العصبيات الجاهلية ، لهذا فإننا نقول أن النضال العربي لإلغاء التجزئة ، ووضع حد للتبعية والاستخذاء أمام قوى الهيمنة الخارجية ، والمقاومة لتحرير كامل الأرض العربية ، وإقامة دولة العرب الواحدة الديمقراطية العادلة هو الذي ينسجم مع جوهر عقيدة الإسلام ، وأن جميع محاولات التفتيت والتجزئة والمذهبة والتبعية للخارج شرقاً أو غرباً هي محاولات جاهلية ، أكثر جاهلية من العصبية الجاهلية قبل الإسلام ، وإن كانت الجاهلية الحديثة تستبدل بأصنام الحجر والشجر أصناماً بشرية توحشّت ، وفقدت عناصر الأنسنة في ذواتها ، إنها في الخندق المناهض للعروبة وللإسلام معاً ، مهما كان الادعاء ...
لهذا فإن مدار بحثنا اليوم لا يتعلق بالعبادات وافتراق المذاهب حولها ، وإنما يتعلق بعلاقة الوطن والأمة العربية الواحدة والمتحررة ، بالعقيدة الإسلامية ، وهل هناك من تناقض .... ؟ ، وعلاقة التجزئة والفتن والتبعية بالجاهلية ، وهل هناك من تناقض ...؟ .
( 4 )
لا يجادل أحد في هذه الدنيا ، أن الرسالة التي حملها خاتم النبيين جدنا العربي محمد ابن عبد الله (ص) موجهة إلى الإنسانية كافة، إلى الإنسان أينما وجد على ارض هذا الكوكب ، وإلى أجل مستقبل من الزمان لا يعلمه إلا الله .
لكن هذا لا يعني أنها رسالة هائمة فوق الوقائع والحقائق التاريخية والاجتماعية والجغرافية والأثنية، وإنما كانت استجابة إلهية لحاجات ملحة، وفي سياق رسائل إلهية سبقتها ، وتعاقب نزولها إلى البشرية عبر ذات الجماعات البشرية العربية حملها الأنبياء الذين جاء ذكر بعضهم في القرآن الكريم ...
لقد كانت تلك الرسالة هي الرسالة الإلهية الأخيرة للبشرية : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " بهذا المعنى فإن تلك الرسالة الإلهية العظيمة قد حملت فيما حملت هذا القرار الإلهي الذي لا راد له بأن التدخل الإلهي المباشر في حياة البشر تقويماً ، وتصويباً عن طريق الأنبياء ، والرسل قد انتهى ، وأن على الإنسانية وقوى الحق والعدل والأنسنة أن تعتمد على وعيها وعلمها ابتداء من انقطاع الوحي ، وأن تتحمل من الآن فصاعداً مسؤولية إبداع الأساليب وتوفير الإمكانيات لمواجهة قوى الظلم والطاغوت، فالمهمة أصبحت منوطة بها استناداً إلى قواعد رسختها الرسالات الإلهية للبشرية.
ليس صدفة (وحاشا لله أن ُينسب إليه ذلك) أن الجماعة البشرية التي خاطبتها الرسالة الختامية مباشرة، والتي جاءت الرسالة بلسانها وبقصص مغروسة في تاريخها هي تلك الجماعات التي تسكن هذه الأرض العربية المقدسة والتي كانت مهبط الوحي للرسالات الإلهية السابقة عليها والممهدة لها .
وإذا كانت هذه الأرض الطهور محط أنظار الإنسانية لتتلقىّ منها الإشعاع الحضاري والرسالات الإلهية في الوقت ذاته ، فإنها كانت عبر العصور وحتى هذه اللحظة من التاريخ الإنساني هدفاً للقراصنة والغزاة والطواغيت من كل مكان في هذا العالم . فما من قوة على هذه الأرض، وما من طاغية أراد أن يمد طغيانه على العالم أرادت ، أو أراد أن يكون لهما شأن في السيطرة على هذا العالم إلا وأدركوا أن ذلك يتوقف أولاً وأخيراً على الاحتفاظ بموقع قدم على هذه الأرض العربية، وهكذا فإن صراع القبائل والعشائر والشعوب على الأرض العربية اختلط بالصراع الدولي على هذه الأرض وأضحت الصراعات المحلية في الوطن العربي تدخل في سياق الصراع الدولي على العالم .
( 5 )
في هذا السياق فإن حاجة البشرية إلى الرسالات الإلهية تم إشباعها ببعثات الأنبياء والرسل يحملون الرسالات المتعاقبة التي لم تقتصر في جوهرها على الدعوة لعبادة الله الواحد ، وإنما تدعو إلى ذلك في سياق دعوة البشرية للانعتاق من العبودية للظالمين، وأصنامهم، والحض على مقاومتهم وتخليص البشرية من شرورهم وصولاً إلى إحقاق الحقوق وترسيخ العدالة والمساواة بين البشر.
وإذا كـانت الإرادة الإلهية التي لا راد لها قد اختارت هذه الأرض الطهور مهبطاً لرسالاتها الموجهة للبشرية فإن ذلك تزامن وتواكب وتفاعل مع القوى الموجودة على الأرض ، فانحازت لها قوى التحرر والانعتاق والعدالة والحق وقبضت عليها كالقابض على الجمر، وقاومتها ووقفت في طريقها قوى الطاغوت والظلم فحاربتها بكل ما تملك ، ولهؤلاء المؤمنين بها امتداد على ساحة الإنسانية جمعاء ، ولأولئك المتضررون منها امتداد على مدى ساحة الإنسانية كلها ، أيضاً .
هكذا وعلى هذه الأرض العربية الطهور بالذات تفاعل ما هو حاجة بشرية بما هو مطلب إلهي . وهكذا أيضاً أصبح مصير البشرية يتوقف على أن تتمكن سفينة نوح العربية من الإبحار من هنا إلى العالم ، أو يعمّ الطوفان ، فتتمكن قوى الطاغوت والظلم من محاصرة هذا الميناء العربي المقدس الذي استقبل الرسالات الإلهية حيث انطلقت بها ، ومنه ، سفن النجاة للبشرية، في مواجهة أساطيل الدمار الشامل التي يطورّها القراصنة لإخضاع العالم للطاغوت ، أو تدميره تماماً .

( 6 )
هكذا على هذه الأرض الطهور تفاعلت شرائع حمورابي مع شرائع إخناتون ، وملاحم جلجامش مع حضارة بلقيس، وحروب الهكسوس مع حروب نبوخذ نصر، وقوارب البردي ، مع قوارب الفينيق، وتغريبة بني هلال مع تشريقة الزير سالم ، وتمرد زنوبيا مع تمرد النعمان، ومعارك ذي قار مع حروب أبرهة ومقاومة الفرس مع التصدي لظلم البيزنط ، والهيروغليفية مع المسمارية والأبجدية الأوغارتية ، وتزامن ذلك مع رسالات السماء ، وحركة الأنبياء والرسل ، فمع سفينة نوح التي انطلقت من جزيرة العرب إلى جبل الجودي في أقصى شمال أرض العرب ، ثم من تمرد إبراهيم الخليل على أصنام قومه وبمواجهة النمرود ، وعبوره أرض العرب من العراق إلى فلسطين إلى مصر إلى جزيرة العرب ، ثم مقاومة الأنبياء يوسف وموسى والمسيح للطواغيت ، ثم نضال النصارى العرب ضد الطغيان البيزنطي والفارسي ، ثم إعلان حلف الفضول حتى لا يظلم أحد ، والذي تزامن إعلانه ، مع استعداد هذه الأرض الطهور لتلقي الرسالة الإلهية الختامية للبشرية.
لقد تفاعل ما كان يجري على الأرض العربية ، بما كان يهبط من السماء ، وتم التفاعل ، والفرز هنا على أرض العرب ، ثم على صعيد العالم ، فتحالفت قوى الظلم والطاغوت ، هنا ، مع قوى الظلم والطاغوت في العالم ، وكانت في موضع التبعية لها ، وحملت قوى الحق العربية رسالات العدالة والحرية إلى العالم فالتقت بقوى التحرر والعدالة على الصعيد الإنساني كله ، وتحالفت معها .
هكذا حمل جدنا إبراهيم الخليل فأسه ، وحطم أصنام قومه، ولننتبه هنا ، فقبل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، كانت القبائل تحطم آلهة بعضها البعض دفاعاً عن آلهتها ، هي . أما في تلك الحالة ، فنحن أمام حالة نوعية ، فجدنا إبراهيم الخليل لم يحطم أصنام الأقوام الأخرى ، وإنما حطم أصنام قومه ، وتحدى مماحكات الكهنة والنمرود ، وطرح جدوى الصنمية ، والتصنيم ، وعندما بُعث موسى عليه السلام تحدى ظلم الفراعنة، ومهد لرسالة جدنا المسيح عليه السلام الذي حمل صليبه رافضاً ظلم وطاغوت القوى الغاشمة وعبودية الإنسان للمال : ( إن دخول جمل من سنام إبرة أسهل من دخول الأغنياء الجنة) ، وإذا كان الطواغيت قد تمكنوا من السيد المسيح فإن قلة من حوارييه انطلقوا إلى العالم لايملكون إلا تعاليم أستاذهم التي اخترقوا بها مراكز الطاغوت العالمي في ذلك الوقت ، وأعطوا العالم نصف دينه خلال سنوات قليلة. وبعد ذلك ُبعث جدنا محمد بن عبد الله (ص) بالرسالة الإلهية الختامية للبشرية ، فحملها رسل مشبعون بالعقيدة ، ومنحوا العالم نصف دينه الإلهي الآخر، ولم يكن ذلك ممكناً إلا بعد رفع الظلم والاحتلال عن الأمة العربية ، لتتفاعل الجماعات البشرية على الأرض العربية بعد أن ارتفع عنها الظلم وعصبيات الفرقة الداخلية ، وتم تحريرها من العدوان الخارجي ، فاكتملت تكويناً وتوحيداً ، وبهذا كانت جديرة بأن تحمل الرسالة الإلهية إلى العالم ، وأن تضع بصمتها لبناء نظام دولي عادل ، ومتوازن ، وعندما فقدت عناصر الوحدة والعدالة والحرية انكفأت تقاتل نفسها ، ويقتتل أبناءها في أتون فتن وحشية ، فتهددت هويتها الوحدوية العربية ، وانعكس ذلك على الرسالة ، فتحولت المذاهب الإسلامية إلى خنادق للاقتتال ، والتكفير عبر العالم ... .
( 7 )
إننا لا نقول هذا لنعطي أنفسنا امتيازاً على البشرية ، لا نسعى إليه ، بل نرفضه ، لكننا نقوله في مواجهة معادلة إجرامية تفرض علينا الاختيار بين ديننا ، وبين نضالنا لإنهاض الأمة العربية وتوحيدها وتحريرها ، وكأنهما نقيضان ، ونقوله في مواجهة دونية تفرض علينا هذه الأيام ، فإما أن نقبل بأن نكون دون هذا العالم الذي يسمونه "عالم أول " ، وإما أن يدمروا كل شيء في هذا الوطن العربي ، إنها المعادلة التي يفرضها اليوم هذا النظام العالمي الفاسد الظالم ، والتي نرفضها ، فنحن لسنا مناجم بترول وغاز ، نحن أمة الحضارة والرسالات. صحيح أننا نرفض استغلال الآخرين والهيمنة عليهم ، لكننا ، في الوقت ذاته ، نرفض أن نبقى موضعاً للاستغلال ، ليس دفاعاً عن الأمة العربية ، وحسب ، وإنما دفاعاً عن إنسانية الإنسان المهدورة في طاحونة الطاغوت الذي يحاصرنا بأساطيله ، وقواعد عدوانه.
( 8 )
وإذا كانت رياح الفتنة ، وأفكارها ، ومذاهبها ، وطوائفها ، وعصبياتها ، ودويلاتها ، وكهنتها ، قد ذهبت بالأمة ، وبالوطن ، واغتالت الحلم الإنساني بعالم عادل متوازن ، وإذا كانت قوى الطاغوت والشر قد عادت مرة أخرى تحاصر هذه الأرض الطهور بأساطيل الغدر والعدوان والتهديد من كل حدب وصوب ، وإذا كانت قوى الطاغوت المحلي تتعاون مع قوى الطاغوت الدولي فتزرع هذه الأرض العربية الطهور خرائط ، وحدود شائهة ، وقواعد للمعتدين حيث يطبق على صدورنا هذا الليل العربي الحالك السواد فما أحوج هذه الأمة الآن ، أن تنهض من كبوتها لتستعيد قرارها ، وإرادتها ، وإذا كان هناك من افتعل ، ويفتعل مشكلة بين العروبة والإسلام ، بين الوطن ، والإسلام ، فإننا نقول أن هذا الوطن العربي هو وطن العروبة والإسلام معاً ، هو وطن العرب والأنبياء ، ورسالات السماء للإنسانية ، هو وطن العرب وجميع الديانات السماوية ....
( 9 )
إن هذه الأمة العربية الموحدة والمحررة والناهضة ، والمحطمة لأصنامها وعصبياتها والمتجاوزة للقبلية والعشائرية وجميع عوامل الفرقة والاستغلال هي النموذج المؤهل لحمل رسالة العقيدة الإسلامية إلى العالم ، والذين لا يساهمون في بناء هذا الصرح لا يساهمون في تحقيق جوهر تلك العقيدة السمحاء مهما كان الإدعاء .....
( 10 )
والحديث ذو شجون نأمل أن يكون لها نهاية على يد جيل عربي راهن أو قادم ، ففي هذا الليل العربي الحالك السواد بوادر بريق ينطلق من السماء يتفاعل مع صرخة تتفجر فيها هذه الأرض العربية الطهور ويتردد صداه في كل مكان من هذا العالم ، أن : أيها العرب أفعلوها..... أفعلوها مرة أخرى ... !!
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 10-04-2010 10:36

على بساط الثلاثاء
93

يكتبها : حبيب عيسى



28 أيلول "سبتمبر" ..؟!






( 1 )
أعترف أنني في حيرة حقيقية هذا اليوم 28 أيلول "سبتمبر" ، لا أعرف من أين أبدأ في معالجة الأحداث التي حفرت أخاديدها عميقاً في حياتنا نحن العرب ، والتي ُسطرّت في سجل ذلك اليوم الحزين ...
قبل نصف قرن تقريباً ، وفي صبيحة يوم 28 أيلول "سبتمبر" 1961 استفاق العرب الذين كانوا ينامون ويستيقظون على حلم أن تمتد حدود دولة "الجمهورية العربية المتحدة" التي كانت تضم الإقليم الشمالي "سورية" ، والإقليم الجنوبي "مصر" لتشمل وطن العرب وأمة العرب بين المحيط والخليج ، استفاقوا على نعيق الغربان من راديو دمشق بفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، فانكسر الحلم ...
بعد ذلك بسنوات تسع ، وفي عشية يوم 28 أيلول "سبتمبر" 1970 ، صُدم العرب من المحيط إلى الخليج بنعيق غراب آخر من الإقليم الجنوبي ، هذه المرة ، لقد غاب ، أو غُيب قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، فانكسر ما كان قد بقي من الحلم العربي ، بحيث يمكن التأريخ بذلك اليوم كبداية انحسار مشروع النهوض والتنوير والتحرير القومي العربي ... وصعود خط الفتن ، والفرقة ، والمذهبية ، والإقليمية ، والتبعية للخارج ...
في ذلك اليوم ، أيضاً ، ودون أن ينعق الغراب بذلك علناً بدأ الإجهاز على الجمهورية العربية المتحدة التي كان جمال عبد الناصر قد أصّر على أن تبقى مجسدّة علماً ونشيداً واسماً في "الإقليم الجنوبي" ، وأهم من ذلك الإبقاء عليها كصرح ، كقاعدة ، كموقف ، بأن الانفصال الذي حدث في الإقليم الشمالي مؤقت ، وأن المسيرة العربية إلى الجمهورية العربية المتحدة الشاملة وطن وشعب الأمة العربية لن تتوقف ، وبالتالي فإن 28 أيلول "سبتمبر" بذلك لم يعد يوم انفصال الإقليم الشمالي ، وحسب ، وإنما بتغييب جمال عبد الناصر أضيف إليه ، انفصال جديد ، أنه يوم انفصال الإقليم الجنوبي عن الجمهورية العربية المتحدة ...
في ذلك اليوم ، أيضاً تم الإجهاز على المقاومة العربية في عمّان ، بعد أن غاب جمال عبد الناصر الذي كان يلملم جراحها وخطاياها ، ومن ثم تم حصارها نهائياً وإبعادها عن نهر الأردن منفذها إلى قلب فلسطين ، وبالتالي تم دفعها إلى الأقلمة لتكون ضمن مشروع النظام الإقليمي ، فتدخل بورصة الصفقات والمساومات ...
هكذا ، فإننا نشأنا على الخوف عندما يقترب هذا اليوم 28 أيلول "سبتمبر" ، ليس من ذكرى ما حدث فيه ، وإنما تحسباً مما يمكن أن يحدث فيه ، لهذا ، فإنني في مثل هذا اليوم ألجأ إلى ركن آمن يتيح إليّ شيئاً من الطمأنينة ، والبحث في إمكانية الانتقال من البكاء على الأطلال إلى مرحلة التأسيس لانطلاقة عربية جديدة باتجاه مصير عربي مختلف ، نضعها بتصرف الجيل العربي الجديد من الطليعيين العرب الجدد ...
( 2 )
ولهذا ، فإنني أرى أن السبيل الوحيد للانعتاق من أحزان 28 أيلول "سبتمبر" ، وتداعياته ، يكمن في البحث عن مخرج من المحنة العربية الراهنة إلى أفق عربي جديد ، تلك المحنة التي آن لها أن تمضي ، لكنها ، وبعد التجارب المرة ، بات من الثابت أنها لن تمضي إلا بنضال دؤوب ، ممنهج ، جاد كامل الأوصاف ، وبما أننا كجيل بتنا على عتبات المغادرة ، فإن مسئولية ذلك تقع على عاتق الجيل العربي الجديد من الطليعيين العرب ، وأقصى ما يمكن أن يقدمه جيلنا إليهم يتمثل بعدم زجهم في صراعاتنا العبثية من جهة ، وبتقديم خلاصة تجاربنا المرة إليهم ، من جهة أخرى ... لهذا فإن حديثي موجه إليهم حصراً ، في هذا اليوم ، فهم ملجأي الأخير ، وسأترك البكائيات لغيري ، وسأبدأ من الواقع كما هو ، ثم إلى : المنطلقات ، والغايات ، وذلك عبر محاور ثلاثة ...
- حال الأمة العربية . – المنطلقات . – الغايات الاستراتيجية .
( 3 )
- المحور الأول : حال الأمة العربية ...
1- على صعيد المشهد الدولي : تطور مفهوم الحلف المقدس في أوربا إلى الحلف الأوروبي الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر ثم تطور إلى عصبة الأمم في الربع الأول من القرن العشرين ، ثم إلى هيئة الأمم المتحدة في منتصف القرن العشرين ، ثم إلى النظام الثنائي القطب ، ثم إلى القطب الأمريكي الوحيد... لقد تأسس هذا النظام الذي يسمونه (النظام الدولي) على مبدأ تنظيم سيطرة الأوروبيين على العالم والانتقال بالأوروبيين من الصراع على موارد أوروبا وأمريكا الشمالية- التي أباد الأوروبيون أهلها الأصليين- إلى مرحلة الصراع على موارد العالم، وكان هذا كله تتويجاً للقرون الخمسة الأخيرة من الألفية الثانية حيث جاب قراصنة أوروبا العالم ، وصاغوا من أعراف القراصنة ما أسموه "القانون الدولي "، وأنشأوا هيئات أسموها دولية، وهي في حقيقة الأمر هيئات تنظم عمليات نهب العالم والسيطرة عليه.
لقد كان نصيب الوطن العربي من هذا كله وصايةً و انتداباً وحماية واستعماراً وقواعد واحتلالاً ، ومن ثم عدواناً مستمراً حتى الآن على الوطن العربي، حيث تخضع الثروات العربية المادية والبشرية للنهب المستمر والمزدوج لصالح قوى الهيمنة الدولية ، ولصالح قوى الهيمنة المحلية.
2- على صعيد قوى الهيمنة المحلية: لقد احتاجت قوى الهيمنة الدولية إلى النصف الأول من القرن العشرين لتثبت حدود تفتيت وطن الأمة وشعبها وإنشاء دولة الصهاينة. واحتاج النظام الإقليمي الذي أقامته قوى الهيمنة أيضاً إلى النصف الثاني من القرن العشرين لبناء مؤسسات هشة يراد لها أخيراً تدشين الشراكة بين النظام الإقليمي ودولة الصهاينة تحت الرعاية الإمريكية.
3- على صعيد البنى السياسية للأمة: إن البنى السياسية للأمة تفتتت تحت ضربات النظام الدولي خلال القرن المنصرم ، وشهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين بخاصة مجتمعاً عربياً تفككت قواه السياسية الحية وغدا عارياً أعزل من قوى المقاومة والدفاع.
4- على صعيد الحركات القومية : لقد أصاب الحركات القومية ما أصاب البنى السياسية عموماً، ونتيجة ضعف البنى الفكرية لتلك الحركات، ونتيجة ضعف بناها التنظيمية، فإن الحركات (والأحزاب) تاهت على الطريق إلى الوحدة العربية أحياناً أو تحولت إلى قوى تستخدمها دول النظام الإقليمي أحياناً أخرى، وذلك بسبب الخطأ الفادح الذي وقعت فيه عندما لم تدرك مغزى النظام الإقليمي في الوطن العربي، فتصور البعض أن مجرد السيطرة على الدولة الإقليمية يكفي لإضفاء صفة القومية عليها، وتصور البعض الآخر أن أجهزة الدولة الإقليمية قادرة بالتوجيه القومي على تحقيق الأهداف القومية، واكتشف هؤلاء وأولئك بعد فوات الأوان أن الدولة الإقليمية ابتلعتهم وابتلعت أحلامهم واستخدمتهم في مشاريعها التفتيتية عوضاً من أن يستخدموها في مشاريعهم القومية.
إن الأحزاب والمؤسسات القومية التي بدأت إرهاصاتها مع بداية القرن العشرين، واكتملت تنظيماتها مع منتصفه، واعتلت سلطات النظام الإقليمي في بعض المواقع، اندثرت مع نهاية القرن ولم يبق منها إلا الأشلاء.. لكنها تركت تراثاً خصيباً وتجربة فذة لا بد من الانكباب على دراستها بعناية فائقة لتجنيب الأجيال العربية القادمة الأخطاء والانحرافات.
5- على صعيد البنى الفكرية : لقد تحولت الساحة العربية خلال القرن العشرين إلى (حقل تجارب) للأفكار والأيديولوجيات التي أنتجتها البشرية، ولا نكاد نعثر على نظرية أو منهج سواء من الماضي السحيق وحتى الحاضر المر إلا تشكلت حكومات هنا وهناك على طول الأرض العربية وعرضها تتلمس الخلاص على هديها.

( 4 )
صحيح أن هذه الأرض العربية فيها الكثير من التغريب والتخريب، لكن بفعل عمق الصراع على هذه الأرض العربية ، فإن تجربة بالغة الثراء قد حدثت، وجاءت أحداث القرن لتضع حداً لكثير من الصراعات الفكرية، وتفتح ساحات أخرى للحوار والصراع وترشح هذه الأمة مرة أخرى لتنتج رسالة خلاص معاصرة للبشرية.
وإذا كانت هذه الأمة تعتصم هذه الأيام بسجيتها لدفع موجات التخريب والتغريب... فإن هذا في الوقت ذاته تعبير حي عن استعداد لاستقبال رسالة التغيير بعد قرن من التفتيش في العصور المنصرمة، وبعد قرن من التدقيق في الترجمات الكثيفة لكل ما أنتجته البشرية. فالأمة تدرك والأعداء يدركون أيضاً، أن التغيير هنا في وطن العرب عندما تدق ساعته فإن قوة هذه الأرض لن تمنع صداه من أن يتردد في مغارب الأرض ومشارقها.
( 5 )
المحور الثاني: المنطلقات ..
1- على صعيد المشهد الدولي : إن البشرية وبعد التطور الذي شهدته في مجالات الفلسفة والعلوم والآداب والثقافة تستحق نظاماً دولياً متوازناً وعادلاً يتناسب مع التطور الذي بلغته الإنسانية. ومن غير المعقول ولا المقبول أن يستمر نظام القرصنة الأمريكي الذي يحكم عالم اليوم .
إنه نظام تدمير الكون وتلويث الكوكب واستعباد البشر وتقسيم العالم إلى عوالم عليا وسفلى أو جنوب وشمال.
والأمة العربية هي من أكثر أمم وشعوب العالم تضرراً من مثل هذا النظام، وبالتالي فإن حركة التحرر العربي أولى بأن تكون فى طليعة القوى الإنسانية الناهضة لتحرير العالم من براثن هذا النظام.
فالعالم في ظل التطور الحضاري المنشود ليس عالماً من السادة والعبيد، وإنما عالم واحد يقوم على المساواة بين الشعوب، وإن الشعوب بما فيها الأمة العربية الموحدة الفاعلة هي المرشحة لبناء هذا النظام الدولي العادل.
2- على صعيد الأمة: نحن ننطلق من حقيقة أن الأمة العربية قد اكتملت تكويناً منذ أن تمكن المجاهدون العرب بقيادة الصحابة والتابعين من هزيمة أقطاب النظام الدولي الفاسد الذي كان سائداً في ذلك الوقت، فحرروا الأرض العربية من العدوان الأجنبي وتم التفاعل بين الشعوب والقبائل والعشائر التي تسكن هذه الأرض فتوحدت ثقافة وأهدافاً ، وبالتالى فإن أي عدوان على الأمة العربية بالتقسيم أو بالاحتلال هو عدوان يجب أن يدفع بالطرق المناسبة.
( 6 )
3- على صعيد إعادة بناء القوى السياسية: إن القوى السياسية التي دمرها النظام الإقليمي في الوطن العربي أو تلك التي وهنت لأسباب تتعلق ببنيتها الفكرية والتنظيمية لم تعد صالحة بعد كل هذه التطورات التي شملت العالم وتجاوزت بناها الفكرية والتنظيمية.
إننا ندعو القوى والأحزاب السياسية كافة أو ما تبقى منها إلى المراجعة الشاملة لأفكارها وأساليبها، وأن تستجيب لحاجة إعادة بناء هيكلية وتنظيمية وفكرية تنسجم مع الحقائق التي أفرزتها التجربة المرة للقرن العشرين، وأهم هذه الحقائق الاعتراف بالوجود القومي للأمة العربية ولو كانت هذه القوى والأحزاب غير قومية من الناحية العقائدية .
فانطلاق هذه القوى من الوجود القومي للأمة، واعتبار ساحة الأمة هي ساحة عملها معيار لمدى تخلصها من الانخراط في مشاريع التفتيت والتقسيم .
فلتتعدد المنابر والآراء والقوى، وليعلن كل فريق ماذا يريد للأمة العربية وليفتح باب الجدل الاجتماعي واسعاً، وليحتكم الجميع في النهاية لإرادة الأمة، وليلتزم الجميع بعقد اجتماعي مؤداه أن تحقيق ما يريده كل فريق للأمة العربية مرهون بمقدرة القوى الحية وتحالفها في معركة تحرير الأمة من العدوان المتعدد الأشكال والجنسيات، ثم وبعد التحرير والتوحيد ليدع كل فريق إلى برنامجه وعلى ماذا يتفق أو يختلف مع الآخرين .
4- على صعيد بناء التنظيم القومي : لقد استنفد القوميون العرب خلال القرن العشرين مراحل التجريب لبناء التنظيم القومي . وتأكد للجميع أن الفشل الذي أصاب هذه التجارب لم يتأت من كون هذه التجارب قومية، ولكن من كونها لم تكن قومية كما يجب .
الدروس على أية حال حية، والنتائج قاطعة، و"الطليعة العربية" حاجة وضرورة... كيف نبنيها ومتى...؟ هذا هو السؤال...
5- على صعيد التحالفات: إن الطليعة العربية كتنظيم قومي للأمة مطالبة بأن تكون العصب والعمود الفقري لتحالف عريض يضم كل القوى الحية في الأمة التي ترفض واقع التبعية والتفتيت أياً كانت الأفكار التي تدعو إليها، ذلك أن معركة تحرير الأمة مفتوحة، وكل عربي له مكانه وموقعه الذي ينتظره في خندق المعركة، ولكل عربي بعد ذلك حق الاختلاف على أي شيء.
( 7 )
المحور الثالث: الغايات الاستراتيجية
1- على صعيد المشهد الدولي : إن مفهومنا للحركة القومية يقوم على منهج إنساني يرى أن الإنسان.. وبالتالي المجتمعات البشرية في تطور مستمر لا يتوقف ، وأن البشر عندما يستنفدون مرحلة ينتقلون إلى أخرى . والأمة العربية عندما تحقق وحدتها ستسهم إسهاماً فعالاً في بناء نظام دولي متوازن عادل.
( 8 )
2- على صعيد الأمة : إن الحركة القومية العربية تستهدف تحرير الأرض العربية، كل الأرض العربية، وتوحيدها، ورفع الظلم والهيمنة عنها، وفتح مجالات استثمار الثروات العربية، وحل المشكلات التي يعانيها المجتمع العربي، ذلك أن هذه المشكلات هي مشكلات قومية ولا تحل إلا في إطارها القومي، وإخضاع الثروات والبشر لتخطيط شامل يردم الهوة التي حدثت بين الأمة والتقدم العلمي ، وتسترد الأمة علماءها وباحثيها الذين لا يجدون مجالاً لأبحاثهم على أرض أمتهم في ظل الأوضاع الشائهة الراهنة، وتسترد الأمة أبناءها، أبناء شهداء التحرير والمقاومة الذين طاردهم النظام الإقليمي فألقوا بأنفسهم في قوارب تهيم بهم في البحار حتى إذا وصلوا عملوا على تنظيف شوارع المستعمرين الذين طردهم آباؤهم وأجدادهم، أو تحملوا مذلة الاصطفاف أمام سفارات دول الهيمنة يستجدون "سمة دخول "...
إن للأمة حقاً، كما أن لكل الشعوب المنهوبة ثرواتها، حقاً في الثورة العلمية التي حصلت إن كان على صعيد العلوم التي نشرها العرب أيام نهضتهم، أو على صعيد مشاركة العلماء العرب في النهضة العلمية التي يدعيها الغرب لنفسه هذه الأيام، أو على صعيد الإمكانيات والثروات التي ينهبها الغرب من بلاد العالم ، ومنها بلادنا.
إن هناك عهوداً من السيطرة الأجنبية والتخلف فرضت على الأمة وأدت إلى تشويه في توزيع السكان بين المحيط والخليج . ولا بد للحركة القومية من ثم أن تعيد رسم خريطة الأمة بشرياً واقتصادياً . وسيتاح للشعب العربي أن يعيد وصل ما انقطع من صلات وتفاعل . وستستعيد جوامعنا وكنائسنا دورها الإشعاعي والمركزي . وستستعيد الأمة ما تتمكن من استعادته من ثروتها المنهوبة وآثارها المنهوبة، وأهم من هذا وذلك ستستعيد دورها المسروق منها هذه الأيام ، هذا الدور الذي أثبتت التجارب الحية أنه لها، وأن عليها أن لا تتخلى عنه مرة أخرى ، حتى للذين يدعون أنهم يحملون أفكارها وديانتها.
الأمة عندما تستعيد دورها لن تحيا بما تملك وحسب، وإنما ستعيد لرسالة الإنسانية والحضارة القائمة على المساواة والعدالة توهجاً أشد ما تكون الإنسانية حاجة إليه هذه الأيام .
( 9 )
3- على صعيد الدولة القومية : إن هناك خلطاً مقصوداً بين مفهوم الدولة القومية والدول الإقليمية التي حكمها قوميون أحياناً .. والفرق بيّن وشاسع بين النموذجين، فالقوميون الذين حكموا الدولة الإقليمية لم يحولوها إلى دولة قومية للأمة ، بل العكس، فإن تلك الدولة الإقليمية طوعت القوميين أحياناً، وخذلتهم في معاركهم القومية أحياناً أخرى، وأكلت أحلامهم القومية في الأحوال كلها.
الدولة القومية التي يتطلع القوميون لبنائها هي الدولة التي تتطابق حدودها مع حدود الوطن والأمة. وبالتالي تمتلك الأركان المشروعة للدولة وهي :
- الوطن : الوطن العربي .
- الشعب : الأمة العربية .
- السلطة : وهي السلطة المشروعة، أي يجب أن تتوافر لها عناصر الشرعية والمشروعية، ونحن هنا لن نستبق الأحداث ونتحدث عن طبيعة هذه الدولة وتفاصيل أجهزتها وطرق إدارتها وتداول السلطات فيها. لكن لا بد من تحديد الثوابت التي يبني عليها القوميون مؤسساتهم القومية ومنها الدولة :
أولاً : إن مؤسسة الدولة القومية يجب أن تتيح أوسع الفرص لمشاركة الشعب في اتخاذ القرارات على مختلف الصعد، كما ستؤمن تكافؤ الفرص . وبالتأكيد فإن دولة الأمة العربية لن تكون شكلاً من أشكال الدول الرأسمالية أو الشمولية، ولكنها ستكون دولة الإنسان العربي الحر من كل أشكال القيود، والذي ستتاح له كل الفرص لممارسة هذه الحرية. ذلك أن الجدل الاجتماعي هو الذي ينتج التطور، والجدل الاجتماعي لا يمكن أن يمارس في ظل أجواء القهر السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي.
ثانياً : إذا كانت الحركة القومية هي التي ستنجز عمليات التحرير والتوحيد، ومن ثم الوصول إلى دولة العرب القومية ، فإن هذا لا يعطي القوميين أي حق في احتكار حكم الدولة القومية . ذلك أن مقدرة القوميين على التحرير والتوحيد لا تعطيهم الحق في الانفراد بالادارة و الحكم حيث المهام مختلفة والمقدرات المطلوبة لذلك مختلفة أيضاً . إن إدارة مؤسسات الدولة القومية ستكون متاحة للقادرين الذين سيختارهم الشعب العربي، أما كيف يتم هذا الاختيار، وكيف سيتم تداول السلطات فهذا سيتم في حينه أستناداً لمبدأ المساواة الموضوعية وليس الشكلية لكل مواطني الدولة القومية .
ثالثاً : إن التعددية السياسية ستكون متاحة في الدولة القومية، وحرية طرح البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية مكفولة للجميع . وهذا يعني أن السلطة في الدولة القومية سوف يتولاها الفصيل السياسي الذي يقدم برنامجاً مقنعاً للغالبية من أبناء الأمة، أياً كان هذا الفصيل، وأياً كان نهجه.
رابعاً : إن أجهزة الدولة القومية وفي سنواتها الأولى ستنشغل في إعادة توزيع الثروات العربية، وإعادة هيكلة المجتمع العربي والعمران العربي، والزراعة العربية، والصناعة العربية، واسترداد ما يمكن استرداده من الثروات العربية المنهوبة أو المهربة، ولكن السنوات التالية ستكون حافلة بالبناء والتنمية والاستثمار الشامل لكل إمكانيات الأمة وطاقاتها.
( 10 )
ونختم بما قاله عصمت سيف الدولة : " لما كان الجدل الاجتماعي هو الطريق الوحيد الذي يعرف به الناس في المجتمع الغاية ، فإن النظام القانوني في المجتمع لا يكون مشروعاً إذا تضمن قيوداً سياسية أو اجتماعية على مقدرة الناس على الجدل الاجتماعي".
وبالتالي ، فإن البداية تكون بمواجهة الاستبداد والطغيان الذي يعطل بالقهر والتضييق على الحريات والقمع تفعيل "قانون الجدل الاجتماعي" ...
إذن ، فإن نضال الطليعيون العرب الجدد يبدأ بالنضال ضد القيود والعقبات التي تعيق "الجدل الاجتماعي" المتمثلة بالاستبداد والطغيان والقيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير ، فحتى تكون الحرية أخيراً ، لابد أن تكون الحرية أولاً ....
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 10-04-2010 10:41

على بساط الثلاثاء
94

يكتبها : حبيب عيسى



عن فارس الحلم ، وإليه ...
عصمت سيف الدولة






( 1 )
هناك نداء داخلي يرافقني منذ زمن بعيد ، يستنهضني كلما نال مني التعب ، يواسيني كلما أرقتني الهموم ، يناديني عندما يصمت الجميع من حولي ، كان زادي في زنزانتي ، وهو زادي في محنتي ، وهو الحادي لاستنفاذ آخر خلية حية من أعصابي على الطريق إلى وطن عربي ُمحرر ، إلى أمة عربية موحدة متحررة تنبذ الاستبداد والطغيان والاستغلال والعدوان ، تمتلك إرادتها ، وتتمّسك بقرارها لبناء دولة عربية مشروعة تتطابق حدودها مع حدود وطنها ، والمساهمة ببناء عالم إنساني ينبذ التوحش ، والعنصرية ...
كان ذلك النداء يشحذ همتي كلما وهنت بفعل واقع موضوعي يبتعد شيئاً ، فشيئاً عن المصير العربي الذي نحلم ، حتى بتنا نواجه بأسئلة موجعة : عن أية أمة تتحدثون ؟ ، عن أية وحدة ؟ ، عن أية عدالة ؟ ، عن أية حرية ؟ ، عن أية اشتراكية ؟ ، كل ما في هذا الواقع من القوى الفاعلة ، والمسيطرة تعمل ، وتفعل بالضد من كل ذلك ، وأنتم ، أيها القوميون ، لا حول لكم ولا قوة ، أما آن لكم أن تتحلوّا بشيء من الواقعية ، وتقلعون عن أوهامكم ، وتبحثون عن منافعكم الشخصية ، وتهتمون بعوائلكم ، عودوا إلى طوائفكم ، ومذاهبكم ، وأقاليمكم ، وابحثوا عن ادوار لكم بالانخراط في مشاريع التفتيت ، وتجزأة المجزأ ، والاحتماء بتلك الطائفة ، أو المذهب ، أو الإقليم ، أو القبيلة ، أو الإثنية ، أو حكام الغفلة ، أو مافيات الفساد ...؟ .
( 2 )
هكذا علينا الاعتراف أن حملة مشاعل الحرية في الوطن العربي ، في محنة حقيقية ، إنهم لا يسبحون ضد تيار بعينه ، وإنما هم في لجّة تيارات متضاربة تضربهم من كل صوب ، لكن هذا كله ، ومن جانب آخر يصلبّ عودهم ، ويعّزز وعيهم ، ويوسّع معارفهم ، ويصوّب مسارهم ، ويحصّن مواقعهم ، والنصر في النهاية لمن يستحقه ، المهم أن تستعيد الجماهير العربية عناصر المبادرة والفعل ، وأن تتجاوز المحن التي دفعت بها إلى التهميش ، وأن تحتضن مشروع النهوض والتحرير والتنوير بعد أن يطهّر نفسه من عوامل السلب التي أفقدته المصداقية ، وأن يعترف أن العلة كانت فيه ، وفي أساليبه ، لا في الجماهير العربية التي أعطت الكثير وضحّت ، وناضلت ، واستشهد منها الشهداء ، وعندما يستعيد مشروع النهوض القومي عوامل المصداقية لن تبخل عليه الجماهير العربية ، بالعطاء مرة أخرى ...
هل رأيتم ماذا فعل بي ذلك النداء ؟ ، قبل دقائق كنت بائساً مثقلاً بالهموم ، لكن بمجرد أن أصغيت إلى ذلك النداء انتفضت ، وخرجت من حالة الإحباط إلى حالة أخرى ، عبرّت عنها تلك الكلمات ...
لقد حان الوقت كي أكشف لكم مصدر ذلك النداء ، إنه عصمت سيف الدولة ، عندما كانت تغلق الدوائر من حولي ، ينتصب أمامي مبتسماً عبر موقف كان بيننا ، أو عبر فكرة قالها ، أو عبر حلم ينتشلني من كابوس ، أو عبر سؤال استفذاذي ....
( 3 )
اليوم 28 أيلول "سبتمبر" استبد ، بي ، القلق والوجل ، وحاصرتني الأحزان ، وكان الإنقاذ عبر ذلك النداء ، لكن ، وبما أن الحدث جلل في ذلك اليوم الحزين 28 أيلول "سبتمبر" لم أكتف بالنداء بل أتبعت ذلك بالالتجاء إلى مصدره ، عدت إلى وثائقي ، واستذكرت ذلك الليل الحزين 30 آذار "مارس" 1996 لقد توفي عصمت سيف الدولة ، وفي يوم 13 حزيران "يونيه" من العام ذاته ، كنت على منبر نقابة المحامين في القاهرة استجابة لدعوة كريمة من اللجنة القومية لتخليد فكر عصمت سيف الدولة ، ألقيت كلمة ، كالبكاء ، يتملكنيّ ، الآن ، شعور جارف لقراءتها من جديد ، هل هو شعور بالحاجة للبكاء من جديد ؟ ، ربما ، وربما كانت القراءة الجماعية ، تلبي حاجة شخصية لدي ، وتعزّز لدي الشعور بأنني لست وحيداً ، أعتذر سلفاً ممن سيعتبر ذلك إقحاماً للعام في مسألة شخصية ، فإلى تلك الكلمة :
( 4 )
أيها الحفل الكريم :
عندما بدأ خبر رحيل عصمت سيف الدولة ينتشر بين الناس ، يتناقله الواحد من الآخر ، دون أن تشير إلى ذلك وسيلة إعلام رسمية واحدة في الوطن العربي ، كنا نواجه باستغراب شديد ممن يتلقوّن النبأ ، كان البعض يرى في هذا التجاهل ظلماً ، وكنت أرى فيه إنصافاً ، فلقد كان بريئاً منهم ومن أجهزتهم ، ومن إعلامهم ، ومن ممارساتهم ، وسيبقى كذلك ، للأبد .
أيها السادة :
أنا قادم إليكم من الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة التي بكيتها بمرارة عندما فصلوا إقليمها الشمالي في 28 أيلول ( سبتمبر ) 1961 ، ثم بكيتها بكاءً مراً عندما فصلوا إقليمها الجنوبي إثر 28 أيلول ( سبتمبر ) 1970 ، ومنذ ذلك الوقت عادت الجمهورية العربية المتحدة إلى رحم الأمة العربية حلماً ينتظر فرسان الثورة ، والتحرير .
وها أنا اليوم في القاهرة ، أبكي على صدر كنانة العرب فارس الحلم ، ورجل المبادئ ، والأصالة ، والعقيدة ، رجل الموقف الصلب الذي قضى حياته نضالاً وجهاداً ، وصياغة للأسس والضوابط ، وسن النواميس لبناء جمهورية عربية متحدة بين المحيط والخليج عصية على الأعداء ، ومؤامراتهم .
( 5 )
ورغم أحزاني التي لا يمكن أن يعبّر عنها كلام في هذا العالم ، فأنا ، أيها السادة ، لم أحضر إليكم نادباً ، لاطماً ، فلست من أولئك الذين يتحدثون عن خروج العرب من التاريخ ، ولا عن وفاة العرب ، ولا عن ترقين قيود الأمة العربية ، ولا عن انتهاء الصراع العربي - الصهيوني ، ولا عن الدول العدوانية ، الواقعية ، التي تحتل أرض الأمة بين المحيط والخليج ، والتي تزهو بإشهار علاقاتها مع الصهيونية ، وتبعيتها لإرادة دولة الولايات المتحدة الأمريكية . فنحن لسنا أمة طارئة على التاريخ تنهار بمجرد تغييّر ظروف سياسية طارئة .
- لا ...
- نحن أمة مثخنة بالجراح ، لا ننكر هذا ...
- نحن أمة معتدى عليها ، وهذا لا يعيبها في شيء ، ما يعيب هو أن يجهر أولئك الذين يحركون ألسنتهم بلغتها القومية ، يجهرون بخيانتهم لها ، دون أن تقدمهّم الأمة للقضاء العادل ، وللقصاص الذي يستحقون ، لكنها غداً ، أو بعد غد ستعرف كيف تفعل ذلك .
( 6 )
نحن أمة الحضارة والتاريخ ، من هنا انطلقت الحضارات القديمة للعالم ، ومن هنا منذ ألفي عام انطلق بعض حواريي جدكم المسيح عليه السلام إلى العالم فأعطوا العالم نصف دينه السماوي خلال سنوات قليلة .
ومن هنا ، وبعد خمسمائة عام من ذلك انطلق رسل جدكم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى قادة النظام العالمي في ذلك الوقت ، يدعوهم للكف عن الظلم والتجبّر ، وعندما لم يستجيبوا تقدم المجاهدون العرب لتحرير أرض الأمة ، ورفع الغبن عنها ، ونشر الرسالة ، فأعطوا العالم نصف دينه السماوي الآخر ، وغيرّوا النظام العالمي الظالم برمّته في ذلك الوقت ، واكتملت الأمة العربية تكويناً .
نحن أمة الحضارات ، والديانات ، والشعر ، والفلسفة ، والفنون ، والكرم ، والشهامة ، والمروءة.
صحيح أن الفتنة سمحت للعدوان الخارجي أن يعود مرة أخرى ، لكن إلى حين ، والأمة تتلمسّ الآن طريقها للخروج من المحنة ، وكل الذين يتحدثون عن الشرق أوسطية ، حيث لا عرب ، سيذهبون ، ومخططاتهم أدراج الرياح .
ونحن نعلم مقدماً أن المهمة ليست سهلة ، ونعلم أن معركة تغييّر الواقع العربي تساوي معركة تغييّر النظام العالمي الظالم السائد ، لكنها معركة تليق بأمتنا العربية العظيمة .
( 7 )
إن هناك خلطاً مريباً بين الأمة العربية العظيمة ، وبين فعلة أولئك الذين يرتكبون جرم الخيانة بحقها ، فينسبون فعلتهم ، ومهانتهم ، ومذلتهم ، إلى الأمة العربية والأمة منهم ، ومن صفقاتهم وعقودهم براء.
إنهم ، والصهيونية ، ودولة الهيمنة الأمريكية سواء ، وإن ما يجري بينهم من صراع ، أو وفاق ، هو صراع ، ووفاق بين أفراد العصابة الواحدة المعتدية على الأمة التي تسرق حقوق الأمة ، وتعتدي على وجودها .
عقودهم باطلة ، وجودهم حرام ، معاهداتهم حرام ، فالحرام بيّن ، والحلال كذلك ، والحرام حرام أبداً ، والحلال حلال أبداً .

( 8 )
أيها الحفل الكريم :
- لابد أن نقرر ذلك كله هنا ، ومن على منبر عصمت سيف الدولة .
- لابد أن نقرر هنا ، ومن على منبر عصمت سيف الدولة ، أنهم بمجملهم لصوص ، وقراصنة ، وأولاد حرام يمارسون الفعل الحرام ، وأنهم غداً ، أو بعد غد سينالون القصاص الذي يستحقون .
إن إرادة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ليست قدراً ، ولا الصهيونية كذلك ، ولا سلطات دول العدوان والتبعية المنتشرة بين المحيط والخليج ، إنهم إلى زوال ، والأمة العربية قادمة ، وفارس الأمة الذي ترجل بالأمس ، ما زال فارس الحلم ، والمستقبل المشرق ، والحادي إليه .
فقط ...
فقط ، تغير العنوان ، هناك من شاهده بالأمس في أروقة مسجد الإمام الحسين يستخلص دروس الشهادة ، ويعلمهّا للناس .
وهناك من رافقه وهو يهرّب الدواء لأطفال العراق مخترقاً الحصار الذي يفرضه عليهم أولاد الحرام .
وهناك من تابعه ، وهو يتنقل بين دمشق ، وبيروت ، وصنعاء ، ويعتمر في مكة المكرمة ، ويعقد اجتماعات سرية مع أطفال فلسطين في المسجد الأقصى ، وفي كنيسة القيامة ، ثم يرتحل إلى المغرب العربي ، وتونس ، والخرطوم ، يناقش الناس في منهج الثورة العربية ، ونظرية الثورة العربية ، والتنظيم القومي .
إنه ليس مقاتلاً ، أو فيلسوفاً ، أو مناضلاً ، إنه كل ذلك ، وأكثر ، كان ثورة في رجل ، والآن انتقل ليصبح ثورة في أمة ... إنه فارس الواقع ، وفارس الحلم أيضاً . فقط كنا نركن إليه ، كان جبلاً لا يهادن ، لا يجامل ، لا يهاب في الحق أحداً ، الآن علينا أن نجسّده فكراً ، وحركة ، وثورة لمواجهة الغزاة والصهاينة ، والخونة الشرق أوسطيين .
ما يحّز بالنفس ، فقط ، أنه رحل عنا ، وهو جريح ، حزين ، عجزنا أن نكحّل عينيه بما كان يحب أن يرى ، لكنه في ساعة الصفر ، في يوم ولادة نهضة الأمة العربية عبر طليعتها العربية ستجدونه ، وستلتقون به ، وسترونه كما عهدتموه حاداً كالسيف العربي الأصيل .
من سجنه في عام / 1972 / أنشد على لسان طلبة ذلك العام الأبطال في جامعات مصر ، ومن زنزانته ، أنشودة ختمها بالقول :
- " يا عم حمزة ، ما حناش تلامذة ، إحنا طليعة " .
الآن نقول :
- يا عم عصمت ...
- يا عم عصمت ، إحنا تلامذة ، وإحنا طليعة .
وشكراً...
- حبيب عيسى – نقابة المحامين – القاهرة – 13 حزيران "يونيه" 1996 .

( 9 )
الآن ننتقل من نقابة المحامين في القاهرة لندخل في حضرة الشيخ الرائد ...
ففي تموز "يوليو" عام 1974 أراد أحدهم أن يتحدث عن الحركة العربية الواحدة ، وفي 12 آب "أغسطس" من العام ذاته 1974 ، أوقد أبو ذر ناره رغم حرارة آب/ أغسطس ، واستل سفوده يشوي الحديث ، ويقلبّه على نار هادئة .
قال أبو ذر للمتحدث في حينه : " إنني أحاول أن أكون هادئاً في ما مسست به موضوعاً لو تحاور فيه إثنان على قبري ، لهبّت عظامي تشترك في الحوار" .
كان أبو ذر ، هنا ، هو عصمت سيف الدولة الذي استعار أسم الصحابي الجليل الذي عاش وحيداً ، ومات وحيداً .
قال أبو ذر الغفاري مفسّراً وحدته : "ما زال بي الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر حتى لم يبق لي قول الحق ، صديقاً " .
قال عصمت سيف الدولة مواسياً شيخه ، وهو يستعير اسمه في القرن العشرين : "لا عليك أبا ذر، كنت بغير صديق، الآن أنت قدوة، ألسنا نعود إليك بعد مئات من السنين نستمد شجاعة قول الحق المّر من الانتساب إلى اسمك " .
الآن نستعير ما قاله شيخنا إلى شيخه ، فنقول : لا عليك عصمت سيف الدولة ، رحلت قبل أن يتحقق الحلم ، الآن أنت قدوة ، والحلم ما زال مشرعاً ، نقول ذلك بعد سنوات قليلة من رحيلك ، نستمد شجاعة قول الحق المر من الانتساب إلى نهجك الصارم ، والشجاع .
اليوم تفرز القوى ، وينكشف فشل النظام الإقليمي ، وبذلك تتحقق الخطوة الأولى إلى الحلم ... الذي بدأ يتجسّد بنفر من الطليعيين العرب الجدد استعادوا الإرادة والقرار ، يتجاوزون مرحلة الانفعال ، إلى المجالات الرحبة للفعل الإيجابي الجاد ، ويضعون حداً لمأساة أبي ذر التي تحدثت عنها عندما قلت يا سيدي ، وكأنك تعيش بيننا هذه اللحظات المرة ، قال "أبو ذر" ، عصمت سيف الدولة :
"يؤمن أبو ذر إيماناً مطلقاً بأن (الاكتفاء) بالحديث عن الحرية ، والوحدة ، والاشتراكية ، والثورة العربية ، وفلسطين المغتصبة... الخ، قد أصبح عاراً ، وضراراً ، وبأنه قد سقطت قيمة الكلمات ، إذ انتهكت مضامينها ، واهترأت ألفاظها ، فالحرية عبودية ، والوحدة انفصال ، والاشتراكية استغلال ، والثورة العربية استرخاء على صفحات المجلات في حفل من المبارزات الكلامية ، وفلسطين المغتصبة قد حملت سفاحاً ، ووضعت خيانة... ".
( 10 )
اليوم استذكر واقعة حدثت عندما كنا معاً ، يومها ، قلت في سياق حديث مع عصمت سيف الدولة : "نحن" ، فانتفض ، رحمه الله ، وقال مع إشارة استفهام ، إستنكارية من يديه : "مين إنتو ؟ " ، عندها عجزت عن الجواب ، كما جيلي ، بالأمس فاجأني شباب عربي يدقون باب مكتبي دون موعد ، ودون معرفة مسبقة ، واحد ، إثنان ، ثلاثة ، قالوا لم نأت إليك لنسمعك ، نحن نقرأك ، أتينا لتسمعنا ، تحدثوا ، وأصغيت ، ثم صدرت عنهم عبارة : "نحن" ، فخرقت اتفاق الصمت ، قلت : "من تكونون ؟" ، وجاء الجواب جماعياً : نحن لسنا تلامذة ، نحن طليعة ، ستكون الحرية حرية ، والوحدة وحدة ، والاشتراكية اشتراكية ، والثورة العربية ثورة عربية ، وفلسطين حرة عربية ... فخرجت من أحزان 28 أيلول "سبتمبر" ، وبكائياتها ...
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-02-2010 12:53

على بساط الثلاثاء
98


يكتبها : حبيب عيسى



التطبيع ...!
صهاينة مع صهاينة




" غداً أو بعد غد سيعرف الشعب العربي
أن الواقع الذي يكرهه ، هو الناتج الطبيعي لتجزئة أمته ،
حينئذ ستصبح الوحدة العربية هدفاً شعبياً ملحاً ."
- 1/1/1995 د. عصمت سيف الدولة
( 1 )
مع إعلان الرئيس محمد أنور السادات عن نيته لزيارة (دولة اسرائيل ) خريف عام 1977 ، ومن ثم تنفيذه لتلك النية التي كانت مبيتة منذ زمن بعيد على ما يبدو ... ، غدا مصطلح التطبيع مستفزاً للمشاعر ، والعواطف ، والعقول في الوطن العربي ، ليس لما ترتب على هذا "التطبيع" من علاقات ، وصفقات ، وإنما لأن مصطلح التطبيع تم انتزاعه من سياقه التاريخي ، والقانوني لتبرير علاقات غير تاريخية ، غير قانونية ، ولا مشروعية لها.
وإذا كان قد تبيّن ، بما لا يدع مجالاً للشك ، أن الرئيس السادات لم يكن أول المطبعّين مع الصهاينة ، كما تبين أنه ليس آخرهم ، فإن الذين سبقوه كانوا يدارون فعلتهم بالكتمان والسرية ، سواء كان ذلك على مبدأ " إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا "، أو كان ذلك اعترافاً منهم بان فعلتهم تندرج تحت باب الخيانة العظمى التي لا يجرأون على الجهر بها . لكن ، وفي الحالتين ، فإن التطبيع مع الصهاينة. معصية كانت ، أو خيانة . وسواء كان يرتكبه المطبعون بالسر ، أو بالعلن ، فإنه جرم جنائي يشمل، الفاعل، والمتدخل ، والمشارك، والمحرض ، والعرب بانتظار قوس عدالة حقيقي سينتصب في بوم ، ما .
( 2 )
وحقيقة الأمر ، أن مصطلح التطبيع (وبإصرار إعلامي مشبوه) لا يتم اطلاقه على المطبعين ، والمطبع معهم في الوطن العربي ، وحسب ، وإنما يقوم البعض ، وعن قصد وإصرار بتعميم هذه الظاهرة الشاذة المحاصرة على قطاعات واسعة من الشعب العربي أقاليم ، وأجزاء ، وأحيانا مذاهب ، وطوائف ، وأعراق ، وذلك افتراء على الجماهير العربية ، لتحقيق هدفين :
- الأول: هو تعميق الفتن الإقليمية والطائفية والمذهبية في الوطن العربي بالصاق وصمة التطبيع بإقليم معين ، أو طائفة معينة ، أو جماعة معينة ، مما يؤدي إلى اندلاع فتن ، لا نهاية لها.
- الثاني: تضخيم ظاهرة التطبيع ، والافتراء بأنها انتشرت إلى درجة يصبح معها ، من غير الواقعي ، أو الموضوعي مقاومتها ، او الوقوف في وجهها.
( 3 )
نحن نقرّ ، ونعترف أن هناك من يطبّع مع الصهاينة في الوطن العربي، لكن الذين يرتكبون هذه الجريمة ، يرتكبونها بصفاتهم الشخصية ، أو بصفتهم موظفين ، مأمورين لدى حكومات غير شرعية ، أو بصفتهم دعاة لتجزئة الوطن العربي ، وتفتيته أعراقاً ، ومذاهب ، وطوائف ، وأقاليم ، وبالتالي ، فهم صهاينة من حيث الوظيفة ، حتى ولو كانوا ينطقون بالعربية الفصحى . لكن هؤلاء ، وبمجملهم فئة محدودة ، يكاد الشعب العربي أن يعرفهم بالأسماء بين المحيط ، والخليج . منهم من يمارس ذلك ارتزاقاً ، ومنهم من يمارس ذلك ضلالاً ، ومنهم من يمارس ذلك خيانة ، وما يمارسونه على أي صعيد ، ُينسب إليهم ، وحسب ، إن هذا في منتهى الأهمية ، لتفادي مصيدة التعميم ، وما يترتب عليها من آثار مدمرة .
- فمن يستطع أن يقول : أن عرب مصر يطبعون مع الصهاينة ..؟
- ومن يستطيع أن يقول : أن عرب الأردن يفعلون ذلك ..؟
- ومن يستطيع أن ينسب التطبيع إلى عرب فلسطين ، أو عرب لبنان..؟.
إن هناك من يطبّع مع الصهاينة في تلك البلدان ، وفي أجزاء عربية أخرى بين المحيط والخليج ، وهناك من يدعوا لذلك علناً، ويحرّض عليه، لكن هذا الجرم ينسب إلى من يمارسه بالأسم ، ولا ينسب إلى إقليم ، أو طائفة من العرب، ذلك أن ضعاف النفوس ، أو المتورطين الذين انساقوا في سياق هذه الجريمة ، منتشرون بين المحيط والخليج . وعملية الفرز هذه من الأهمية بمكان لأن التعميم افتراء على أجزاء الأمة ، وعلى الأمة جمعاء ، في الوقت ذاته .
( 4 )
إن هذا التحديد "على صعيد آخر" بالغ الأهمية ، ونقصد على صعيد فرز المجرمين ، لتحريك دعوى الحق العام العربي ، بحقهم في الوقت المناسب، وهام أيضاً على صعيد إنضاج نضال "الطليعة العربية" لإخراج العرب من الفتنة ، ذلك أن آلية العمل الصهيوني في إنضاج الظروف ، لتحقيق التسلل الصهيوني إلى الشارع العربي تسير على خطين متوازيين :
- الخط الأول : محاولة التطبيع بين الأجزاء العربية ، وبين الكيان الصهيوني .
- الخط الثاني : تقطيّع ما تبقى من أواصر بين الأجزاء ذاتها ، عن طريق تحريك الفتن من كل نوع ، ومنها إلصاق وصمة التطبيع الذي تمارسه حكومات التطبيع بالشعب العربي في تلك الأجزاء.
وهكذا ، فإن مقولة أن التجزئة ، والصهينة في الوطن العربي ، هما وجهان لعملة واحدة ، لم تعد بحاجة إلى إثبات ، لأنها تعلن عن نفسها ، صباح ، مساء ، بل أنها باتت تنشر على الملأ مخططاتها ، ومشاريعها المشتركة لاستمرار وضع اليد الغاصبة على الأمة العربية ، وثرواتها ، ومالا تستطيع أن تفعله بالعدوان الصهيوني ، تنفذه بالقهر ، والاستلاب ، والحصار الإقليمي ، وما تعجز عنه توكله علناً للأساطيل الأمريكية ، والبريطانية ، وقواعدها البرية ، والجوية .
( 5 )
إن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة على العقل العربي هذه الأيام هي :
- هل يندرج ما يجري الآن بين المطبعين ، والصهاينة في الوطن العربي تحت عنوان القانون الدولي ، والشرعية الدولية ، والتطبيع بين الدول التي كانت متحاربة..؟.
- وهل ما يستشهدون به ، من أحداث التاريخ ، ومعاهدات الصلح، واتفاقيات إنهاء حالة الحرب بين الدول المتحاربة ، ينطبق على مايجري بين المطبعين ، وسلطات التطبيع و بين مستوطنات الصهاينة..؟.
- وهل ما يسمونه شرعية القانون الدولي ، ومصطلحات الشرعية الدولية تغطيّ ، أو تبرّر ما يفعلون ... ؟ .
للإجابة على هذه الأسئلة لابد من العودة الى أصل القضية ، أو أصل الحق ، كما يسمى بلغة القانون ، ذلك أن مصطلحات التطبيع ، والتعاهد ، والتعاقد ، والصلح ، والسلام ، والاستسلام ، والإذعان ، والإكراه ... كل هذه المسائل تحصل يين طرفين ، أو بين أطراف ، وهذان الطرفان ، أو هؤلاء الأطراف ، إما أن يكونوا أشخاصاً طبيعيين ، أو أشخاصاً اعتباريين ، وفي كلا الحالتين لابد أن تتوافر فيهم ، شروط الأهلية ، والصفة ، والمشروعية ، وإلا ، فإن ما يبرمونه من صفقات يكون مجرد لغو ، لا معنى له ، ولا أثر قانوني ، فبيع أموال الغير ، أو التنازل عن حقوقهم ، أو ترتيب حقوق عليها ، لا يرّتب أي أثر قانوني على تلك الحقوق ، وهذا على رأي اخواننا عرب مصر " كمن يبيع الترام " .
( 6 )
إن ما فعلته العصابات الصهيونية في فلسطين منذ بداية هذا القرن ، هو بالضبط . من حيث التوصيف القانوني . ما تفعله أية عصابة سطو عندما تضع يدها الغاصبة على أموال وحقوق الغير ، بدون مستند مشروع ، والموقف القانوني الوحيد في هذه الحالة ، وبلغة القانون أيضاً ، هو رفع اليد الغاصبة ، أو (طرد الغاصب) ، وهي دعوى كما يعرف رجال القانون من اختصاص قاضي الأمور المستعجلة ، وأن أي تعاقد ، أو تعامل مع هذا الغاصب، أو مع المال المسروق ، هو تدخل ، واشتراك في الجريمة يستحق فاعله ذات العقوبة التي ارتكبها المجرم الغاصب الأول .
وهذا هو بالضبط ماينطبق على المطبعين مع الصهاينة . بل أن العقوبة وفق الشرائع القانونية المختلفة تعاقب من يتسّتر على المجرمين ، أو يتسّتر على من يتصرف ، أو يتعامل مع المال المسروق ، لأن هذا التصرف ، أو التعامل يبقى تصرفاً لا مشروعاً ، مهما تعاقبت عليه الصفقات.
إنني أعرف أن تلاميذ المدرسة الصهيونية المعاصرة التي يديرها هنري كيسنجر والتي ينتشر خريجوها "العرب" بين المحيط والخليج ، يتبرمّون مما نقول ، ويرددون عبارتهم الشهيرة : أما آن الأوان أن نكفّ عن سماع هذه الاسطوانة المشروخة عن الحقوق ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والأوهام ، والتعامل مع الواقع ، كما هو ، وابتداء من هذه اللحظة كما تقول المدرسة الكيسنجيرية .
ذلك أن أي حديث عن أصل الحق ، أو عن مستند المشروعية يصيب منهم مقتلاً . لكن ، لو سلمنا بذلك كما يطالبنا دعاة التطبيع ، فإن هذا يعني نهاية حلم الإنسانية بالعدالة ، والحق ، والقانون ، ويعني أيضاً سيادة شرائع الغاب ، والكائنات المتوحشة.
إذ يكفي ، وفق هذا المنطق ، أن يتمكن أي مغتصب ، أو معتد ، أو لص ، أو قرصان (وهذه الصفات يمكن إطلاقها على أشخاص الدول كما على الاشخاص الطبيعيين ، أو على العصابات المعادية للإنسانية) من السطو على حقوق الغير ليصبح بمجرد مقدرته على ارتكاب جريمته مالكاً لتلك الحقوق . وليصبح المجني عليه مطالباً أن ينسى أن هذه الحقوق كانت له في يوم من الأيام ، ويصبح حديثه عنها اوهاماً لا يسمعها أحد.. هذه هي الشرائع التي تقود دولة الولايات المتحدة الأمريكية العالم إليها هذه الأيام ، وتلك هي الشرائع التي تنفذها دولة الصهاينة في وطن العرب ، وهذه هي الشرائع التي يرضخ لها المطبعون مع المعتدين ، والغزاة في الوطن العربي .
( 7 )
إن ما قامت ، وما تقوم به العصابات الصهيونية في الوطن العربي هو امتداد لما قامت به عصابات القراصنة الأوروبيين الذين توافدوا على القارة الأمريكية ، فأبادوا شعبها ، واستولوا على ثرواتها ، وأقاموا دولة القراصنة التي تسطوا على العالم بمجمله هذه الأيام ، لكن الفرق الوحيد، أن قراصنة أوربا تمكنوا من إبادة الهنود الحمر ، شعب أمريكا الأصيل ، بعد أن ارتكبوا. باسم الحضارة والتحضر. أفظع جرائم العصر. بينما لم يتمكن قراصنة أوروبا من إبادة الأمة العربية رغم فظاعة الجرائم التي ارتكبوها بحقها ، فالأمة العربية عصية على الابادة ، ومصير الهنود الحمر الذي تداعى قراصنة أوروبا وصهاينتها لانزاله بالعرب لم يتحقق ، وأصحاب الحقوق رغم كل مظاهر الضعف ، والحصار ، والتخريب ، والفتن ، والتطبيع مغروسين في هذه الأرض العربية ، يقاومون بالحجارة ، وبالخيام الممزقة ، وبالتشرد أعتى قوى العالم لا يساومون ، ولا يفاوضون ، ولا يصالحون ، ولا يعترفون بالأعداء ، ولا يضيرهم أن يتعامل مع الغزاة الغاصبين حفنة من أبناء جلدتهم ، ففلسطين هي جزء عزيز من وطنهم العربي ، وشعبها جزء غال ، وعزيز من شعب أمتهم العربية ، وفلسطين هي ملك للأجيال العربية المتعاقبة ، لا تملك الدول التي تسمى عربية ، بمجملها ، مجتمعة ، ولا يملك هذا الجيل العربي بمجمله مجتمعاً ، أن يفرّط ، أو يتنازل ، أو يساوم ، أو يبيع ، أو يقايض على شبر واحد من الأرض العربية ، أو على حق من الحقوق العربية ، وأي تصرف بهذا الشأن ينسب لمن يقوم به ، ويعتبر تدخل في الجريمة ، ولا أثر قانوني له . إنه تصرف ممن لا صفة له ، ولا حق ، ثم ، إنه تصرف بحقوق عامة للأمة العربية غير قابلة للتصرف من أية جهة ، ولو كانت عربية ، بأي حال من الأحوال .
( 8 )
وإذا كان هناك من يستخدم مصطحات القانون الدولي ، والشرعية الدولية كغطاء لعملية السطو على الحقوق العربية ، وإضفاء صفة الشرعية على صفقات التعامل مع الحقوق العربية المسروقة تحت ستار التطبيع بين الدول التي كانت متحاربة ، فإن ما يسمونه "قانون دولي" ، وما يطلقون عليه "شرعية دولية" قد افتضح أمره ، وغدا واضحاً مع نهاية القرن العشرين ، أن عصبة الأمم المتحدة لم تكن إلا غطاء للاستعمار ، والنهب الاستعماري ، للعالم ، وأن هيئة الأمم المتحدة ، بعد ذلك ، ليست إلا أداة بيد القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، وأن "القانون الدولي" الذي يديره مجلس الأمن ، ليس إلا حذاء تلبسه ، وتخلعه دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أقرّ بذلك أحد الأعضاء الدائمين فيه ، مؤخراً .
و بالتالي فإن ما يحصل الآن بين دول تسمى عربية ، ودولة تسمى صهيونية من تطبيع ، وما ترتب ، ويترتب على ذلك من صفقات ، وعبث بحقوق العرب ، ليس أكثر من إعلان وإشهار لعلاقات جرمية لم تنقطع أبداً بين العصابات التي تنهب الثروات العربية ، وتضع اليد الغاصبة عليها بين المحيط والخليج ، وبعضها البعض ، سواء كانت دولية ، أو صهيونية ، أو محلية ، أو إقليمية ، الجديد الوحيد في الأمر أن هذا "التطبيع" أصبح يتم جهاراً ، نهاراً تحت الأضواء، والمطبعون ، والمطبع معهم (سواء الذين أحدثوا بوعد بلفور البريطاني أو بمعاهدات سايكس بيكو ، وسان ريمو ، أو بقرارات من التاج البريطاني ، أو التيجان الأخرى) يبحثون تحت غطاء التطبيع عن شرعية ، ومشروعية ، لا يملك أي طرف منهم أن يمنحها للآخر ، لأن هذه الأطراف ، كافة ، تفتقد شرعية وجودها أصلاً ، فكيف يمكنها أن تمنح الشرعية ، للآخرين ؟ !.
( 9 )
إن الأمة العربية ، أمة الأرض والتاريخ ، وعلى أعتاب القرن الواحد والعشرين ، ترى صورة العالم على حقيقتها ، بعد أن انقشعت غشاوة التضليل والزيف ، والأمة العربية تدرك اليوم ، أكثر من أي يوم مضى ، أن هناك دوراً ينتظرها لا لتتحرر من الغاصبين وامتداداتهم المحلية ، وإنما لتحرر العالم كله من نظام الفساد ، والسمسرة ، والقرصنة ، والجريمة الذي يسمونه "نظام عالمي جديد" .
إنه قدرها ، وإنها رغم الجراح والمعاناة قادرة أن تؤدي دورها مرة أخرى في تحرير الإنسانية من الظلم ، والفساد ، والطاغوت ، وعندما تبدأ رحلة التحرير فإن المطبعين ، والمطبع معهم ، سيتم ترحيلهم إلى بلدان المنشأ... هذا ، إذا كانت العواصف التي سيحدثها التغيير تسمح لهم بالوصول إلى هناك ؟.
(10)
باختصار شديد أريد أن أقول : أن ما يجري بين المطبعين ، والمطبع معهم ، في الوطن العربي لا يندرج تحت عنوان التطبيع بين الدول المتحاربة ، أو بين شخوص القانون الدولي ، أو بين الأشخاص الطبيعيين . إن ما يجري هو تطبيع بين أفراد عصابة إجرامية واحدة تضع يدها الغاصبة على الأمة العربية وطناً ، وشعباً . إنه تعامل مع حقوق مسروقة ، ومع مال ُمغتصب ، وكل من يتدّخل ، أو يشترك ، أو يحرّض على ذلك يتحمل ذات العقوبة التي فرضها القانون على الجاني المباشر ذاته .
وإذا كان هذا الحديث بدرجة سخونته العالية التي لا ننكرها ، ولا نعتذر عنها ، لا يدعي الحياد ، حيث لا مكان للحياد عندما يتعلق الموضوع بوجود الأمة العربية ، وهويتها ، فإن هذا الموضوع لا يقتصر على حقوق عربية مغتصبة ، وإنما يتعلق بتوق الإنسانية إلى قانون دولي ، وشرعة دولية ، تتساوي فيه شخوص القانون الدولي ، ويطهّر الإنسانية من العنصرية ، والعدوان التي يغلفهّا قراصنة هذا العصر بما يسمونه قانون دولي ، وشرعة دولية ، وهو في حقيقة الأمر قانونهم العنصري ، وشرعتهم العصبوية ، لنهب العالم ، ووضع الشعوب تحت سيطرتهم المستمرة ، فالذين يتورطون بالتطبيع مع العنصرية لا يعتدون على الأمة العربية ، وحسب ، وإنما يشاركون بجريمة ضد الإنسانية جمعاء ، إنه تطبيع بين صهاينة ، وصهاينة .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-08-2010 05:56

على بساط الثلاثاء 99
يكتبها : حبيب عيسى

الوطن العربي :
سلطة الدولة ...
أم دولة السلطة ...؟!





( 1 )
"القانون كشبكة خيوط العنكبوت
تقع فيه الحشرات الضعيفة ، أما
الحشرات القوية فتخترقه بدون قيد"
نيتشه
لعل أجدادنا من رواد المشروع النهضوي التحريري التنويري القومي العربي المعاصر لم يواجهوا صعوبة إثبات صوابية نضالهم لتحرير الأمة العربية وإقامة الدولة العربية المشروعة التي تتطابق حدودها مع حدود الوطن والأمة ، فقد كان الفرز واضحاً بين مشروع التحرر وبين المشاريع الاستعمارية المتواجدة على الأرض العربية عبر جيوش استعمارية وقواعد وعملاء ومتعاملين ، وكان شعبنا العربي على سجيته ، ورغم أميّته ، على بيّنة من كل ذلك ، وبالتالي كان سبّاقاً للنضال والتضحية ضد الجيوش الاستعمارية وضد سلطات "الدول الفعلية" التي كانت قيد التركيب ، وتصاعد ذلك المد القومي العربي خاصة في منتصف القرن المنصرم بعيد اتضاح التواطؤ الثلاثي الأطراف بين المشروع الاستعماري الدولي وبين المستوطنات الصهيونية وبين سلطات "الدول الفعلية" في الوطن العربي ، لكن ذلك المد القومي العربي التقدمي تعثرّ لأسباب ذاتية ، وموضوعية بالغة التعقيد يضيق المجال هنا عن تفصيلها ، وإن كانت نتائج هذا التعثر المأساوية واضحة للعيان ...
الآن ، مازال المشروع العربي النهضوي التحريري في محنة ، وما زالت القوى المضادة محلياً ودولياً تضع يدها الغاصبة على الوطن العربي بشراً وثروات وموقع ، وهذا يعني ببساطة شديدة أن القوى المضادة لن توفر وسيلة للحفاظ على الواقع الراهن وتعزيز مواقعها وإجهاض أية محاولة لتغييره ، بينما على رواد المشروع النهضوي التحرري العربي المعاصرين ، البحث عن وسائل مناسبة للتغيير الإيجابي ، بعد التجارب المرة ...
( 2 )
والمسألة التي يواجهها الرواد العرب من الجيل الجديد ليست بسيطة ، وإنما باتت بالغة التعقيد بفعل عوامل متعددة منها أن السلطات الإقليمية باتت مدججة بالأسلحة والمخبرين ونجحت في تفكيك مؤسسات المجتمع والمواطنة واختلاق صراعات بين مكونات المجتمع تشغله عن الصراع مع قوى الهيمنة الدولية ومع سلطات الاستبداد ، ومن جهة أخرى لم تعد القوى مفرزة كما كانت ، فالقوى المضادة لم تعد في الغالب جيوش استعمارية ، ومخابرات دولية ، وإنما قوى محلية متمرّسة في التخريب الإعلامي والسياسي والتفجيري ، ولديها جيوش من النجوم في شتى المجالات ، الفنية والإعلامية والسياسية وحتى الدينية ، والأثنية ، والاقتصادية ...
ولعل المسألة الرئيسية التي شهدت وتشهد وستشهد الصراع الأساسي ، هي مسألة الهوية ، ومنها تتفرع جميع المسائل ، فإذا نجحت القوى المضادة بترسيخ مفاهيم هويات الشرق أوسطية ، وهويات الدول الواقعية ، وهويات الأثنيات ، وهويات الطوائف ، والمذاهب ، كهويات مضادة لهوية الأمة العربية ، ستتمكن من استمرار وضع يدها على الوطن العربي ، أما إذا نجح الرواد العرب الجدد في ترسيخ الهوية العربية ليس بمواجهة المكونات السالفة الذكر ، وإنما باحتضان تلك المكونات في إطار قانوني من المواطنة الحقة ، فإنهم سيتمكنون من الانطلاق لتغيير الواقع العربي باتجاه مصير عربي مختلف ...
( 3 )
إن أكثر القوى فاعلية في الواقع العربي الراهن هي السلطات التي تغولتّ في الوطن العربي والتهمت مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة في الوقت ذاته ، وبالتالي لم تعد السلطة ركناً من أركان الدولة إضافة إلى ركني الشعب والوطن ، وإنما بتنا أمام سلطات تمتلك الشعب ، وتمتلك الوطن ، وتمتلك مؤسسات الدولة ، وتتوارثها ممالك وإمارات وسلطنات وجمهوريات وجماهيريات ...وبما أن معرفة الواقع كما هو ومعرفة الأسس التي يقوم عليها هو المقدمة الأساسية لتغييره فإن البحث في تلك الأسس يأتي في السياق المشروع للتأسيس لمرحلة النهوض العربي من جديد ... إن مسألة تركيب الدول الإقليمية في الوطن العربي التي أنتجت هذه السلطات من الأهمية بحيث لم يعد كافياً أن نقول أنها غير مشروعة ، وأنها باطلة ، بل لابد من الرد علمياً وقانونياً على مؤسسات متخصصة تقصف العقل العربي صباح مساء لتزوير الهوية العربية واختلاق هويات مناقضة ، ولهذا لابد من الاحتكام إلى ضوابط البحث العلمي القانوني ، بما يعني ذلك من إسناد وترابط ، بواعث وغايات، مقدمات ونتائج ..
( 4 )
وأنا أعترف أن دواعي هذا البحث ودوافعه كانت كامنة في النفس منذ زمن بعيد استدعتها عوامل عدة، يمكن الإشارة إلى عاملين أساسيين:
أولاً : أحدهما من صميم الواقع العربي أفرزته تلك المعاناة البالغة القسوة في حياتنا العربية، وترعرع في شعاب فروعها المتغلغلة في أدق تفاصيل حياتنا، ذلك أن هناك تناقضاً بالغ الحدة يسكن ذات كل عربي بين ولاءين لا يمكن أن يجتمعا في ذات بشرية سوية واحدة ، ولاء لأمة عربية تكونت تاريخياً ، واختصّت بوطن محدد جغرافياً ، وولاء نقيض للوطن وللأمة العربية ، يتمثل بالولاء لكيانات سياسية أنتجتها معاهدات قوى أجنبية خدمة لمصالحها ، وتدميراً للأمة والوطن ، وإذا كان الجمع بين الولاءين غير ممكن، فلأيهما تكون الولاية الشرعية..؟
سؤال تفرضه التطورات الراهنة ، ولم يعد التهرب من الإجابة عليه ممكناً ، ولم يعد مواجهته بإجابات قاصرة كافياً ، خاصة وأن هذا الولاء المزدوج للمتناقضات في الذات العربية يفتك ببنية الإنسان العربي فتكاً شديداً فتتحول إلى بنية معطوبة بوباء (فصام الشخصية) تفاقمه كل يوم حدة التناقض المضطرد الذى لا يهدد البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للوطن والأمة وحسب، وإنما يخرب تخريباً شديداً بنية الإنسان العربي ذاته .
فما هي بواعث أي منظومة قانونية، وما هى غائية القانون، أي قانون، إذا لم تكن صيانة النفس، وتوفير الأمن والاستقرار للأنفس .؟
ثانياً : ثانيهما من واقع النظام الدولي السائد الذى صممه عصر الاستعمار الأوروبي للعالم، وما ترتب على عمليات نهب الشعوب وضخ ثرواتها إلى الرأسماليين الأوروبيين في أوروبا وأمريكا من تمركز للثروات، ومن حروب دولية واقليمية، ومن مؤسسات ذات صفة دولية خاضعة للهيمنة.
( 5 )
هذا كله ، لم يحول أوروبا ، وفي مرحلة لاحقة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى دول وشركات ومؤسسات منتجة ومصدرة للسلع الصناعية والزراعية والتجارية ، وحسب ، وإنما أيضاً إلى مصانع منتجة ، ومصدّرة للدول ، والقانون الذي يقونن ذلك الباطل ، بينما تحول العالم كله إلى مستهلك بالإذعان، أو بالاكراه ، إو بالاستلاب .. لا فرق.. مما يؤدي إلى نتائج بالغة الخطورة في ترتيب الأولويات، وهكذا فان أخشى ما أخشاه أن يكتشف رجال القانون في العالم أنهم بينما يدفنون رؤوسهم في البحث عن الصغائر من الجرائم يتسترون دون دراية منهم على جرائم كبيرة تلف أوطانهم وشعوبهم. وتهدد مستقبل البشرية بأسرها.
إن الجرائم الكبرى التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي في مختلف أنحاء العالم على صعيد تأسيس دول خادمة لمصالحه وعدوانية على أمم وشعوب الأرض في الوقت ذاته.. تدمر بأجهزتها المعقدة ما بقي من تلك الأمم والشعوب بعد الفتك الشديد الذي مارسته جيوش المستعمرين .. هذه الجرائم الكبرى يتم التستر عليها بحملات من التضليل المنظم تحت ركام من الفقه الأوروبي القانوني عن تنظيم الدول ونظمها بينما يتم عن عمد تجاهل المسألة الجوهرية الأساس في تأسيس الدول وهي: تحديد المستند المشروع لتأسيس الدولة وسلامة ركني الشعب والوطن، وتطابق حدود الدولة مع حدود التكوين التاريخي للمجتمع.. فذلك هو الحد الفاصل بين الدولة المشروعة ، وبين الدول الواقعية العدوانية ، من ناحية التأسيس، ثم بعد حسم تلك النقطة الجوهرية ، وليس قبل ذلك ، يبدأ البحث في النظام ، ومؤسساته ، وشكله ، وتوجهاته ، ونوعه ، ومدى مشروعية منظومته القانونية.. لأن ما يبنى على باطل لا ينتج قانون ، إلا ذلك القانون الذي تحدث عنه نيتشه والذي يشبه شبكة خيوط العنكبوت تقع فيه الحشرات الضعيفة أما الحشرات القوية فتخترقه دون قيد .
( 6 )
فعلى أساس من الدولة القانونية ، المشروعة لوطن وشعب يمكن بناء نظام قانوني مشروع، وإن كان هذا ليس حتماً ، فقد تُحكم أمم بأنظمة استبدادية غير مشروعة ، أما على أساس من دولة أسست كواقعة عدوانية ، كحالة الدول الواقعية في الوطن العربي ، فإن الحديث ينتفي تماماً عن نظام قانوني مشروع ، لأن ما بني على باطل ، باطل حتماً ، وبالتالي من الطبيعي أن تنتج الدول الواقعية في الوطن العربي هذه السلطات الراهنة ..........
لقد تطور مفهوم الدولة منذ انتقال الإنسان من العلاقات البدائية ،إلى العائلية ، إلى العشيرة ، إلى القبيلة ، إلى القرية ، إلى المدينة ، إلى الإقليم ، إلى الوطن والأمة ، ومع كل مرحلة كانت حاجات الإنسان تتفاقم للتنظيم ، والإدارة مع تطور العلاقات الاجتماعية عبر العصور، تلك الحاجات الي كانت تتجدد مع كل مرحلة تاريخية من تطور الجماعات البشرية إلى أن وصلت إلى الطور المعاصر .
( 7 )
ورغم الاختلافات بين فقهاء القانون حول مؤسسات الدولة ، وطبيعتها الدستورية ، إلا أن الاتفاق يكاد يكون تاماً على أن أركان الدولة المشروعة هي : الوطن ، والشعب ، والسلطة ، لكن ليس كل أرض وطن مشروع ، وليس كل جماعة من البشر شعب مشروع ، وليس كل مجموعة من الأجهزة سلطة مشروعة ...
الركن الأول من أركان الدولة ، وهو الشعب ، حيث يتم تحديد ما هو الشعب ، وضرورة أن تعبر الدولة عن الطور التاريخي الذي وصله الشعب في تطوره ، وأن أي تقسيم للشعب ، أو تعد على الشعوب الأخرى ، يحّول الدولة إلى واقعة عدوانية ، فالشعب هو الذي يحدّد حدود الدولة، والعكس غير صحيح .
الركن الثاني من أركان الدولة وهو الوطن الذي يختص الشعب به تاريخياً ، وبالتالي ، فإن تأسيس الدولة يستند إلى هذا الوجود المحدد تاريخياً للوطن دون انتقاص من الوطن أو تعد على الغير، فالوطن هو الذي يحدد حدود الدولة، والعكس غير صحيح .
( 8 )
الركن الثالث من أركان الدولة وهو ركن السلطة التي يناط بها أمن وسيادة الدولة والدفاع عنها لتشمل الوطن والشعب ، ومشروعية السلطة تتوقف على أمرين ، الأول ، أن تفرض السلطة سيادة مؤسسات الدولة على كامل الوطن والشعب ، والثاني ، أن تتوفر في السلطة عناصر صحة التمثيل للشعب والوطن ، فالشعب والسلطة يشكلان مصدر السلطة ، والعكس غير صحيح .
هكذا لابد من تحديد مصادر الشرعية ، ومستند المشروعية ، لوضع حد للضجيج الذي تثيره عناصر العدوان الداخلي والخارجي على الأمة العربية ، ومحاولات إضفاء المشروعية على أوضاع عدوانية .
لهذا فنحن نعتمد الحق كمستند أساسي للمشروعية ، فالحق هو مصدر شرعية الدساتير والقوانين ، والعكس غير صحيح ، فعندما نكون في مواجهة أمة مكتملة التكوين ، فإن الأمة تعتمد كمستند لمشروعية تأسيس الدولة ، وحيث توجد الأمة فان هذا يعني أن الخط الفاصل بين الأمة ، والغير يصبح هو الأساس الشرعي لتأسيس حدود الدولة .
( 9 )
أما ، ما يتعلق بالقانون الدولي ، والذي من المفترض أن يكون الإطار القانوني لمشروعية الدول ، ولمشروعية صحة تمثيل السلطات للدول كأشخاص للقانون الدولي ، فإن ذلك القانون الدولي كان عبر العصور المنصرمة غطاء للعدوان الذي يمارسه الأقوياء ، فشرع العدوان على دول مشروعة ، وأضفى الشرعية على كيانات عدوانية ، والوطن العربي والدول الفعلية التي تقتسم الوطن والشعب مثال صارخ على ذلك ، فنظرة تاريخية سريعة على القانون الدولي وتطوره تؤكد كيف أن ما يسمونه قانوناً دولياً كان عبر العصور تعبيراً عن قوة الفرقاء الدوليين ، وصولاً إلى العصر الحالي ، وكيف أن المنتصرين في الحرب العالمية الأولى أنشأوا عصبة الأمم التي صاغت الاستعمار ، والهيمنة الأوروبية بقوانين دولية ، ثم أكمل المنتصرون في الحرب العالمية الثانية المهمة فأسسوا هيئة الأمم التي صاغت هذا الواقع الناتج عن تلك الحرب صياغة دولية ، واعتبرته تمثيلاً لما سمى " الشرعية الدولية " . وبالتالي أصبحت محاولات الشعوب ، والأمم لتغيير الواقع العدواني المزور لحقيقة الأوطان والشعوب ، محاولات عدوانية على الشرعية الدولية ، وبات الواقع العدواني الناتج عن الحقبة الاستعمارية محمياً بالشرعية الدولية المزعومة .
هكذا لا يمكن فهم مشكلة "الدول الفعلية" في العالم قبل فهم مشكلة الاستعمار الذي مارس العدوان بالجيوش ثم طوره إلى عدوان بالدول على أمم وشعوب الأرض . وكيف تم تشويه مبدأ "حق تقرير المصير" ، وكيف أن هذا المبدأ استند أساساً على "حق الأمم في تقرير مصيرها" إلى أن اصطدمت به الدول الاستعمارية عندما بدأت بتأسيس الدول الفعلية في العالم ، فتم تغييره ليصبح " حق الشعوب في تقرير مصيرها " باعتبار أن أي جماعة يمكن أن تصطنع لتقام عليها دولة مصطنعة يمكن أن تسمى شعب مشروع ...
( 10 )
إنني أعرف أن هذه المسالة في منتهى الأهمية ، وأنه لا يمكن معالجتها في هذه العجالة ، أقصى ما نطمح إليه هو فتح حوار جدي حول مسألة جوهرية تمس جوهر وجودنا، وجوهر الوجود المشروع لأشخاص القانون الدولي ، توطئة لعلاقات دولية أكثر توازناً، وإلى إنسانية لا تفتك بها تخمة البعض، وهزال البعض الآخر ، لكن مقدرة العرب على أداء هذا الدور الإنساني يتوقف على نجاحهم في إنضاج مشروعهم النهضوي التحرري التنويري على ارض وطنهم وبشعب أمتهم ، عبر إقامة دولتهم القومية العادلة والتقدمية والتي تتطابق حدودها مع حدود الوطن والأمة لا انتقاص ، ولا تعدي ، وهذا يقتضي فتح حوار جاد حول مشروعية الدولة في الوطن العربي ، وتحديد المواقف ، وفرز القوى ، وإزالة هذا الخلط المخرب في المفاهيم ، والحق ، والقانون ، والشرعية ، والمشروعية ...
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-14-2010 10:27

بسم الله الرحمان الرحيم وصلتني الرسالة التالية من الاخ باقر الصراف وهو مقيم بالمهجر ولما كانت ذات علاقة بما ننا قشه فرايت ان اضمنها ضمن المناقشات وما ورد فيها من افكار هي له وهي التالية كما وردت

الأستاذ ناصر الخشيني المحترم
تحيات عربية شفيفة ، وبعد
أرسل لكم المقالة التاية في تعقيب على الموضوع المنشور للأستاذ المفكر العربي المخلص حبيب عيسى المنشور بعنون بساط يوم الثلاثاء ، أرى أنه يصلح للنشر ، فإنْ كان كذلك إرجو إرساله للأستاذ عيسى وتوزيعه إنْ أمكن من خىلال موقعكم الرائد
باقر الصراف
14 / 11 / 2010


حوار حول المفاهيم الخاصة بـ"الدولة" في الوطن العربي :
مشروعيتها السياسية
أو طغيانها السلطوي
باقر الصراف
كاتب عراقي مقيم في هولندا
14 / 11 / 2010
في الفقرة العاشرة من كتابته السياسية والمفاهيمية والعلمية الغنية تطرق الأستاذ حبيب عيسى إلى مناقشة بعض التصورات المطروحة في الكتابات السياسية العربية ، وذلك في رحلته على "بساط الثلاثاء" نحو مهمة جس نبض الواقع المتولد عن مفهومي الأمة الناشيء في أحضان التاريخ ، من جهة ، وشكل الدولة الذي فرضته التطورات السياسية الأوربية على الوطن العربي ، من جهة أخرى ، تلك الدراسة المنشورة بتاريخ يوم التاسع من تشرين الثاني من عام 2010 بعنوان 99 بساط الثلاثاء ، الوطن العربي : سلطة الدولة ... أم دولة السلطة ...؟! وكثف رأيه السياسية للدراسة كلها في الفقرة الأخيرة من بحثه العميق والشيق بآن واحد ، من خلال قوله التالي ، "إنني أعرف أن هذه المسالة في منتهى الأهمية ، وأنه لا يمكن معالجتها في هذه العجالة ، أقصى ما نطمح إليه هو فتح حوار جدي حول مسألة جوهرية تمس جوهر وجودنا، وجوهر الوجود المشروع لأشخاص القانون الدولي ، توطئة لعلاقات دولية أكثر توازناً، وإلى إنسانية لا تفتك بها تخمة البعض، وهزال البعض الآخر ، لكن مقدرة العرب على أداء هذا الدور الإنساني يتوقف على نجاحهم في إنضاج مشروعهم النهضوي التحرري التنويري على ارض وطنهم وبشعب أمتهم ، عبر إقامة دولتهم القومية العادلة والتقدمية والتي تتطابق حدودها مع حدود الوطن والأمة لا انتقاص ، ولا تعدي ، وهذا يقتضي فتح حوار جاد حول مشروعية الدولة في الوطن العربي ، وتحديد المواقف ، وفرز القوى ، وإزالة هذا الخلط المخرب في المفاهيم ، والحق ، والقانون ، والشرعية ، والمشروعية ..." .
اِبتداءً لي ملاحظة حول مسألة تطرق فيها الكاتب إلى اِستنتاج غريب عن روحية النـَفـَـس الكتابي للأستاذ عيسى والمتمثل بقوله البات والحازم والجازم : "الخلط المخرب في المفاهيم" التي أراها جملة إتهامية شنيعة ، فليس الاِجتهاد في المعرفة جهداً تخريبياً من قبل الجميع ، فقد يكون جهداً إبداعياً أيضاً ، وربما ينتج عن هذا الجهد المبدع مفاهيم تنسجم مع الواقع الموضوعي ولكن من أجل أنْ تسهم في تغييره نحو الأفضل والأحسن وباِتجاه تقدمي .
وإلا لم تكن هناك زعامات تاريخية نسفت بعض المفاهيم السياسية السائدة لصالح متغيرات جديدة ألقت بتأثيرها ، ناهيك عن ظلالها ، على الواقع الفكري والسياسي لأمة من الأمم ، ولعل الحالة الشاخصة وفق مفهوم "الرؤية القومية العربية في مرحلتها الناصرية" مثالاً مجسداً على ما نقول ، فهي لم تخلق "الأمة العربية من العدم" وإنما طورت مفاهيمها السياسية ، ولم توجـِد مفهوم الدولة وإنما غيرت مهمتها بالاِستناد إلى تغيير نظامها السياسي ، وعملت بكل إمكانياتها الموضوعية من أجل إيجاد حالة تتطابق فيها الشروط التاريخية للأمة مع حقائقها الجغرافية الملموسة ، في نطاق الصراع التاريخي بين الأمة العربية ضد القوة الأجنبية المستعمرة .
وعليه سأحاول إبداء رأي في ما طرحه الأستاذ عيسى بناء على ما جاء في دراسته القيمة تلك والتي رأى فيها ضرورة "فتح حوار جاد حول مشروعية الدولة في الوطن العربي ، وتحديد المواقف ، وفرز القوى ، وإزالة هذا الخلط المخرب في المفاهيم" كوني من العاملين في الشأن القومي العربي ومن المساهمين في الفكر السياسي وفق القدرات الذاتية المبنية على السعي الجاد في اِنتهال المعارف السياسية والتاريخ والجغرافية المتعلقة بالبعد الوحدوي للأمة العربية وفي الشأن القطري لمجموع مكوناتها ، بالقدر الذي أستطيع .
ما هي الدولة : تتعدد التعريفات لمفهوم الدولة في الفقه الدستوري والبعد السياسي والمفهوم القانوني حتى تبلغ المئات كما يتناول ذلك كتاب الدولة التسلطية في الوطن العرب ، ولكن ما ينبغي علينا وعي تكوينها على "أساس أنَّ جميع الدول لا بد أنْ تشمل على أربعة عناصر : أ ـ شبكة متمايزة من المؤسسات والكوادر كالحكومة (السلطة التنفيذية) ، والبرلمان (السلطة التشريعية إنْ وِجد) ، والقضاء (السلطة القضائية) ، أجهزة الحكم المحلي، أدواة القهر والعنف (الجيش والشرطة) . . . إلخ . ب ـ مركز السلطة بحيث تشع السياسة منه إلى خارجه . جـ ـ منطقة محددة أو إقليم يمارس فيه هذا المركز سلطته . د ـ ويمارس كذلك اِحتكاراً على إشتراع القوانين الملزمة وسنـّها ، ويستند إلى اِحتكار اِستعمال وسائل العنف المادي (مبدأ السيادة) . كما جاء في بحث معمق حول مفهوم الدولة كتعريف لها ، عبر الجمع بين مفاهيمها المؤسسية أو الوظيفية . [راجع كتاب الدولة التسلطية في المشرق العربي : دراسة بنائية مقارنة ، للدكتور خلدون حسن النقيب ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت / لبنان ، أيار 1991 ، ص 22] ..
لذلك ينبغي القول : إننا مع الكاتب في تشخيصه لمسألة مضمونها ، القائل وفق ما جاء بمقاله الهام ، الذي نناقشه في هذا النص الذي نأمل أنْ يكون مكملاً له في ترسيخ الوعي الفكري الصحيح حول المفاهيم السياسية ، أنها تتألف من ثلاثة أركان : "الركن الأول من أركان الدولة ، وهو الشعب ، حيث يتم تحديد ما هو الشعب ، وضرورة أن تعبِّر الدولة عن الطور التاريخي الذي وصله الشعب في تطوره" ، "فالشعب هو الذي يحدّد حدود الدولة، والعكس غير صحيح" ، و"الركن الثاني من أركان الدولة وهو الوطن الذي يختص الشعب به تاريخياً ، وبالتالي ، فإن تأسيس الدولة يستند إلى هذا الوجود المحدد تاريخياً للوطن دون انتقاص من الوطن أو تعدٍ على الغير، فالوطن هو الذي يحدد حدود الدولة، والعكس غير صحيح" ، أما "الركن الثالث من أركان الدولة وهو ركن السلطة التي يناط بها أمن وسيادة الدولة والدفاع عنها لتشمل الوطن والشعب ، ومشروعية السلطة تتوقف على أمرين ، الأول ، أن تفرض السلطة سيادة مؤسسات الدولة على كامل الوطن والشعب ، والثاني ، أن تتوفر في السلطة عناصر صحة التمثيل للشعب والوطن ، فالشعب والسلطة يشكلان مصدر السلطة ، والعكس غير صحيح" .
ولكن السلطة ـ وفي الحقيقة العينية هي مركز السلطة السائد ـ جزءٌ من النظام العام لأية دولة ما ، وفي مختلف أنحاء العالم ، وترتبط أساساً بحكومة الدولة التي هي العنصر الثالث في تحديد مفهوم الدولة الكلي ، أي أنَّ "الحكومة" وليست السلطة ، هي الركن الثالث في مفهوم الدولة المعاصرة ، بغض النظر عن طبيعة السلطة السياسية التي قد تتغير في مجرى التطورات التاريخية وتطور الوعي السياسي للشعب ومدى جدية طلائعه السياسية ، التي قد تكون طبيعية كالدولة التي اِستقلت سياسياً عن الدولة المستعمرة لها ، واِمتلكت سيادتها بفعل اِتفاقات سياسية ومعاهدات أمنية أو عسكرية ، وما دخل في نطاق ذلك .
أو التي تأسست بهيئة "دولة جديدة" على أنقاض الدولة التي أقيمت في عهد السيطرة الاِستعمارية ، عبر التطورات العنيفة التي جرى فيها اِستغلال أو اِستثمار قوة الجيش الذي هو القوة الوحيدة المنظمة والتي تمتلك القوة المادية وليس المعنوية فقط . . . هذا الجيش المتكون في إطار تلك الدولة ، وتمكن بعض القوى السياسية أو الطبقية التي اِنحدرت اِجتماعياً من المؤسسة العسكرية أو تحالفت مع الجيش أو اِستغلت ـ في أحيان قليلة ـ مفهوم العادة للوصول إلى السلطة ـ من فرض شكل جديد من أنواع السلطة السياسية التي تقود الدولة ، كما جرى في بعض أقطار الوطن العربي من خلال إيجاد جمهوريات قطرية خاصة بها ، على سبيل المثال .
و تلك التي تنجم عن الغزو الأجنبي التي هي بمعايير التطورات التاريخية تشكل اِرتداداً سياسياً ونكوصاً تاريخياً عن الاِستقلال والسيادة : مضمونها السياسي يتكثف بالعمالة للأجنبي كونها تطبق برنامجه السياسي وتفرط بمصالح الوطن التاريخية ، والحل الأخير لم يكن ناجماً عن أي تطور بل يأتي كشكلٍ حاسم لقطع طريق التطور والتقدم .
إنَّ السلطة السياسية في البلد المعني والمحدد ، هي التي تعبـِّر عن المضمون الفكري والسياسي لنمط الحكم السائد ، كالسلطة الموصوفة : بالرأسمالية أو الاِشتراكية أو الإقطاعية ، أو ما يشبهها وفق التعبيرات التي كانت مستخدمة بكثرة في مراحل تاريخية سابقة من مراحل التطور العربي كالقول : شبه إقطاعي . . . شبه رأسمالي ، إلى آخره .
أو المعبرة عن تحالف قوى الشعب العامل ، كما أفرزته التجربة القومية العربية في المرحلة الناصرية ، أو الحزبية المتفردة أو الجبهوية المشتركة مع الضرورة الموضوعية لوجود الحزب القائد لها ، كتجربة حزب البعث العربي الاِشتراكي في القطرين العربيين : العراق وسوريا . أو المستبدة أو الدكتاتورية أو التوليتارية ، أو المستقلة أو العميلة ، وهكذا يمكن توصيف كل أنماط السلطات ومضمونها السياسي أو الطبقي على ضوء التحليل السياسي الملموس للموقف السياسي الملموس .
وبالاِستناد إلى الأستاذ المرحوم الفقيه القانوني الأستاذ حسين جميل فإنَّ الدولة كيان عليه أنْ يخدم جميع المواطنين المنتمين إلى تلك الدولة ولا يجوز تحقيق الاِمتيازات الخاصة للعاملين الأساسيين المتنفذين في مؤسساتها على حساب حقوق الآخرين ، كما جاء في أحد كتبه الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية : سلسلة الثقافة القومية ، والمعنون حقوق الإنسان في الوطن العربي الذي أفتقده الآن للأسف .
ولكن الأستاذ المبدع عيسى اِستبدل "مفهوم الحكومة" التي هي ركن أساس من أركان الدولة بـ"مفهوم السلطة" لكي يأتي تحليله منسجماً مع "قناعاته الذاتية السياسية" حتى على حساب المفاهيم السياسية الموضوعية ، كي لا أقول أنها قد تتناقض معها ، وفي اِعتقادنا السياسي أن "مفهوم الوطنية" الحقة هي أوسع من مفهوم "السلطة السياسية" سواء الديمقراطية أو الاِستبدادية كونهما لا تشترط صيرورة أحدهما ديمقراطية ً أو مستبدة ً ، فالحالة السياسية هي التي تـُقـَيـِّم سيرورتها ، وليس العكس ، فالستالينية التي كانت قائمة في الاِتحاد السوفييتي على سبيل المثال كانت وطنية مع اِستبدادها الواضح للعيان ، والذي فضحت آلياته البشعة وثائق المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ، بينما السلطة الليبرالية في البلد العراقي المحتل أمريكيا منذ التاسع من نيسان عام 2003 ، هي سلطة عميلة للأجنبي حتى لو تطهرت بماء بئر زمزم ، كما يقال ، كونها تلتزم التعليمات السياسية الأمريكية في جوهر كل الخطوات الإجرائية المطلوبة أو الضرورية لأية دولة مستقلة فعلاً وتملك سيادتها حقاً .
فهل يتطابق مفهوم الحكومة مع مفهوم السلطة ؟ وفي أي مجال سياسي كان ذلك التطابق ؟ .
ينتشر بناء التركيب الحكومي إلى كافة أجزاء الوطن الخاضع للحكومة ، وتختلف السيطرة الحكومية على الأوضاع العامة تبعاً لتمركز السلطة في النظام وتبلور آلياته البيروقراطية ، وتتألف من وزارات سيادية كالدفاع والخارجية والداخلية ، وغير سيادية لها علاقة بأوسع الفئات الاِجتماعية المنتجة وغير المنتجة ، أي وزارات سياسية أو خدماتية لها علاقة بأوضاع الشعب كله بغض النظر عن أعمار فئاته وولاءاتهم السياسية وتركيبهم العنصري كرجال أو نساء ، وهذه الوزارات يتسم واقعها التنظيمي في الثبات الإداري التكويني وتتطور تبعاً لتطور الدولة في تقديم خدماتها ، على عكس الوزارات السيادية التي قد يصيبها التغيير في بعض الظروف ، ولعل أبرز الأمثلة على الوزارات غير السيادية والخدماتية هي وزارة الصـحة ووزارة التربية ووزارة الأشغال والعمل الاِجتماعي ، وما له علاقة ديناميكية بالبيئة والمناخ ، وغير ذلك ، أما مفهوم السلطة فهو الذي يتعلق بالمفاهيم السياسية التي تتعلق بنوعية طبيعة الحكم ونوعية سيادته ومدى اِستقلاله ، والتي تطرقنا إلى الملامح السياسية لبعضها أعلاه ،
كما أنَّ الدكتور محمد عابد الجابري تناول هذا الموضوع في دراسته القيمة المنشورة في كتاب "العرب والعولمة" ، من إصدار مركز دراسات الوحدة العربية" ، ص 299 ، فقال بصدد :
"الدولة : بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة ، والجهاز الساهر على سلامتها ووحدتهما وحماية مصالحهما ، وتمثيلها إزاء الدول الأخرى ، في زمن الحرب . و لابد من التمييز بين ((الدولة)) ككيان مشخص ومجرد في الوقت نفسه ، كيان يجسد وحدة الوطن والأمة ، من جهة ، والحكومة أو النظام السياسي الذي يمارس السلطة ويتحدث باِسمها ، من جهة أخرى ، وواضح أننا نقصد هنا المعنى الأول . وإذن ، فكل مس بالوطن أو الأمة أو الدولة هو مس بالهوية الثقافية ، والعكس صحيح أيضاً : كل مس بالهوية الثقافية هو مس في الوقت نفسه بالوطن والأمة وتجسيدهما ؛ الدولة" ، ومعلوم أنَّ الفقيد الجابري قد حدد العنصرين الأساسين للدولة بقوله عن الوطن :"بوصفه (الأرض والأموات) ، أو الجغرافيا والتاريخ ، وقد أصبحا كياناً روحياً ، واحداً ، يعمر قلب كل مواطن : الجغرافيا وقد أصبحت معطى تاريخياً . والتاريخ وقد صار موقعاً جغرافياً . كما تناول موضوع : "الأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة : قوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن ، أعني الوفاء لـ(الأرض والأموات) ، للتاريخ الذي ينجب ، والأرض التي تستقبل وتحتضن" .
وعليه فإنَّ المستقبل العربي المتشوف عند كل الوحدويين العرب خصوصاً ، وعند أبناء الأمة العربية بشكلٍ عام ، يدركون بشكلٍ واعٍ أنَّ الدول القطرية لن تخوض الصراع مع طواحين الهواء ، إنما ضد تجسدات عينية تتلمسها جميع الشعوب المضطهدة ، تلخص مفاهيم "الأوعى" و"الأغنى" والأقوى" ، إنَّ هذا الصراع الشامل ـ الذي لن يدرك تبعاته بعض الحكام للأسف ـ لن يحدث في غياب عن الزمان والمكان . . . في فراغٍ من العوامل التاريخية والمجال الجغرافي ، وإنما قال مشروع اِستشراف مستقبل الوطن العربي الذي "تتبلور معالمه في إطار بيئة دولية لها مواصفاتها ونتائجها وتوقعاتها ، وتترتب عليها تناقضات وصراعات وتنافسات وأشكال جديدة من التعاون والتنافس" [راجع كتاب العرب والعالم ، كتاب شارك في وضعه عشرات الباحثين ، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت / لبنان ، تشرين أول / أكتوبر 1988 ، ص 25]، وهو ما يجعل الوعي الدقيق بالمفاهيم السياسية من الضرورات القصوى لأي ممارسة تهدف خدمة مستقبل الأمة العربية .
وربما كان اِنعدام هذا الوعي السياسي والفكري العميق بالمفاهيم العلمية والسياسية الدقيقة والنضال لصالح المستقبل الوطني ، هو السبب الكامن وراء مطالبة "أغلب فصائل المعارضة العراقية" في المرحلة السابقة على الاِحتلال الأمريكي الإيراني البغيض . . . مطالبتهم أمريكا بتشديد الحصار على الدولة العراقية ، كانوا يهرفون بما لا يعرفون في حين أنَّ الدول الغربية كانت واعية جداً لتلك المفاهيم وتتصرف بحسابات دقيقة وفقاً لمصالحها السياسية . والتي نرى اليوم معالمها الكارثية جراء الاِحتلال المزدوج : الأمريكي والإيراني ، المجرم والبشع .

سليم حجار 11-15-2010 08:21

على بساط الثلاثاء
100

يكتبها : حبيب عيسى


الطريق إلى فلسطين ...



( 1 )
إن غياب المنهج الإنساني القومي العربي التقدمي ، والاستغراق في التجريب قد فاقم المشكلات في الوطن العربي ، عوضاً عن تقديم الحلول لها ، بل إن المنهج ذاته تحول إلى مشكلة مضافة في فترة من الفترات عندما اعتبره البعض ملهاة عن الانغماس في المعارك الدائرة على الساحة العربية ، والتي لا تحتمل الانتظار والتفلسف والتنظير ، وهذا أدى إلى صراع حاد بين توجهين ، الأول : انغمس في صراعات الواقع ، وأدار ظهره تماماً للتنظير والتفلسف والاستراتيجية والتكتيك ، والثاني : حاول التطهّر من أوحال الواقع وصراعاته ومعاركه على اعتبار أن جميع المتصارعين في الواقع العربي على ضلال ، وأنهم سيصطدمون بالحائط المسدود عاجلاً ، أم آجلاً ، والتفت كوادر ذلك التوجه يقرأون ويجتهدون ويتفلسفون وينظرّون وغادروا الواقع إلى الأحلام ...
لقد دفع الفريقان ثمن هذا الافتراق بين خطين من المفترض أن يكونا متلازمين ومتوازيين ، فالعمل والجهد والنضال في الواقع الموضوعي دون استراتيجية واضحة هو كالإبحار دون بوصلة ، كما أن الاستغراق في التنظير الاستراتيجي مع الابتعاد عن الممارسة النضالية في الواقع هو إبحار باتجاه الأوهام لإن الابتعاد عن الواقع لايعني أن ذلك الواقع سينتظر نتائج تنظيراتهم وتفلسفهم ، وإنما ستفعل فيه القوى الفاعلة ، وتغيرّه باتجاهات متعاكسة ، وهكذا ما أن يحسمون مواقفهم النظرية حتى يكون الواقع الذي نظرّوا له قد تغيّر ، وأصبح واقعاً مختلفاً عن الواقع الذي درسوه ، فلا يطيق تطبيق النتائج النظرية التي أجهدوا أنفسهم بالبحث عنها ، فيفشلون ...، ويبررون فشلهم بتغيّر الظروف الموضوعية ، بينما هم المسئولون عن الفشل الذي يعانون ...
سنفتح على بساط هذا الثلاثاء ملف قضية مركزية على سبيل المثال لا الحصر ، وسنحاول ان نقرأ إنعكاس هذين النهجين على تلك القضية ، وكيف تعّثر ،ويتعثر حلها ، بسبب افتراق هذين النهجين ، لنستخلص نتيجة تقول : ضرورة التلازم بين الاستراتيجية ، وبين الممارسة العملية في الواقع الموضوعي ، فلا تذهب التضحيات في الواقع هدراً ، ولا يتحول التأصيل الاستراتيجي إلى هروب من الواقع ، فتتفاقم المشكلات فيه ، وتتعقدّ الحلول ...
( 2 )
إن القوميين العرب التقدميين ، وبعد أكثر من نصف قرن انقضى في التجريب أدى إلى مانحن فيه من تغريب وتخريب وتشريق ، أدى إلى انفلات الواقع الموضوعي تتجابه فيه قوى عاتية محلية ودولية عبر صراعات قاتلة لاقتسام الكعكة العربية ، بينما يقف أصحاب الأرض والحقوق من العرب ، اليوم ، أمام خيار وحيد يتمّثل في استعادة المبادرة عبر إعمال المنهج في الواقع الموضوعي ، والعمل في الواقع الموضوعي على أسس منهجية استراتيجية ، ومنهج القوميين العرب التقدميين هو منهج " جدل الإنسان " ، وبالتالي عليهم عدم الاكتفاء بدراسة الظواهر والمشكلات في الواقع العربي من منظور " جدل الإنسان " ، وإنما عليهم بالتزامن مع ذلك ممارسة النضال الفعلي عبر تلمس هموم الجماهير العربية ، وعدم التعالي عليها ، ووضع مشكلاتها المحلية في إطارها القومي ، بحيث يكون النضال القومي من أجل الأهداف الكبرى في الحرية ، والوحدة ، والاشتراكية ، هو ذاته النضال من أجل حل مشكلات الناس اليومية في واقعهم المعاش ...
هكذا ، فإن مشكلة فلسطين ، كمشكلة قومية ، تجد حلها الإنساني الصحيح انطلاقاً من الموقف القومي ، وتنفيذاً بالفعل والجهد القوميين ، وصولاً إلى غاية قومية وإنسانية نبيلة ، فهي ليست مشكلة إقليمية ، وليست مشكلة طبقية ، وليست مشكلة دينية ، وليست مشكلة دولية ، ممسكين في ذلك كله بمنهجهم الجدلي الإنساني راسمين الخط الفاصل بين الطريق القومي لتحرير فلسطين ، وبين الطرق الأخرى للتفريط بفلسطين ، بين الطريق القومي إلى دولة العرب الديمقراطية الاشتراكية وفي القلب منها فلسطين ، وبين الطرق الأخرى إلى مستعمرات أخرى تضاف إلى المستعمرات التي تحتل أرض الوطن العربي طولاً وعرضاً تقوم على أساس مقايضة بعض فلسطين ببعضها الآخر ، بين الطريق القومي إلى وحدة الوطن والأمة ، وبين الطريق الإقليمي إلى الشرق أوسطية والتفتيت ، ورغم أن أحداثاً كثيرة تتابعت في هذه الفترة الزمنية الممتدة من منتصف ستينات القرن المنصرم ، وحتى الآن ، ورغم أن مواقف كثيرة تغيرّت وتنوعّت وتحّولت ، ورغم أن عروض الأزياء السياسية قد تبدلت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وبالعكس ، فإن الموقف القومي المنهجي عبّر عن ثبات ومصداقية لم تزحزحه العواصف والانحناءات وصعوبة الرؤية قيد أنملة عن خطه البياني الصاعد رغم الانهيارات الصاعقة في الواقع الموضوعي .
فالإنسان متطور أبداً ، والأمة متطورة أبداً ، والعدوان مهما امتلك من إمكانيات وأدوات ، زائل لا محالة ، وتقسيم الأمة إلى دول وكانتونات ومستوطنات ومستعمرات هو عدوان واحتلال ، يكمن الحل الصحيح الوحيد في مقاومته وإزالته ومحو آثاره ، وليس بالرضوخ والاستكانة لأهدافه ، وعقد الصفقات المهينة مع المعتدين ، أو عبر التفريط بالحقوق .
( 3 )
لقد نتج عن العدوان الصهيوني الاستيطاني الغاشم على القلب العربي في فلسطين لجوء عدد كبير من عرب فلسطين إلى ديار العرب الأخرى بعد المجازر التي ارتكبها الصهاينة في حيفا ويافا ودير ياسين وقبية والجليل وغيرها ... وكان لذلك أثر سلبي لا شك فيه ، تمثل في تشريد أعداد كبيرة من الأسر العربية في فلسطين عن بيوتها وأراضيها ...
لكن هذا الانتشار العربي الفلسطيني في ديار العرب كان له أثر إيجابي بالغ ، تمثل في أن عرب فلسطين تحولوا إلى قضية مجسدة للعدوان الذي يستهدف الأمة العربية بأسرها ، وتحولوا في ذروة الشعور بالمأساة في الخمسينات من القرن المنصرم إلى ما يشبه الصاعق في كتلة الديناميت الجماهيرية العربية الغاضبة . وكان على القوى المعادية أن تجد وسيلة " ما " لإخراج هذا الصاعق من قلب كتلة الديناميت فهو بدونها سينحصر مجال أثره في غزة ورام الله وأريحا، والجماهير العربية بدونه كتلة هامدة ، لا تخيف أحداً يتقاسمها المستبدون والطغاة بين المحيط والخليج ، وقد تآمرت الإقليمية المستبدة في الوطن العربي مع الإقليمية العاجزة في فلسطين ، لتحقيق هذا الهدف ، وتحولت قضية فلسطين عبر تآمر الطرفين من قضية تمس الشعور القومي العربي ، وتجرح الكرامة العربية ، إلى عبء ثقيل يجب التخلص منها لتنعم الأقاليم بالرخاء بعد التخلي عن القضية الفلسطينية لأصحابها الفلسطينيين ، فالفلسطينيون هم مصدر المتاعب والحروب عل أقاليمهم "ذات السيادة" ، ومن ثم أكملت الإقليمية الفلسطينية المهمة بتحويل منظمة تحرير فلسطين إلى منظمة التحرير الفلسطينية ، فالمشكلة ليست مشكلة قومية ، وبالتالي "فيا وحدنا" وليخرج العرب منها .
بذلك ، بدأ العد التنازلي من تحرير الأمة العربية وتوحيدها واستقلالها وسيادتها، إلى الاكتفاء بطرح شعار تحرير فلسطين من المستوطنات الصهيونية لصالح الدولة الفلسطينية ، وبما أن ذلك غير متاح إلا بالإمكانيات القومية ، تمّ التنازل إلى شعار الدولة العلمانية في فلسطين بين اليهود والفلسطينيين ، ثم ، ولأن الصهيونية رفضت تم التنازل إلى شعار دولة بعض فلسطين في حدود 1967 ، ثم ، التنازل إلى مطلب دولة غزة ورام الله ، وأخيراً قد يصل التنازل إلى كونتونات غزة ورام الله وأريحا ونابلس ، وهكذا .
إن تلك المسيرة التنازلية التي رافقت القضية الفلسطينية لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى الأساس المنهجي الذي اعتمدناه في بداية هذا الحديث .

( 4 )
منذ أكثر من أربعين عاماً ، ومنذ أن وضع عصمت سيف الدولة منهج جدل الإنسان وبدأ يدرس المشكلات والظواهر ، وخاصة المشكلات التي تواجه حركة التحرر العربية ، ومشروع النهوض والحرية والتنوير ، وهو يواجه مشكلة فلسطين ، كمشكلة مركزية ، يحللّ ويحذرّ ، ويضع بواكير التنازلات في إطارها ، وأنها لن تقف عند حد ، فكتب منذ أربعين عاماً ينبه المقاومين في فلسطين أنهم يتقدمون على الطريق المسدود ، في هذا الإطار نرى أن ما قاله د . عصمت سيف الدولة على مدى الأعوام ال 45 التي انصرمت بخصوص قضية العرب في فلسطين يجب أن يوضع الآن بحرفيته تحت أبصار الجيل العربي الجديد ، ذلك أن الصراع الآن يستهدف عقل هذا الجيل ، فالأعداء مسلحون بنظرية الصهيوني كيسنجر ( البدء من الآن ) ، وما يترتب عليها من تشويه للتاريخ ، وللتطور الإنساني ، وبالتالي ، فإن قضية فلسطين ، من وجهة نظرهم ، لا ُتبحث من حيث الحقوق وأصحابها ، وإنما بالانطلاق من الوضع الراهن ، وتوصيفه ، وتوسع المستوطنات فيه ، وطبيعة المعاهدات والعقود التي يتم إبرامها انطلاقاً مما نحن فيه الآن في ظل الحكام المساومين .
إن مواجهة هذا التضليل لا تكون إلا بمنهجية علمية ثابتة تعالج مشكلات الأمة ، ومن ضمنها مشكلة فلسطين ، فالقضية ، هي أن تلك الأرض هي أرض الأمة العربية ، وإن هذا الجيل من شعب فلسطين ، بل ، ومن الأمة العربية بأسرها لا يملك المساومة أو التفاوض أو التنازل أو إعطاء حق المنفعة أو الإيجار ، أو البيع لجزء من تلك الأرض فهي ملكية مشتركة للأجيال العربية المتعاقبة من أمة العرب ، يترتب على ذلك أن القضية الآن ليست في شكل السلام مع دولة المستوطنات الصهيوينة في فلسطين ، ولا في حدوده ، ولا في طبيعته ، وإنما في أساسه ، فالسلام الحق له طريق واحد يمر عبر بوابة العدل والحق ، وللعدل والحق بوابة واحدة تمرّ عبر إزالة دولة الصهاينة في فلسطين ، وإعادة المرتزقة الصهاينة الذين تم استيرادهم ، إلى مواطنهم الأصلية في روسيا وبولندا وغيرها ، وعلى بقية اليهود العرب أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية في الوطن العربي كمواطنين عرب ، ولهم حق المواطنة ، كغيرهم من العرب المتنوعين دينياً وطائفياً ومذهبياً وإثنياً .
إن هذا الحل القومي العربي بالإضافة إلى أنه يحرّر فلسطين من الاحتلال ويعيد البيوت إلى أصحابها العرب ، والأرض أيضاً ، فإنه ، مع ذلك ، وقبله وبعده ، يحقق لتلك الفئة من البشر الذين تم استيرادهم من بلاد الأرض قاطبة لخدمة مصالح قراصنة العالم والشعوب واستخدامهم لحراسة مصالحهم قوى الهيمنة الدولية على حساب أصحاب الثروات والحقوق .. والزج بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، وتحويلهم من مواطنين في بلدانهم إلى مرتزقة معتدين على حقوق الغير وممتلكاتهم . يحقق لهم إنسانيتهم بإعادتهم إلى أوطانهم ومواطنيتهم .
إن الحل القومي ، هو حل إنساني لنا ، ولهم على السواء .
( 5 )
لقد انتهت مرحلة من مراحل الصراع العربي – الصهيوني ، هذا صحيح ، لكن مدى صحته تتوقف على القول أن مرحلة جديدة قد بدأت أيضاً .يريدونها شرق أوسط ، ويريدوننا شرق أوسطيين ، ونريدها وطناً عربياً ، ولا نجد لأنفسنا هوية إلا هوية الأمة العربية انتماءً ووجوداً ومستقبلاً ومصيراً ، هذا هو جوهر الصراع في فلسطين ، وفي سائر أرجاء الوطن العربي.
ورغم كل ما يقال ، ويشاع عن الهزائم ، والإحباطات التي لحقت بنا ، فإن الصراع لم يحسم بيننا وبين القوى المضادة ، لقد أعدّوا ما استطاعوا وكسبوا جولة ، ولم نعّد للمعركة عدتهّا ، ولم نستغل مواردنا وإمكانياتنا فتلقينا الهزائم التي يتحدثون عنها ، والحق ، أن الأمة العربية لم تدخل الصراع بعد ، لقد حالت سلطات الدول المنتشرة على طول الأرض العربية وعرضها طيلة أكثر من نصف قرن ، بين الأمة العربية ، وبين مقارعة الصهاينة ، وطيلة تلك السنوات وهي تطرح نفسها على أنها حامية الحمى ، وأنها هي التي ستحرّر فلسطين ... إلى أن تبيّن أخيراً أن كل ما تستطيع أن تحققه بالإذعان ، أو بالعجز ، أو بالتآمر هو عقد المعاهدات ، والاتفاقيات مع "دولة إسرائيل" ، وهذا يفصح عن خطأ استراتيجي ارتكبته حركة التحرر العربية طيلة نصف القرن الأخير ، وهو أنها لم تدرك مدى العلاقة الاستراتيجية بين "دول سايكس – بيكو" ، وبين دولة وعد بلفور ، ومدى تشابه الوظائف ، لكن لابد من إدراك حقيقة ما جرى ، وما يجري ، الآن ...
فكما كانت الأمة العربية ُمغيّبة عن ساحة الصراع الحقيقي مع الصهيونية ، فإنها غائبة الآن عن المعاهدات والاتفاقيات التي توقعها "الدول الشرق الأوسطية" مع "دولة إسرائيل" ، وأن أحداً من الذين يفاوضون ويوقعون في فلسطين ، أو من حولها ، لا يملك تمثيل الأمة العربية ، ولا أن يوقع باسمها ، وبالتالي فإن الحديث عن تصفية الأمة العربية ، والقضية العربية ، وقضية فلسطين تحديداً هو حديث سابق لأوانه ، وستبقى مشاريعهم عن الشرق أوسطية ، والشرق أوسطيين حبراً على ورق ، وستبقى "دولة إسرائيل" و"دولة أريحا وغزة ورام الله" ، وكافة دولهم الأخرى من المحيط إلى الخليج ، ومشاريع دولهم الجديدة التي يلوحون بها لإعلانها في الشرق الأوسط الجديد ... ستبقى كل هذه ، وتلك ، مشاريع "دول واقعية" عدوانية على وطن الأمة العربية ، وعلى شعبها ، يتوقف مصيرها على نتيجة صراع مستمر لم يبدأ بدولة أريحا وغزة ، ولن ينتهي بمعاهدات التصالح بين كيانات ، وسلطات دول الشرق الأوسط ، صهيونية أو صهيونية.
( 6 )
إننا من موقع – حالة الحصار – نقول : ليتبادلوا ما شاءوا من الأنخاب والوثائق ، ومن الاعترافات المتبادلة ، وليسّخروا أجهزتهم وجيوشهم ومخبريهم لخدمة مصالحهم المشتركة في احتلال أرض الأمة العربية ، ونهب ثرواتها ... لكن هذا كله لن يغيّر من الأمر شيئاً ، ولن يضيف إلى حقيقة الصراع شيئاً ، ولن ينتقص من تلك الحقيقة شيئاً ، وإنما سيسلط الضوء على ما كان يكتنف حقيقة الصراع من غموض في بعض المواقع والمواقف ...
إن أحداً من كل تلك الأطراف التي تتدافع الآن للتعاهد والتعاقد والبيع والشراء والإيجار والتطبيع مع دولة الصهيونية في فلسطين لا تملك أن تقدم لبعضها البعض الشرعية التي تبحث عنها ، ففاقد الشيء لا يعطيه .
إنها بمجملها دولاً غير مشروعة ، وهي بالتالي تملك أن تتقاسم العدوان على الأمة العربية وأراضيها وثرواتها وأن تتبادل المواقع والمواقف ، وأن تنظمّ علاقاتها ببعضها البعض ، وأن تتعاون وتتنافس في ترتيبات "خريطة الشرق الأوسط" ، لكن أي طرف من تلك الأطراف لا يملك أن يمنح الآخر شرعية يفتقدها هو ، إنهم يتعاقدون ، ويتصرفون بمال مسروق ، وبأرض مسروقة وإمكانيات مسروقة ، والملاك الأصليون مازالوا على قيد الحياة رغم محاولات التصفية والتضليل ، وبالتالي فإن التصرف ، والتعاقد بني على باطل ، وما بني على باطل فهو باطل ، مهما تعددت البيوع ، والتصرفات ، لأنها تصرفات خارجة على قوانين التاريخ والعدل والجغرافيا ، وأن تلك العقود والمعاهدات لن تكون إلا وثائق إثبات على الجرم الذي ارتكب بحق الأمة العربية يتحدد من خلالها الجناة والمجرمون والمشاركون والمتدخلون والمتواطئون ...
إنه يوم قد يأتي على أية حال رغم تقديرنا للصعوبات والمحن ، ومقدرة الجناة على ارتكاب جرائمهم ، ففي ربوع الوطن العربي دبيب ، وهمهمة تنبيء بمخاض ، لولادة عربية قومية تقدمية تحررية نهضوية تنويرية جديدة تحمل في دمها آثار المحن التي مرت ، و مضادات مقاومتها في الوقت ذاته .
( 7 )
إن المحن التي مرت على الأمة العربية ، وملحمة نضالها المريرة ، لم تتأت من مواجهة القوى الدولية المعادية ومخططاتها المحكمة ، وحسب ، وإنما قبل ذلك ، من مواجهة التداخل ، والتخلخل والتغلغل الخفي ، والنخر من الداخل والاختلاط الشديد بين قوى المقاومة ، وقوى المساومة، بحيث يتوقف على عملية الفرز في المستقبل ... مستقبل الأمة العربية ومشروعها القومي التقدمي .
لقد تراكمت تجارب مريرة في ذاكرة الأمة ، ونجح المشروع المعادي حيث تمكن من الانتقال بالأمة من محنة إلى محنة أخرى أشد وأقسى ، وفشل المشروع المقاوم حيث افتقد الرؤيا الشاملة والمستقبلية ، فمن حيث التركيز على الخروج من مأزق معين ، تم إغفال الخطوة التالية التي كانت تؤدي دائماً إلى مأزق أكثر إحكاماً وخطراً .
- هكذا في الوقت الذي كانت تدق فيه طبول النصر على الغزو العثماني والتحرر منه كانت طبول النصر تقرع في العواصم الأوروبية بإدخال الوطن العربي كمناطق نفوذ للهيمنة الأوروبية بدراية البعض وغفلة البعض الآخر .
- وفي الوقت الذي كان فيه العرب يقدمون الشهداء قوافل لمقاومة الغزو الأوروبي وطرد الجيوش الأوروبية من الوطن العربي ... كانوا يدخلون في نطاق المشروع التقسيمي للوطن العربي إلى دول "مستقلة " بدراية البعض وغفلة البعض الآخر .
- وفي الوقت الذي كان فيه العرب يحتفلون بخروج الجيوش الأوروبية من وطنهم كانوا يحتفلون باستقلال الدول الفعلية التي صنعّها الأوروبيون على أرض وطنهم ، لتحقق للأوروبيين من الهيمنة والتبعية على الوطن العربي وثرواته ما عجزت الجيوش الأوروبية عن تحقيقه بدراية البعض ، وغفلة البعض الآخر .
_ وفي الوقت الذي كان فيه المتحكمين بالأمة العربية يوقعون اتفاقيات الهدنة مع المستوطنات الصهيونية باعتبارهم دولاً مجاورة ويعلنون قيام "دولة إسرائيل" كانوا في الوقت ذاته يحتفلون بقيام دولهم في كل مكان من وطن العرب ويعتبرونه استقلالاً ، بدراية البعض وغفلة البعض الآخر .
- وفي الوقت الذي كان فيه العرب يواجهون المشروع الصهيوني كانوا يعتمدون على أجهزة ذات الدول التي تشكل مع المشروع الصهيوني ( دول الشرق الأوسط ) ..بدراية البعض وغفلة البعض الآخر .
( 8 )
في هذه المواقف المتتابعة كان العرب يقدمون التضحيات ويحصدون الريح ، والعامل المشترك في هذه المواقف جميعها هو افتقاد الاستراتيجية التي تضع النضال المرحلي في نطاق النضال الاستراتيجي .
لقد تم استخدام مصطلحات في غير مكانها : التكتيك ، السياسة خذ وطالب ، السياسة فن الممكن ، الواقعية ، القوى الدولية المهيمنة قادرة على كل شيء وكل شيء من فعلها ، والتفكير مجرد التفكير بمقاومتها تهور غير محمود العواقب .
رغم أنه لكل تلك المصطلحات قوانين وشروط وضوابط ، فإنه في كل مرة تم استخدامها لتبرير الانحراف والردة والمساومة .
- هكذا فإن قتال العثمانيين لم يؤد إلى استقلال العرب وإنما إلى الوقوع تحت سلطة استعمار أخطر وأدهى هو الاستعمار الأوروبي .
- وهكذا أيضاً فإن قتال الجيوش الأوروبية لم يؤد إلى استقلال العرب وإنما إلى تفتيتهم إلى دول أشد خطراً على الأمة من الاستعمار المباشر .
- وهكذا فإن قيام الدول في ( الشرق الأوسط ) لم يؤد إلى الوحدة العربية وإنما اتجه بالأمة اتجاهاً معاكساً .
- وهكذا فإن كانتون( غزة – أريحا ) ليس طريقاً لتحرير فلسطين وإنما طريق لترسيخ "دولة إسرائيل" في فلسطين وإدخالها كدولة مركزية في نادي دول ( الشرق الأوسط ) .
- وهكذا ...
فما من مرة تم غض النظر عن الرؤيا القومية الشاملة للصراع الحقيقي الذي يستهدف الوطن العربي بأسره أرضاً وبشراً إلا وكانت النتائج كارثية على الأمة العربية ، وما من مرة كان البعض يتخيل أنه يحقق مكاسب جزئية إلا وكان في حقيقة الأمر يقدم للقوى المعادية مكاسب شاملة ، ولعل مقولة الشاعر العربي من مصر أمل دنقل ( رجعت سينا وراحت مصر ) تعبّر عن هذه الحقيقة المرة خير تعبير .
إن ما يسمى ( التكتيك ) في علم السياسة هو سلوك مرحلي في إطار استراتيجية محددة وواضحة .
أما في الوطن العربي ، وعلى مدى عقود عديدة تم انتزاع مفهوم ( التكتيك ) من إطاره الاستراتيجي كفعل مرحلي على طريق استراتيجي طويل ، وتمت ممارسته ( كفعل مقايض ) حيث يتم مقايضة الاستراتيجية بالتكتيك والأمثلة في الواقع العربي كثيرة بل تكاد تكون الأمثلة الوحيدة المتوفرة في الواقع وآخرها ، مقايضة بعض فلسطين ببعضها الآخر ، ويعلن طرف فلسطيني جهاراً نهاراً أن الجزء الأكبر من فلسطين هو ( دولة إسرائيل ) ليتطابق هذا الموقف مع الموقف الصهيوني ذاته .
( 9 )
في عام 1978 حضر إلى دمشق د . عصمت سيف الدولة لسبب يتعلق باتحاد المحامين العرب ، وفي يوم من أيام تلك الزيارة حضر إلى دمشق الأخ ( أبو طارق ) هاني الحسن لاصطحابه إلى بيروت للقاء قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" ... وعندما تحقق ذلك ، والتأم جمع قيادة المنظمة بكل المناضلين الذين كانوا ما زالوا أحياء حتى تاريخه ، حول عصمت سيف الدولة ، وكان أبو عمار قد أعد مأدبة الغداء ، توجه د . عصمت سيف الدولة بسؤال محدد للأخ أبو عمار يقول :
- قبل أن نمد أيدينا إلى طعامك يا أخ أبو عمار أريد أن أسمع منك جواباً محدداً لا لبس فيه : هل أنت مستعد تحت أي ظرف كان ولأي سبب كان ، للاعتراف "بدولة إسرائيل" ... ؟
- ورفع أبو عمار يده إلى كوفيته محتجاً على السؤال : ( معاذ الله يا أبو محمد ) .
وتابع د . عصمت : إذن ، ما هذا الذي يقوله كرايسكي على لسانك ؟
أبو عمار : لقد كذبتهّ ... يا أبو فلان ، أذهب إلى الأرشيف ، وصوّر التكذيب للأخ أبو محمد ...
وعندما عاد د . عصمت سيف الدولة من رحلته إلى بيروت ، سألته عن الحصيلة ، فمد يده إلى جيبه ، وأخرج قصاصة خبر صحفي ينفي فيها مسئول بمنظمة التحرير الفلسطينية كلام برونو كرايسكي ، بأن رئيس منظمة التحرير الفلسطيني مستعد للاعتراف بدولة إسرائيل ، وقال لي ساخراً : لكنه سيفعلها ، وفعلها أبو عمار .


( 10 )
والقضية لم تكن أبداً قضية شخصية تتعلق بالأخ أبو عمار، أو سواه ، وإنما كانت ، وما زالت تتعلق بنهج ، وطريق ...
لقد افترق الطريق القومي عن الطريق الإقليمي منذ البداية ، وإن كان التداخل الذي حصل قد أدى إلى بعض التشويش أحياناً ، وكما كان الوضوح في المواقف مطلوباً ، فإن هذا الوضوح قد تحقق الآن ، وإذا كان الموقف الإقليمي قد دخل محطة "غزة أريحا" ، فإن على الموقف القومي أن يجسّد نضاله عبر مؤسسات قومية تقدمية مقتدرة ، وينتقل من مرحلة التحليل ، والتفسير ، والاستنتاج إلى مرحلة الفعل والمواجهة ...
وإذا كانت الإقليمية في فلسطين وفي كافة أرجاء الوطن العربي مجسدة الآن بمؤسسات ، وأجهزة ، وجيوش و ... فإن على الذين يرفعون راية الأمة العربية ، والوطن العربي في مواجهة الترتيبات الشرق أوسطية الراهنة ، أن يجسّدوا حركتهم في مؤسسات قومية تحمل راية الأمة ، ومشروعها ، وأهدافها . أما كيف يتم ذلك ؟ ، فهذا هو السؤال ... ؟ .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-19-2010 08:55

رد من الأخ الأستاذ حبيب عيسى على مقالة باقر الصراف
***********************************************

الأخ الأستاذ سليم حجار ...
الأخ الأستاذ الناصر خشيني ...
الأخ الأستاذ باقر الصراف ....
أيها الأخوة الأعزاء المحترمين ...
تحية عربية ، أما بعد ...
لقد قرأت باهتمام شديد الرسالة الهامة والعميقة الأثر التي كتبها الأخ الأستاذ باقر الصراف المحترم تعقيباً على "بساط الثلاثاء 99" – الوطن العربي : سلطة الدولة أم دولة السلطة – والتي أتفق مع الأخ العزيز في أغلب المفاهيم اتي وردت فيها ، وبالتالي لست في مجال الرد على الرسالة ، وإنما في وارد توجيه الشكر لكاتبها ، وللأخوين العزيزين الذين حجزا لها مكاناً في هذا الموقع ، بل ، وإنني أعتبرها جزء هام ومتمم للبحث الذي جاءت تعقيباً عليه ، فقط أريد أن أوضّح للأخوة الأعزاء النقاط التالية :
أولاً : إن هذا البحث ماهو إلا مقدمة ، أو مدخل كنت قد كتبته عام 1992 لبحث قانوني من حوالي 300 صفحة تحت عنوان : "الدولة ، والدولة المشروعة في ضوء القانون الدولي" ، قدمته حينها إلى نقابة المحامين لنيل لقب أستاذ في المحاماة ، لكن النقابة ، ولإسباب لا أعرفها تهيبّت مناقشة هذا البحث وطلبت إلي سحبه واستبداله ببحث آخر ، وقد حصل ، لكنني عدت وقدمت هذا البحث إلى الرقابة في وزارة الإعلام التي وافقت على نشره بعد حزف فقرات قليلة منه وقد صدر بالفعل عن "دار الأنصار" تحت عنوان : "الدولة القومية – شرعية الأساس – مشروعية التأسيس" ...
أيها الأعزاء ، لا أقصد من ذلك إشغالكم بأمر خاص ، وإنما أردت ان أقول للأخ الأستاذ باقر الصراف إن ملاحظاته في مكانها ، وكنت أتمنى أن أتمكن من إرسال الكتاب إليه كاملاً ، وبالتالي الحصول على تقييم شامل للبحث ، لكن وللأسف الشديد لا أمتلك نسخة من الكتاب الذي نفذت طبعته ، ولم تتح لي الظروف إعادة طبعه ...
ثانياً : حول العبارة التي وردت في البحث : "الخلط المخرب في المفاهيم ، والحق ، والقانون ، والشرعية ، والمشروعية " والتي علق عليها الأخ الأستاذ باقر الصراف بالقول : "جملة إتهامية شنيعة ، فليس الاجتهاد في المعرفة جهداً تخريبياً من قبل الجميع وقد يكون جهداً إبداعياً أيضاً وربما ينتج عن هذا الجهد المبدع مفاهيم تنسجم مع الواقع الموضوعي ولكن من أجل أن تسهم في تغييره نحو الأفضل والأحسن وباتجاه تقدمي ..." ، صدقت أيها الأخ العزيز ، وأصبت ، لكن هل يفهم من كلامي أنه موجه للمبدعين ؟ ، إنه موجه حصراً لاولئك الذين تعرفهم ، وأعرفهم الذين يمارسون عن قصد جرمي الخلط في المفاهيم لاستخدام الدولة ضد الأمة واعتبار جميع المناضلين لبناء دولة الأمة على أنقاض "الدول الفعلية" التي تقتطع أجزاء من شعبها ووطنها مجرد مجرمن خارجين على الحق والقانون والشرعية والمشروعية ... ومن خلال قراءتي لما تفضلت به ، لا أعتقد أننا نختلف في ذلك ...
ثالثاً : أما ماتفضلت به حول ضرورة التمييز بن الدولة ككيان مشخص ومجرد ...يجسّد وحدة الوطن والأمة ...وبين الحكومة أو النظام السياسي الذي يمارس السلطة ... فإنني أتفق معك تماماً ، نظرياً ، لكن هذا أيها الأخ العزيز مشروط بأن تكون "الدولة" ، وكما قلت أنت ، تجسد وحدة الوطن والأمة ، فهل الدولة في الوطن العربي راهناً تمثل الوطن والأمة ، أم هي أداة عدوانية على وحدة الوطن والأمة ...؟؟؟ تتحكم فيها سلطات تبسط يدها المستبدة والطاغية على الحكومة والقضاء والتشريع وبالتالي عبثاً حاولت البحث عن تمييز ... حيث جميع مؤسسات الدولة والحكومة والسلطات فيها ماهي إلا هياكل شكلية ...
أخيراً ، لقد حاولت أيها الأخ العزيز أن أقول ، وباختصار شديد ، أن النضال لبناء "الدولة" التي تجسد وحدة الوطن والأمة ، هو نضال مشروع يكتسب شرعيته من حق الأمة في سيادتها على كامل أرض وطنها لا انتقاصاً ولاعدواناً على حقوق الغير ...
لكم خالص التحية والتقدير والاحترام ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-22-2010 10:23

على بساط الثلاثاء
101

يكتبها : حبيب عيسى
صوت عربي من خارج الحدود
في صناديق انتخابات مصر ...

( 1 )
عندما تكون مصر على مفترق طرق ، فإن الأمة العربية من المحيط إلى الخليج تكون محتشدة على ذات المفترق ، وتتوزع على ذات المفارق ، فعندما أطلق جمال عبد الناصر صرخته الشهيرة "أرفع رأسك يا أخي" لم يلب النداء عرب مصر ، وحسب ، وإنما ترددت الأصداء بين المحيط والخليج ، ليرفع عرب الأرض والتاريخ رؤوسهم ، ثورات وانتفاضات وحركات تحرر ومقاومة ونهوض اجتماعي وثقافي وفني وعلمي ... ، وعندما ارتد أنور السادات وخليفته مطأطئي الرأس أما م المشروع الصهيوني المرتبط بمشاريع الهيمنة الدولية ، امتد ذلك الارتداد من "كامب ديفد" إلى "أوسلو" إلى "وادي عربة" ، وإلى ما يسمونه الآن "المبادرة العربية" للصفقة الشاملة مع الصهاينة ، والتي بصم عليها جميع المتحكمين بالأمة العربية ، ولا أقول "الحكام العرب" ، لأنهم ليسوا كذلك ...
( 2 )
وإذا كانت مرحلة النهوض القومي العربي قد فتحت أبواب الأحلام على مصاريعها أمام أحلام الشعب العربي الذي يتوق إلى الحرية والسيادة والعدالة والتحرر ، وأقلقت الصهيونية والمتحكمين بالأمة بين المحيط والخليج ، فإن الردة السادية عكست الصورة تماماً ، فانغلقت أبواب النهوض والتحرر والتنوير ، وانفتحت الأبواب على مصاريعها أمام المشاريع الصهيونية ، وتسلطن المتحكمين بالأمة العربية بين المحيط والخليج ، وتم استبدال رموز النهضة والتنوير برموز الفتن والتكفير وتفجير المساجد والكنائس لاستكمال نهج المستبدين والطغاة في قمم السلطات ، ولإشباع نهم الغزاة والطامعين من مختلف أرجاء الأرض ، لهذا ، فإن الفرحة بالردة التي حدثت في مصر على يد أجهزة السلطة لم تقتصر على الصهاينة في فلسطين ، وإنما شملت الصهاينة المتصهينين في وطن العرب بين المحيط والخليج ، فلم يعد المركز الناصري يشعّ نوراً للتغيير باتجاه الحرية ، وإنما تحّول قصر القبة إلى مستنقع ينشر الاستلاب والأوبئة الصهيونية ، ويحتضن الهوائم المتحكمة بمصير الأمة العربية ، وبقدر ما كان الشعب العربي يشعر بالإحباط والصدمة ، لما كان يحدث في المركز العربي – مصر - بقدر ما كان المتحكمين بالمصير العربي يعبرّون عن فرحتهم بالتخلص من خطر القومية العربية التي تهدّد عروشهم ، والتي انهارت منارتها المركزية في القاهرة ... وبالتالي لم تكن الفرحة في "كنيست الصهاينة" أكبر منها في قصور المتحكمين بالمصير العربي ... وبات كل واحد منهم يدعيّ أنه البديل عن مصر ، حتى انتهى الأمر إلى أن يدعيّ كل من هب ودب لعب ذلك الدور المركزي العربي الذي كان للقاهرة ، فانتفخت منهم الأوداج ، وضمرت العقول .
( 3 )
مصر الآن على مفترق طرق ، وما تسّنه الآن ، كما في الأمس ، لن يقتصر عليها ، لهذا ، فإن عربان القصور يراهنون على أن تبقى الحال على ما هي عليه ... ذهب الأب ، وجاء الابن ... ، أما عرب الأرض والتاريخ ، فترنوا عيونهم إلى انتفاضة عربية في مصر تكنس كل هذا الزبد من ارض الكنانة ، فتعود المنارة تشع نوراً وتحرراً ونهوضاً وحرية ، على وطن العرب الممتد ... لهذا ، فإننا عندما نتابع الاعتصامات والمظاهرات والترشيحات والانتخابات والهتافات ، ينتابنا الحلم بموقع بين هذه الجموع العربية الحبيبة التي ترنوا إلى الحرية ، ليس في مصر ، وحسب ، وإنما في وطن العرب الممتد ... إننا بذلك لا نتدخل في الشؤون الداخلية لمصر ، وإنما نمارس حقنا في تغييّر شؤون العرب أجمعين ... إننا بذلك نرسم المستقبل الجديد للأمة العربية جمعاء ...
( 4 )
ونحن لا يمكن أن ننسى تلك النظرات الشامتة التي كانت تواجهنا ، نحن العرب القوميين عندما دخل أنور السادات "كامب ديفد" ، ولم يعد ، كانت أياماً حزينة بالنسبة إلينا ، بينما كانت عيونهم في قصور الحكام تتدفق فرحاً ، لقد خرجت مصر ، قالوها بنشوة ، وبات لكل متحكم بجزء من الوطن العربي أن يغني على ليلاه ، يعقد الصفقات التي يريد ، ويمارس الفجور الذي يؤمّن له تأبيد تسلطه على الشعب العربي في ذلك الجزء ، بل ، وأكثر من ذلك ، يدعي من شاء ، ما يشاء من البطولات الخلبيّة ...
لقد حاولنا في تلك الأيام الحزينة من سبعينات القرن المنصرم أن نتمّسك بالأمل ، ونبحث عن الجانب الإيجابي المتمثل بفرز القوى في الوطن العربي ، والتخلص من ذلك التداخل المخلّ بين عرب الأرض والتاريخ ، وبين قوى متعددة المصالح والأشكال نبتت كالفطور السامة بين المحيط والخليج ، فتحدثنا عن "السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي" ، وعن معركة مكشوفة مع القوى المعادية للأمة ، لكن تعثرّ مشروع النهوض والتنوير القومي في الانطلاق ، أتاح الفرصة ، ليس للإقليميين فقط ، ولكن أيقظ سائر خلايا الفتن النائمة من إقليمية ودينية وطائفية وإثنية ومذهبية وقبلية وعائلية وفردية واستبدادية ، كي تملأ الفراغ ، وتبحث عن المدد من قوى الهيمنة الإقليمية والدولية التي استغلت الفرصة ، وبات وطننا العربي ساحة للصراع على الكعكة العربية ، والثروات والمواقع الإستراتيجية العربية باتت مباحة لكل من هب ودب في هذا العالم ...
( 5 )
لهذا كله ، فإن معركة التغييّر في مصر اليوم ، هي معركة في مصر ، وعلى مصر ، بين مشروع الأمة العربية النهضوي التحرري التنويري التقدمي ، من جهة ، وبين رموز الفتن والتخلف في الداخل العربي مدعومة بقوى الهيمنة الإقليمية والدولية ، من جهة أخرى ، لأن جميع الأطراف تدرك أن تغييّر بنية النظام السياسي في مصر ، سيكون له ما بعده في دنيا العرب ، والتململ الشعبي الذي يتصاعد على ضفاف النيل له امتداده الشعبي بين المحيط والخليج ، وهو الذي سيقرّر مصير الأمة العربية ، وليس مصير مصر ، وحسب ، ولهذا ، فإننا نعلن جهاراً نهاراً أننا سندلي بصوتنا العربي في صناديق الاقتراع في النجوع والدساكر والأرياف والمدن والصحاري والبلدات وفي سائر أرجاء مصر ...

إنني أدرك صعوبة المهمة ، وأدرك أن وحوش الاستبداد المديد في مصر خاصة ، وفي الوطن العربي عامة ، قد جردّوا المجتمع العربي من المؤسسات المجتمعية والسياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية والنقابية وحولوها إلى مجاميع شكلانية ، لا مصداقية شعبية لها ، ولا تمثيل حقيقي ، بل تحولت إلى بؤر للفساد والإفساد وأدوات ، إما بيد المستبدين ، وإما بيد قوى الظلام والتخلف ، وإما جماعات مشتتة ، شللية ، لا فاعلية حقيقية لها على أرض الواقع ... وبما أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع ، وحسب ، وإنما بنية تحتية ومجتمعية وثقافية واقتصادية وسياسية شاملة ، فإن مهمة الشعب العربي في مصر العزيزة ذات طبيعة مركبّة ومعّقدة ، فهذا الجيل العربي بين المحيط والخليج وفي المركز العربي مصر تحديداً لم يتاح له تجريب الاختيار الديمقراطي ، وبالتالي لا يمتلك تجربة في معرفة كيف ينتخب ومن ينتخب ، ولا يدرك أهمية صوته الانتخابي ، فقد تعّود أن نتائج الانتخابات محسومة ، ومزورة ، وأنه يساق إلى صندوق الاقتراع ، ليكون مجرد شاهد زور على انتخابات مزورة من الألف على الياء ، فقد ولد وترعرع وشب وشاب في ظل سلطات ملكية وجمهورية وجماهيرية وسلطانية تتعدّد الأسماء ، وأزياء الحكام فيها ، وتتوزع ولاءاتهم شرقاً وغرباً على امتداد العالم ، إلا الولاء للشعب العربي ، فهم جميعاً عليه ، وليس له ، يشتركون في مميزات ومواصفات مشتركة لا يحيد واحد منهم قيد أنملة عنها ، وهي أن كل واحد منهم متأله على الجزء الذي يتحكم فيه من الشعب العربي ، وأنه يمتلك البشر والحجر في الحيز الذي اقتطع له من وطن الأمة العربية ، وأن له على الشعب العربي حق الطاعة وتنفيذ أوامر حاشيته وامتداح فساد أجهزته ، وبموجب هذا قد لا يدرك الشعب العربي بين المحيط والخليج ، المدلولات الحقيقية للانتخاب ، أو الاختيار ، فهناك من ينتخب عنه وباسمه ويزوّر إرادته ثم ينسب هذا الاختيار إليه ، ولهذا ، وبهذا المعنى قد يكون الشعب العربي من أسعد شعوب الأرض قاطبة طالما أن هناك من يتولى كافة الأمور نيابة عنه ، فما عليه سوى الطاعة وتقديم الولاء للذين يفكرون عنه ، ويقررون بالنيابة عنه ، ويبيعون الأوطان ، ويعقدون الصفقات ، ويتاجرون بالبشر والحجر ، فهم الذين يعرفون مصلحة الشعب "القاصر ، الفاقد للأهلية" التي تؤهله حكم نفسه بنفسه ...
( 6 )
إذا كانت الأمور كذلك ، وهي كذلك فعلاً ، فعلى ماذا نراهن ؟ ، وكيف يمكن للشعب العربي في مصر أن يقلب هذه المعادلة البالغة السوء والمدججّة بأحدث أنواع الأسلحة والمخبرين والبصاصّين والجلادين والمافويين الذين اخترقوا النسيج الاجتماعي للمجتمع العربي في الكنانة ، وفي وطن العرب ... ؟ .
نقول ، أننا نراهن على الشعب العربي في مصر ، رغم حملات التضليل العاتية ، وقدرات أجهزة الاستبداد الواسعة ، ورموز الفتن المتنقلة ، ورغم الاختراق الذي أحدثته الصهيونية ، ورغم أن هناك كثر من المضللين أو المرتبطين بالمشروع الصهيوني يجيدون العربية ولهجاتها يروجون للصهيونية وينشرون أفكار الاستلاب والتسليم ... ففي أكثر من محطة تاريخية كان الشعب العربي في مصر يفاجيء الأعداء منتفضاً ، وثائراً من حيث لا يحتسبون ، فعلها مع أحمد عرابي في نهاية القرن التاسع عشر ، وفعلها بتفجير ثورة 1919 في مطلع القرن العشرين ، وفعلها في منتصف القرن العشرين مع جمال عبد الناصر ، وقد آن الأوان أن يفعلها ، الآن ، بالأساليب المناسبة لما نحن فيه ، والتي لن يعجز عن إبداعها ، في مطلع القرن الواحد والعشرين ...
يقولون ، ويهولوّن ، أن إلغاء "كامب ديفد" سيحمل لمصر الويل والثبور وعظائم الأمور ، وبالتالي لابد من الواقعية ، وتأكيد الاعتراف بدولة "إسرائيل" والتنسيق معها ، والحفاظ على 99 بالمائة من أوراق اللعبة في الجيب الأمريكي الواسع ، ولا مناص من تنفيذ ما يطلب من النظام خارجياً ليحافظ على استمراره وإطلاق يد المافيات ، وحماية رموز الفساد وإطلاق يد أجهزة القمع وتعليق القوانين والأنظمة ، بفرض حالات الطواريء ، وتزوير الانتخابات ، وترتيب الاستفتاءات المزيفة ، وتحويل السلطة إلى إقطاعة تتوارثها العائلة الجماهيرية الجمهورية الملكية المالكة ...
( 7 )
نقول ، رغم ذلك كله نراهن على الشعب العربي في مصر الذي لم يعدم الوسائل المناسبة للانعتاق من ظروف مأساوية مماثلة ، وربما أكثر تعقيداً ، ونحن هنا سنضرب مثلاً شديد القرب ، ففي عام 1936 تذرّع القصر الملكي والأحزاب الرسمية ، بذات أسباب "كامب ديفد" ، لتوقيع "معاهدة 1936" المذلة والشبيهة بمعاهدة "كامب ديفد" الأكثر إذلالاً ، الأولى وقعها ملك ، والثانية وقعها مملوك ، ويسهر على تنفيذها ، حتى الآن ، مملوك آخر يستعد لتسليم المهمة إلى الوريث الثالث ... في الحالة الأولى 1936 كان التبرير أن مقاومة الأنكليز غير ممكنة والإمكانيات غير متوفرة ، وأن الانكليز سيجتاحون كل شيء في مصر إذا تم إلغاء معاهدة 1936، رغم كل هذا التهويل الذي كان ينشره القصر وحاشيته والطبقة السياسية المتهتكة ، فإن الشعب العربي في مصر بدأ المقاومة وأطلق تنظيم كتائب الفداء العربي في مواجهة ثمانين ألفاً من الجنود البريطانيين المستعمرين على ضفاف القنال ، وكانت تلك العمليات الفدائية تسير بالتوازي ، والتنسيق والتكامل مع تطور تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر ، العائد من حصار الفلوجة ، فقد كان الضباط الأحرار يشرفون على تدريب الفدائيين وتسليحهم والتنسيق بينهم والاشتراك في العمليات الفدائية ، نقول ذلك ، الآن ، للذين يحلوا لهم أن يشبهّوا ثورة 23 تموز "يوليو" بالانقلابات العسكرية الأخرى ، فالضباط الأحرار في مصر كانوا فصيلاً من فصائل الثورة التي امتدت فداء على ضفة القناة ، وثقافة في مشروع النهوض والتنوير ، وتحرراً من قيود التخلف ، ومن الاستلاب للتغريب في الوقت ذاته ... وامتلاك رؤيا شاملة لمواجهة قوى العدوان ومخططاتها ، من جهة ، وامتلاك عوامل المنعة والقوة ، من جهة أخرى ، فارتبط مشروع التحرر والتغيير والنهوض في مصر ، بمشروع النهوض والتحرر القومي العربي من المحيط على الخليج ...
( 8 )
نقصد من ذلك كله استخلاص نتيجة مركزية نبني عليها ، وهي أن التغيير في ظل ظروف معقدة ، كالتي تمّر بها مصر ، الآن ، وأمتنا العربية عموماً ، لا يتم إلا بنهوض بنيوي شامل لجميع مكونات المجتمع على الصعد كافة ، ففي ظرف معين ، قد يكون تصدي المجتمع بالمقاومة المسلحة والعنف في طليعة الأساليب ، وفي ظرف آخر قد يكون العصيان المدني في مقدمة تلك الأساليب ، وفي ظروف أخرى قد يتصّدر أسلوب المقاومة السلمية والعلنية ، وتعطيل آلية نظم الاستبداد وأجهزته ، الأساليب الأخرى ...
( 9 )
وبالعودة إلى تلك السنوات التي تلت معاهدة 1936 في مصر ، وللعلم فإنه ، وربما ليس بمحض الصدفة كان هناك معاهدات 1936 وبالتزامن في معظم الأجزاء العربية المحتلة الأخرى في فلسطين وسورية والعراق و.... نقول بالعودة إلى تلك السنوات في مصر ، نجد تعدّد وتنوّع الأساليب التي أبدعها الشعب العربي في مصر ، لمقاومة المستعمر الخارجي ، والطغيان الداخلي في الوقت ذاته مما اضطر القصر إلى إلغاء معاهدة 1936 ، وسقط التهويل ، على العكس من ذلك ، فإن القوات المستعمرة البريطانية لم تتمكن من الهجوم بعد إلغاء المعاهدة ... ، وإنما تم حصارها في ثكناتها من قبل طلائع الفداء العربي التي تشكلت على عجل ، واندفعت إلى القنال تحاصر المحتلين ، وتضعف قوى الاستلاب والخضوع للمخططات الاستعمارية ، وتمهّد الطريق ، في الوقت ذاته ، لثورة 23 يوليو "تموز" 1952 ...
لقد أطلق الشعب العربي في مصر على تلك السنوات التي أعقبت معاهدة 1936، وسبقت ثورة 23 تموز "يوليو" 1952 أنها سنوات الغضب ، ونحن الآن في سنوات الغضب التي تلت معاهدة "كامب ديفد" 1979 والتي تسبق ثورة الشعب العربي في مصر الذي سيحدد مواعيدها ، وكما كانت ثورة 1952 رافعة لمشروع النهوض والتحرر والتنوير القومي العربي التقدمي ، ستكون ثورة الشعب العربي في مصر للتغيير اليوم ، أوغداً ، رافعة أكثر قوة وشموخاً وصلابة ، وسيكون الشعب العربي بين المحيط والخليج ، والذي تمرّس في دروس التجارب المرة أكثر وعياً واستجابة واقدر على المساهمة القومية في مشروع النهوض والتحرر والتنوير القومي العربي الذي ، إما أن يكون قومياً عربياً تقدمياً ، وإما لن يكون أبداً ....
( 10 )
لهذا ، فإن ما يحدث في مصر ، هذه الأيام ، في منتهى الأهمية ، حيث القوى المضادة تسعى لتعبره بهدوء ، فيرحل الأب ، ويخلفه الابن ، أو أحد مخبريه ، ويبقى الحال على ما هو عليه ، وإما أن يضع الشعب العربي في مصر حداً لتلك المهزلة ... وينطلق التغيير من مصر ليشمل وطن العرب بين المحيط والخليج ...
الآن ، كيف يمكن أن نترجم هذا التلاحم الجماهيري العربي مع عرب مصر للخروج من المأزق الذي لا يوفر أحداً من العرب بين المحيط والخليج ...؟ .
أولاً : لابد من الاعتراف أن حال الجماهير العربية خارج مصر ليست أحسن حالاً ، بل ربما تكون في الغالب الأعم ، أكثر مأساوية ، لهذا فإن تلك الجماهير قد تكون بحاجة للعون ، وبالتالي ، فإن على جماهير مصر العربية أن تقلعّ أشواكها بأياديها ، فالجماهير العربية تنتظر المدد من التغيير الإيجابي في المركز العربي ، مصر ...
ثانياً : إن هذا لا يعني أن تستسلم الجماهير العربية خارج مصر للانتظار السلبي لما يحدث في مصر ، فالنظم الاستبدادية في الوطن العربي مترابطة ، وترضع من بعضها البعض ، وتتخذ من نجاح أسلوب معين في الاستبداد ، في جزء عربي ، ما ، وسيلة لتعميمه في باقي الأجزاء ، وبالتالي على الجماهير العربية مضاعفة نضالها للتخلص من الاستبداد في أجزاء الوطن العربي الأخرى ، لأن إضعاف الاستبداد في أي جزء من الوطن العربي يساهم في نضال الشعب العربي في مصر للتخلص من الاستبداد ... وتلك هي المساهمة التي ينتظرها شعب مصر العربي من الأشقاء العرب . والتي سيردّها رياح حرية تعمّ الوطن العربي ...
ثالثاً : الشعب العربي في مصر مدعو اليوم للاختيار ، وهناك من يقف خلف الأبواب لتزوير إرادته ، في مواجهة ذلك هناك من قرر المقاطعة لعدم وجود ضمانات ضد التزوير ، وهناك من قرر المشاركة لأن المقاطعة تعني إخلاء الساحة للمزورين ، ونحن نرى أن القضية أبعد أثراً من موضوع المشاركة أو المقاطعة ، فلا المشاركة في مجلس تشريعي لا يمتلك إرادة التشريع والقرار تجدي شيئاً ، ولا المقاطعة السلبية ستدفع النظام الاستبدادي للتخلي عن الاستئثار والتزوير ... ، لهذا فإن القضية الأساس تتمثل في تكامل الجهود وتكاتف المناضلين في مختلف المواقع لتغيير بنية النظام الاستبدادي من الأساس ، وانتزاع الحرية والإرادة والقرار ، وبدون ذلك فإن المشاركة غير مجدية ، كما المقاطعة ...
في سنوات الغضب التي أعقبت معاهدة 1936 المذلة ، وقبيل ثورة 23 تموز 1952 كانت جماهير الشعب العربي في مصر تفتتح المظاهرات والاعتصامات ، وهي تنشد :
الثورة يا مصر ... الثورة ع الذل ...... والاستعمار
بالدم لآخر قطرة بالروح ، بالمال ، بالنار
يا نعيش في مصر الحرة يا نموت موت الأحرار
الثورة يا مصر الثورة
حصون ........... الطغاة حتصبح ............ قبور
ودم .................. الغزاة حيجري ........... بحور
وراية النيل الخضرة بتنادي بلادنا الحرة
الثورة يا مصر الثورة
أما في سنوات الغضب هذه الأيام ، فسينشدون ، وسنردّد معهم :
.................. ....................
................ ....................
ونحن ، بانتظار من يملأ الفراغات ......
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 11-29-2010 08:54

على بساط الثلاثاء
102


يكتبها : حبيب عيسى



مصر :
سنوات الغضب ...










( 1 )
لقد اعتاد النظام الحاكم في مصر على تنظيم الانتخابات والاستفتاءات المعروفة النتائج سلفاً ، فنتائج الاستفتاءات في حدود التسعين في المائة ، وفي المجالس التمثيلية كانت كذلك ، لكن النظام تواضع مؤخراً ، ليعطي نسبة يحددّها هو لما يسميه المستقلين ، ورجال الأعمال ، والمعارضات ، ويتفنن في توزيع تلك النسب ، فتارة يزيدها يميناً لضرب اليسار ، وتارة أخرى يجنح إلى العكس ، لضرب القوى السياسية بعضها بالبعض الآخر ... ، وهذا كله يتم في ظل معاهدة "كامب ديفد" التي تكبّل إرادة مصر ، وحرية الشعب العربي فيها ، وفي ظل التخويف والإرهاب حتى من مجرد محاولة مناقشتها ، لأن "إسرائيل" ، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية ، ستفعل كذا ... وكذا ... ، والنظام يحاول اليوم تكرار التجارب السابقة في الانتخابات الحالية ، لكن الشعب العربي في مصر مدعو اليوم ، لوضع حد حاسم لتلك المهزلة ، وبالتالي ، فهو يسعى أولاً لوضع حد فاصل لتزوير إرادته : سواء بالمقاطعة ، أو بالمشاركة ، أو بالاعتصامات ، أو بالمظاهرات ، أو بالعصيان المدني ، أو بوسائل التعبير الأخرى ، وفي حال استمر النظام في غيّه ، فقد يطوّر الشعب أساليب مقاومته إلى ما لابد منه ، لأن الشعب قرر ، على ما يبدو ، وضع حد للتزوير ، مهما كلفه ذلك من ثمن ، طبعاً ، نحن نستثني أولئك الذين يشاركون باللعبة الانتخابية ، كلعبة متفق عليها مع النظام ، فهؤلاء زيل للنظام ، لا يستحقون الحديث عنهم ، أو أليهم ... ، وبالتالي ليس المهم من يفوز ، ومن لا يفوز ، لأن هذا المجلس ، وغيره ، في ظل الآليات الحالية لا قيمة فعلية له ، ولا قرار ، نجح من نجح وخسر من خسر ، فالمهم إذن ، هو تغيير آلية النظام الذي تتحكم فيه قوى غير مرئية أحياناً تنتج المافيات والفساد والإفساد والنهب والتبعية المطلقة لقوى الهيمنة الدولية ... والانتقال إلى دولة المؤسسات الديمقراطية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية والسيادة الحقيقية ، والإقليم القاعدة للقومية العربية ، ومشروعها النهضوي التحرري التوحيدي التقدمي ...
وإذا كان ما يجري في مصر اليوم سيقرّر ، ليس مصير مصر ، وحسب ، وإنما مصير الأمة العربية ، فإن صفقة معاهدة كامب ديفد التي عقدها نظام الردة والتزوير ، والتي توالدت منها : أوسلو ووادي عربة ، وينتظرون حملها بمواليد جديدة ، سيتقرر مصيرها في ساحة الصراع الدائر في مصر اليوم ، وبالتالي ، إما أن تدفن مع مواليدها ، وإما علينا أن ننتظر مواليدها القادمين بالتتابع ....
( 2 )
لهذا ، قلنا أن شعب مصر العربي يعيش اليوم سنوات الغضب ، وربما سنوات الثأر ، والثورة بمعانيها الشاملة ، ونحن مع اختلاف الظروف والأطراف والأساليب ، نشبّه ما يجري اليوم ، بما جرى قبيل ثورة 1952 عندما تصاعدت موجات الغضب الجماهيري ، واضطرت القصر والحكومة ، على مضد ، لإلغاء معاهدة 1936 وذلك قبيل الثورة ، عندها لم تقدم الحكومة على اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة الموقف ، لكن الشعب العربي في مصر ، وبدون إذن من أحد ، تقدّم يشكلّ كتائب الفداء التي اندفعت على الفور إلى منطقة القنال تهاجم معسكرات الجيش البريطاني الذي لم يعد عاجزاً عن التدخل لفرض المعاهدة ، وحسب ، وإنما بات محاصراً ، وعاجزاً عن مواجهة ثورة يوليو 1952 بعد ذلك ...
( 3 )
ونحن هنا سنعود إلى وثائق نشرها صبري أبو المجد في مجلة المصور القاهرية في ثمانينات القرن المنصرم ، وأهمية تلك الوثائق أن ناشرها ، ومكان نشرها ، وزمانه ، تمّ في ظل الردة ، وفي أوج سطوتها وسيطرتها على الأعلام ، يقول صبري أبو المجد : أن المستشار الأستاذ محمد عبد الرحمن حسين أباظة قد أودع عنده أوراقاً ووثائق فائقة الأهمية عن معارك الفدائيين في منطقة القنال عام 1951 ضد الجيش البريطاني ...
ينقل صبري أبو المجد عن تلك الوثائق ، أن المستشار محمد عبد الرحمن أباظة قد كتب يقول : كان من المفترض أن تكون الحكومة التي قررت إلغاء معاهدة 1936 قد اتخذت الإجراءات ، والتدابير لمواجهة الحالة ، وكان من المفترض أن تكون الحكومة قد استعدّت لحماية الشعب من اعتداءات القوات البريطانية ، وكان من المفروض أن تكون الحكومة قد رتبّت احتياجات الشعب في نضاله ضد قوات الاحتلال ، خاصة ، وأن النحاس باشا كان قد صرّح أن الحكومة قد أعدّت لكل شيء عدّته ، لكن الشعب الذي كان مستعداً لمواجهة كافة الاحتمالات أنتظر إشارة الحكومة لبدء النضال ضد القوات البريطانية الغاصبة ، ولكن الانتظار امتدت ساعاته ، وطالت أيامه ، والحكومة لا تزال تصطاف في الإسكندرية ، ولم تقم بأي إجراء لتهيئة الجو للكفاح أو لدفع حركة المقاومة ، أو حتى لاتخاذ أي إجراء لوقف اعتداء القوات البريطانية على أفراد الشعب في منطقة القنال ...
ويضيف المستشار محمد عبد الرحمن حسين أباظة في تلك الوثائق قائلاً : لكن الشعب لم ينتظر خطوة الحكومة التالية بعد إلغاء المعاهدة ، وإنما هبّ من تلقاء نفسه ، وبوحي من وجدانه وضميره لأداء الواجب ، ومواجهة الاحتلال ، ويقول صبري أبو المجد أنه عثر بين الأوراق والوثائق الخاصة بالمستشار محمد عبد الرحمن حسين أباظة على أوراق هامة وخطيرة عن "كتيبة محمد فريد" كتبها في حينه قائد تلك الكتيبة عصمت سيف الدولة ، التي تميّزت بأنها كانت الكتيبة الوحيدة التي حملت معها إلى القناة مكتبة ضخمة تضم الكثير من الكتب إلى جانب الأسلحة ، والمعدات ، والمؤن ، ما يعنينا ، الآن ، أن الذين يعرفون عصمت سيف الدولة مفكراً ومناضلاً قومياً تقدمياً وفيلسوفاً منظراً للثورة العربية ، عليهم أن يضيفوا إلى تلك المواصفات أنه كان مقاتلاً فدائياً يحمل السلاح بيد والكتاب باليد الأخرى ، ويتضح ذلك حتى من نظرته النقدية للعمل الفدائي من داخل ساحة الفداء ذاتها في تلك الأيام الحافلة بالنضال ...
( 4 )
لقد تقدّم الشعب العربي في مصر بعد إلغاء معاهدة 1936 إلى ساحات الفداء ، ففاجأ القصر والحكومة والمستعمر ، وحتى قيادات الكثير من الأحزاب ، الذين كانوا على قناعة أن الشعب "غلبان" ، وعاجز عن الفعل ، وبالتالي فإن الحكومة ذهبت إلى المصيف في الإسكندرية على أمل أن القوات البريطانية ستتحّرك لتفرض العودة عن قرار إلغاء معاهدة 1936 ، وعندها تعود الحكومة لتتراجع عن قرار الإلغاء تحت حجة أنها مرغمة على ذلك ، والعين لا تقاوم المخرز ... لكن الشعب قلب الطاولة على رؤوس الجميع ، واندفعت طلائع الفدائيين إلى منطقة القناة تحاصر معسكرات الاحتلال ...
( 5 )
لقد جاء في أوراق عصمت سيف الدولة ، كما عرضها صبري أبو المجد عن وثائق محمد عبد الرحمن حسين أباظة ، ما يلي : إن شباب الحزب الوطني لم يكن في حاجة إلى من يقول له ، ما يجب أن يفعله بعد إلغاء معاهدة 1936 ، ففي يوم الجمعة التالي ليوم إلغاء المعاهدة توجّه نفر منهم إلى الجامع الأزهر حيث اعتلوا المنبر بعد الصلاة ، وألقوا خطباً حماسية بالناس معلنين البدء بتشكيل كتائب التحرير الفدائية ، ووزعّوا مناشير تحمل هذا الاسم ، وتدعوا للتطوع فوراً ، وتعلن أن الحزب الوطني قد أعد العدة لتلقي طلبات التطوع في مقره بالدور الخامس من العمارة رقم 35 شارع قصر النيل ... ولم يكن مقره هذا سوى خمس حجرات تضيق بشبابه أنفسهم ، غير أن الدعوة انتشرت كاللهب ، وتبنتهّا جميع الهيئات والأحزاب ... ولم يلبث كل حزب ، أو هيئة أن أنشأ لنفسه كتائب للتحرير ، وتولى تدريبها ، وهذا ما باشره الحزب الوطني على الفور ، والذي ضاقت حجراته الخمس بالجموع المتدفقة من أبناء الشعب ، فلجأ الحزب إلى أحد ضباط الجيش وهو - سيد جاد – فأقام الحزب معسكراً في صحراء الهرم ، واستطاع أن يجمع من المال ما يكفي لشراء خمسة مدافع نوع "ستن" ، ويتابع عصمت سيف الدولة بيان ما حصل في تلك الأيام ، حيث يقول : كان طبيعياً جداً أمام هذا الحماس الدافق للشعب أن يختلط الحابل بالنابل ، ويتوه الجاد في زمرة المدعين ... وأن تندّس عناصر فاسدة ، ومغرضة في صفوف المتطوعين، لكن رغم ذلك كان من الطبيعي جداً ، أن لا يؤثر ذلك على حماس المتطوعين الذين كان اهتمامهم منصّباً على الفداء ، وأن لا يهم المتطوعين أنفسهم من الأمر كله إلا ما يتعلق برغبتهم الأكيدة في مقاتلة الإنكليز ... أما كيف ؟ ، وبأي سلاح ؟ ، وبأي مال ؟ ، وأين يقيمون ؟ ، وكيف ينفذوّن ؟ ... فتلك أسئلة لم يكن حماس الشعب هادئاً إلى الدرجة التي تسمح بالتفكير في هذا كله ، والواقع أن تلك كانت مهمة التنظيمات التي دعت على التطوع ، ولكن الفشل كان أكثر بكثير من النجاح ... فلقد قدمّت الأحزاب والهيئات آلافاً مؤلفة من المتطوعين في كتائب التحرير ، وألقت بهم على حدود المعسكرات الإنكليزية في مديرية الشرقية ومنطقة القناة ... وألقى الحزب الوطني بكتيبة مصطفى كامل في مستنقعات بحر البقر شمالي الإسماعيلية برغبة منه في أن تستطيع تلك الكتيبة أن تقطع الاتصال البري بين بور سعيد والإسماعيلية ، غير أن هذا كله كان أكثر مما تتحمله الحقيقة ، وأكثر مما أعد له ... التنظيم الحزبي : كانت الرغبات جامحة يذكيها حقد مرّكز على الإنكليز والعملاء ... كان للحزب الوطني فضل تأجيج ذلك الشعور ، ولكن الإمكانيات كانت محدودة ، أو تكاد ، وقد رأت منطقة القناة آلافاً من الشباب لا يملكون إلا أرواحهم القومية المتأججّة ، وأقل القليل من الأسلحة ، ولا شيء من التدريب الجدّي ... لكن هذا لا يقللّ من أهمية ما حصل ، فحتى تلك الفوضى كانت قد أزعجت الأعداء ، إزعاجاً شديداً ، فلم يكن يدور في خلد الإنكليز ، أو بخلد أي أحد ، أنه ليس وراء هذه الآلاف المؤلفة تنظيم قادر على الاستمرار ... وإمكانيات هائلة ، وقد عبرّت عن هذا الهلع إذاعات لندن ، والدول الأخرى التي كان واضحاً عليها الارتباك ، وسيطرّ عليها مزيجاً من الفزع والرهبة من جموع الفدائيين ، وكانت أضعف الحركات من قبل الفدائيين ، يتم تفسيرها من قبل تلك الإذاعات المعادية على أنها تدبيّر منظم وراءه قيادة موحدة قادرة على التعبئة والتنظيم ، وكان الخطر كله يكمن في أن تستمر تلك الحركة الفدائية دون أن تستكمل أوضاعها التنظيمية لتوفير عناصر الصلابة والاستمرار ، لأن ذلك سيكشف ضعف إمكانيات الفدائيين ، وبالتالي يقللّ من رعب المستعمرين ، وكانت تلك العناصر الضرورية للاستمرار ، تتمثل في :
1 – التدريب الجاد على أيدي أخصائيين .
2 – توفير القيادة العسكرية للمتطوعين .
3 – توفير الأسلحة ، والإقامة الدائمة للفدائيين ، ووسائل الإنفاق .
4 – حملة كبيرة لتوعية المتطوعين الفدائيين ، وتأهيلهم لصلابة الاستمرار الذي كان لازماً لمدة طويلة .
( 6 )
هكذا نلاحظ إدراك عصمت سيف الدولة المبكر لخطر عدم وجود التنظيم المؤسساتي ، الكامل الأوصاف ، والذي قضى حياته ، بعد ذلك ، للإعداد للتنظيم القومي العربي التقدمي .
نعود إلى الوثائق كما نشرها صبري أبو المجد نقلاً عن أوراق المستشار محمد عبد الرحمن حسين أباظة حيث تضمنت اليوميات التي كتبها عصمت سيف الدولة عن تأسيس "كتيبة محمد فريد الفدائية" التي قادها عصمت سيف الدولة ذاته ، ويوضح فيها علاقة الكتيبة الفدائية مع الضباط الأحرار ، يقول عصمت سيف الدولة : في شهر ديسمبر 1951 عرضت – أي عصمت سيف الدولة – رأيي في ضرورة توفير مستلزمات التنظيم على أحد ضباط الجيش – عبد المجيد فريد "ضباط أحرار" – ، وركزّت على ضرورة الإعداد للاستمرار في قتال الإنكليز ، لأن الاستمرار في قتال الإنكليز ، والاستمرار وحده ، ولو بأقل الأسلحة ، وأقل عدد ، وأقل عمليات ، وأقل تضحيات ، هو العنصر الحاسم في المعركة ، وأوضحت له ، أنني – أي عصمت سيف الدولة – لا أعتقد أن للمعركة مدلولاً عسكرياً مهماً ، وأن مدلولها سياسي ، فلن يستطيع المتطوعين الفدائيين أن يدخلوا معركة مكشوفة ضد 80 ألف جندي بريطاني في قاعدة القنال ، ولكن الفدائيين يستطيعون أن يجعلوا حياة أولئك الجنود المستعمرين لا تطاق بالعمليات المستمرة ، والمتلاحقة ، لأن ذلك وحده ، سيحيل القاعدة البريطانية إلى سجن لثمانين ألف جندي بريطاني ، ويفقدها بالتالي أية قيمة عسكرية ، كما سيفتقد الجنود البريطانيين ، للأمن ، وهذا وحده كفيل بتحقيق الجلاء ، ويضيف عصمت سيف الدولة ، فيقول : لقد وافقني عبد المجيد فريد الرأي ، وقال أنه سيعرّفني بمن يستطيع أن يضع كل هذا موضع التنفيذ ، وبعد يومين قدم إلي عبد المجيد فريد ، وبصحبته ضابط كبير هو – رشاد مهنا – فأعدت عليهما رأيي ، وبعد تمعّن طلب إليّ رشاد مهنا ، أن أقدّم حلاً تطبيقياً ، فاقترحت أن نبدأ بتشكيل وحدة مختارة من متطوعي ، وأبناء الحزب الوطني في حدود خمسة عشر شخصاً ، وأن يتولى الجيش نفسه تدريبهم النظري على أعمال النسف والتفجير ، وتدريبهم في معسكرات الجيش ذاتها ، وأن يتم تعيين قائداً عسكرياً للمجموعة ، وان توّفر لها الإمكانيات المادية ، للإقامة المستمرة ، وأن تنظمّ لها محاضرات سياسية في قلب المعركة ، وقد كان ...
( 7 )
لقد اخترت – أي عصمت سيف الدولة – من بين شباب الحزب الوطني 11فدائياً جذبني إليهم أن رأيهم كان ضد كثرة المتطوعين وقلة التدريب ، وأنهم كانوا على قدر من الثقافة يضمن أن يكون حماسهم للمعركة شاملاً لإدراكهم حقيقة المعركة ومقتضياتها ، واتفقت معهم على تشكيل كتيبة خاصة ، وأن يتكتمّوا الأمر ... حتى لا تعتبر هذه الكتيبة دعوة ضد الحركات التي كانت قائمة ، والتي كانت تؤدي – على وجه أو آخر - دوراً في إزعاج القوات المحتلة ، وهكذا تم تشكيل نواة كتيبة محمد فريد في مكتبي – أي مكتب عصمت سيف الدولة – بميدان المبتديان في القاهرة ، وحضر رشاد مهنا الاجتماع التأسيسي ، وألقى كلمة ، وقام بتعيين مدرب نظري على استعمال المفرقعات يلقي عليهم دروسه مساء كل يوم في ذات المكتب ، وطبعنا الدروس ووزعناها عليهم ، وأصبحت الدراسة النظرية جادة ومنتظمة ، ثم فتحت لنا أبواب ساحات التدريب في سلاح المدفعية ، ثم في سلاح المهندسين ، وأصبح التدريب النظري والعملي يتمان يومياً : العملي في الصباح ، والنظري في المساء ، وبعد اختبار أخير ، سألت رشاد مهنا : وماذا بعد ؟ .
( 8 )
يتابع عصمت سيف الدولة وصف ما حدث ، فيقول : لقد أعطاني رشاد مهنا عنواناً لأحد المحامين في شارع إبراهيم وسط القاهرة ، للاتصال به ، فعنده الجواب على السؤال الذي طرحته عليه ... وذهبت إلى العنوان فإذ بي أمام مكتب المحامي الأستاذ المستشار محمد عبد الرحمن حسين أباظة ، وهناك عرفت أن ما كان يجول بخاطري ، كان يجول بخواطر الكثيرين ، وأن كتيبة محمد فريد المنظمة ، ليست الكتيبة المنظمة الوحيدة ، وأن مكتب المستشار محمد عبد الرحمن حسين أباظة ، كان مركزاً للاتصال بين جميع المناضلين الجادين الذين يرون في المعركة أكثر من مجرد مظاهر ، والمحامي محمد عبد الرحمن حسين أباظة هو من أبناء الحزب الوطني ، أيضاً ، ومن تلاميذه ... وهناك أيضاً – يقول عصمت سيف الدولة - تعرّفت على الضابط وجيه أباظة "ضباط احرار" ، حيث أبلغنا أنه القائد العسكري لكتيبتنا ، كتيبة محمد فريد ...
( 9 )
ونتابع القراءة في أوراق عصمت سيف الدولة ، حيث انتقلت كتيبة محمد فريد من مرحلة التدريب والإعداد ، إلى مرحلة العمليات الفدائية المباشرة ضد قوات الاحتلال ، فنجده يوصّف ما جرى حيث يقول : في أحدى الأمسيات حملنا القطار إلى الشرقية ، لقد كانت لحظة مفعمة بالعاطفة الجياشة ... ثم توجهنا من الزقازيق إلى أبو حماد ، ومنها إلى قرية صغيرة على حدود المعسكرات البريطانية ، وكانت في الأجواء طائرة استكشاف تراقبنا من أعلى ، لكن على ما يبدو أن طاقم الطائرة ظنّ أن سيارة الجيب التي كان يركبها وجيه أباظة ، وأنا معه تابعة للقوات المسلحة ، فلم تتعرّض لنا ، لكن ما أن استقر بنا المقام ، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة مساء ، حتى وجدنا سيارة "بوكس" للبوليس قادمة باتجاهنا مسرعة ، وفيها ضابط بوليس تابع لمركز أبو حماد ، حيث ترّجل الضابط ، وطلب إلينا الصعود فوراً إلى "البوكس" ، وتم الانطلاق بنا – كالخطف – إلى أبو حماد نفسها ، حيث تم وضعنا في أحد المنازل ، وُطلب إلينا عدم الظهور ، وفي الصباح عرفنا أن المكان الذي تمّ نقلنا منه في المساء السابق ، قد اقتحمه الأنكليز في الفجر بقوات كبيرة ، وأننا نجونا بأعجوبة ، وكان هذا مثيراً ، فقد اعتبرناه – ونحن في شوق إلى المعارك – أول معركة لنا ، وعرفنا ما هو أكثر إثارة ، أن الذي أنقذنا كان ضابط بوليس ، والسيارة التي حملتنا سيارة حكومية ، والضابط نفسه الذي قام بتهريبنا ، كان يقوم بدور ضابط اتصال بين السلطات المصرية وبين القوات البريطانية ، وعن هذا الطريق عرف أن الأنكليز سيقتحمون المنزل الذي كنا نقيم فيه ، فقام على الفور ، وبمبادرة ذاتية ، بتهريبنا بسيارته قبل اقتحام المكان بساعات قليلة من قبل القوات البريطانية ، إلى مكان آخر ، إذن ، ففي المعركة ليس رشاد مهنا قائد المدفعية وضباطه ، وليس أبناء الحزب الوطني ، وحسب ، بل أن كل مواطن أتيحت له الفرصة للإسهام في المعركة يسهم فيها بكل طاقته ، وبمبادرة ذاتية ، ودون أن يطلب منه أحد ... ، إن هذا الشعور بأننا لسنا وحدنا قد أزال نهائياً تهّيب الموقف ، وهنا ، يقول عصمت سيف الدولة ، اقترحت على وجيه أباظة أن ننتقل إلى خارج أبو حماد ، فقد كان وجودنا في بلدة عامرة بالسكان والمقاهي وغيرها ، أدعى إلى إفساد كل شيء ، وكشف تحركاتنا ، فانتقلنا إلى منزل في "الهرية" قرب الزقازيق مملوك لأحد أعيان المنطقة "أحمد أبو الذهب" ، وهناك عشنا عيشة قاسية ، وممتعة معاً ، قاسية لأننا كنا في عزلة تامة لا يعرف عنا أحد شيئاً ، وليس مسموحاً لأحد منا أن يذهب إلى الزقازيق ... وقاسية لأن المعيشة كانت غير متوافرة في أول الأمر ، وقاسية لأننا قضينا فترة لم نحاول فيها ، ولو مجرد محاولة أن نخوض معركة من أي نوع ، وقد انتهزت الفرصة وقمت بالشيء الوحيد الذي أتقنه ، وفتحت صناديق مكتبة كتيبة محمد فريد ، فقد كانت كتيبة محمد فريد ، فيما أعلم ، هي الكتيبة الوحيدة التي حملت معها إضافة إلى الأسلحة والذخائر والمؤن ، مكتبة سياسية ، وهناك قضينا أغلب الوقت في القراءة ، والمناقشات ، وتفتحّت أذهاننا على الأكثر من مجرد المعرفة البسيطة للقضية الوطنية ، وامتدت بنا الآمال النظرية إلى أن نفعل كما فعل غيرنا في بلاد كثيرة : فنطهّر القنال ، ثم نطهّر القاهرة ، و .... ، إلى أن يقول عصمت سيف الدولة : أن حضورنا إلى الشرقية ما هو إلا جزء من خطة موجهّة ضد الفساد في القاهرة ، وأن أمثال رشاد مهنا ، والضباط الذين نتعاون معهم ، وكل الناس الكبار الذين قابلناهم ، من هذا الرأي ، ويميلون إليه ... فارتفعت الروح المعنوية إلى الذروة ، وأصبحت الإقامة متعة حقيقية – هكذا اقتنعنا – أننا في بداية آمال وطنية عريضة تتجاوز معركة القنال بكثير ....
هكذا زرع الفدائيون أرض القنال بالشهداء ، وباتت المعسكرات البريطانية تحت الحصار ، وانطلقت الملاحم البطولية عمليات فدائية تدمي العدو في كل مكان من السويس إلى بور سعيد ، ثم بعد أشهر قليلة تقوم ثورة 23 يوليو 1952 ولم يكن أمام العدو المستعمر إلا أن يسعى لعقد اتفاقية الجلاء ، والمغادرة ، وعندما فكرّ بالعودة عام 1956 لاقى ما يستحق ...
( 10 )
نعم ، إن مصر اليوم في أيام الغضب ذاتها من جديد ، الظروف الموضوعية مختلفة ، الأطراف متعدّدة ، السفارة الأمريكية أخذت مكان السفارة البريطانية ، وحسني أقل شأناً بما لا يقاس من فاروق ، والأساطيل الأمريكية حلتّ مكان القواعد البريطانية ، وأعيان الفساد والمافيات هذه الأيام أكثر قذارة وتوحش بما لا يقاس من أعيان وفساد الحاشية الملكية ، وكامب ديفد أكثر خطراً بما لا يقاس من معاهدة 1936 ، ولهذا كله فإن الشعب العربي في مصر أمام ذات المهام ، ويناضل في سبيل ذات الهداف ، فالغائية هي ، هي ، تحرير مصر من التبعية ، ومن الفساد ، ومن الهيمنة ، ومن الاستبداد ، ومن كامب ديفد ، لتعود مصر منارة مركزية للحرية والنهوض والتنوير في الوطن العربي ، وما تمكن منه 18 مليون عربي في مصر خلال خمسينات القرن المنصرم ، لن يعجز عنه 80 مليوناً من العرب المصريين يتشوقون ، لتحرير أرض الكنانة اليوم ....
حبيب عيسى
E-mial:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-06-2010 10:58

على بساط الثلاثاء
103

يكتبها : حبيب عيسى

المعارضة العربية بين الداخل ، والخارج :
نحن ...
ودولة الولايات المتحدة الأمريكية
نموذجاً ...!






( 1 )
يكاد الحديث في الوطن العربي لا ينقطع ، هذه الأيام ، عن علاقة الأحداث الجارية في الوطن العربي ، بالداخل العربي ، أو بالخارج الإقليمي والدولي ، ثم تتعدّد الرؤى ، بعدد المصادر الصادرة عنها ، فلكل طرف في الوطن العربي ، في هذا الزمن الصعب ، داخله الخاص والمحدود الذي يدافع عنه مطلقاً ، وداخل آخر يرفضه إطلاقاً ، ويرشقه بشتى التهم ، والنعوت ...، ولكل طرف في الواقع العربي خارجه الخاص الذي يفاخر بالعلاقة معه ، والسير في ركابه ، وتبنيّ عقائده ومخططاته مطلقاً ، وخارج آخر يرجمه بالإطلاق ، ويلقي على كاهله كافة أوصاف الهجاء ، وجميع أشكال العدوان ، وحتى لا نبالغ بجلد الذات ، فإن هذه الحالة تعبّر عن واقع أية أمة مستلبة الإرادة ، مقطعّة الأوصال ، تقرّ السلطات المتحكمة فيها علناً بالتسليم أن القرار بيد القوى الخارجية ( الرئيس أنور السادات كان قد أعلن صراحة أن 99 بالمائة من أوراق اللعبة بيد دولة الولايات المتحدة الأمريكية ) ، فالأمة العربية ، الآن ، كما كانت في العصر الإمبراطوري الروماني والفارسي والحبشي فاقدة للكيان الاعتباري الذي يمكن أن يقرّر باسمها ، حيث لا مؤسسات دولة قومية : لا تنفيذية ، ولا تشريعية ، ولا قضائية ، ولا مؤسسات مجتمع عربي : لا أحزاب ، ولا جمعيات ، ولا هيئات قومية من أي نوع سياسي ، أو ثقافي ، أو اجتماعي ، أو اقتصادي ، وبالتالي لا يمتلك أحد في الوطن العربي الشرعية القومية ، ليقول : نحن الأمة العربية نقرّر كذا ... في الموضوع كذا ... ، أو في أي موضوع آخر ... وفي مثل هذه الحالة فإن رؤساء القبائل كانوا يحتمون بإحدى القوى الإمبراطورية الإقليمية ، أو الدولية ، ويستقوون بها على القبائل الأخرى ... الجديد ، المعاصر ، أن تلك القبائل تم استبدالها اليوم بما يسمى " دول " ، وسلطات .
( 2 )
والغريب المأساوي في هذا الموضوع أن كل فريق في الواقع العربي المأزوم يرمي الفريق الآخر بشتى تهم التخوين والارتهان للخارج وتنفيذ مخططاته والتآمر معه ، فيتلقى الرد باتهامات مماثلة عن ارتهانه هو أيضاً ، لخارج آخر ، وهكذا ... فلكل طرف ما يدين به الآخر ، وفي الوقت ذاته غارق بما يدان به ... والقضية من وجهة نظري تتعلق بعجز الجميع سلطات وسلطات ، معارضات ومعارضات ترمي بعضها بعضاً بشتى الاتهامات ، ترفض أي شكل من الحوار فيما بين بعضها بعضاً ، وترفض الاعتراف بالآخر مطلقاً ، وتصدر بحقه كل ما يخطر على البال من التخوين والتكفير وهدر الدم ...، بينما تنصاع للقوى الخارجية بكل طاعة وطواعية مقابل الحفاظ على مصالحها ، أو مناصبها في مواجهة الآخر ....
إنه صراع عبثي مدمّر للأمة ، وللأطراف العربية المتصارعة ، حاكمين وحاكمين ، معارضين ومعارضين ، حاكمين ومعارضين ، ولن يخرج منه منتصر ، الجميع ضعيف ، ومستلب الإرادة والقرار ، والأمة في النتيجة بشراً وحجراً وإمكانيات بشرية ومادية في خدمة تقدم الآخرين ، وتخلفها هي ...
( 3 )
في مطلع القرن الواحد والعشرين كان هناك بصيص أمل بتغييّر الحال في الوطن العربي عبر حوار جاد بين الحاكمين والمحكومين ، ووضع حد للقطيعة ، والقطع السائد بينهما ، وقد كان رأيي ، وما يزال ، أن الخارج السلطوي والمخابراتي والذي يرعى مصالح هائلة لاحتكارات وقوى خارجية ذات نفوذ في الوطن العربي هو العدو العنيد لأي تغيير ديمقراطي في الوطن العربي ، وحتى لأي حوار جدي بين الحاكمين والمحكومين في الوطن العربي ، لأنه بتأجيج الصراع الداخلي يسعى إلى الحصول على إضعاف الجميع ، وبالتالي تبعية الجميع ، وأنا هنا أفرّق بين الخارج السلطوي المرتبط بمشاريع الهيمنة والاستغلال ، وبين المجتمع المدني العالمي الذي بدأ يتحسّس الجرائم التي ارتكبها ، ويرتكبها نظام الهيمنة الاستعماري الذي تطور إلى الأشكال المعاصرة ...
( 4 )
في تلك الأيام 2000 /2001، انطلق في "الإقليم الشمالي" ما عرف ، فيما بعد ، "ربيع دمشق" ، وهو في حقيقة الأمر ليس أكثر من محاولة للتأسيس لحوار جاد بين الحاكمين والمحكومين عبر المنتديات ، حيث وللمرة الأولى منذ عقود يجلس الحاكمين والمحكومين إلى جانب بعضهم بعضاً يستمعون إلى الرأي الآخر ، ويردون عليه ، صحيح أن بعض الردود كانت عنيفة من الجانبين ، لكن هذا كان طبيعياً بعد فترة انقطاع طويلة ، لكن ذلك الحوار كان يتجه إلى الموضوعية وتفهم الآخر ومخاوفه مع كل يوم يمر ... ، وأنا مازلت أصّر على أن وأد تلك التجربة قد أفقد الحاكمين والمحكومين فرصة نادرة للتفاهم كانت محصلتها النهائية ستصّب في محصلتها النهائية ، لصالح الوطن بحكامه ومحكوميه ...

( 5 )
على أية حال ، كنت في تلك الأيام طرفاً في ذلك الحراك ، وفي الشهر الخامس من عام 2001 زارني مراسل التايمز الأمريكية في "الشرق الأوسط" وكنت قبل شهر من ذلك في زيارة لبغداد ضمن "اللجنة العربية السورية لرفع الحصار عن العراق" حيث اطلعت على الفظائع التي ارتكبتها دولة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق إبان "حرب الخليج الأولى" ، وكنت في أقصى درجات الغضب ، لذلك ما أن استقبلت الضيف حتى استأذنته في تسجيل الحديث الذي سيدور بيننا منعاً لأي التباس في الترجمة ، وقررت بيني وبين نفسي أن أجيب مبكراً على السؤال الذي طرحته الإدارة الأمريكية بعد أشهر قليلة من ذلك اللقاء : لماذا يكرهوننا ؟ ، لقد حاولت أن أقول له لماذا نكره السياسة الأمريكية ، فهل وفقت ؟ ، ساترك الجواب لكم ، ولهذا استأذنكم الآن لوضع هذا اللقاء بحرفيته على "بساط الثلاثاء" ، وكما تم نشره في حينه :
( 6 )
( نثبّت ، هنا ، نص الحوار ، الذي أجراه السيد ، مارك ماثيوس ، مراسل منطقة الشرق الأوسط ، لصحف : "البالتيمور – صن" التابعة للتايمز الأمريكية ، و"التايم ميرور" ، و"النيوز بيبر" ، الأميركية ، مع السيد حبيب عيسى ، الناطق الرسمي ، باسم "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي" ، بدمشق ، وذلك في الساعة /21/ من مساء يوم الأربعاء : 3 / 5 /2001 . وقد قام بترجمة هذا الحوار ، السيد جورج بغدادي ، مدير مركز "الشام للصحافة" . وهذا نص الحوار :
السيد مارك ماثيوس : لقد حضرت ، إلى دمشق ، لتغطية زيارة قداسة البابا ، لدمشق ، وبما أنني هنا ، فقد أحببت أن أستغل الفرصة كي أعرف ما هي التغييرات التي حدثت في سورية منذ أن استلم الرئيس بشار الأسد رئاسة الجمهورية ، وما هو إحساس الناس هنا ؟ وأريد أن أسألك تحديداً عن منتدى جمال الأتاسي، ما هي الأهداف؟ وماذا حصل في الأيام الأخيرة ؟
السيد حبيب عيسى : أولاً ، أرحب بالسيد مارك ، في بلادنا، و أنا كمواطن عربي يلتقي ، للمرة الأولى بشخصية إعلامية أمريكية مرموقة ، أشعر بالأسف الشديد لأن حكومة دولة الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ فترة طويلة تقود جميع معارك العدوان على الأمة العربية .. نحن ... ، أرضنا محتلة في الجولان، والأسلحة التي تحتل الجولان ، هي أسلحة أمريكية .. العراق ، ضرب ويضرب بأسلحة أمريكية .. لقد كنت في بغداد منذ أيام، شاهدت الجريمة التي ارتكبها جيش دولة الولايات المتحدة الأمريكية.. لقد اختنقت برائحة شواء الأطفال ، في ملجأ العامرية ، ببغداد، أكثر من أربع مائة طفل..قضوا نحبهم ، لماذا..؟ شاهدت التشوهات على أطفال العراق. في فلسطين يقتل أطفالنا ، و إخوتنا أيضاً ، وبأسلحة أمريكية. نحن نستغرب لماذا تقف دولة الولايات المتحدة ، ضد أمتنا بهذه الطريقة .. نحن ، لسنا بائعي نفط ، نحن نصدّر حضارات.. قداسة البابا ، قادم ، هنا ، إلى مركز الحضارة. لماذا يضرب مركز الحضارة ، بهذه الوحشية. من حقنا ، أن نعيش ، وأطفالنا حياة أفضل .. إننا لا نستطيع ، أن نتحدث عن حقوق الإنسان ، قبل أن نتحدث عن حقنا في تقرير مصيرنا. إن كل المظالم التي تقع على شعوب العالم الثالث ، تشترك دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، فيها ، حتى بتفصيلات الاعتداء على حقوق ، كل ، إنسان في الوطن العربي، حتى النظم التي تعتدي على حقوق الإنسان في الوطن العربي ، هي ، من صناعة دولة الولايات المتحدة الأمريكية.. هل النموذج السائد للسلطات الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية في الوطن العربي ، هو النموذج الديمقراطي الذي تريد أن تفرضه دولة الولايات المتحدة على العرب؟
ضمن رؤيتنا الشاملة ، هذه ن نحاول في سورية ، أن نتطور ، وأن نصل إلى صيغة مع شعبنا، مع حكومتنا، لتحسين أوضاعنا، وإطلاق طاقات شعبنا، وتحسين الأداء للمؤسسات الأهلية ، في المجتمع .
أريد ، أولاً ، أن أخبرك ، أنني كنت بين مجموعة من المحامين أصدرنا بياناً ضد اعتداء دولة الولايات المتحدة على العراق عام 1991، و أنني كنت ضمن الجموع الشعبية التي هاجمت سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية بدمشق عام 1998. إننا نرغب ، أن تكون دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، دولة داعية لحقوق الإنسان، ومدافعة عنه ، وأن لا تكون هي المعتدية عليه.
نحن ، هنا ، سنعرف كيف سنتدبر أمورنا، ونأمل أن يكف الملحق الثقافي في سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية بدمشق ، عن التدخل في شؤوننا. في هذا المجال ، فإن منتدى جمال الأتاسي ، قد ، ولد ، في سياق الحراك ، الذي بدأ في سورية منذ حوالي عشرة أشهر لبناء مؤسسات ،مدنية ، وأهلية في المجتمع. حركة واسعة لمنتديات عديدة تأسس ضمنها منتدى جمال الأتاسي للدفاع عن الثقافة العربية، وعن حقوق الإنسان العربي، ومقاومة العدوان الصهيوني، وحق عرب فلسطين في كل فلسطين، وحق اليهود العرب في أن يعودو ا إلى بيوتهم في دمشق وبغداد و الرباط ، وحق اليهود المرتزقة الذين استقدمهم المستعمرون من الخارج في العودة إلى البلدان التي جاؤوا منها في روسيا وبولندة وأوروبا و أمريكا وسواها . باختصار شديد، حق الفلسطيني في العودة إلى ديارهم مقابل حق اليهود بالعودة إلى ديارهم أيضا ، لا أكثر من ذلك و لا أقل .
السيد ماثيوس: في العشرة أشهر الأخيرة كيف تطور منتدى جمال الأتاسي؟
السيد حبيب: نحن مازلنا في مرحلة التأسيس . هناك حضور جماهيري لافت للمحاضرات التي يقيمها المنتدى.. يتمسك الحاضرين ، والمحاضرين ، على السواء ، بالثوابت الوطنية ، والقومية ، للأمة العربية. أرجو أن تعلم بدقة ، أن مسألة حقوق الإنسان في وطننا ، لا يمكن فصلها عن مسألة رفع الهيمنة الأمريكية والصهيونية عن الوطن العربي . باختصار شديد نقول : بقدر ما تنحسر الهيمنة الأمريكية الصهيونية عن الوطن العربي ، بقدر ما نأخذ ، نحن ، كبشر حقوقنا على الأصعدة كافة.
السيد ماثيوس: منذ حوالي أيام كان من المفترض أن يعقد اجتماع لمنتدى جمال الأتاسي ، لكن السلطات دعت إلى منعه ، ما السبب في ذلك؟
السيد حبيب: يوم الأحد الفائت 29/4/2001 لم يكن اللقاء لمنتدى جمال الأتاسي، كان اللقاء لمجمل المنتديات في سورية ، حوالي/25/ منتدى من كل أرجاء سورية .. السلطات في سورية منعت هذا اللقاء ، ربما لخطأ في إدراك طبيعته "نحن نعتمد دائما حسن النية". كان الهدف من اللقاء ، هو ، أن تبحث هذه المنتديات بتقييم مرحلة الأشهر العشرة المنصرمة.. أين كان الخطأ..؟ أين كان الصواب..؟
السيد ماثيوس: الخطأ من من؟
السيد حبيب: من كل الأطراف. لكننا ، سنواصل الدعوة، وأعتقد أننا سنصل إلى صيغة ، لعقد هذا اللقاء ، في المستقبل القريب.
السيد ماثيوس: هل ستشارك في هذا اللقاء؟
السيد حبيب: نحن ، الذين سندعو إليه.
السيد ماثيوس: ما هو عدد الحضور؟
السيد حبيب: الطاولة المستديرة كانت ستضم حوالي/ 20/ منتدى، وكان هناك عدد كبير من المراقبين ، سيحضر.
السيد ماثيوس: إذن ، ما هو العدد الإجمالي؟
السيد حبيب : بين ، الـ 50 ، والـ 70 شخصية.
السيد ماثيوس: هل كان هناك بيان محدد؟
السيد حبيب: كان هناك جدول أعمال ، البحث في واقع المنتديات ، ومستقبلها، والبحث في السبل الممكنة لتطوير الأداء.
السيد ماثيوس: بالنسبة للواقع، ولمستقبل المنتديات، هل كان لديكم فكرة ستطرحونها على المنتديات؟
السيد حبيب: كانت الفكرة الأساسية هي البحث في وضع هذه المنتديات تحت سقف القانون، وأن تتحول هذه المنتديات إلى حاضنة لحوارات جدية في سورية بين مختلف فئات شعبنا لإنتاج الحياة السياسية المناسبة لمجتمعنا.
السيد ماثيوس: وضع المنتديات تحت سقف القانون، هل هذا يعني تحويل تلك المنتديات إلى أحزاب سياسية؟
السيد حبيب : لا، هناك فرق بين المنتديات و الأحزاب السياسية.
السيد ماثيوس : لقد قلت ، أن الفكرة الأساسية هي وضع المنتديات تحت سقف القانون ، لإنتاج حياة سياسية.
السيد حبيب : المنتديات تنتج حياة سياسية، وليست هي الحياة السياسية. المنتديات تبحث في أصول الثقافة والفكر، بينما الأحزاب تحمل نظريات محددة. نحن هنا في سورية نسعى لأن تكون هناك حرية أحزاب، ومنتديات، و جمعيات، و إلخ.
السيد ماثيوس: إذن، أنتم لا تريدون تأسيس حزب، و إنما تسعون فقط لتنظيم موضوع المنتديات؟
السيد حبيب : نعم .
السيد ماثيوس: بطريقة رسمية.
السيد حبيب : نعم .
السيد ماثيوس: حتى الآن ، هذه المنتديات يدعى إليها داخل البيوت، هل يمكن أن تحدث هذه اللقاءات ، في أماكن عامة؟
السيد حبيب: عندما سنحصل على تراخيص قانونية ، سيصبح هذا ممكناً ، سيكون لهذه المنتديات مقراتها ، ومكاتبها.
السيد ماثيوس: الاجتماع الذي كان مقرراً يوم الأحد 29/4/2001، في منزلك ، هل كان هو الأكبر، هل كان الوحيد الذي سيجمع المنتديات؟
السيد حبيب: نعم، كان هذا اللقاء هو المحاولة الأولى لجمع هذه المنتديات، ذلك أن أحد أهداف تأسيس منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي بدمشق أن يكون واسطة تنسيق بين المنتديات.
السيد ماثيوس: هل تشكل حضرتك ، أي تهديد للسلطة؟ وهل السلطة تظن أنك تشكل تهديدا عليها؟
السيد حبيب : عن الشق الأول من السؤال، أقول ، لا أظن أنني أشكل تهديدا لأحد. عن الشق الثاني من السؤال ، فلتسأل السلطة.
السيد ماثيوس: من ، هي ، الجهة التي تظن أنها ، هي تحديداً ، التي منعت ذلك اللقاء، والتي تحد من نشاط المنتديات ؟ هل هي المخابرات ؟ هل هي القيادة السياسية ؟
السيد حبيب : لا نعرف.
السيد ماثيوس: هل أنت الذي تلقيت أمر منع هذا اللقاء؟
السيد حبيب: لقد تم تبليغ ممثل المنتدى لدى الجهات الرسمية ، بذلك.
السيد ماثيوس: من ، من ، يتألف منتداكم ؟
السيد حبيب: مجموعة شخصيات مستقلة، وربما بعضهم ينتمون إلى أحزاب مختلفة، وينتمون إلى ثقافات ، و أيديولوجيات مختلفة..
السيد ماثيوس: أيضا وجهات نظر سياسية مختلفة؟
السيد حبيب: نعم .
السيد ماثيوس: ما هو البرنامج الذي يعتمده منتدى جمال الأتاسي؟
السيد حبيب : المنتدى يهدف إلى حرية العمل السياسي، وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة ، والنشر، و الديمقراطية ، والانتخاب.. كل هذا ضمن إطار الدفاع عن الوطن في مواجهة الصهيونية، وتحرير أرضنا في الجولان، وتحرير فلسطين، ورفع الحصار عن أهلنا في العراق، و الدعوة إلى الوحدة العربية .
السيد ماثيوس: أنا أفهم الديمقراطية ، على أنها تعبير الناس عن نفسها ، إذا كنت مختلفا معهم ، أم لا.. وأن لهم الحق ، أن يقولوا رأيهم ، سواء كنت أحبهم ، أم أكرههم . هل هذه نظرتك إلى الديمقراطية ، كما ترغب أن تحدث في سورية ؟
السيد حبيب : نعم، هذه نظرتي للديمقراطية ، ولكنني على قناعة أن الشعب العربي لن ينعم بالديمقراطية طالما أن "دولة إسرائيل" موجودة. إن وجود دولة إسرائيل ، هو أحد أهم المرتكزات لوجود واستمرار نظم الأستبداد في الوطن العربي ،وبالتالي فإن هذا الوجود هو الذي يحرمنا حقنا في الديمقراطية ، و الحياة الكريمة.
السيد ماثيوس : بغض النظر عما يجري في سورية ، تعتقد أن الديمقراطية لن تتحقق طالما أن إسرائيل موجودة ؟
السيد حبيب : الديمقراطية بالمفهوم الشامل الذي تحدثت ، فيه ، أنت ، لن تتحقق ، ونحن تحت الاحتلال. نحن كعرب الآن نشعر أننا تحت الاحتلال.. نحن في مرحلة تحرر وطني .. شركات النفط الأمريكية ، ودولة إسرائيل يحتلون وطننا، ويحولوننا إلى عبيد.. ومن الصعب أن ينعم العبيد بالديمقراطية.
السيد ماثيوس: شركات النفط الأمريكية ، ودولة إسرائيل يستعبدونكم؟
السيد حبيب: نعم ، نحن ثرواتنا منهوبة، وبالنسبة للناهبين يجب أن نبقى تحت الضرب بكل الوسائل ليستمر ذلك النهب.
السيد ماثيوس: بالنسبه للحكومة الحالية في سورية ، هل هي متأثره بالسياسة الأمريكية ؟
السيد حبيب: المنطقة كلها تتعرض للعدوان الأمريكي .
السيد ماثيوس: هل تعتقد أن الولايات المتحدة تعمل لإجهاض الديمقراطية في سورية ؟
السيد حبيب : نعم .
السيد ماثيوس : كيف؟
السيد حبيب : أنا ، كمراقب ، أرى أن كل أشكال العدوان، ليس على الشعب العربي فقط ، وإنما على كافة شعوب العالم الثالث ، وأن جميع الممارسات التي تمت ضد الشعوب وحريتها وديمقراطيتها، تمت بفعل مباشر أو غير مباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو أجهزة مخابراتها.
السيد ماثيوس: كيف تمارس أمريكا هذه السياسة على سورية؟
السيد حبيب: سورية الآن في حالة حصار، أرضها محتلة، ومهددة بعدوان "إسرائيلي" في أي وقت.. في ظل هذه الظروف لا نستطيع ، أن نمارس حياتنا الطبيعية ، وفي ظل الظروف الإستثنائية، تتغير الأولويات .. و عندما تتحرر أرضنا ، سيأخذ الحديث عن الديمقراطية ، مكانه البارز في مجتمعنا، وسيأخذ منحى حقيقي . ورغم العدوان ، فنحن نحاول أن نستعيد حياتنا الطبيعية ، وأن نمارس حريتنا ، وديمقراطيتنا.
السيد ماثيوس: هل هذا يعني أن حرية الكلام ستزدهر؟
السيد حبيب: نحن نحاول ذلك، ونرى أن الظروف أفضل، ونحن رغم حالة العدوان ، نبحث عن طريقة ، ما ، لأن نكون أكثر مقدرة على الحرية ، والديمقراطية.
السيد ماثيوس: ماذا ستفعلون؟
السيد حبيب: نحن ندعو إلى الحوار ، بين كافة الأطراف.. نتمسك بأصالتنا ، ووطننا ، وحقنا في الحياة الكريمة .
السيد ماثيوس: ماذا تفعلون لتحقيق ذلك في منتداكم ؟ وما هي المواضيع التي تطرحونها؟
السيد حبيب: نحن ، حتى الآن ، نقدم ما نراه ضروريا ، لمواجهة قصف إعلامي مكثف دولي .. وللأسف ، فإن أغلبه قادم ، أيضا ، من بلادكم .
السيد ماثيوس: أنا أفهم وجهة نظرك تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، لكن سؤالي : كيف ستتابعون عملكم لتحقيق أهدافكم بعقد اجتماع للمنتديات بسورية ، ذلك الاجتماع الذي رفضته السلطات؟
السيد حبيب: نحن لدينا برنامج.. سندعو لهذا اللقاء مرة أخرى، سنحدد له موعداً ، ونرجو أن تكون الظروف ، قد أصبحت أفضل ، لعقده.
السيد ماثيوس: هل يا ترى هناك حوار بين المنتديات والسلطات؟
السيد حبيب: نحن ، لا نعرف ما تقوم ، به ، المنتديات الأخرى، لكننا نحاول أن نكون على علاقة بجميع المنتديات .. وأعتقد أن الحوارات مستمرة بين كل الأطراف، بما في ذلك حوار ، بين المنتديات ، والدولة للوصول إلى صيغة ، ما ، للتعامل الإيجابي .
السيد ماثيوس: و هل تعتقد ، أن المنتديات الفردية ، ستستطيع العمل بمفردها؟
السيد حبيب: المستقبل مفتوح لكافة الاحتمالات.
السيد ماثيوس: هل سيواصل منتداكم القيام بنشاطاته ؟
السيد حبيب: نعم، يوم الأحد القادم 6/5/2001 سنقيم ندوة عن القضية الفلسطينية ، وسيتحدث في هذه الندوة د. نديم البيطار وهو أستاذ في جامعات أمريكا ، وستجري حوارات مفتوحة حول ذلك .
السيد ماثيوس: هل ترى أنه في سورية تقدم أكثر نحو الديمقراطية.. حتى الآن؟
السيد حبيب : نعم هناك آمال ،وأحلام.. نحن دائما نتفاءل بحياة أفضل..
السيد ماثيوس: هل لديكم توقعات معينة ، بشخص الرئيس بشار الأسد ، أنه سيعمل ، حريات أكثر؟
السيد حبيب: نأمل ذلك.
السيد ماثيوس: هل ، كان ، لديكم توقعات معينة ، وخابت؟
السيد حبيب: حتى الآن ، مازالت الأمور مفتوحة للاحتمالات.. نحن الآن بوضع أفضل من السابق.
السيد ماثيوس: كنت تتوقع الأفضل، أليس كذلك؟
السيد حبيب: نحن نتحرك ضمن المساحة ، التي نرى ، أن الحركة فيها ممكنة ، ونحاول أن نوسعها.
السيد ماثيوس: قبل خمس سنوات ، هل كان يمكن لهذه المنتديات ، أن تكون قد أسست؟
السيد حبيب: كانت الظروف صعبة.. اعتقد ، أنه ، الآن ، توجد قطاعات كبيرة في الدولة ، والمجتمع ، ترى أن هناك حاجة لتطوير الحياة الثقافية والسياسية.. ونحن ، سنمارس ، هذا ، بمنتهى الهدوء ، وبالحكمة الممكنة، لإن ظروف العدوان الواقع على بلادنا ، لا تحتمل هزات عنيفة ، في المجتمع.
السيد ماثيوس: يعني ، أنتم ، لستم مع ثورة من الداخل ، طالما هناك عدوان من الخارج؟
السيد حبيب: نحن ، سنوجه كافة طاقاتنا ، للدفاع عن الوطن، وفي الوقت ذاته سنقف ضد ، أي ، عنف في الداخل..على المجتمع ، نحن ، أرضنا محتلة.. ماذا كنت ستقول ، لو أن جزء من دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، محتلاً ؟
السيد ماثيوس: لكنك ، من الواضح ، أنك تسعى إلى الديمقراطية؟
السيد حبيب: ليس ، أنا ، فقط .. ، شعبنا كله.
السيد ماثيوس: موضوع مختلف.. هل تعتقد ، أن سورية ، تساعد الفلسطينيين؟
السيد حبيب : نعم، إلى حد ، ما.. أنا ، قومي عربي ، وحدوي، وبالتالي لا فرق لدي ، بين الجولان ، وفلسطين.. القدس ، وحيفا ، ويافا ، بأهمية الجولان ، تماماً . وأنا ، عن نفسي سأقاتل حتى تحرير كامل فلسطين ، وكامل الوطن العربي.. نحن ، من المحيط الأطلسي ، إلى الخليج العربي ، أمة واحدة، لها الحق في تقرير مصيرها.. وعندما ، نفعل ذلك ، سنقيم دولة قومية ، عربية ، ديمقراطية حقيقية، ربما يتعلم منها العالم ، كله.. نحن صدرنا رسالات ، هامة ، إلى العالم ، وأعتقد ، أن ، ديانتك أنت ، من عندنا، وأن ، قداسة البابا ، قادم إلى هنا، إلى ، هذا ، المنبع.. لو ، احترمتم هذا المنبع ، للحضارات ، فسنكون في عالم أفضل.
السيد ماثيوس: هل ، هناك بعض التغيرات ، في المنحى الاقتصادي؟ ما رأيكم بالتقدم الاقتصادي؟
السيد حبيب: نحن ، نأمل ، أن تتسارع عملية التقدم.. وسنعود إلى المسألة الأساسية.. نحن ، لا نستطيع أن ندخل عصر العولمة ، ونحن أمة مجزأة ، نحن ، سنكون فريسة لهذا العالم .
السيد ماثيوس: هل تتكلم ، عن سورية ، أنها مجزأة؟
السيد حبيب: لا، أنا أتكلم عن الأمة العربية ، المجزأة.. مصر ، و السودان ، ولبنان ، والأردن ، والمغرب.. نحن ، بهذه الأجزاء ، سنكون لا شيء.. ستستمرون في ، أكلنا ، وأكل ثرواتنا.. لذلك يجب أن تكون الخطوات الاقتصادية مدروسة. نحن نبحث ، عن نوع ، من العدالة الاجتماعية في سورية، ونحن ، لا نثق باقتصاد السوق ، والرأسمالية .. الاقتصاديون ، في سورية ، يبحثون عن برامج ، تحقق نوعا من التقدم، وتحافظ على خصوصياتنا الوطنية.
السيد ماثيوس: إذن أنت ، قلق ، من عملية العولمة؟
السيد حبيب: نعم. هناك ، أمريكيين ، أيضا ، قلقين ، من العولمة.. كما حدث ، في سياتل ، مؤخرا ،على سبيل المثال......
السيد ماثيوس: أنا ، لم أكن ، قلقاً .
السيد حبيب: هذا شأنك.. نحن ، ديمقراطيون ، هنا.
السيد ماثيوس: هل ، اجتماع المنتديات ، كان سيضم منتديات ، من مختلف أنحاء سورية؟
السيد حبيب :نعم، وبعض ممثلي هذه المنتديات ، حضر إلى دمشق ، لأننا لم نتمكن ، من تبليغهم بقرار الإلغاء.
السيد ماثيوس: أين يوجد منتديات هامة خارج دمشق؟
السيد حبيب: في جميع المدن السورية ، توجد منتديات هامة.
السيد ماثيوس: أشكرك ، شكرا ، جزيلاً ....
السيد حبيب : أنا ، أيضاً ، أريد أن أرحب بك ، مرة أخرى ، في بلادنا، و أن أشكرك.. وأريد أن أخبرك ، أنني ترددت ، كثيراً ، قبل استقبالك.. لا أعرف ، لماذا تقوم دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، بكل ، هذا العدوان ، على أمتنا.. نحن ، كبشر ، يمكن أن نكون أصدقاء، وأنتم ، الآن ، القوة الوحيدة في العالم.. لماذا ، تلوثونه بهذه الطريقة ؟ لماذا ، تعتدون عليه ، بهذا العنف ؟ ، أين الحكماء ، في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ، أنتم تخطئون كثيرا ، هذه الأيام، مع أنفسكم ، أولا.... على ، أية حال، أتمنى ، لك ، إقامة سعيدة ، في العربية ، سورية.. نحن ، نعتز بمحبة الناس ، واستضافتهم.. نحن لا نسعى إلى عداء أحد.
دمشق – 3/5/2001
حبيب عيسى
E-mial:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-21-2010 08:49

على بساط الثلاثاء 104
يكتبها : حبيب عيسى
التبريرية ...... في العقل العربي (1)

(1)
التبرير... سلوك إنساني له مبرراته الذاتية ، والموضوعية ، ذلك أن الإنسان بحكم ما يواجهه من مشكلات مستعصية أحياناً يلجأ للتبرير في اتجاهاتٍ ثلاثة :
الأول : في التبرير الذاتي للسلوك ، والموقف ، والتوجه .
الثاني : في التبرير الموضوعي للسلوك المتعلق بالظروف الموضوعية ، وطبيعة المشكلات ، والعقبات ، والمؤثرات السلبية والإيجابية.
الثالث: في تبرير النجاح من جهة ، والفشل من جهة أخرى ، النصر أو الهزيمة... ، وبالتالي تبرير الموقف المترتب على الحدث نجاحاً ، أو فشلاً.!
وهذا كله مفهوم ، إذا تم في إطار القوانين النوعية التي تحكم سيكولوجية الإنسان المتوازن ، من جهة ، وبناء على وقائع حقيقة ، وإذا لم يستند التبرير على أوهام ، أو معطيات مغلوطة ومختلقة، من جهة أخرى.
والمتتبع للتحولات الحادة التي صاحبت صعود مشروع النهوض والتنوير والتحرر في الوطن العربي ، ومن ثم انكساره الحاد يلحظ دون عناء ذلك التورم المرضي للتبرير ، والذي طغى على الأسس المنهجية ، والإيديولوجية ، والعقائدية للأفراد والجماعات ، وتحول التبرير من كونه عاملاً للبحث في الأسباب الكامنة وراء الأحداث ، إلى بديل عن الفعل الإيجابي في الواقع الموضوعي ...
( 2 )
ذلك أن التورم التبريري ُيقعد الناس أفراداً وجماعات عن الفعل والممارسة والإعداد والمواجهة ، إلى الاستلاب بحجة العجز وقلة الحيلة ، وتهويل مقدرة القوى المضادة الخفية ، والظاهرة على فعل ما تريد ، وبالتالي يفتقد الناس في المجتمع لمواصفاتهم البشرية الأساسية ، ويتعطل عمل قانون تطورهم النوعي ، ويتحولون إلى كائنات ، أو هوائم ينتظرون ما تأتي به الظروف الموضوعية ، وهي لن تأتي إلا بما تقرره القوى البشرية الفاعلة ، أو ما تقرره لهم القوى القادرة المهيمنة , سواء كانت طبيعية ، أو غيبية ، أو بشرية ....داخلية أو خارجية ، فيلجأون إلى واحد من الطرق الثلاث :
- إما الانضواء تحت سيطرة قوى الاستبداد والهيمنة , سواء كانت سلطوية ، أو مجتمعية ، أو دينية ، أو خارجية طوعاً ، أو نفاقاً ...
- وإما الهروب إلى دور العبادة لالتماس الفرج ، والخلاص ممن بيده الأمر وإليه المآل ...
- وإما الاعتزال ، والاستقالة من العمل العام ، والبحث عن وسائل الهروب واللهو ، أو الانغماس في المشكلات الفردية ...
وأياً كان الطريق ، فإن ذلك مجرد تعبير عن عجز وقصور إنساني في مواجهة ظروف موضوعية وذاتية قاهرة تحدث بمعزل عن إرادة الناس ، فيحاولون البحث عن تبرير التأييد لها إذا كانوا مؤيدين ..أوعن تبرير المعارضة لها إذا كانوا معارضين ، أو الهروب من تحمل المسؤولية عنها ، وفي الحالات كلها ، مؤيدين ، أو معارضين ، خائفين أو هاربين ، يكونون هامشيين لا أثر إيجابي لمواقفهم على مجرى الأحداث .
( 3 )
ولتلك العقلية التبريرية مخاطر جسيمة قد تأتي على ما تبقى من مصداقية الحركات والقوى والشخصيات التي حملت مشاريع النهوض والتنوير في الوطن العربي ، ومخاطر أشد على البنية الحزبية والسياسية العربية المنتشرة والشديدة التنوع بين المحيط والخليج في مرحلةٍ شهدت وتشهد وستشهد في المستقبل القريب تحولات دراماتيكية في أنماط التفكير وطرق قراءة الواقع والمستقبل وطريقة تفسير الأحداث وفهمها ... فما جرى في الوطن العربي خلال الحقبة الأخيرة ينبئ بانقضاء مرحلة بكل ما فيها من أفكار وممارسات وقوى طغت على السطح استنفذت أغراض وجودها ، وفقدت مبررات استمرارها في المستقبل لأنها تهشمّت وتهمّشت ، أو قبلت بالتهميش ، أو سعت إليه ، وتحولت إلى كومبارس في الواقع العربي يستخدمها الطغاة أو الغزاة لتبرير أفعالهم المشينة .
( 4 )
والنهج التبريري الذي سيطر على العقل العربي خلال الحقبة الأخيرة ليس مرضاً ذاتياً منعزلاً عن الواقع العربي ... وإنما هو في جانبٍ منه أحد إفرازات ذلك الواقع الشديد التعقيد والتنوع والتبدل ، وهو نتيجة لاتساع المسافة بين الحلم الذي رسمته الأحلام والإيديولوجيات للمصير العربي الواعد توحداً ونهضةً وعدالة ومساواة وتنمية، وبين هذا الواقع الذي بدا وكأنه يتحرك ، أو ُيحرك من القوى المستبدة والغازية باتجاه مناقض لأحلام الحالمين على اختلاف مشاربهم ... من أول الذين بشرّوا بوطن عربي موحد متحرر تسوده العدالة الاجتماعية ، وليشهد نهضة تنموية تستثمر الثروات العربية لصياغة حياة عربية حضارية جديدة ، إلى أولئك الذين بشرّوا بوحدات أقل شأناً في سورية الكبرى ، ووادي النيل ، والمغرب ، والجزيرة العربية ، إلى الذين رسموا صوراً وردية لمجتمعات متقدمة في دول "سايكس بيكو" ، إما اشتراكية كجزء من منظومة الدول الاشتراكية وتنتمي إلى إحدى أممياتها ، أو رأسمالية ليبرالية كجزء من العالم الحر "المتنوع الأضواء" والديمقراطي ، وتنتمي إلى إحدى احتكاراته ، إلى الذين حملوا الدعوة لمجتمعات الإيمان بالله العابرة للأمم ، وحمل مشاعلها لهداية العالم من جديد ... وصولاً إلى أولئك الذين رفعوا أعلام دول بحجم مذاهبهم أو طوائفهم أو عرقياتهم القبلية لرفع مظالم تاريخية تعرضت لها تلك الجماعات ، مروراً بأولئك الذين دعوا ليكونوا جزءاً من الغرب الأوروبي ، أو الشرق الإيراني ، والأفغاني ، والأندونيسي ، أو الجنوب الأفريقي أو الشمال التركي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي .... وختاماً كل أولئك الذين رسموا صوراً لنهاية الصراع مع دولة "إسرائيل" الصهيونية ، بإزالتها ، أو بالتعايش معها...كل هذه القوى ، وما بينها من جماعات وأفراد ، والتي ملأت الأرض العربية صخباً ، تعرضّت لاختبارات حادة ، وعنيفة حيث تبيّن لمعظم هذه القوى أن الأحداث على الساحة العربية تجري وفق مسار مرسوم خارج إرادة تلك القوى ، وإن كان ذلك يتم بالاعتماد عليها ، أو بتسخيرها ، أو بالخوض في دمائها ، وكأن يداً خفية تحّرك الأحداث باتجاه غايات لا علاقة لها بغايات تلك القوى والحركات إلا بقدر ما توظف القوى المحلية نفسها لتأدية وظائف مرحلية ... وهكذا اكتشف العديد من قادة تلك القوى الذين توهمّوا في فترة من الفترات أنهم يوجهّون الأحداث ، وأنهم امتلكوا ناصية التاريخ .... اكتشفوا أنهم كانوا مجرد أدوات صغيرة في لعبة كبيرة ... حيث لا يشعرون في لحظة معينة إلا وقد ألقي بهم إلى الهامش بعد أن كانوا في مركز دائرة الضوء . وهكذا شهد سطح الحياة السياسية العربية حركات صعود وهبوط متتالية للعديد من تلك القوى ... هذا الواقع الشديد التعقيد أدى إلى تهميش الدور الحقيقي للإيديولوجيات والأفكار الإستراتيجية التي تحولت إلى مجرد قشرة واهية تغطي عورات وأوضاعاً عصبوية ضيقة ، عنصرية ، عرقية ، قبلية ، مذهبية ، طائفية ، إقليمية ، هذا كله ساهم في صياغة تلك العقلية التبريرية السائدة هذه الأيام ، فالقوى ذات الأسماء الكبيرة ، والنظريات الكبيرة التي تجد نفسها عاجزة عن الفعل الإيجابي باتجاه الأهداف التي تؤمن بها ... تبحث عن قواقع عصبوية تحتمي بها أو تستخدمها وتلهث وراء الأحداث تحاول تفسيرها ، أو تبرير حدوثها علهّا تجد لها مكاناً في مرحلة لاحقة وتحولوا من مؤسسات سياسية إلى أوضاع شللية سلبية ، وكأن الواقع العربي لاتكفيه جماعات الفتن والتقسيم المصطنعة والمصنوعة التي تهّشم وجود الأمة وحضارتها وتاريخها ووجودها ومستقبلها ؟.
( 5 )
لقد كانت النتيجة الأكثر بروزاً لمرحلة الامتحان الصعبة تلك ، أن أغلب المعتقدات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية انتقلت من موقع المسلمات المقدسة التي لا يأتيها الباطل ، إلى واقع التساؤل والشك في مصداقيتها ، وإلى أي حد تصلح..؟ وإلى أي حد يمكن التمسك بها كعقيدة ثابتة ، وكمنهج صلب في تفسير الأحداث ؟ ، تلك الأحداث التي بدت في أغلب الأحيان وأنها تفرّ مسرعة من إطار مقدرة تلك المناهج والنظريات على التفسير والفهم بعد أن كان أصحابها يدعوّن إلى وقت قريب جداً أنها قادرة على تفسير كل شيء ، لا في عالم الكرة الأرضية ، وإنما في عوالم الأكوان كلها بمختلف مجراتها ، وربما أبعد من ذلك ...!
إن أساس الخلل الإيديولوجي ، والذهني الذي أصاب الحركات السياسية العربية بالشلل التام يكمن في عدم اكتمال عملية التفاعل بين الإيديولوجيات الفكرية ، وبين الواقع العربي ، إما لقصور في فهم الإيديولوجيا ، وإما لقصور في فهم الواقع ، وإما لقصور في الإيديولوجيا ذاتها ... وهذا نتج عن إحدى ثلاثةحالات:
الحالة الأولى : استغراق في الإيديولوجيا رافقه دائماً عجز فاضح عن فهم الواقع العربي ، وعن التعمق في فهم مشكلاته الرئيسية ، والعجز عن التفريق بين الرئيسي والثانوي في هذا الواقع ، سواء كان إيجابياً ، أو سلبياً .
الحالة الثانية : استغراق في الواقع الموضوعي بدون ناظم فكري رافقه دائماً عجز فاضح عن فهم عميق وحقيقي للإيديولوجيات المطروحة ، وبالتالي عدم إمكان امتلاك منهج يحدّد الطريق الصحيح إلى المستقبل .
الحالة الثالثة : نتجت عن تفاقم حدة الصراع الاجتماعي في الوطن العربي مما أدى إلى التعامل الإيماني المطلق مع الأفكار والإيديولوجيات تقديساً أو رفضاً ، فغاب العقل المنهجي النقدي العلمي ، وانسحب منطق الإيمان والتكفير الديني على العلاقة مع الأفكار والإيديولوجيات الوضعية ...
( 6 )
هذا الخلل أدى إلى عزل مناهج التغيير عن الواقع المطلوب تغييره ... فتحولت الحالات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية إلى حالات وتموضعات "ثقافية" هامشية شرنقت نفسها في واقع تصطنعه كما تتوهم ، لا كما هو موضوعياً ، وتتوهم تغييّره إلى ما تريد دون أن تمتلك أدوات التغيير ، وفي الوقت ذاته كان الواقع العربي الحقيقي يتعرض لفعل مكثف من قبل قوى مضادة داخلية وخارجية مدربة وقادرة تمتلك تقنيات شديدة التعقيد والتأثير لصياغة الواقع وتغييره باستمرار بالطريقة التي تخدم رؤاها ومصالحها ، وغالباً ما كانت تلك القوى المضادة ، الخارجية والداخلية المتناغمة تجد الساحة العربية في حالة فراغ حقيقي من قوى حقيقية لتغيير الواقع العربي تغييراً ثورياً تقدمياً نهضوياً تنويرياً يواجه البرامج والمخططات للقوى المضادة ، بل تفاقمت الأمور إلى درجة تمكنت معها تلك المخططات المضادة من استخدام بعض القوى التي من المفترض إيجابيتها مرحلياً في تنفيذ برامجها ، سواء أدركت تلك القوى أنها مجرد أدوات مرحلية ، أم لم تدرك ذلك .
( 7 )
وإذا كنا لا نريد أن نحمّل مسؤولية هزيمة المشروع التحرري القومي العربي النهضوي التنويري ، أو المشاريع النهضوية الأخرى ، للمؤثرات والقوى الخارجية فقط ، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل الاهتمام غير العادي الذي حظي به وطننا العربي من قبل أولئك الذين يرغبون في السيطرة على العالم ، أو الاشتراك مع آخرين في هذه السيطرة ، حتى نكاد لا نعثر على قوة في هذا العالم أرادت أن يكون لها شأناً على الصعيد الدولي ، إلا ، وحاولت أن يكون لها نفوذاً خاصاً في الوطن العربي ، أو موطئ قدم على الأقل ، وهنا أيضاً وقع العقل العربي ضحية لإحدى حالتين:
الحالة الأولى: الاستغراق في تضخيم القوى والمؤثرات والمخططات الخارجية ، وتصويرها على أنها قدر ، لا مجال لمقاومته ، وبالتالي ، فإن علم السياسة ينحصر بالنسبة إليهم في الاستقصاء عن اتجاه المخططات الخارجية ، ثم البحث عن دور شاغر في برامج التنفيذ "والشاطر يكسب" ، هذا على صعيد قيادات الحركات السياسية ، أما على صعيد القاعدة الشعبية العربية ، فقد أدى هذا إلى إنتاج أنماط من السلوكية "القدرية" التي تسلمّ بالمكتوب ، لكن هذه المرة ليس تسليماً "للقدر الإلهي" الديني الإيماني ، وإنما تسليماً "للقدر الامبريالي الدولي" الذي لا راد له ، فهو القادر على كل شيء ، وما طغاة الداخل إلا صنيعة له ، وبالتالي لامجال لمقاومتهم ، فالخارج الذي صنعّهم وحده قادر على تغييرهم.... هذه السلوكية التسليمية أدت إلى حالة سكونية راكدة على صعيد التوترات الإنسانية الإيجابية الفاعلة للشخصية العربية من جهة ، وإلى أنماط من الواقعية السلبية التي تميّز تلك الشخصية المنقادة ذاتياً ، ودون عناء في سياق واقع يذهب بها حيث يوجّه دفته القادرون على توجيهه باتجاه أهدافهم . وهكذا حصلت تلك المفارقة الصارخة عندما توصّل أصحاب مخططات الانتفاع من مكنونات الوطن العربي بالتجربة والممارسة ، إلى أن الأساس في نجاحهم هو السيطرة على ذهنية الإنسان العربي ، وامتلاك المقدرة على توجيهه ، وتصنيعه بالشكل الذي يتناسب مع ما يريدون ، وبالتالي ، فإنهم توصلوا إلى أولوية الإنسان من خلال التجربة ، فإنهمكوا بوضع خططاً استراتيجية شديدة التعقيد للسيطرة على الإنسان العربي من خلا ل استلاب ذاته وسيكولوجيته ، وتصنيع نمط الشخصية الواقعية اللاعربية المنساقة مع مشاريعهم ، ومن خلال ذلك يصبح من تحصيل الحاصل أن يسيطروا على الثروات العربية , نقول من المفارقة الصارخة أن يحصل هذا كله بينما العرب الذين وضعوا القانون الإيديولوجي والفلسفي والعقائدي لأولوية الإنسان ، وجدليته , لم يمارسوا هذا واقعياً وعملياً وعلمياً ، حتى الآن على الأقل ...!
( 8 )
الحالة الثانية : تمثلتّ بالاستغراق في تضخيم دور القوى المهيمنة ، الطائفية والمذهبية والإقليمية والعسكرية المحلية المتسلطة ، استبداداً من قمة السلطات ، واستلاباً في قاع المجتمعات العربية ، وتموضعاتها السياسية والدينية على سطح الساحة العربية ، وأغفلوا الظروف الدولية والأسباب التي أنتجت القوى والتقسيمات والطبقات المستبدة القائمة ، لقد دفعهم إيمانهم بنظريات ، ومناهج نظرية ، وصل في أغلب الأحيان حد الاعتقاد الديني ، إلى حد عزل القوى والظواهر السائدة عن مسبباتها ، وظروف ولادتها ، والمخططات التي تكونت لخدمتها وانحصر الاهتمام بتفسير تلك القوى وفق النظريات والمناهج "التي لا تخطئ" من وجهة نظرهم ، ووضع الحصان خلف العربة على طول الخط ، فعندما تقول النظرية أن الدين هو الأساس في كل شيء ، وتقول أخرى أن الدين أفيون الشعوب ، وتقول ثالثة أن السياسة مجرد انعكاس لوضع اقتصادي معين ، وتقول رابعة أن الاقتصاد يتبع السياسة ، وتقول خامسة أن حدود مجتمعاتنا هي كما حددها الفراعنة ، والفينيقيون ، وقبائل البربر ، والكرد ، وتقول سادسة أن حدودنا هي كما رسمها الغزاة الأوروبيون إبان الحرب الأولى من سايكس إلى بيكو ، إلى آخرهم ... كل هؤلاء على مختلف مشاربهم عادوا إلى الواقع العربي ، وإلى التاريخ العربي ينتقون منه ما يؤيد نظرياتهم وأفكارهم ، وأن ما عداه لا قيمة له ، وغالباً ما يضطرون إلى لوي عنق التاريخ والحقائق لإثبات صحة عقائدهم ... لقد أدى هذا كله إلى كتابة "تواريخ" للأمة العربية ، لا يصلح أي منها أن يكون تاريخاً للأمة العربية بمفرده ، ولا يصلح تجميعها معاً أن يكون تاريخاً للأمة العربية أيضاً. وأصبحنا أمة طويلة عريضة بدون تاريخ متفق عليه ... بل أمام تواريخ سرية وعلنية , ظاهرية وباطنية , يكفي الإيمان بجزء بسيط من كل منها حتى يقتتل كل عربي وآخر حتى الموت . فنتج عن هذا الوضع العربي المتشابك "والمشتبك" ذلك الاغتراب الحقيقي عن الواقع ، ضاعت معه الحدود بين الرئيسي والثانوي ، وطفا الثانوي على السطح في أغلب الأحيان ، وظهرت للوجود صراعات دامية لا نعرف كيف تبدأ ، ولا نعرف كيف تنتهي ، ولا نعرف ما هي حدود الأطراف المتصارعة ، ولا لماذا تتصارع ... وكأن الغاية هي الصراع ذاته ، وأصبح العرب يشبهون إلى حد بعيد شكلاً كاريكاتورياً يمثل مجموعة من البشر على ظهر سفينة مكتنزة بالثروات وقعت في أسر بعض القراصنة الدوليين وعوضاً من أن يتجه هؤلاء لمجابهة القراصنة ومقاومتهم ، فإنهم يتصارعون فيما بينهم فتكاً وقتلاً بينما القراصنة يقطرون الغنيمة بما تحمل إلى حيث يريدون دون أن يفطن أحد من ركاب السفينة أن صراعهم الحقيقي المصيري هو مع القراصنة الذين ينعمون وحدهم في ظل هذه الأوضاع ، بالأمان .
( 9 )
لقد أدت الأوضاع الشائهة التي رتبها الأوروبيون في الوطن العربي إبان الحرب العالمية الأولى ، والمستمرة حتى الآن ، إلى أوضاع شائهة على صعيد بنية الشخصية العربية ، وكما اصطنعت المكونات الموضوعية لتجزئة الأرض العربية ، وتم اصطناع واقع التبعية الراهن ، اصطنعت في الوقت ذاته البنى الذاتية لشخصية عربية هشّة تم ترويضها بعناية لقبول الواقع ، وللاستئناس معه ، واستظراف قيمه ، ووسائله ، وكلما تقدم المشروع المعادي خطوة على الأرض العربية ، كلما كانت محاولات تخريب وتفكيك الشخصية العربية تتقدم خطوة أخرى لتتلاءم تلك الشخصية مع الواقع الجديد ، من جهة ، ولتشديد الحصار على المشروع القومي الحضاري النهضوي التنويري العربي من جهة أخرى ، ذلك المشروع الذي يسعى لبناء الشخصية العربية المتماسكة ذهنياً وسلوكياً ، شخصية قادرة على رفض ذلك الواقع الشائه وامتلاك الوسائل لتغييره ، وإبداع الوسائل المناسبة لإسقاط رموزه وقيمه وأخلاقه وثقافته واقتصاده ، وكل ما يمت إليه بصلة ...
ولابد من الاعتراف أن كفة الميزان قد مالت لصالح المشروع المضاد ، وبالتالي فإن التناقض بين المشروعين أصبح أكثر حدة ، وانقطعت الكثير من الخيوط التي كانت لا تزال متشابكة ، وأصبح الوقوف في المنطقة العازلة بين الخندقين شبه مستحيل ، وبالتالي ، فإن الأمور بدأت تتجه ، في فترة من الفترات ، إلى تحديد المواقف ، وتحديد المواقع ، وهذا ليس في مصلحة المشروع المعادي الذي سيهزم حتماً في أية مواجهة حقيقية شاملة مع الكتلة الجماهيرية العربية العريضة المعافاة من الرضوض النفسية ، وبالتالي فإن القائمين على إدارة هذا المشروع المضاد من أول المستبدين في الداخل إلى آخر الغزاة ، اعتمدوا على تحييد قطاعات كبيرة من كتلة الجماهير العربية خارج دائرة الصراع الحقيقي عن طريق إشغالها بصراعات ثانوية ، ثم إدارة الصراع والقمع بكفاءة عالية مع من يشرد إلى مواقع مشروع الدفاع عن وجود الأمة العربية وحضارتها .
( 10 )
لقد رافق هذا كله هجوم مستمر على العقل العربي ، وتصنيع اهتمامات وهموم ، وتحديد الأولويات بالطريقة المناسبة لهم ، وقد استخدموا لتحقيق ذلك كل ما يخطر على البال من الوسائل المتاحة من أول الغزو الذي يزّور التاريخ العربي والوجود العربي والحضارة العربية ، إلى آخر دفع الجيوش للاحتلال والتقتيل مروراً بالتدخل في جزئيات التكوينات العربية العرقية والدينية والمذهبية والطبقية والعائلية ، وتخطيط صراعات لا يعرف عربي كيف تبدأ ، ولا لماذا تستمر ، واختلاق أزمات معيشية وحياتية ، والصعود بطبقات دنيا إلى الأعلى ، والهبوط بطبقات أخرى إلى الحضيض ، والقضاء على أي عمل منتج حتى على صعيد الزراعة ، أو الصناعة ، أو التقدم العلمي ، وجعل حركة الأموال وانتقالها والاتجار بها بالسمسرة والفهلوة والتضخم والتهريب ، هي الحركة التي تحقق الأرباح ، وبالتالي يصبح اللعب بالأموال وتحريكها على الطريقة "الصهيونية" أعلى قيمة من أي عمل منتج ، وبالتالي تقلب المعادلة رأساً على عقب ، فتصبح الأموال ليست أداة للتداول ، والتبادل ، أوتعبيراً عن إنتاج عيني ، وإنما تصبح قوة بذاتها ، ولذاتها ... ولم تعد الطبقات تتكون نتيجة لعمليات إنتاج معقدة تتعلق برأس المال الثابت ، والمتحرك ، وفضل القيمة ، والتنافس في السوق بين المنتجات ، وإنما أصبحنا أمام ظاهرة المليونيرات الذين يظهرون فجأةً إلى السطح دون أية دراية بالعملية الإنتاجية ، ولا حتى الحسابية . ثم ازدادت الحياة تعقيداً بالنسبة للمواطن العادي . وأكل التضخم دخله المشروع ، وأصبحت الحياة المشروعة غير متاحة ، وأصبح كل مواطن مقامر شاء هذا أم أبى . إذا باع مقامر ، وإذا اشترى مقامر .... وسحبت من التداول تلك القيم الإيجابية التي توارثها شعبنا العربي ، وأصبح من المبرر اجتماعياً أن يأكل الأخ أخاه ، وأصبح مبرراً إلى درجة كبيرة أن يرتشي فلان ، وأن يسرق علان ، وأصبح التساؤل مشروعاً من أين تريده أن يعيش ، أو يطعم أطفاله ...؟..! فالمفسدون في الأرض العربية ، ليسوا عاراً ، وإنما هم علية القوم ...
ثم حوصر الإنسان العربي قبل هذا كله وبعده وخلاله ، بالخوف من القمع السلطوي ، أو البطش الخارجي ، أو الهيمنة التكفيرية ... فهو إنسان مذعور من قوى غاشمة لا يعرف قانون يحكم حركتها ، وتصرفاتها ، فقد تآكل ما تبقى من النظام العام ، ومن الوضع القانوني الذي رافق إنشاء الدول العتيدة في الوطن العربي ، وأصبحت حياة المواطن العربي وجوداً ، أو عدماً ، إدانةً ، أو براءةً ، تتوقف على أمر من هذا ، أو إشارة من ذاك ... بهذا ، وبغيره كثير ، تم ترويض أعداد كبيرة من العرب الذين تمردوا بالأصل على المشروع المعادي ، فأعيدوا بالقوة ، أو عادوا خائفين ، أو عادوا محتاجين إلى المناطق الحيادية ، أو إلى مواقع النفاق ، وعممّت سياسة الاستلاب إلى درجة كبيرة ، وبات أي طاغية في الوطن العربي مكروه من الشعب قادر على تسّيير المسيرات المليونية التي تهتف له حباً وهياماً .
تلك الشخصية العربية الهشة المتناقضة الثقافة ، التلفيقية الأفكار التي تختلط الأمور أمامها إلى درجة تفقد معها المقدرة على تحديد الاتجاه الصحيح ، بل تخشى معرفة الاتجاه الصحيح لأن هذه المعرفة قد تحملها مالا تطيق ، فهي شخصية هاربة حتى من مجرد المعرفة ...... هي العمود الفقري للتخلف والاستلاب والهزائم . فمن أين ينطلق مشروع النهوض وإعادة التأهيل ؟ .
- ( للحديث بقية ) .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-21-2010 08:54

على بساط الثلاثاء 105
يكتبها : حبيب عيسى
التبريرية....... في العقل العربي(2)


( 1 )
قد تكون التبريرية من أخطر الأسلحة الفتاكة بإرادة الشعوب ، ذلك أنها تنتزع البشر من ساحة المواجهة الفعالة مع المشكلات ، والعمل على حلها ، إلى ساحة تبرير العجز عن المواجهة ، وبالتالي السكونية والاستلاب ، وقد كانت تلك التبريرية السلبية حاضرة بقوة للفتك بالمشروع النهضوي التحرري العربي المعاصر ، وإذا كان لتلك التبريرية أسبابها الذاتية والموضوعية المحلية ، فإن لها مسبباتها المصنعّة في مختبرات قوى الهيمنة الدولية ، وذلك بهدف إحكام حالة الحصار المفروضة على المشروع القومي العربي المقاوم النهضوي والتنويري ، فبدأ التشكيك بالأهداف الإستراتيجية القومية ، وبالأساليب الإستراتيجية المؤدية إليها ، التي بدت ، وكأن الاقتراب منها أصبح بعيد المنال ، ساعد على ذلك أن تفاصيل كثيرة في الواقع العربي المصطنع ، والممسوك بسلطات الأمر الواقع التي تخصخص مؤسسات الدولة من جهة ، وبقوى التفتيت والفتن التي تخصخص قاع المجتمع العربي من جهة أخرى ، مما جعل الحديث عن كل ما هو استراتيجي قومي تقدمي ، ضرب من الخيال الذي يستحق السخرية ، وبالتالي لابد من اصطناع حلول بديلة ، وهمية ، تم تمريرها تحت دعاوى : المرحلية ، والتكتيك ، والتكيف مع المتغيرات ، والواقعية ، والحصول على ما يمكن الحصول عليه ، وهكذا تم التخلي خطوة ، خطوة عن الأهداف الإستراتيجية القومية التحررية التي كانت إلى وقت قريب مقدسّة ، وتم الاقتراب خطوة ، خطوة في الوقت ذاته من المشاريع المعادية ذلك الاقتراب الذي كان إلى وقت قريب خيانة ، وتفريط ... فبات الانخراط في الصفقات مع الصهاينة ، سياسة ...، والدعوة إلى تحرير فلسطين ، وهم ...
هكذا ، وفي ظل الأوضاع الراهنة باتت الخيانة والتفريط والتبعية ... مجرد وجهات نظر في بعض الأحيان ، بل ، وانتصاراً في أحيان أخرى ... تسيّر له المسّيرات المليونية ، أصبح التخلي نهائياً عن معظم فلسطين طريقاً إلى تحرير فلسطين ، وأصبح التخلي عن القطاع العام طريقاً إلى الاشتراكية ، وأصبح تدعيم سلطة الطغاة في الدول الإقليمية في الوطن العربي والتعهد باحترام الحدود والعهود والبوابات طريقاً إلى الوحدة العربية ، وأصبحت النظم الأبوية الشاملة التي تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ طريقاً إلى الديمقراطية ، والحرية .
لقد استخدم مصطلح "التكتيك" في الوطن العربي بطريقة ُمضللة وشديدة الخطورة ، فحتى يكون هناك تكتيك يجب أن تكون هناك إستراتيجية ، والتكتيك ببساطة خطوات مرحلية تفرضها طبيعة المرحلة "المكان والزمان" ويشترط فيها أن تخدم الهدف الإستراتيجي ، وتؤدي إليه ، وإلا نكون أمام حالة أخرى لا علاقة لها على أية حال لا بالتكتيك ، ولا بالإستراتيجية ، وفي الوطن العربي ، هذا ما حصل حيث تم تمرّير مرحلة كاملة من التنازلات ، والارتدادات ، والمساومات تحت راية المرحلية ، والتكتيك ، والضرورات المرحلية .
لقد شهد الواقع العربي أضخم عملية منظمة للهجوم على العقل العربي ، شهدها التاريخ الإنساني برمته ، كانت نتيجتها بارزة على صعيد إثبات مقدرة التنظيم والتخطيط والتقنية الحديثة على تصنيع إنسان بمواصفات محددة ، وتحديد اهتماماته ، وتسيّيره ذاتياً بالاتجاه الذي تمت برمجته على أساسه ، وكأننا أمام إنسان آلي ، ينفذ البرنامج الذي وضع له .
( 2 )
ونعتقد أن الذين عاصروا العقود الأربعة ، أو الخمسة الماضية من عمر الوطن العربي يستطيعون الآن ببساطة شديدة ، إذا قرروا استعمال ذاكرتهم ، أن يلاحظوا التطورات التي حصلت على صعيد الذهنية العربية من حيث الاهتمامات والقيم والأهداف ، ومعايير الصح ، والخطأ ، وبمقارنة بسيطة نجد أنفسنا أمام نموذج الإنسان العربي الراهن ، وقد تم تصنيعه من جديد ، مقطوع الجذور ، فاقد للذاكرة ، يعاني من انفصام شخصية حاد ، فاقد القدرة على تمثل الأفكار وتحويلها إلى سلوك مما فاقم من درجة التناقض بين أفكاره وممارسته ، يزجّون به في خضم تفاصيل وصراعات متلاحقة ليعيش الحدث لحظة ، بلحظة ، فيغرق في مستنقع اللحظة ، ويغدوا مقطوع الجذور مع الماضي ومنقطع عن التخطيط للمستقبل ، فلا يتيح له وضعه الراهن التحرك في سياق الحركة والتطور من الماضي ، إلى الواقع الموضوعي ، إلى المستقبل ، مما يفقده المقدرة على اتخاذ الموقف الصحيح من القضايا المطروحة ، وحتى يتم تمرير التحولات التي تجري ، حيث تتحول التحالفات من النقيض إلى النقيض ، وتتحّول العداوة من النقيض إلى النقيض أيضاً فقد أوصلونا إلى نموذج من الإنسان العربي ، ليس عميلاً ، ولا خائناً ، ولكنه يفكر ذاتياً بعقلية الأعداء ، والخونة ، هكذا مجاناً ، ودون أن يقبض ثمن موقفه ...
ومرة أخرى نقول إذا قررنا استعمال الذاكرة فإن النتيجة تكون مذهلة على هذا الصعيد أيضاً ، والأسلوب متاح لكل من يهمّه الأمر حيث أن مراجعة بسيطة للمشاريع "العلنية فقط" التي طرحها أقطاب الحركة الصهيونية ، بمختلف تياراتها ، لحل ما يسمونه "قضية الشرق الأوسط" خلال العقود الأربعة ، أو الخمسة الماضية ، إضافة لما نشر علناً من وثائق الخارجيات الدولية "وأجهزة الأمن" ، ومذكرات الذين كانوا مسئولين في دولهم العظمى المهتمة بمستقبل الوضع في "الشرق الأوسط" ، وصولاً إلى الفضائح الأخيرة.... ومقارنة تلك المشاريع بما تطرحه قوى ، وأشخاص ، ومنظمات ، وأنظمة عربية من مشاريع "علنية فقط" نصل إلى نتيجة شديدة الوضوح تؤكد تطابق مشاريع هؤلاء على مشاريع أولئك . فإذا توفر حد أدنى من الاتفاق على أن المشاريع الصهيونية ، ومشاريع سلطات الدول الفعلية ، التي تسمى عربية ، والتي رسمت بالشكل والموضوع ، الأوضاع السائدة في الوطن العربي ... هي مشاريع معادية للأمة العربية في الجوهر ، فإن حصيلة ذلك كله تعني أنه تم تصنيع شخصية لا عربية على صعيد الحكام والمحكومين ، تفكر ذاتياً ، وتمارس ، وتطرح مشاريع ، وتنفذ خطط معادية للوجود القومي للأمة العربية ، على أرضها .
قد نواجه باستنكار يقول: ما بال هؤلاء الذين قاتلوا لإثبات أن الإنسان دون غيره كائن متطور وفق قانونه النوعي "الجدل" يقفون الآن موقفاً معادياً مستنكراً للتطور الذي طرأ على الإنسان العربي خلال العقود الماضية ، ثم يسألون مستنكرين : هل كنتم تريدون أن يبقى الإنسان العربي جامداً كما كان لا يتطور ..؟. في الرد على ذلك نقول : إن ما جرى للإنسان العربي من تأثير على شخصيته خلال العقود القليلة الماضية ، ليس تطوراً ، وإنما استلاباً ، عبر عمليات معقدة لمنع الإنسان العربي من التطور ، وتشتيت طاقاته وقدراته باتجاهات متناقضة تجعل جهده ضائعاً ، بأفعال ، وردود أفعال لا تنتج أي بناء حقيقي على أرض الواقع ، إلا إذا كان ضرورياً للمشاريع المعادية ذاتها .
( 3 )
عامل آخر لعب دوراً هاماً في تفشي ظاهرة "التبريرية" وهو رفع شعارات مبهمة متعددة الدلالات ، واستخدامها غطاءً للتحّول الحاد عن الأهداف الأساسية ، وتبدأ هذه العملية بتعميم تلك الشعارات ، والتأكيد عليها بالوسائل كافة لتصبح مطلب متفق عليه من الغالبية العظمى ، ثم تبدأ بعد ذلك عملية الدخول في التفاصيل حتى ُيفرّغ الشعار من مضمونه البراق الذي كان جواز مروره إلى القبول ، وتبدأ عملية الإعلان عن الهدف الحقيقي المغاير تماماً لما هو معلن ، من حيث الجوهر . ويتم ذلك كله وفق سلسلة من العمليات المعقدة التي تصل إلى النتيجة التي يتوخاها أولئك الذين يديرون اللعبة.
والأمثلة على ذلك متعدّدة في الواقع العربي ، وتكاد لا تحصى ، ودعونا نضرب بعض الأمثلة:
الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني : أطلق هذا الشعار في سماء الحياة السياسية العربية ، وتم التأكيد عليه بوسائل الإعلام المختلفة ، وأصبح شرطاً يعبّر عن المواقف الصلبة التي ترفض التفريط ، ثم تطورت الأمور ، ليصبح مطلباً دولياً للكثير من دول العالم ، وأصبح مجرد الالتزام به يعني الالتزام بمبادئ الحق العادل و"بارك الله" ....، وبعد هذا الانتشار الواسع للشعار بدأ الجد : ماذا تعنون أيها السادة بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني ؟ ، وبدأت التفسيرات .... لكن ، وقبل التفسيرات كان لابد من الاتفاق ، بل لابد من الإقرار علناً بالحقوق غير المشروعة للشعب العربي الفلسطيني . وهي كثيرة أيها السادة: الدعوة لتحرير أرض الشعب العربي الفلسطيني, دعوة غير مشروعة ، وحق غير مشروع للشعب العربي الفلسطيني ، فالحق المشروع جزء من الضفة الغربية وجزء من غزة ، ثم مواجهة الاحتلال الصهيوني لفلسطين بالأسلحة النارية تعتبر من الأعمال الإرهابية ، ومن الحقوق غير المشروعة للشعب العربي , التلكؤ بعدم الاعتراف بدولة المستوطنات الصهيونية في فلسطين عمل غير مشروع ، يجب وضع حد نهائي له بالاعتراف بدولة"إسرائيل" و..... ، وبعد سلسلة الإقرارات ، والتمحيص بدقة الصياغة القانونية ... يمكن التفاوض حول التفسيرات الأخرى للحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني من أول حق تقرير المصير ، الذي قد يعني بدوره انتخاب إدارة محلية ، أو حكم ذاتي ، أو دولة فلسطينية إلى جانب دولة "إسرائيل" والحبل على الجرار .... وكلما تم التنازل عن خطوة إلى خطوة أدنى يتم تبرير ذلك بأنه الطريق إلى تحقيق الحقوق المشروعة "الممكنة" للشعب العربي الفلسطيني .

( 4 )
من الأمثلة الأخرى : بعد حق تقرير المصير لشعب فلسطين؟ ، حق العودة أو التعويض؟ إحاطة شعار الوحدة العربية بكثير من الغموض ، التضامن العربي , وحدة الصف , وحدة الهدف , الانفتاح , الخلط بين فكرة القطاع العام الاشتراكي ، و بين رأسمالية الدولة , إحاطة شعار الوحدة الوطنية بمزيد من الإبهام , العلاقة بين الاستقلال والتبعية , القطري والقومي والإقليمي والوحدوي..... وصولاً إلى حق الأقليات في تقرير مصيرها حيث لا أمة عربية حضارية بين المحيط والخليج ، وإنما أقليات من إثنيات وديانات وطوائف ومذاهب وقبائل وعشائر وأقاليم ومناطق ، باختصار لا أمة ولا وطن ، لقد تم تفريغ الشعارات المطروحة على الساحة العربية ، والتي استقطبت جموعاً كبيرة من الجماهير العربية في مرحلة إرهاصات النهوض من مضامينها ، ولم نعد نعثر بسهولة على دلالات الكلمات ... حتى لم نعد ندرك ماذا يعني الانتماء للأمة العربية ، وماذا يترتب على هذا الانتماء في ظل الظروف المصّنعة التي تهدّد الوجود الحقيقي لهذه الأمة العربية ، تهديداً حقيقياً.
( 5 )
استدراج آخر باتجاه التنازل عن الأهداف الإستراتيجية يتأتى من تقديم فهم جامد قاصر للأساليب المعادية , يقولون: ماذا يضيرنا أن نقبل ، ونتنازل ، ونتنازل ، فالعدو لن يقبلنا مهما تنازلنا ، وهنا يبدو الموقف الاستراتيجي ، وكأنه موقف متشنج لا فائدة ترجى منه ، بينما التنازلات تؤدي إلى كسب رأي عام عالمي ، وفي الوقت ذاته لا تؤدي إلى خسارة أي شيء على اعتبار أن العدو لن يرحّب بهذه التنازلات ، وأننا بذلك سنكشف للعالم أننا نحن مع السلام ، وأن العدو هو الرافض للسلام ، ثم يقولون باستهزاء : ما قيمة رفض شيء غير معروض علينا ، بالأصل ...؟ ، وعندما يتم القبول تبدأ المهازل ...
في ظل هذا المنطق تم تبرير التنازلات التي حصلت حتى الآن ، وهذا المنطق مرشح لتبرير تنازلات أخرى قادمة . نعرف أين يبدأ التنازل الأول ، لكن لا نعرف أبداً أين ينتهي التنازل الأخير ، إذا كان ثمة تنازل أخير ...!
( 6 )
إن تبرير أي موقف سياسي ، أو اقتصادي ، أو قانوني ، أو اجتماعي على أساس أن الطرف الآخر سيرفض ، هذا الموقف ، هو نوع من المقامرة التي تنقلب غالباً على الطرف الذي قامر بتقديم العرض الأول ، ذلك لأنه بذلك يضع نفسه في موقف الذي ألقى أوراقه كلها ، ويترك للطرف الآخر حرية الاختيار المتأني ، والدقيق للموقف الذي يخدم مصالحه ، وأهدافه , والقضايا المصيرية لا تحتمل مثل هذه المقامرة ، على أية حال ، لا يمكن لحامل قضية عادلة ، مسئول ، وحريص على قضيته أن يترك أمر القرار بشأنها للطرف الآخر ، فيعرض تنازلاً إذا رفضه الخصم ، فإن الحصيلة تكون محدودة ، أو لا حصيلة على الإطلاق ، أو في أحسن الأحوال قد تحقق مجرد تعاطف لا يقدم ، ولا يؤخر لأن الطرف الآخر لا يريد التصالح.....، أما إذا قبل الخصم ، فإن الحصيلة تكون كارثة على القضية ، و على حاملها الذي راهن على أن الطرف الآخر ، سيرفض حتماً ، فالتنازل في الحالتين سيتحول إلى سقف المطالب من قبل صاحب الحق الملزم بإقراره ..
وهكذا ، فإن أية مناقشة مسئولة لموقف معين يجب أن تنصّب أساساً على مضمون الموقف ذاته بغض النظر عن موقف الخصم قبولاً ، أو رفضاً ... وعدم إدراك هذه القاعدة البسيطة أدى على الساحة العربية إلى نتائج سلبية خطيرة ، وإلى سلسلة من التنازلات تبدأ بتبرير التنازل الأول ، بأن الطرف الآخر سيرفض ، وبعد أخذٍ ورد وأفعال وانفعالات وضغوط وهمية على الطرف الآخر ، يقبل متواضعاً بهذا التنازل ، بينما يكون الإعداد جارياً لتقديم تنازل آخر ، وهكذا إلى ما لانهاية ....
( 7 )
قاعدة تكتيكية صحيحة تقول: الحصول على ما يمكن الحصول عليه ، ثم الانطلاق خطوة أخرى باتجاه الهدف الإستراتيجي , هذه القاعدة اسُتخدمت استخداماً مُضللاً في الساحة العربية ، فحتى تكون هذه القاعدة صحيحة لابد من توفر عدد من الشروط ، والضوابط الذاتية ، والموضوعية ، وإلا فهي تتحول إلى غطاء لتمرير التنازلات ، والتحولات ، والانحرافات ، وتبريرها .
المسألة باختصار شديد ، أنه إذا كان لدينا مؤسسة ، ما ، تضع هدفاً استراتيجياً محدداً وتمتلك قوة حقيقية ومقومات مؤسساتية متكاملة ، فإن مثل هذه المؤسسة تستطيع استخدام قاعدة : الحصول على ما يمكن الحصول عليه ، ثم الانطلاق باتجاه الهدف الاستراتيجي , إذا كان تحقيق الهدف الاستراتيجي دفعة واحدة غير ممكن ، وهذا يتم حسابه بدقة ، بعد دراسة للظروف الموضوعية ، والذاتية ، والمحيط , مع تقدير شرط أساسي هو أن يبقى لهذه المؤسسة القدرة على المبادرة ، وقيادة الواقع باتجاه الهدف الاستراتيجي.
أي ، أنه يجب توفر أداة إستراتيجية ، تستخدم سلاح استراتيجي ، لتحقيق خطوة مرحلية ، على طريق الهدف الاستراتيجي ، وأي خلل في هذه المعادلة ، يؤدي إلى خلل في النتيجة الحاصلة .
( 8 )
في الوطن العربي تمكنّت الهجمة المضادة لمشروع النهوض والتنوير والتحرر القومي العربي خلال العقود الماضية من أن تحاصر قوى التحرر العربي ، وأن تفتت البنى التنظيمية الهشة بالأصل ، وبالتالي خلت الساحة العربية من أدوات فعالة ، وبخاصة ، لا سلطة مركزية تحمل المشروع القومي الاستراتيجي ، ولا أداة سياسية حزبية قومية إستراتيجية ، فعالة ، تحمل المشروع الاستراتيجي للأمة العربية ، وبالتالي فإن الأداة الإستراتيجية التي يمكن أن ينسب إليها "تكتيك ما" على طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي العربي ، غائبة ، فعن أي تكتيك يتحدثون ... ؟ .
وهذا يعني أن المشروع المعادي يحّرك الأمور من خلال أدوات كثيرة منتشرة على الأرض العربية ، لتحقيق أهداف تكتيكية على طريق تحقيق أهدافه الإستراتيجية ، هو ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل .
ونحن نجزم ، أنه في ظل الظروف السائدة المناقضة برمتها ومختلف عناصرها للوجود القومي العربي الحضاري في الوطن العربي ، تكون الحلول ، والمشاريع ، والتسويات ، أو العروض المضادة ، هي فعلاً خطوات تكتيكية ، لكن على طريق الهدف الاستراتيجي المعادي للوجود العربي ، وليس تكتيكاً على طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي العربي. فالصراع الآن على الأرض العربية بين مشاريع معادية بمجملها ، ذلك أن داخل الأعداء أنفسهم مدارس ، ومشاريع ، وأساليب مختلفة ، وعصابات متنافسة ، وفي ظل غياب أداة العرب الإستراتيجية ، يغيب المشروع العربي ، وتدور الصراعات ، والمفاوضات ، والحلول ، والتسويات بين مشاريع الأعداء ، ومدارسهم ، وأساليبهم ، وقواهم المتموضعة في الوطن العربي.
( 9 )
معادلة أخرى سّهلت عملية تمكنّ "التبريرية" من العقل العربي ، وهي "عدو عدوي صديقي" ، ورغم أن هذه المعادلة صحيحة في بعض الأحيان إذا تحققت شروطها وظروفها ، إلا أنها في الوطن العربي ، وفي ظل العمليات المعقدّة ، والمركبّة التي نفذهّا المشروع المعادي على الأرض العربية ، تحّولت من معادلة صحيحة أحياناً ، إلى وسيلة لتبرير أفعال ، وردود أفعال خاطئة أحياناً ، وتخدم المشروع المعادي أحياناً أخرى ، وتبرّر الخطايا التي لا تغتفر في الأحيان كلها .
ففي ظل غياب الإدارة الإستراتيجية القومية العربية التي تحمل المشروع الإستراتيجي ، عجّت الأرض العربية بصراعات بعضها حقيقي ، وأغلبها مفتعل ، وتكاثرت أزمات حياتية ، ومعيشية ، واقتصادية ، واجتماعية ، بعضها حقيقي ، وأغلبها مفتعل ، والهدف من ذلك ليس انتصار هذا ، على ذاك ، وإنما الهدف هو الصراع ذاته ، والأزمات ذاتها ، ليدخلها الإنسان العربي قاتلاً ، أو مقتولاً ، ُمستغلاً ، أو مستغلاً , جائعاً ، أو متخماً , قاهراً أو مقهوراً, وفي ظل مثل هذه الظروف التي حفلت الأرض العربية بمشاريعها ، بالخنادق المعادية في كل مكان ، فإن مجرد النزول إلى أي خندق منها يعتبر خطأ استراتيجياً ، إن لم يكن هدراً للدماء ، فهو هدر للوقت ، وتغييّب للصراع الأساسي على الأقل.
إن أخطر مصدر للتشويش على العقل العربي خلال العقود الثلاثة الماضية ، كان تلك الصراعات الثنائية الحقيقية ، منها ، والمفتعلة التي عمت الأرض العربية ، والتي دخلها البعض مختاراً تحت وهم نسبة الصّح التي يراها في هذا الطرف أو ذاك ، أو تحت ردة الفعل ضد العدو المباشر ، بالنسبة له ، أو دخلها مرغماً في ظل سيادة التقسيمات الجبرية ، التي فرضتها ثقافة ، وأدبيات ، وأوضاع أقطاب المشروع المعادي : الإقليمية ، والطائفية ، والطبقية ، والعائلية ، والمذهبية ، وحتى الفردية , فالتصنيف المعادي للأشخاص ، والقوى فرض نفسه في ظل هيمنة المشروع المعادي , وبالتالي أصبح كل عربي عدو لعدد لا يحصى من العرب ، لا يعرفهم ، ولا يحمل أية أفكار معادية لهم ، وليس بينه ، وبينهم ، أي سبب للعداء ، فعله هو ، أو فعلوه هم ، بمواجهة بعضهم البعض... وفي ظل هذه الأوضاع الغريزية ينتفي أي عمل مجتمعي إنساني قومي حضاري وطني ، وفي الوقت ذاته ، يأنس الإنسان ، في مثل تلك الظروف ، التقييمات المطلقة لسهولتها من جهة ، ولراحة البال من جهة أخرى ، وهكذا فإن كل عربي أصبح ُمصنفاً وفق أسس وقواعد لم يختارها هو ، ولا يرتضيها ، وأصبح الذين يغردون خارج أسراب التصنيفات المقدّسة ، أو المتشيطنة ، مرفوضون من الجميع ، ومحاصرون من الجميع ..... وهكذا ساد هذا العصر الحالك الظلمة ، فلم يعد أي عربي يعرف موقعه ، ولم يعد لموقفه الحقيقي ، وفكره الحقيقي ، وتوجهه الحقيقي ، أي قيمة في تحديد العدو ، والصديق ، ولم يعد يعرف تحديد الاتجاه وسط حقل الألغام العربي الممتد بين المحيط ، والخليج ، فهو عدو رغم أنفه لأنه يحمل جين أحد المذاهب أو الطوائف أو الإثنيات ، أو الأقاليم ، وهو موال للسباب ذاتها ، وبالتالي لا قيمة ذاتية له ، أو لأفكاره وخياراته ، وبالتالي يفقد قيمته حتى كإنسان له حق الاختيار ، ويتحول إلى كائن مستلب لا مواطن هو ، وبالتالي لا وطن ، ولا شعب ، ولا حقوق ، وإنما عليه أن ينساق قطيعياً ، ويمضي حيث القطيع ، ويبرر ذلك بأن الآخر هو كذلك ، وليس له من خيار ، إما قاتلاً أو مقتولاً ...
( 10 )
لقد حوصر العقل العربي ليصبح "أعوراً" يرى بعين واحدة ، ويفكرّ باتجاه واحد ، وانسحب ذلك العور على سلوكه ، فهو لا يرى إلا سلبيات ومساوئ وعيوب الآخر ، وبالتالي ، فإن كل من يعادي هذا الطرف على حق ، وعلى صواب رغم أن هذا الأخير قد يكون أكثر خطراً وسلبية..... وعندما يتم اكتشاف ذلك ، بعد هدر الكثير من الوقت ، وربما الكثير من الدماء ، يسيطر المنهج التبريري على الموقف للحفاظ على ماء الوجه ...
إن التبريرية تحولت في الواقع العربي من حق لتوضيح نقاط غامضة أدت إلى النتائج المراد تبريرها ، إلى وسيلة هروب ، وتهرب من المسئولية ، وتضخيم الوقائع ، والقوى المضادة من جهة ، وإلى الانشغال بذلك عن مواجهة الأحداث المستجدة من جهة ثانية ، وإلى التخندق في مواقع يصبح الخروج منها في غاية الصعوبة ، حتى بالنسبة للنبلاء المناضلين الذين يدفعون حياتهم ثمناً لتمسكهم بمبادئهم ، وإليكم هذه الحادثة المعبرّة :
في واحد من أقبية السجون المنتشرة بين المحيط والخليج التقى شاب عربي متقد الحماس لأفكاره ونظريته وإيديولوجيته ، بشيخ عربي سبقه إلى الزنزانة بسنوات ، يحمل أفكاراً مناقضة للأفكار التي يحملها الشاب ، قضى من أجلها أكثر من نصف عمره في تلك الزنزانة ، وبعد العشرة ، والنقاش المتواصل المفروض عليهما وجهاً لوجه على طول الخط ، بدأ رأس الشيخ يدور ، وبدأت أفكار الشاب الجديدة تتسللّ إلى عقله ، وفجأة انتفض الشيخ بوجه الشاب يعلن انتهاء الحوار ، بشكل قاطع ، وبعد رجاء ، وتودد من قبل الشاب ، ليعرف السبب ، مقدماً الوعود والعهود للشيخ ، بأنه لن يعود للحوار معه ، فقط يريد أن يعرف السبب ، ليعتذر منه إذا بدر منه ما يسيء ، فإذا بالشيخ يفاجئ الشاب بالجواب التالي:
يا بني ، إن نتيجة الحوار بيني ، وبينك كارثة بالنسبة إلي ، لقد بدأت ثقتي تتزعزع بصحة أفكاري ، وعقيدتي ، ومن الواضح أن الكفة بدأت تميل باتجاهك ، وبالتالي ، فإن استمرار هذا الحوار بيننا يعني الوصول إلى إحدى النتيجتين التاليتين :
الأولى : أن أقتنع بصحة أفكارك ، وهذا يعني أن السنين الطويلة التي قضيتها من عمري في هذه الزنزانة كانت بدون مبرر ، وهذه كارثة .
الثانية : أن أكابر ، وأدعي التمسك بما أعتقد ، مما سيزيد من اضطرابي النفسي ، وأعصاب الشيخوخة ، يا بني ، لا تحتمل هذا الاضطراب ، وهي كارثة بالنسبة إلي أيضاً .
فدعني ، يا بني أحافظ على استقراري النفسي ، على الأقل في الزمن القليل الباقي ، وهو ليس طويلاُ على أية حال . وانتهى الحوار .
لكن لهذا الحديث بقية ...
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-28-2010 07:07

على بساط الثلاثاء 106
يكتبها : حبيب عيسى
التبريرية ..... في العقل العربي 3




(1)
باختصار شديد ، نقول أن الصراعات في الوطن العربي ليست ذات عناصر بسيطة محددة المعالم واضحة من حيث المنشأ والمآل ، وإنما عناصرها متداخلة هجينة المنشأ ناتجة عن تزاوج عناصر داخلية بعناصر خارجية يتداخل فيها التوافق بالتنافر ، وبالتالي لا يمكن تبسيطها حتى تنطبق عليها القاعدة القائلة " عدو عدوي صديقي" ، فنحن الآن في مواجهة صراعات ، ومشاريع ، وفتن ، واقتتال ، قد يكون جميع الأطراف فيها أعداء لمشروع الأمة العربية النهضوي التحرري ، وفي الوقت ذاته يتصارعون فيما بين بعضهم البعض بوحشية لا حدود لها ، فالأطراف الفاعلة على السطح العربي ، محلية ودولية وإقليمية ، في ظل انحسار المشروع القومي العربي التحرري النهضوي ، إما معادية علماً وفعلاً – حالة القوى الخارجية على تنوعها - ، وإما معادية جهلاً وفعلاً – حالة القوى المحلية على تنوعها - ، للمشروع النهضوي التحرري العربي , وإنها مع الاختلافات النسبية بينها ، إلا أنها مجتمعة تتصارع على حجم نصيبها في الوطن العربي ، وتحمل مشاريع هذا التحاصص الإقليمي ، أو الطائفي ، أو المذهبي ، أو الأثني ، أو القبلي ، أو النفطي ، أو الدولي ، كل ذلك في إطار تبعية الأطراف العربية المتصارعة على تنوعها لقوى الهيمنة الدولية ، وهي جميعها "أرادت هذا أو كرهت" ترسم هذه الصورة القاتمة الراهنة لواقع الأمة العربية ، التي لابد للعرب العرب ، الذين يهمهم الأمر ، من اعتناق أفكار مغايرة ، وممارسة أفعال مغايرة ، لتغيير هذه المعادلة المظلمة والظالمة .
عنوان آخر استخدم لتبرير العديد من المواقف ، والمشاريع في الوطن العربي يقول العنوان : لابد أن نحصد نتيجة الأفعال التي تحصل ، لابد من نتيجة نحققها من جراء حرب أكتوبر "تشرين الأول" ، مثلاً ، لابد من نتيجة لانتفاضة الحجارة في فلسطين ، لابد من نتيجة لمقاومة 2006 في لبنان ...؟!، حتى لا تضيع الحروب ، والانتفاضات ، والمقاومات هدراً ، والعنوان صحيح بجوهره ، غير منكور من أحد ، فمن العبث أن يقوم فرد ، أو جماعة ، أو دولة ، أو مؤسسة ، أو مقاومة ، بفعل ، ما ، بحرب ، بمقاومة ، دون استهداف نتيجة من جراء هذا الفعل . لكن حتى يصّح ذلك لا بد من تحقيق شروط بالفعل المقصود ، وشروط أخرى بالنتيجة المطلوب تحقيقها ، ومن ثم الترابط بينهما ، فهل كامب ديفد أوفصل القوات نتيجة عادلة لحرب تشرين الأول "أكتوبر" ؟ ، وهل "أوسلو" نتيجة عادلة للمقاومة والانتفاضة في فلسطين ؟ ، وهل قرار 1701 الدولي واستقدام 15000 جندي أجنبي إلى جنوب لبنان لحراسة مستوطنات الصهاينة في فلسطين نتيجة عادلة لصمود المقاومة في جنوب لبنان ؟ ، وهل ؟؟؟.
( 2 )
هكذا ، إذا لم يتم تحقيق الشروط للربط الإيجابي بين الفعل والنتيجة قد نحصل على نتائج معاكسة ، ولعل من أهم هذه الشروط أن تكون النتيجة المتوخاة متناسبة مع الهدف الذي من أجله تم تنفيذ الفعل ، وأن يكون تحقيق هذا الهدف متوقفاً على وقوع الفعل ، وأن يكون تحقيقه غير ممكن إلا بتنفيذ الفعل الذي حدث ، فإذا كانت تلك النتيجة متاحة بدون الفعل ، فإن هذا يعني أن الجهود والدماء التي بذلت في الفعل تكون قد ضاعت هدراً ....، فكيف إذا كانت النتيجة التي تم التوصل إليها تتناقض مع الهدف المعلن للفعل في الأساس ...؟؟ .
في الوطن العربي استخدمت الكثير من الأفعال الإيجابية لتحقيق تنازلات سلبية ، ونتائج مناقضة ومتناقضة ، والأمثلة على ذلك لا تحصى . والتبرير كان يأتي دائماً من منطلق ضرورة الوصول إلى نتيجة , وخلال الوصول إلى النتيجة تبدأ المساومات ، وبدلاً من تصليب المواقف استثماراً للفعل ، والوقوف عند مطالب تتناسب ، والفعل ...، تبدأ التنازلات خطوة ، خطوة , ويتم تحديد الخيار ، لاختيار أحد موقفين ، إما تقديم التنازلات ، وإما لا نتيجة .... إلى أن يصلوا في النهاية إلى "نتيجة" لا علاقة لها بالفعل الذي حصل ، وبالدماء التي بُذلت ، بل غالباً تنتهي بتنازلات أقل ما يمكن أن يقال فيها ، أنه كان من الممكن الحصول على نتائج أفضل منها بدون الحروب ، والمقاومات ، والفعل ، والدماء ، ذلك أن المعروض رسمياً من الطرف المعادي قبل تلك الأفعال والتضحيات كان أكثر بكثير من الصفقات التي عقدوها نتيجة معارك وتضحيات ومقاومات ... .
( 3 )
المثال الصارخ على ذلك حرب "أكتوبر" تشرين أول ، نذكرها على سبيل المثال ، لا على سبيل الحصر ، لنقيس عليها بعد ذلك....
في السادس من "أكتوبر" تشرين الأول 1973 ، انطلق الجيش العربي في مصر ، والجيش العربي في سورية باتجاه أراضي "دولة مصر" المحتلة ، وأراضي "دولة سورية" المحتلة من قبل "دولة إسرائيل" ، والهدف لم يكن تحرير فلسطين العربية ، بل كان محدداً بتحرير أراضي "الدولتين" تحت شعار "إزالة آثار عدوان 1967" دون تقديم تنازلات "لدولة إسرائيل" بما يتعلق بفلسطين ، ذلك أن السلطة في الدولتين كانت قد رفعت شعار إزالة آثار عدوان 1967 ، أي العودة إلى خطوط هدنة 1948 لا أكثر من ذلك بينما كانت "دولة المستوطنات الصهيونية" تشترط للانسحاب إجراء مفاوضات واعتراف متبادل وتطبيع علاقات ، إذن فغن الهدف المعلن من الحرب كان تحقيق الانسحاب على حدود 67 دون الصلح والاعتراف والتفاوض والتطبيع لا أكثر .
( 4 )
والفعل الذي هو "الحرب" ، هنا ، كان لابد منه لتحقيق هذا الهدف تحديداً لأن المشاريع الصهيونية ، والدولية المعروضة على كل من سورية ومصر ، حتى ذلك الوقت كانت تتضمن مقايضة انسحاب "جيش دولة إسرائيل" من أراضي "الدولتين" ، بشروط محددة منها : اعتراف الدولتين "بدولة إسرائيل" ، والتطبيع معها ، والتعامل معها اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياحياً وسياسياً ، باختصار ، المطلوب وفق تلك المشاريع أن تعلقّ الدولتان انحيازهما في الصراع الدائر خارج حدود دولتيهما الإقليميتين بين الشعب العربي الفلسطيني ، وبين "دولة إسرائيل" ، والإعلان جهاراً ، نهاراً ، أن فلسطين ، أو بعضها على الأقل ، هي "دولة إسرائيل" ، وأن تلك الفلسطين ، أو بعضها ، ليست من الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني.
وبما أن السلطتين في الدولتين "سورية ومصر" رفضتا المقايضة ، وقررتا تحرير أراضي الدولتين المحتلة من قبل "دولة إسرائيل" دون شروط تتعلق بفلسطين ، كان لابد من فعل الحرب لتحقيق هذه النتيجة.
( 5 )
وحصل فعل الحرب في الواقع ، لكن ماذا كانت النتيجة التي ُنسبت في النهاية إلى حرب أكتوبر "تشرين الأول" ؟؟ .
لنتتبع الطريق إلى النتيجة خطوة ، خطوة ، وكيف اسُتخدمت كل خطوة لتبرير الخطوة التالية ، تراجعاً حتى عن ما كان معروضاً قبل فعل الحرب .
قالوا بعد وقف إطلاق النار 1973، أولاً ، لابد من التفاوض المباشر ، فجميع الحروب تنتهي بالتفاوض ، ولنبدأ بالعسكر :
إذن لابد من الاجتماع العلني بين العسكر من الطرفين لفصل القوات حتى يتم البحث في الوصول إلى النتيجة ، بهدوء. وحصل . وعلى العرب أن يعتادوا على المشهد ، مشهد أعلام الدول الإقليمية ، وعلم "دولة إسرائيل" على طاولة واحدة ، وقد اعتادوا ...
ثم لابد من اتفاقية للفصل بين القوات تحصل بين الأطراف ويحميها العالم ممثلاً بالأمم المتحدة ، والجيوش الدولية ، وحصل ، "اتفاقية الفصل في سيناء,اتفاقية الفصل في الجولان".
"دولة إسرائيل" غير مستعدة لتقديم "تنازلات" أخرى إلا بإنهاء حالة الحرب وتحديد أراضي مجردة من السلاح ، وحصل ، المناطق أ و ب و ج من دمشق إلى الجولان ، ومن القاهرة إلى سيناء ، وتوجت المرحلة "اتفاقية سيناء الثانية" المذلة .
"دولة إسرائيل" لم تعد تستطيع تقديم تنازلات أخرى ، وعلى الرئيس السادات ، إما أن يعلن فشل مشروع السلام ، أو الذهاب إلى "إسرائيل" ، واختار سيادته الذهاب , فمن غير المعقول أن يعلن فشل مشروعه ؟ !.
على منبر "الكنيسيت الإسرائيلي" أعلن الرئيس السادات "مشروعه للسلام" مع "دولة إسرائيل" ، وعرض حسن الجوار ، وقدّم رجاء بالانسحاب من سيناء ، والأرض العربية المحتلة الأخرى ، باستثناء الأرض التي تقوم عليها "دولة إسرائيل" حتى عام 1967 ، فهذه "لم تعد عربية" من وجهة نظر سيادته .... ورفضت "إسرائيل" الانسحاب من سيناء ، وكان على سيادته أن يعلن استقالته كما وعد ، أو أن يقدم تنازلات أخرى ، ومرة أخرى اختار سيادته الحل الثاني.
أصبح الرئيس أنور السادات نجماً عالمياً ، وأعلن الرئيس جيمي كارتر رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية في الإسكندرية ، أنه يخشى على منصبه من شعبية الرئيس السادات في أمريكا وحمد الله أن السادات ليس أمريكياً ، وإلا لما كان له "كارتر" حظ في الرئاسة ، ثم بعد ذلك استدعي سيادة الرئيس السادات إلى منتجع كامب ديفيد لتوقيع الصفقة بتسوية الأمور بين مصر و"إسرائيل" ، وكان على سيادته ، إما أن يوقع على الصفقة ، ويعلن لا حرب مع "إسرائيل" بعد الآن ، أو يعلن فشل مبادرته ، واختار سيادته التوقيع والإعلان . ونحن نقول أن تلك الصفقة كانت قرار إسرائيلي – أمريكي ، ولا نقول "اتفاقية كامب ديفيد" الثلاثية ، لأن أي قراءة متأنية لما سمي "اتفاقية كامب ديفيد" توضّح أن النص من حيث الصياغة ، والإسناد ، والنتيجة يخدم طرفاً وحيداً هو دولة "إسرائيل" التي نقلت علمها من أقصى سيناء في الشرق ، إلى قلب القاهرة يرفرف فوق سفارتها ، ثم أعلنت "دولة إسرائيل" التي يجب مراعاتها لأنها "دولة ديمقراطية" أو "دولة مؤسسات" بأن ما قدمته في "كامب ديفد" كان تنازلاً ، وأنها لن تعود لمثل ذلك ، فكما أعلن الرئيس السادات أن حرب اكتوبر كانت آخر الحروب ، فإن انسحابها من سيناء هو آخر الانسحابات .
( 6 )
فهل يمكن ، بأي حال من الأحوال ، اعتبار "معاهدة كامب ديفيد" و"اتفاقية فصل القوات" هي المعادل لدماء الشهداء في حرب "أكتوبر" تشرين الأول في كل من مصر وسورية..؟ ، وهل يمكن اعتبار هذه النتيجة هي الغاية التي كان يتوخاها الشهداء ؟ .
إن أي مهتم يستطيع دون عناء أن يرجع إلى ما قبل 6أكتوبر "تشرين أول" 1973 ، ليقرأ مشاريع رسمية عرضها المسئولين الصهاينة في "دولة إسرائيل" على مختلف مستوياتهم ، واتجاهاتهم ، تعرض على "الدول المجاورة" أكثر بكثير من عقد الإذعان الذي وقعه السادات في "كامب ديفيد" ، ومن "فصل القوات" ... فلماذا كان فعل الحرب ، إذن....؟!! ، ولماذا دماء الشهداء ؟؟
ثم إلى الذين يريدون التعلم مما جرى نقول : فقط ، قارنوا في المواقف ، وتساءلوا لماذا؟؟؟
قارنوا بين مشروع الرئيس السادات عشية حرب أكتوبر ، وبين مشروعه على منبر الكنيسيت ، وبين "اتفاقية الكامب" ، وتساءلوا ، فقط مجرد تساؤل ، لماذا حصل كل هذا التنازل ، وكيف؟؟؟
المهم , أليس من المعيب بعد ذلك كله أن ننسب معاهدة "كامب ديفيد" كنتيجة لحرب أكتوبر ... هل يكفي هذا كمقياس؟ ، وهل يجرؤ أحد على اعتبار "أوسلو" نتيجة لتضحيات أطفال إنتفاضة الحجارة في فلسطين العربية وحجة تبريرية بأنه كان لابد منها حتى لا تذهب دماء الانتفاضة هدراً..؟ ، هل نتابع النتائج المخذية التي تم تركيبها على البطولات والتضحيات المشرّفة ...؟؟؟!!! .
باختصار شديد ، نقول أننا فجعنا خلال العقود القليلة الماضية بكثير من الأفعال والجهود والنضالات والتضحيات والمقاومات التي التفت حولها الجماهير العربية ، بل وصنعتها الجماهير العربية في أغلب الأحيان ، وقدمت الأمة العربية في سبيل تحقيقها أغلى التضحيات وأعز الشهداء وأهدرت في سبيلها دماءً غزيرة ، وإمكانيات هائلة ، ثم كانت المحصلة كارثة على الصعد كافةً ، فهل يكفي ما حدث لوضع حد للتضليل؟ .
( 7 )
التبرير بالمستقبل : عندما تسقط الحجج التبريرية السالفة بأي حوار جاد يتم اللجوء لما يمكن أن يحدث في المستقبل ، لتبرير موقف ُمخذ راهن .
يقولون: دعونا الآن نفعل ما نقدر عليه ، وما تسمح به الظروف الموضوعية ، وغداً ، أو بعد غد ، ستكون الجماهير العربية قادرة على أن تمحو ما تريد ، وتصنع ما تريد ، وتحرق الصكوك التي لا تريد .
لاشك أن العرب العرب يستمدون المقدرة على تحمل المصائب التي تنزل على رؤوسهم هذه الأيام من تلك المقولة ، ومن ثقتهم الإستراتيجية بالمستقبل ، وبمقدرة الجماهير العربية على أن تفرز "طليعة عربية" تحقق مشروع التحرير والنهوض والتنوير ، ويبحثون لأنفسهم ، ولأولادهم ، وللأجيال العربية القادمة عن دور في هذه المهمة التاريخية ، لكن أن يتم استخدام هذا الحلم , الأمل ، وتحويله إلى وسيلة مضللة لتبرير أفعال ، ومساومات ، وتنازلات راهنة مخذية ، فهذا ما يجب أن يتم وضع حد نهائي له .
إن الحد الأدنى من الجدية يقتضي التأكيد على المبادئ الأساسية لتقييم أي موقف سياسي ، أو غير سياسي ، فالموقف يكون صحيحاً ، أو غير صحيح ، لا بقدرة الأجيال القادمة على تغييره ، أو إلغائه ، وإنما بتحديد المعايير الذاتية ، والموضوعية لهذا الموقف . والمعيار الأساسي الذي يحسم المسألة ، هو : لمصلحة من هذا الموقف..؟ ، هل يخدم الهدف الإستراتيجي ، أو حتى المرحلي ، أم يخدم الخصم ؟ ، وعلى هذا الأساس يمكن تقييمه سلباً ، أو إيجاباً..
( 8 )
وفي الوطن العربي ، في ظل ظروف بالغة التعقيد وجدنا أنفسنا أمام مواقف وأفعال كثيرة تندرج ، في ظل أي تقييم جاد علمي ، تحت عنوان مواقف وأفعال معادية لأي هدف استراتيجي ، أو مرحلي للأمة العربية ، وأن المكان الحقيقي لتلك المواقف والأفعال ، هو ، في استراتيجية القوى المعادية . ويستطيع أي متتبع أن يجد في الإستراتيجيات المعادية ما يتطلب مثل هذا الموقف ، وذلك الفعل.
إن الأجيال العربية القادمة إذا تجاوزت الأمراض التي عانى ، ويعاني منها جيلنا ستمحوا ، وتغيّر ، وتحرق ما يجب محوه ، وتغييره ، وحرقه . لكن لا يحق ، بأي حال من الأحوال ، للذين ينفذوّن هذه الأفعال ، والمواقف السلبية ، من أبناء جيلنا ، أن ينكروا للحظة واحدة أنهم يورثوّن تلك الأجيال القادمة بمواقفهم هذه ، وأفعالهم تلك ، أعباء إضافية , وأنهم ، سواء كانوا يدرون ، أو لا يدرون أضافوا إلى الأعباء الجسيمة ، أعباء جديدة ، وراكموا المواقف والأفعال المعادية ، وبالتالي ، فإنهم في ظل أي تقييم علمي وموضوعي ، وبعيداً عن العواطف ، ينتسبون هم ، وأفعالهم إلى المشروع المعادي للوجود القومي العربي النهضوي التنويري . فهل يكفي ما حدث حتى الآن لوضع حد للتضليل ؟ .
( 9 )
وأخيراً ، فإننا نعرض لأسلوب تبريري ذو طبيعة هجومية ، يقول: (عجيب أمر هؤلاء العرب القوميون يتحدثون عن الإستراتيجية ، وأفعال إستراتيجية ، وهم عاجزون عن اتخاذ مواقف ، أو تنفيذ أفعال ، لا إستراتيجية ، ولا حتى مرحلية . وهم عوضاً من أن يداروا أنفسهم خجلاً من هذا العجز ، والفشل ، ويحاولون تداركه اتجهوا إلى تبرير عجزهم ، وتخاذلهم بالتهجم على كل من يعمل ويناضل في الوطن العربي ، يكفروّن الجميع ، ويهاجمون الجميع ، ولا يعجبهم العجب العجاب ، وهم التبريريون ، في حقيقة الأمر ، ينطبق عليهم القول الشعبي : "لا يعملون ولا يتركون الآخرين يعملون" ، ويتابعون :
هل استطاع القوميون توحيد الأمة العربية ، ونحن رفضنا؟؟
هل حررتم فلسطين من البحر إلى النهر ، ورفضنا؟؟
هل أقمتم نظام العدالة الاجتماعية ، ورفضنا؟؟
هل أقمتم دولة العرب الديمقراطية ، ورفضنا...؟
هل ، وهل ....وهل...؟ ، ثم يتابعون : أنتم أيها القوميون من رفع الأهداف القومية والتحررية والاشتراكية والديمقراطية والتوحيدية ، وأنتم من نكص عنها ، واتجهتم إلى تبرير نكوصكم ، ولا نقول هزائمكم ، بشتى أنواع التبرير ، أنتم من أقام النظم الشمولية والاستبدادية والقمعية تحت مظلة صخبكم عن الحرية ، وأنتم من رسّخ الإقليمية والصراع الإقليمي ، بل أنتم من انحدر إلى تفتيت المُفتت ، وإلى فتن ما قبل المواطنة حتى في الأجزاء ، تحت شعاراتكم الصاخبة عن الوحدة العربية ، وأنتم من أنتج المافيات والفساد والنهب تغلفون ذلك بالصراخ عن حقوق العمال والفلاحين وترفعون شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ، هل هناك حاجة لتذكيركم بما فعلتم بالمجتمعات التي تحكمتم بها ؟ ، بل هل هناك حاجة لتذكيركم بما فعلتم ببعضكم بعضاً حتى داخل التيار القومي العربي ذاته ؟ .
"وإذا كنتم أيها القوميون العرب لم تفعلوا إلا عكس الأهداف التي ادعيتم رفعها ، وكانت نتائج سائر أفعالكم تصب في المقلب الآخر الذي أبعد الأمة العربية عن التحرر والتوحيد والعدالة الاجتماعية والتنمية والنهوض والتنوير ، فهل تكفوّا أيها القوميون عن التشويش على الذين يعملون ، وتوفرون النصائح ، والتشدق بالأهداف الكبيرة ، والرفض ، والشعارات ... وإلى آخره ، لأنفسكم .. ويتابعون : هذا ما استطعناه نحن ، فإذا كنتم تستطيعون تحقيق أفضل من ذلك تفضلوا إلى الساحة ، لنصّدق أن هناك علاقة إيجابية بينكم ، وبين ما تقولون ، إن المأزق الذي تعيشون هو من صنع أيديكم ، فأنتم أولى بالدعوة للكف عن التبرير ... ).
( 10 )
بدون مواربة ، وبدون تبرير ، وبدون إنكار ، نقول إن المشروع القومي العربي التحرري والنهضوي ما كان في الموقع الذي هو فيه الآن لولا الأخطاء والخطايا التي ارتكبت باسمه ، والرواد القوميون الجدد مطالبون بالمراجعة لا بالتبرير ، لقد قال الشاعر العربي يوماً : " إذا مررت بإختها فحد " ، وهم الآن ، بالضبط الآن ، عليهم أن يحيدوا عن المثالب والأخطاء والأساليب والخطايا التي أودت بإسلافهم إلى ما هم عليه ، لهذا ، فنحن لن نرد على الذين يتهجمون على المشروع القومي العربي بتبرير ما اقترفه السفهاء منا ، بما اقترفه ومازال يقترفه السفهاء منهم ، وإنما سنرد بتصويب المسار القومي إلى الغائية القومية العربية التقدمية ، منهجاً وأسلوباً وحركة وسلوكاً وصدقاً ومرؤوة وشهامة وشجاعة وأنسنة وعدالة ومساواة وتأدية للواجبات قبل المطالبة بالحقوق ، بالقطع مع الفردية والأنانية والاحتكام إلى المؤسسات القومية والمجتمعية ، والالتزام بالمواثيق والعقود التي تقرها الجماعة ، والولاء والانتماء للوطن والأمة بحيث تمر سائر الانتماءات الأخرى عبر هذا الولاء والانتماء ، نقول ذلك من مواقع الحصار ، لكننا سنقوننه في مواقع الانتصار ، حرية الإنسان أولاً ,وحريته أخيراً ، فليس هناك قضية مهما كانت تبرر انتهاك حقوق الإنسان أو وضع القيود على حركته أو الحد من حقه في التعبير أو استغلاله ، نقول ذلك ، ونحن نقرّ أن المشروع القومي العربي النهضوي التحرري منحسر فعلاً ، ومحاصر ، وعاجز آنياً عن مواجهة المشاريع المعادية ، والقوى المناقضة له تسيطر على الواقع العربي موضوعياً ، وتتخذ المواقف ، وتحرك الأحداث باتجاهات معاكسة لما يستهدف , وتصنع هذا الواقع الذي نحيا , كل هذا صحيح ، وغير منكور من أحد ، ولم يعد ُيجدي القوميون العرب التقدميون تبرير ذلك ، بمؤامرات الإمبريالية والصهيونية والرجعية والقوى المضادة ، فالذي مكنّ القوى المضادة من هزيمة القوميين ومشروعهم النهضوي هو القصور الذاتي للقوميين أنفسهم ، وممارساتهم المعاكسة لأهدافهم ، وبالتالي عليهم الانتقال من التبرير إلى المراجعة ، فلهذا القصور والانحسار والهزائم أسباباً ذاتية خاصة ببنية المشروع القومي العربي التقدمي ومنهجه وأساليبه ، والمشكلة التي تنتظر الحلول كامنة في بنية المشروع القومي العربي التقدمي ، أما القوى المضادة ، فمن حقها أن تسعى لتحقيق مشاريعها المعادية للأمة العربية ، وأن تستغل الثغرات في المشروع القومي التقدمي ...
البداية ، إذن ، تكون بأن يكفّ القوميون العرب التقدميون الجدد عن التبرير ، وأن يقطعوا مع الأساليب والنهج الذي أودى بهم ، وبالأمة العربية إلى الدرك الذي نحن فيه جميعاً ، هكذا تصبح المراجعة فعل إيجابي يؤسس لمصير عربي تستحقه أمة الحضارات ، وليس مجرد بكاء على الأطلال ...
نقول ذلك ، ونحن ندرك أن الكثيرين من الذين يتهجمّون على المشروع القومي العربي النهضوي التحرري لا يبتغون تصويب مشروع النهوض والتنوير ، وإنما يهدفون إلى تبرير مشاريعهم المناقضة للمشروع العربي بالتركيز على الممارسات التي ُتنسب إلى المشروع القومي ... إلى هؤلاء نقول : نحن اكتشفنا القشة في عيوننا ، ونسعى للمعالجة ، فهل تتنبّهون أنتم إلى الخشبة التي في عيونكم ...؟ . وهل المشاريع غير القومية العربية في أحسن حال ...؟ ، باختصار شديد نقول : أن المشروع القومي العربي أرتكب الأخطاء والخطايا في الأساليب أما المشاريع المناقضة له ، فتعاني من الأخطاء والخطايا في الأساس ، في الأهداف والغايات ، ولعلنا في هذا المقام نستحضر حكمة لإحد أجدادنا العظام عندما قال : "ليس من طلب الحق فأخطأه كمن سعى إلى الباطل فأدركه" ، فهل ما جرى ، ويجري في الوطن العربي سيؤدي إلى المراجعة داخل تلك المشاريع ؟، وفي هذا المجال ، هل لنا أن ندعوهم إلى الكلمة السواء في الأساس والغايات ، في الوقت الذي نحدد فيه الطريق القومي الصحيح إلى الحق ، فندركه معاً ؟ ، لهذا نقول :
"مازال للحديث بقية ..."
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-04-2011 08:05

على بساط الثلاثاء
107

يكتبها : حبيب عيسى


التبريرية ... "4"
في العقل العربي




( 1 )
نحن إذن نضع حداً فاصلاً بين الحوار المطلوب والملحّ داخل مشاريع النهوض والتحرير والتقدم حول مثالب وأخطاء مشاريع النهوض العربية التي أدت إلى هزيمتها وانحسارها جميعاً ، ومن بينها المشروع القومي العربي التقدمي ، وبين التهجم على مشروع النهوض والتقدم القومي العربي في الأساس بهدف سحقه تماماً ، والتخلص منه واستبداله نهائياً بمشاريع الطوائف والإثنيات والمذاهب والديانات و"الأقاليم الشرق أوسطية" ... الحوار الأول ذو طبيعة جدلية لتصويب المسارات ، وبالتالي فهو مطلوب بإلحاح ، أما التهجم الثاني فهو صراع وجود وهوية واستقلال ، وبالتالي فهو صراع حاسم أدواته تتجاوز الحوار أحياناً لرد التهجم والتضليل بكشف مشاريع الهيمنة المضادة ، الدولية ، والإقليمية ، وارتباط مشاريع الفتن والتفتيت المحلية بها ... ومقاومتها .
في مواجهة حملة التضليل التي تستهدف التيار القومي العربي التقدمي في الأساس بهدف النيل من مشروع النهوض والتحرير ذاته ، لابد من توضيح بعض الحقائق ، وهذا يقتضي ، إذا كنا نريد لهذا الحديث الابتعاد عن المهاترات ، والمهاترات المضادة ، أن نفصل بين عنصرين رغم أنهما متلازمين أصلاً :
العنصر الأول : المواقف ، والأفعال التي جرت ، وتجري في الواقع العربي ، في غيبة ، أو بعد انحسار التيار القومي العربي التقدمي وهزيمته .
العنصر الثاني : الأسباب الذاتية ، والموضوعية التي أدت إلى انحسار المشروع القومي العربي التقدمي ، أو إلى هزيمته كما يقول البعض .
ونحن نعترف ، ابتداء ، أن الفصل بين العنصرين ، هو فصل تعسفي ، ذلك أنه لولا انحسار المشروع القومي العربي التقدمي لما كانت هذه المواقف ، ولا تلك الأفعال ، لكننا نفعل ذلك لضرورة البحث ، وتوضيحاً وتظهيراً للصورة ، ولكي نضع حداً للتضليل الذي يحاول تبرير مواقف ، وأفعال ، ليست غير قومية ، وحسب ، وإنما هي أفعالاً وممارسات معادية تهدّد الوجود العربي ذاته أساساً . بأفعال مباشرة من قبل "لا قوميين بالأصل" ، أو من قبل مرتدين عن المشروع القومي ، ثم يبررون ذلك كله بأخطاء وخطايا ُتنسب بحق ، أو بدونه إلى فصائل كانت في يوم من الأيام تنتسب إلى المشروع القومي العربي التقدمي ، أو تنسب نفسها إليه بهدف الانتهاز والانتفاع والتبرير ، وبالتالي من حق القوى المضادة للوجود العربي – هكذا يقولون - أن تملأ الفراغ بعد انحسار التيار القومي العربي التقدمي ، وبعد أن فشلت أطروحاته ومشاريعه ، فالمسألة لم تعد كيف نبني دولة الأمة العربية التقدمية الاشتراكية العادلة التي تضمن المساواة بين جميع مكونات المجتمع العربي ، وإنما كيف نبني كونتونات بديلة عن الوجود القومي العربي لأن الأمة العربية ليست موجودة أصلاً – هكذا يقولون - إلا في أوهام أولئك القوميين الذين أثبتت التجارب المرة فشلهم ليس في إقامة الدولة القومية العربية ، وإنما فشلوا في حكم الأجزاء الصغيرة التي تحكمّوا فيها وانتهت تجاربهم إلى كوارث مأساوية .....
أولاً : عن العنصر الأول : نقول إن تقييم المواقف والأفعال التي جرت ، وتجري في الواقع العربي في غيبة أو انحسار الموقف والفعل القومي العربي وهزيمته ، يجب أن يبدأ وينتهي بتقييم طبيعة الموقف ، والفعل ، ومضمونه الحقيقي ، واتجاهه ، وتقييم المشاريع المعادية الخفية والعلنية ، ثم وضع ذلك الفعل أو الموقف في موقعه الحقيقي من تلك المشاريع توافقاً وانسجاماً ، أو تصادماً ومواجهةً ، والمواقف والأفعال هنا تنتسب لأصحابها ، ولا يصح تبريرها بأن بعض فصائل المشروع القومي العربي ، أو البعض منها ، كانوا في السابق قد ارتكبوا الأخطاء أو الخطايا كذا وكذا ، ذلك أن الخطأ لا يبرر الخطأ ، كما أن الخطيئة لا تبرر الخطيئة ، وبالتالي فإن انحسار المشروع القومي العربي النهضوي التحرري لا يبرر الأفعال والمشاريع المناقضة ، فحتى هذه اللحظة ، وبعد أربعين عاماً من غياب جمال عبد الناصر ، على سبيل المثال ، مازال أي انتقاد يوجهه القوميون لممارسة مخذية ، أو موقف متخاذل راهن قد يتجاوز حدود الخيانة ، يتم الرد عليه : أن جمال عبد الناصر كان قد فعل كذا أو تصرف كذا .... ، وإذا كان هذا هو شأن القوى المضادة ، فمن باب أولى القول إن ما يجري هذه الأيام لا يبرر للقوميين العرب التقدميين القبول بتلك المشاريع ، أو الرضوخ لها بحجة انحسار مشروعهم ، وافتقاد أدوات المقاومة .
فالمواجهة الرافضة هنا ليست ضرباً من الخيال غير المنتج ، وإنما حلقة هامة من عملية ثورية تراكمية لابد منها لتتكامل الحلقات تحضيراً لاستئناف النضال الثوري النهضوي العربي القومي ، ثم تنفيذاً له ، ثم الوصول إلى الغاية الثورية ، وهكذا ، فالعملية الثورية عملية إبداعية خلاقة مركبة متكاملة تراكمية تستهدف تغييّر الواقع . والواقع العربي الراهن يموج بتيارات صاخبة في قاعه ، وما يطفوا على السطح من زبد ، وشوائب ليس إلا إفرازاً ، وفرزاً حقيقياً لما يجب التخلص منه ، رغم أن العين المجردة لا ترى على السطح إلا ذلك الزبد ، وتلك الشوائب .
نقول هذا ، أولاً ، لدفع محاولات بث اليأس في النفوس ، وللتمسك بقاعدة قالها يوماً واحد من المناضلين العرب : "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس" ، ونقوله ثانياً لندافع عن حق العربي في قول : "لا" ، ذلك أن الهجمة التسلطية المعادية وصلت إلى حد إلغاء هذه ال : "لا" من مفردات اللغة العربية ، كما ألغتها من نتائج الاستفتاءات . ونقوله ، ثالثاً ، لنؤكد حماية الحق الإنساني لكل مواطن عربي في تقييّم أي فعل ، أو موقف ، واحترام حرية الرأي ، والاختلاف ، لأن التسليم ، والتصفيق لما يجري ، ليس الموقف الوحيد المتاح ، ونقوله رابعاً ، لنقرّر أن التصالح مع القوى المهيمنة على الواقع العربي مجتمعة ، أو الالتحاق بإحداها ضد الأخرى ، ليس واقعية ، ولا مرحلية ، ولا تكتيك ، وإنما هو استسلام ، واستلاب من أولئك الذين يتحدثون الآن ، أو تحدثوا في أي وقت مضى ، أو سيتحدثون في أي زمن قادم ، عن أمة عربية موحدة متحررة , عن استقلال ، وسيادة ، عن لا تبعية ... عن لا استغلال ... لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ، فهل يكفي هذا لوضع حد للتضليل .
( 2 )
ثانياً: عن العنصر الثاني المتعلق بالعوامل الذاتية ، والعوامل الموضوعية التي أدت إلى انحسار المشروع القومي العربي التقدمي ، أو هزيمته نقول :
1 - العوامل الذاتية : الأزمة الذاتية الفكرية والتنظيمية لحركات ، وأحزاب المشروع القومي العربي النهضوي في التاريخ المعاصر متعلقة بولادة تلك الحركات والأحزاب . فقد نشأت تلك الحركات والأحزاب أساساً في مواجهة الاستعمار العثماني ، وخاصة بعد سيطرة حركات التتريك على السلطة في "اصطمبول" مع بداية القرن العشرين ، وكذلك في مواجهة التوحش الرأسمالي الأوربي الذي انتقل من مرحلة الصراع على أوربا إلى غزو واستعمار العالم حيث الوطن العربي يمثل الحلقة الأساسية ،ولعل هذا ما يفسر الاختلاف في بنية قوى المقاومة العربية التي تنشد الحرية والاستقلال ، بين الشرق العربي الآسيوي الذي كان يواجه سطوة التتريك العثماني ، وبالتالي فإن مستند المقاومة كان الحفاظ على الهوية العربية واللغة العربية والتحصن بأسلاف العرب وحضارتهم ، وبين بنية المقاومة في الغرب العربي الإفريقي بدءاً من مصر وحتى نواكشوط حيث كانت المقاومة تواجه سطوة الاستعمار الأوربي ، وبالتالي فإن مستند المقاومة هناك كان الدين الإسلامي والتمسك حتى بالدعوة لعودة الخلافة العثمانية في بعض الأحيان لمواجهة الغزو الأوربي .
لكن الحركات والأحزاب القومية العربية التي أخذت من الناحية التنظيمية شكل نوادٍ وجمعيات عربية في المشرق العربي مع بداية القرن العشرين ، وجدت نفسها ، وفي الوقت ذاته بمواجهة المشروع الاستعماري الأوروبي المعادي للمشروع القومي العربي التوحيدي ، والذي لم يقتصر على جيوش المستعمرين الأوربيين الذين تدفقوا إلى الوطن العربي ، وإنما ترافق ذلك مع تركيب الدول من كل نوع لتقسيم الوطن العربي رسمياً ، ولم يقدّر رواد تلك الحركات القومية العربية الموقف تقديراً صحيحاً ، فتوّهم البعض منهم أنهم يستطيعون الاعتماد على الأوروبيين للتخلص من العثمانيين ، وتوهم البعض الآخر إمكانية الاعتماد على الأتراك للتخلص من الاستعمار الأوربي ، فنشأت الحركات والأحزاب القومية العربية في المشرق العربي ، ونشأت الحركات والأحزاب الإسلامية في الغرب العربي ، لكن مع هزيمة الأتراك أمام الزحف الأوربي انفرد الاستعمار الأوربي في السيطرة على الوطن العربي بكامله ، وبالتالي بات المقاومين العرب أمام ذات قوى الهيمنة الاستعمارية فتمددت الأحزاب والحركات الإسلامية شرقاً ، وتمددت الأحزاب والحركات القومية العربية غرباً ، بل ، وتداخلت تلك القوى في أكثر الأحيان .
وبالمناسبة ، فإن الكثيرين من قوى وعناصر القوى المقاومة في الوطن العربي رغم مرور الزمن مازالوا يتمتعون بسوء التقدير حتى هذه اللحظة مع اختلاف الظروف والأطراف ، المهم أن ما غاب عن الرواد العرب في ذلك الوقت أن المشروع الأوروبي كان متكاملاً ، وأكثر إحكاماً , فقد دخلت الجيوش الأوروبية الوطن العربي على مدى قرن من الزمن من عام 1820 حتى عام 1920 تسبقها ، وترافقها ، وتتبعها قوافل المستشرقين ، والمستكشفين ، والمبشرين ليستبدلون محاولات التتريك ، بمحاولات التغريب ، ونجح الأوروبيون حيث فشل العثمانيون ، واختلطت الرؤى أمام الرواد العرب مرة أخرى ، فلم يقدرّوا أن النضال القومي الوحدوي العربي لتحقيق الاستقلال العربي ، وطرد الجيوش الاستعمارية الأوروبية من الوطن العربي يجب أن يتلازم مع تحمّيله هياكل تلك "الدول الفعلية" التي رسمت حدودها تلك الجيوش الاستعمارية على وطن العرب بعد أن صمّمتها العقول الإستراتيجية الأوروبية من أول "دولة إسرائيل" إلى آخر "دولة" في الوطن العربي مع تدريب السلطات والمتسلطين .....
ثم اختلط الأمر اختلاطاً شديداً مرة أخرى عندما تم الخلط بين استقلال تلك الدول ، وبين النضال القومي العربي ، ومن المفارقات المحزنة أنه في ذلك الوقت أيضاً لعبت التبريرية دوراً تضليلياً حيث اعتبر البعض أن استقلال تلك "الدول الفعلية" خطوة نحو السيادة والاستقلال باتجاه تحقيق الوحدة العربية ، ولم يدركوا ، وهم يحتفلون بالأعلام التي ترفع ، والأناشيد التي ُينفخ بها في الأبواق ، وعلامات الحدود التي تدق في الأرض ، وبوابات الدخول والخروج التي تغلق بالحواجز ، لم يدركوا ، وهم يحتفلون بذلك كله ، أنهم يشيدوّن السدود على طريق تقدمهم باتجاه وحدة أرض الأمة ، وشعب الأمة. وعندما انتفضت جماهير الأمة ترفض القبول بما أسموه النكبة ، والتجزئة ، والكارثة تقدم الرواد مرة أخرى ، فبدأت ولادة الأحزاب والحركات القومية العربية هذه المرة لكنها جاءت أحزاباً تفتقد العمق الفكري والتوجه الاستراتيجي ، تداخل ذلك مع انقلابات عسكرية وثورات شعبية مقاومة للجيوش الاستعمارية افتقدت الرؤيا الاستراتيجية للربط بين تحرير الأجزاء ومشروع النهوض القومي التوحيدي ...
مرة أخرى لم يستطع الرواد التعبير عن الحركة العميقة للجماهير العربية فبقيت البنية التنظيمية لتلك الأحزاب عاجزة عن استيعاب الجماهير العربية ، من جهة ، وبالتالي عاجزة عن مواجهة القوى الإقليمية ، والعشائرية ، والقبلية ، والطبقية ، والاقتصادية ، والمذهبية التي بدأت تتشكل داخل الدول الإقليمية ، وتشكل قوى ذات مصالح في استمرار التجزئة وحمايتها ، وفي بعض الأحيان الدعوة إلى دول أصغر ، فأصغر داخل تلك الدول الفعلية ، بل إن تلك البنى الحزبية والسلطات الإنقلابية بدأت تلعب دوراً تخريبياً داخل الصف القومي العربي ذاته ، إلى درجة أن بنية تلك الأحزاب والحركات القومية والانقلابية التي عجزت عن حل الإشكال بين السلطة الإقليمية والاستراتيجية القومية انكفأت لتكون استراتيجيتها النهائية هي الحفاظ على السلطة في بعض الأجزاء ، وبالتالي بدأت تنهار من الداخل ، وتتحول إلى بؤر لا قومية ولا عربية ولا يحزنون ، أما البيئة الفكرية والإيديولوجية لتلك الأحزاب والحركات والسلطات فكانت أكثر مأساوية ، لأن وجود تلك الأحزاب والحركات والسلطات داخل تيار جماهيري عريض مؤيد للأهداف القومية العربية جعلها ُتهمل البناء الفكري ، والعقائدي ، وتعتمد على العاطفية والانفعالية مما سّهل الغزو الفكري "اللا قومي بمختلف اتجاهاته وأشكاله" للأحزاب والحركات القومية العربية التي تحّولت بعد عقد من الزمن إلى أحزاب ترفع شعارات قومية على قواعد فكرية لا قومية لتغطية علائق إقليمية وطائفية ومذهبية وإثنية تنخر بنية تلك الأحزاب والحركات والقوى من الداخل ...
ومع الأيام كانت تطغى تلك القواعد الفكرية اللاقومية ، وتضعف العلاقة بالشعارات القومية إلى أن تتحول إلى شكليات لا مضمون محدد لها ، وهذا انعكس بدوره على الأساليب المرحلية ، والإستراتيجية ، فلم يعرف القوميون كيف يتعاملون مع الدول الإقليمية سواء التي يعارضون سلطاتها ، أو تلك التي يسيطرون على السلطة فيها حيث كانت ممارستهم للسلطة الإقليمية كارثة على المشروع القومي العربي التقدمي ، فقد كان مبرر وجودهم كقوميين عرب يتمثل ببناء دولة الوحدة العربية ووضع السلطات الإقليمية التي يسيطرون عليها في هذا السياق الوحدوي ، لكن ما أن سيطروا على سلطة في إقليم حتى انقلبوا على المشروع القومي العربي ، فعوضاً عن وضع السلطة الإقليمية في سياق المشروع القومي باتت السلطة الإقليمية هي الغاية ، وعلى الشعارات القومية أن تخدّم على الحكام الإقليميين الجدد ، وربما تحولوا إلى أقل وأدنى من إقليميين ...
وهكذا ابتلعت السلطات الإقليمية حكامها القوميين ، فانقلبت على المشروع القومي ، بل ومرغته بأوحال الفساد ، والاستبداد ، وكمّ الأفواه ، واختلطت الأمور اختلاطاً شديداً ، فانحسر التيار القومي العربي ، وفقدت الشعارات القومية مصداقيتها ، وتفتت البنية التنظيمية للأحزاب القومية العربية ، وبدأت أسراب الهجرة باتجاه القوى الإقليمية ، والعالمية المهيمنة ، والعشائرية ، والطائفية ، والمذهبية التي كانت قد تغلغلت فكرياً داخل التيار القومي العربي ، وفي بعض الأحيان تمكنّت تلك القوى أن تسيطر على أحزاب وحركات وسلطات بكاملها كانت في يوم ، ما ، ذات توجه قومي عربي ، وتحرف اتجاهها طائفياً ، أو مذهبياً ، أو إقليمياً أو إثنياً .
تلك ، باختصار شديد ، العوامل الذاتية التي أدت إلى انحسار المشروع القومي العربي التقدمي النهضوي التنويري التحرري ، وهذه العوامل مرتبطة ارتباطاً شديداً بالعوامل الموضوعية لهذا الانحسار ، فما هي العوامل الموضوعية للانحسار ؟ .

( 3 )

العوامل الموضوعية: لقد ولدت الأحزاب ، والحركات القومية العربية في الأربعينيات والخمسينات وسط سخط جماهيري عارم على الأوضاع التي أفرزت "دولة إسرائيل" ، والدول الإقليمية ، وأوضاع الفساد ، والفضائح ، والتبعية للمخططات الأجنبية ، ومسلسل الخيانات ، ورافق هذا صعود التيار القومي العربي التقدمي ، حيث فقدت القوى الإقليمية والطائفية والمذهبية مقدرتها على مواجهة التيار القومي العربي ، فانحنت للعاصفة ، ورفعت ذات الأهداف القومية وبدأت تتحدث عن الأمة العربية التي لا ينكر وجودها أحد ، وعن الطبيعة التحررية للحركة القومية العربية ، وعن مرحلة التحالف الوطني ، وبدأت تلك القوى تنتقي من أفكار رموزها ، وأساتذتها ما يؤيد النضال القومي العربي ، وتخفي ما يعارضه ...
لقد ساد جو من النفاق طبيعة العلاقة بين الأطراف المختلفة قومية وغير قومية واختلطت القوى حتى لم يعد التمييز ممكناً ، ولم يكن هناك خطر من هذا طالما أن التيار القومي العربي كان في مرحلة الصعود ، لكن هذا الواقع تفاعل مع الأزمة الذاتية للحركة القومية العربية ، واختلطت الأمور اختلاطاً شديداً بعد الهزائم والانكسار ، من انفصال العربية المتحدة ، إلى نكسة 67 إلى الانقلاب على القاعدة القومية في القاهرة بعد تغييّب جمال عبد الناصر ، فبدأت مع ذلك كله ، وبه ، مرحلة الانحسار القومي العربي ، وبدأت المعادلة تنقلب فبعد أن كان اللاقوميون ينافقون القوميين العرب ، أصبح القوميون العرب ينافقون اللاقوميين ، وأفكارهم ، ونظرياتهم ، فأطلق البعض اللحى ، وأطلق البعض الشوارب تيمناً بالستالينية ، وحلق البعض الآخر الرؤوس تيمناً باليانكي الأمريكي ، وتدروش آخرون على طريقة شيوخ الطوائف والمذاهب ، وهكذا ....

( 4 )

لقد أفرز هذا كله واقعاً شديد التعقيد أدى إلى اختلاط القوى والسلطات التي تتنافس في ادعاء العمل على تحقيق أهداف الأمة العربية الإستراتيجية من أول تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، إلى آخر تحقيق الاشتراكية والتنمية والاستقلال والممانعة والسيادة والمقاومة والتخلص من التبعية . مما أدى إلى سيادة هذه القوى من جهة ، وانحسار الدعوة لبناء حركات ثورية قومية عربية تقدمية . فطالما أنه بالإمكان تحقيق الأهداف القومية بالوسائل والقوى والحركات والأحزاب والسلطات المتاحة ، نقصد أحزاب وسلطات الأمر الواقع ، فلماذا " التعب" في بناء أدوات ثورية قومية عربية نضالية مع ما يحيط بعملية البناء من تضحيات ومعاناة ومواجهات نحن في غنى عنها . ومع كل خطوة إلى الأمام في هذا الاتجاه المعاكس كانت الحركات القومية العربية وأحزابها والدعوات لبناء الحركة العربية الواحدة ، أو "الطليعة العربية" تنحسر خطوة إلى الوراء ، ومع كل خطوة تنحسر عنها الحركة القومية الحضارية التقدمية ، يتم التنازل خطوة عن هدف استراتيجي قومي بحجة تحقيق هدف مرحلي من جهة ، ويتم اصطناع واقع موضوعي تتزاحم فيه الأزمات والصراعات لتطغى على الصراع الأساسي ، وتصبح الدعوة للمشروع القومي التحرري النهضوي التنويري ، ضرب من المثالية تواجهه الأغلبية بالإجابة التقليدية : عندما تبنون أداة الخلاص القومي سنكون معكم ... لكن من يبنيها ، ولمن يوجه الأمر بالبناء ، ومن ، من ..؟
يوجه الأمر بالبناء لمن لا يستطيعه بدون مشاركة القاعدة العريضة التي تنتظر إتمام البناء لتنضم إليه...إنها معادلة مستحيلة ...
( 5 )
إنها معادلة مستحيلة على أي حال ، لكننا توقعنا لتلك المعادلة أن تسقط بعد افتتاح مسيرة التسوية العلنية من قبل الرئيس أنور السادات ، فكتبنا بحثاً تفصيلياً نشرناه في كتاب تحت عنوان تقريري " السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي" عام 1977 قلنا فيه: " لقد حكمنا الإقليميون ثلاثون عاماً على أساس إن دولهم العظيمة ، ومنظماتهم ، وحكوماتهم الوطنية ، ستحرّر فلسطين ، ثم تنازلوا إلى أن حكوماتهم ستذيل آثار عدوان 1967 ، ثم تنازلوا إلى أنهم سيعترفون بالجزء الأكبر من فلسطين للصهيونية إذا انسحبت من أراضي 1967 ، ثم قالوا أنهم سيقيمون الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة ، ثم فجأة ذهب كبيرهم إلى القدس المحتلة ..." ، ثم نبهّنا إلى مخاطر معارضة السلام المنفرد ، بالسلام الشامل ، أو معارضة السلام في كامب ديفيد ، بالسلام في مؤتمر دولي ، لأن هذا ينم عن اختلاف في الأساليب ... إذا كان ثمة اختلافات حقاً .. وعن اتفاق استراتيجي على جوهر التسوية ، وتصفية القضية . فالقضية في جوهرها ليست على ماذا يتم الاتفاق عليه مع "دولة إسرائيل" ، وإنما القضية في الأساس هي مجرد التفريط ، أو المقايضة على فلسطين أو على أي جزء منها ... فمجرد التفاوض مع "إسرائيل" هو تفريط بفلسطين ... بل أكثر من ذلك : إنه هزيمة للمشروع النهضوي العربي وتهديد حقيقي للوجود العربي من الأساس ...

( 6 )

إن أخطر ما في لعبة التسوية بين "الدول ، ومشاريع الدول" في "الشرق الأوسط" بما في ذلك "دولة إسرائيل" التي بدأت علناً في الثلث الأخير من القرن الماضي ، هو تقسيم الأدوار بين اللاعبين ، لضمان خضوع أطراف اللعبة مجتمعين عن طريق تحديد مواقف ، ومواقع ، وخطوات الفعل المعادي ، وتحديد المنفذين له من جهة ، وفي الوقت ذاته تحديد مواقف ، ومواقع خطوات الفعل المعارض الوهمي ، والشكلي بهدف إجهاض أية معارضة حقيقية غير محسوبة ، وهذا أدى إلى نتيجتين هامتين:
الأولى : أن الصراعات المصطنعة داخل عربات قطار التسوية مطلوب توسيعها ، وزج أكبر قدر ممكن من الجماهير العربية في أتونها ، وتحويلها إلى ملهاة تستنذف قدرات الجماهير العربية ، وتشوّش حقيقة الصورة أمامها ، وتلهيها عن الاتجاه الحقيقي لقطار التسوية ، فتنشغل "بالصراعات إياها" عن مهمتها الأساسية التي من المفترض أن تكون نسف عربات قطار التسوية ، أو على الأقل وضع الحواجز على طريقه لمنعه من التقدم إلى هدفه.
الثانية:أن هذا التقسيم للأدوار يستهلك الزمن بالنسبة للجماهير العربية التي تقف عاجزة تنتظر نتيجة الصراعات ، أو إلى ماذا ستصل نتائج التفاوض ... هل ستفشل ، أم ستنجح في أجواء مشحونة .
ويبدأ التبصير والتنجيم عن تصلب هذا ، وارتخاء ذاك ، وعن خطورة الفشل ، ثم وعلى طريقة الأفلام الأمريكية تحل العقدة في اللحظة الأخيرة . وفي بعض الأحيان يصورّون حتى التنازل إلى حد القبول بالشروط ، والأهداف المعادية ، بأنه نصر كبير ، فلم يتم الحصول عليه إلا "بطلوع الروح" ...
المهم أن هذه المرحلة التي أدت إلى انحسار التيار القومي العربي التقدمي قد اقتربت من نهايتها ، وغداً ، أو بعد غد ستعترف قوى كثيرة في الوطن العربي بفشلها عما ادعت أنها تستهدف تحقيقه ، عجزاً ، أو تفريطاً ، أو تآمراً . لكن هذا لا يعني أن التيار القومي العربي النهضوي سيعود للصعود بشكل ميكانيكي ، تلقائي ... ، وإنما يعني ، أنه ستكون أمام "الطليعة العربية" ، والطليعيون العرب الجدد فرصة نادرة ، وواقع موضوعي مناسب للانطلاق من جديد ، فالإنسان أولاً ، والإنسان العربي ضيّع فرصاً كثيرة في السابق ، فهل يكفي ما ضاع حتى الآن ...؟ ، خاصة ، وأن الصورة أمام الجماهير العربية بدأت تتضح ، وعملية فرز حقيقي في المواقف ، والمواقع بدأت تشق طريقها ، وأرباب المشاريع المعادية يخشون هذه المرحلة ، لذلك فإنهم حاولوا ، ويحاولون تأجيلها أكبر قدر ممكن عن طريق تجزئة التسوية إلى مراحل بدأت مع المفاوضات التي أعقبت حرب أكتوبر "تشرين الأول" 1973 ، ولم تنته إلى الآن ، فالقضية كما عبّر عنها الرئيس أنور السادات على "منبر الكنيسيت الصهيوني" تحتاج إلى "كسر الحاجز النفسي" ، والمقصود هنا الحاجز النفسي القومي العربي ، وعملية التكسيّر مازالت مستمرة بالوسائل كلها ، وهي كثيرة ، وللذين يريدون توثيق تلك المرحلة نقول: إن الأحداث ، والصراعات ، والفتن ، والأفكار التي صعدت ، والأفكار التي انحسرت ابتداء من حرب أكتوبر "تشرين الأول" 1973 ، وإلى الآن تندرج كلها تحت عنوان كسر الحاجز النفسي العربي ، الذي يعتبر مصطلحاً دبلوماسياً للحقيقة المرة ، وهي تكسيّر رؤوس العرب ...
بعد هذا كله هل يكفي القول بأنه طالما أن الحركة القومية العربية منحسرة ، فهذا يبرّر أفعال ، ومواقف اللاقوميين ...؟ ، وهل عجز القوميين عن الفعل منعزل عما فعله ويفعله اللاقوميون في الوطن العربي ...؟ ، وهل يكفي هذا كله لوضع حد للتضليل ..؟

( 7 )

لقد انطلقنا في كل ما قلناه من قاعدة أساسية نؤمن بصحتها العلمية ، وهي "أن الإنسان أولاً" ... هو المسؤول عن التردي الذي يستسلم له ، وأرباب المشاريع المعادية الذين أدركوا صحة هذه القاعدة ، بالتجربة ، والممارسة ركزّوا هجومهم على عقل الإنسان العربي ، لتصنيع إنساناً معادياً لنفسه ، ولوطنه ، ولأمته ، وللمبادئ الأصيلة التي آمن بها خلال حقب متعاقبة من الزمن ، دون أن يدري ، أو على الأقل لتصنيع إنساناً مستأنساً لواقع يخدم المشاريع المعادية ، ثم محاصرة العقول التي تفلت من شراك التطبيع هذا ، لتجد نفسها عاجزة عن الفعل ، والحركة حيث الظروف الموضوعية ضدها ، فلا الأرض أرضها ، ولا القطاعات الواسعة من الجماهير العربية جماهيرها ، ولعل متابعة متأنية لما يعتبرونه في الغرب الأوروبي وثائق مضت عليها المدة القانونية ، وأصبحت متاحة لمن يريد الإطلاع ، تؤكد أن أرباب المشاريع المعادية للأمة العربية قد أنفقوا على بعثات التبشير ، والاستشراق ، والتنقيب عن الآثار ، وعلى علماء البحث عن العروق ، والقبائل ، وأصل العشائر ، والطوائف ، والمذاهب ، والأديان ، وعلى الأجهزة المعقدة التي تستثمر كل هذا ، وتوجهّه : أفكاراً ، ونظريات وقوى تهاجم بها العقل العربي ، أكثر مما أنفقت على الجيوش ، والحملات العسكرية التي استهدفت الوطن العربي .

( 8 )
يكفي الإشارة إلى أن الشركات الاحتكارية العالمية التي تستثمر ثروات الوطن العربي تحّولت مراكزها في بلادنا ، إلى مراكز أبحاث – وحدها في الوطن العربي – تستطيع أن تقدم إحصائيات دقيقة عن المواليد ، والوفيات ، والزواج ، والطلاق ، ووحدها التي تحتفظ لكل أسرة عربية بشجرة دقيقة للعائلة ، ووحدها التي تشير بدقة إلى المعتقدات الدينية ، وحتى الوثنية ، وتعرف الفرق بين مذهب هذا ، ومذهب ذاك ، وتعرف عن شيوخ الطرق الصوفية ، وغير الصوفية ما لا يعرفه الشيوخ عن بعضهم البعض ، ووحدها التي تعرف معدلات النمو ، ومعدلات الدخل ، والحد الأدنى اللازم للحياة ، والحد الذي يؤدي إلى التظاهر ، والثورات ، ووحدها التي تستطيع قياس درجة الاحتمال ، وإلى أي حد يمكن يفعلوا كذا ، أو لا يفعلوا.....نعم ، إن الظروف الموضوعية يجب أن تنضج لتحقيق فعل ، ما ، لكنهم في العقود الماضية تمكنّوا من إنضاج الظروف الموضوعية التي تخدم مخططاتهم ، فالظروف الموضوعية التي ينتظرون إنضاجها ، لا تنضج ذاتياً ، وإنما تنضج ، بالفعل الإنساني ، والتعامل الإيجابي ، والتخطيط الإنساني ، وإذا لم يتمكن هذا الطرف من إنضاجها لصالحه ، فإن الخصم سينضجها لصالحه ، وبالتالي من العبث انتظار الإنضاج ليأتي بدون فعل ، وتدخل إنساني . فالظروف الموضوعية دائماً ناضجة ، "مع أو ضد" ، فإذا كانت ، "مع" ، يجب استثمارها. وإذا كانت "ضد" يجب الفعل فيها لإنضاجها بشكل معاكس.

( 9 )
والظروف الموضوعية الآن في الوطن العربي أنضجها الأعداء لصالح مشاريعهم المعادية للأمة العربية ، وإذا لم يتدخل "الطليعيون العرب الجدد" للفعل فيها ، وتغييرّها ، فإن تلك الظروف لن تنضج أبداً لصالح الثورة النهضوية التنويرية ، ومشروعها التحرري النهضوي التنويري ، بل على العكس من ذلك فأن الزمن الذي يهدره العرب انتظاراً ، وسلبيةً ، أو تبريراً لأفعال ، ومواقف سلبية ، سيستغله المشروع المعادي بحرفية عالية للفعل في الوقع ، والظروف تهيئةً ، وتنفيذاً لمشاريع معادية تحدّ من إمكانية الفعل الثوري النهضوي العربي القومي التحرري ، وتحوّل الأنظار عنه تماماً باتجاه الفتن والاقتتال العربي العربي تحت عناوين طائفية ومذهبية وإقليمية وإثنية ، ولعل نظرة سريعة على مايجري في الوطن العربي هذه الأيام من شمال العراق إلى جنوب السودان ، ومن عيون الصحراء على المحيط إلى عيون موسى في الخليج وما بينهما تفصح عن مايريدونه لنا ، لكن هذا لايعني بأي حال من الأحوال الاستكانة لما يريدونه ، إنها محنة هذا صحيح لكن الخروج منها ممكن إذا توفرت الإرادة والقرار والأدوات ...

( 10 )
نختم بالقول : لا لتبرير الكسل والهروب والاستلاب والاستسلام ، فالمواجهة ممكنة ، والتحرر والتوحيد والتقدم والاستقلال والنهوض سيُعقد للذين يوفرون أسبابه ، والتبريرية في العقل العربي ، وبفعل عوامل ذاتية وموضوعية متشابكة تحولت إلى مرض خطير آن لهذا العقل العربي أن يُشفى منه ويلفظه ، ويعالج أسبابه ، ونتائجه ، ليتقدم الإنسان العربي للفعل والنضال إيجابياً ، باتجاه هدف محدد ، وعلى طريق محدد ، وإذا كانت مسيرة النهوض والتحرر قد تعثرت فقد آن للمناضلين العرب أن ينطلقون من جديد باتجاه الحرية على الطريق القويم ، وبالأساليب المناسبة ، وإذا فرضت الظروف الموضوعية بعض الخطوات التكتيكية ،فلا بأس ، ضمن الشروط الصحيحة بحيث تكون الخطوات التكتيكية، محسوبة ، وفي أماكن مناسبة ، ولزمن محدود ، فهذا هو "التكتيك" ، وهذه هي علاقته بالإستراتيجية حيث التكتيك محطة على الطريق الإستراتيجي ، وهذا ما يميّزه عن الانحراف ، فهل يكفي ما قلناه لوضع حد للتضليل ....
"انتهى"
حبيب عيسى
E-Mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-11-2011 08:33

على بساط الثلاثاء
108

يكتبها : حبيب عيسى



ناصر "93"...

"الناصرية" ...
في مواجهة السلطة ...









( 1 )
"93" عاماً على ميلاد جمال عبد الناصر ، "95" عاماً على "سايكس بيكو" ، "94" عاماً على وعد بلفور ، "63" عاماً على إشهار الدول الواقعية في الوطن العربي "بما في ذلك دولة المستوطنات الصهيونية" ، بموجب سايكس وبيكو وبلفور وآخرين صنّعوا دولاً تم تركيبها بالقوة أو بالغفلة أو بالتراضي مع حكام الغفلة على وطن العرب بين المحيط والخليج ، مع تقديم بعض الهدايا لدول الجوار ، "59" عاماً على انقلاب جمال عبد الناصر على السلطة في مصر ، "55" عاماً على ثورة جمال عبد الناصر القومية العربية ، "53" عاماً على الجمهورية العربية المتحدة ، "50" عاماً على انفصالها ، "44" عاماً على هزيمة 1967 ، "41" عاماً على تغييّب جمال عبد الناصر ... ، "40" عاماً على بداية النكوص عن مشروع النهوض والتنوير والتحرر القومي العربي التقدمي ، والانحطاط إلى ما هو دون سايكس وبيكو وبلفور ، والانحدار مازال مستمراً باتجاه السقوط إلى القاع .... إلى أن تقرر طليعة عربية مناضلة وضع حد للتدهور ، ومن ثم استئناف الصعود بالأمة على سلم النهوض والتحرير والتنوير ...
( 2 )
قد يتساءل البعض ، محقاً ، ما لهؤلاء العرب القوميون ؟ ، حتى أعياد الميلاد يحولونها إلى تراجيديا وبكائيات ، يا أخي على الأقل في ذكرى ميلاده اذكروا مآثر الرجل ، وتضحياته ، وهي كثيرة على أية حال .... هكذا يقولون ، ونحن إذا كنا نوافق على ذلك إلا أننا ندرك في الوقت ذاته حساسية المرحلة التي تجتازها أمتنا ، وندرك حساسية الموقف الذي يرتبّه علينا الانتماء إلى الأمة العربية التي منحها الرجل حياته وفكره ونضاله ، فجمال عبد الناصر قائد معارك التحرر العربية لا ينتظر مديحاً من أحد ، لأنه غني عن ذلك ، ولا ينتظر تعداد مآثره فهو أكبر من ذلك ، وإنما ينتظر إعلان ميلاد طليعة عربية تناضل فكراً وممارسة وتضحية لإقامة دولة العرب الموحدة الديمقراطية والاشتراكية والعادلة والحرة المستقلة حيث يعيش الشعب العربي بما يملك ويصد جميع أشكال العدوان الوحشي على الأمة المتمثل بقراصنة الخارج وطغاة الداخل ، إن الاحتفال بميلاد "الطليعة العربية" هو الاحتفال الوحيد الذي يقبله منا جمال عبد الناصر بعيد ميلاده ... بعد ذلك يمكن أن نقول له : سنة حلوة يا جمال ، أما قبل ذلك فعن أية سنة حلوة يمكن الكلام ؟ ، عن سنوات المحن التي مرت ؟ ، عن السنة التي نحن فيها ؟ ، هل يقبل لنا جمال عبد الناصر ما نحن فيه ؟ ، هل يقبل احتفالنا بميلاده ونحن في حالة العجز والاستلاب والتبرير ؟ ، هل من أجل الحالة المزرية التي نحن فيها ضحى وناضل جمال عبد الناصر ؟ .
(3 )
لقد كان لجمال عبد الناصر دوراً متميزاً ، وربما متفرداً ، عن زملائه في الضباط الأحرار ، فقام بتحويل انقلاب 1952 إلى ثورة أرادها أن تكون قومية عربية ، فبعد أن كانت المباديء الستة هي الأهداف المعلنة يوم 23 يوليو 1952 تتعلق حصراً بإصلاح النظام السياسي في دولة مصر ومحاربة الفساد ، فإن جمال عبد الناصر ، ومن خلال التجربة في السنوات الأولى تبين له أن تحرير مصر يرتبط ارتباطاً مصيرياً بتحرير الأمة العربية ، فقال : " أنا لم أخلق القومية العربية ..." ، واتجه إلى بناء الجمهورية العربية المتحدة كقاعدة لبناء دولة العرب القومية الواحدة بين المحيط والخليج ...
( 4 )
لقد منحت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج جمال عبد الناصر ما لم تمنحه أمة من الأمم لقائد تاريخي ، أشرأبت رافعة الرؤوس متجاوزة أقاليمها وطبقاتها وطوائفها ومذاهبها وإثنياتها وقبائلها وأحزابها ، تمد إليه الأيادي يحدوها الأمل بمواطنية عربية تتجاوز عصبيات التخلف وكونتونات التفتيت والفتن في وطن عربي متحرر من الهيمنة الخارجية ، ومن الطغيان الداخلي في إطار دولة عربية عادلة تضمن المساواة وتصون الحقوق وتحقق التنمية والتقدم وتصون إنسانية الإنسان العربي وتعيد للحضارة العربية ألقها ومكانتها على هذا الكوكب المضطرب فتساهم في إقامة نظام عالمي عادل ومتوازن لا فيتو لأحد ولا هيمنة لدولة وإنما مساواة بين شخوص القانون الدولي ، أرض العرب للعرب ، وثروات العرب للعرب لا يعتدون ولا يرضخون لمعتد ، وبالتالي على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل ، ليس جيوشه ، وحسب ، وإنما احتكاراته وشركاته متعددة الجنسيات ، وعلى الحكام الذين تم تنصيبهم على دول سايكس بيكو أن يرضخوا لإرادة الجماهير العربية ، وعلى الصهاينة أن يفككوا مستوطناتهم الاستعمارية .... هكذا بات جمال عبد الناصر قائداً لمعارك التحرر العربي ، وكما تجاوزت الجماهير العربية أقاليمها وطوائفها ودولها وأحزابها لتلتقي به ، فقد تجاوز جمال عبد الناصر الدولة الإقليمية وسلطاتها في مصر ليلتقي الجماهير العربية في الفضاء القومي الرحب ، لقد أصبح جمال عبد الناصر أسمى من السلطة ومؤسساتها في مصر ، وهذا ما ميزه حتى عن رفاقه من جهة ، وهذا ما أظهر عجز السلطة الإقليمية عن أن تكون حاملاً مناسباً لمشروع جمال عبد الناصر القومي من جهة أخرى فخذلته في معاركه رغم محاولاته المتكررة لتحديثها ، ثم انقلبت على مشروعه القومي فور غيابه ....
( 5 )
نريد من ذلك أن نقول بأكبر قدر من الوضوح أن الناصرية ، ناصرية المبادئ كانت دائماً في مواجهة السلطة الإقليمية ، وهكذا فإن جمال عبد الناصر عندما كانت الجماهير العربية تطالبه أن يأخذ مكانه القومي في بناء الطليعة العربية أعلن في عام 1964 أنه سيتخلى عن كافة مسئولياته في السلطة الإقليمية في مصر لأن الجمع بين الموقعين مستحيل ، لكن المعارك المتلاحقة أجبرته على تأجيل التنفيذ ، وعندما استقر رأيه على ضرورة بناء الطليعة العربية أعلن أنه لن يتمكن من موقعه كحاكم لدولة إقليمية أن يقوم بذلك ، ومن باب أولى فإن أجهزة السلطة الإقليمية عاجزة عن القيام بذلك ، لهذا وجه نداء عاجلاً للجماهير العربية كي تقوم بذلك ، ولن نجد ما يعبر عن ذلك الموقف التاريخي إلا ما قاله جمال عبد الناصر ذاته ، حيث قال بالحرف الواحد في عيد الوحدة 22شباط "فبراير" 1964 ما يلي : ( ...أنا قلت أني لا أستطيع بأي حال أن أعمل الحركة العربية الواحدة ... إذا أنا حاولت أعمل الحركة العربية الواحدة ، معنى هذا أن هذه الحركة ستولد ميتة ... لازم تكون الحركة العربية الواحدة نتيجة العمل النضالي والكفاح في كل بلد عربي ، بعد كده بنلتقي ، بنلتقي على أهداف ومبادئ ، واحنا قلنا أن الوحدة السياسية أو وحدة العمل السياسي بتقرب الخطوات من أجل الوحدة ، ولكن ليست مسؤوليتنا ، مش مسؤوليتي أبداً أن أروح في كل بلد أو أحاول في كل بلد أن أنظم الحركة العربية الواحدة اللي تجمع كل العناصر القومية الثورية النظيفة ، الاستعمار يحاول دائماً أن يخلق التفرقة ويقسم أصحاب المبادئ قي حركات قد تتصارع على الزعامات وقد تتصارع على القيادات وتنسى المبادئ والأهداف والمثل ، ويرتكز ، ويرتكز التفكير في التنظيم السياسي أو الحزبي إلى آخر الأمور اللي أحنا عارفينها كلنا ، إذن الحركة العربية الواحدة مش مسؤوليتي أنا ، ولكن مسؤولية القوميين الثوريين اللي فعلاً ينكروا ذاتهم ، وينكروا أشخاصهم ...) .
( 6 )
إن هذا النداء الذي وجهه جمال عبد الناصر للقوميين الثوريين العرب منذ "47" عاماً ، مازال حاراً وراهناً ، بل لعله الآن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى فالطليعة العربية كما قال لا يبنيها شخص ، ولو كان جمال عبد الناصر نفسه ، ولا تبنيها سلطة ، ولو كانت السلطة التي يرأسها جمال عبد الناصر ، ولعل هذا ما يجب الانتباه إليه ، فبعد غياب جمال عبد الناصر انقلبت السلطة في مصر على مشروع جمال عبد الناصر القومي العربي التقدمي ، وحولت مصر من قاعدة للمشروع القومي العربي إلى قاعدة ومعبراً للمشاريع الصهيونية والإمبريالية ، وبات واضحاً أن الناصرية كانت ومازالت في مواجهة السلطة ، والغريب أن القوى المضادة تجنبّت بداية التهجم على ناصرية الأهداف والمبادئ القومية العربية ، وإنما تم التركيز على السلطة في مصر وممارساتها في ظل جمال عبد الناصر باعتبارها المنطقة الأضعف ، وانجّر البعض إلى الفخ ، ونسي المهاجمون والمدافعين أن تلك السلطة كانت سلطة الضرورة ، وأنها ليست سلطة الدولة القومية العربية ، ولا سلطة جمال عبد الناصر ، وإنما مستنسخة من النظم التي كانت سائدة ، بدليل أن جمال عبد الناصر كان دائم التغيير من تجربة إلى أخرى ، إلى أن قال في آخر وثيقة له في "30" آذار "مارس" 1970 قبل رحيله بأشهر قليلة أن كل شيء سيتغير بعد إزالة آثار العدوان ...
( 7 )
ونحن هنا لن ندخل في سجال مع أحد حول السلطة في مصر أيام جمال عبد الناصر ، بل إننا نضع حداً فاصلاً بين جمال عبد الناصر قائد معارك التحرر العربي والحامل للمشروع القومي العربي ، وبين جمال عبد الناصر رئيس السلطة في مصر ، وإن كان قد جمع في شخصه الصفتين معاً حتى 28 أيلول "سبتمبر" 1970 ، ما يعنينا هنا أن جمال عبد الناصر منذ ذلك اليوم الحزين لم يعد حاكماً لمصر ، بل أن السلطة في مصر اتخذت مساراً مضاداً تماماً للمشروع القومي العربي الذي كان يمثله جمال عبد الناصر ، ومنذ ذلك اليوم ظهرت في الوطن العربي ناصريتان ، ناصرية السلطة ، وناصرية المبادئ والأهداف .
أولاً : ناصرية السلطة ، وهي التي تمسكت بالنصوص المتعلقة بالسلطة واعتبرتها خياراً استراتيجياً يجب التمسك بها والسعي إليها ونسي هؤلاء المرحلة التجريبية لتلك السلطة ، وإنها كانت سلطة الضرورة ، ولعل الكثيرين الذين تبنوا هذا الخيار لم يكونوا يهدفون الدفاع عن سلطة جمال عبد الناصر وإنما كانوا يبررون سلوكهم الانتهازي كي يلتحقون بسلطات قائمة في الوطن العربي وينضمون إلى جوقات التفرد والاستبداد في دول عربية عديدة ...
ثانياً : ناصرية الأهداف والمبادئ ، وهي التي ساهمت وتساهم في بناء الأداة القومية العربية التقدمية لتكون الحامل الموضوعي لمشروع النهوض والتنوير والتحرير العربي ، وهي المعنية بهذا الحديث ....
( 8 )
لقد كان جمال عبد الناصر ثائراً ، ومازال رمزاً للثوار ، إن الأمة العربية بعد "كامب ديفد" وبعد "أوسلو" وبعد "وادي عربة" ، وبعد احتلال العراق وتفتيته ، وبعد تقسيم السودان ، وبعد المحن المتنقلة بين المحيط والخليج هي في الواقع ذاته الذي دفع جمال عبد الناصر إلى التحرك والثورة بعد نكبة 1948 وتواطؤ سلطات الأمر الواقع في الوطن العربي ، والقوميون العرب التقدميون الذين يتنادون لبناء أداة التحرر والنهوض والتوحيد العربي هم الذين يتمثلون تلك السيرة العطرة أياً كانت مواقعهم ، سواء حملوا تسمية الناصرية أو لا ...
( 9 )
تقول الوثائق أن – إلياهو ساسون – والد – ساسون – سفير "إسرائيل" في القاهرة قد اجتمع مع الملك فاروق عام 1948 وطلب إليه سحب الجيش المصري من النقب ، فوافق الملك على أن تكتفي "إسرائيل" بالأراضي العربية المحتلة حتى ذلك الحين ، ويضيف – ساسون الأب – أن الملك اتفق مع البريطانيين على كل شيء وأرسل الجيش المصري إلى فلسطين ليقاتل ضمن الشروط البريطانية وبالأسلحة الفاسدة ... حتى لا تتحمل الحكومة البريطانية تاريخياً مسؤولية قيام "دولة إسرائيل" ، وتحميل المسؤولية للهزيمة العربية ...
لهذا قلنا ونكرر أن العدوان على الأمة العربية لا يقتصر على القوى الخارجية والصهيونية ، وإنما يتم بالتواطؤ مع سلطات الأمر الواقع الاستبدادية ، وبالتنسيق معها والاعتماد عليها ، وإننا نورد ذلك في هذا المقام لتوضيح الصورة ، فجمال عبد الناصر لم يكن محاصراً في فلوجة فلسطين من قبل الميليشيات الصهيونية ، وحسب ، وإنما كان محاصراً من قبل السلطة والسلطات المتواطئة في القاهرة وغير القاهرة ...
( 10 )
وإذا كانت الوثيقة السابقة تتحدث عن الواقع الموضوعي وتواطؤ السلطات الإقليمية قبل الثورة الناصرية فإن الوثائق في الأيام الأخيرة لجمال عبد الناصر تقول : أنه في آخر مؤتمر قمة عربي حضره جمال عبد الناصر في الرباط ، كانت هناك جلسة سرية ( تبين فيما بعد أن الموساد الصهيوني كان يسجل بالصوت والصورة تلك الجلسات السرية من خلال صالة خصصها لهم جلالة الملك الحسن الثاني ) في تلك الجلسة انتفض جمال عبد الناصر واقفاً تاركاً مقعده يقع على الأرض وانسحب من الاجتماع وجسده ينتفض .... يقول أحمد بهاء الدين : لقد كنت واقفاً مع الصحفيين خارج القاعة ، ورأينا جمال عبد الناصر خارجاً كالجمرة المحترقة ، وبعض الرؤساء يحاولون إعادته إلى القاعة ، ولكن عبد الناصر نزل السلم مسرعاً وركب أول سيارة أمامه وأمر سائقها بالانطلاق إلى المطار ، ولم يعد إلى المؤتمر قط ...
يتابع أحمد بهاء الدين فيقول : علمنا أن جمال عبد الناصر كان يتحدث في الجلسة المغلقة التي كانت تقتصر على الرؤساء والملوك وحدهم عن حرب الاستنزاف التي كانت دائرة في منطقة القناة ثم تحدث عن استعدادات مصر لعبور القناة ، وكانت مصر تطلب بالتحديد – 145 – مليون جنيه استرليني فقط لا غير لشراء أدوات وأجهزة إلكترونية من أوربا لا تتوفر عند السوفييت ، وبدأ بعض الحكام يناقشونه تفصيلياً عن ماذا يريد أن يشتري ، وما هي الأسعار ، كمن يريد أن يشتري بضاعة من دكان بقال والحساب بالقرش والمليم . فطلب الرئيس جمال عبد الناصر إستدعاء الفريق محمد فوزي لحضور جلسة الملوك والرؤساء إستثناء حتى يجيب على تلك السئلة التي تعددت ودخلت في التفاصيل بعد ان ضاق جمال عبد الناصر ذرعاً بالنقاش ولهجته التي بدا أنه يتحملها على مضد . ودخل الفريق محمد فوزي وبدأوا يناقشونه ويحاسبونه بالقرش والمليم وبطريقة غريبة بينما كان جمال عبد الناصر يزداد توتراً حتى أصبح ذلك واضحاً على وجهه ، وفي لحظة لم يعد الرجل يحتمل هذا النوع من النقاش ، فانتفض واقفاً وقد ألقى مقعده إلى الوراء مما أحدث دوياً كبيراً وقال غاضباً للفريق محمد فوزي آمراً : لملم أوراقك واخرج من هنا لا داعي لتضييع وقتنا هنا ، واندفع رحمه الله إلى خارج القاعة ، وأعضاء القمة يدفع كل منهم الآخر للحاق بجمال عبد الناصر ، ولا أحد يجرؤ ... فقد كان في حالة بالغة التوتر ، وطار فوراً إلى القاهرة وقرر أن لا يحضر مؤتمر قمة أبداً بعد ذلك لولا أن حدثت مجاذر أيلول "سبتمبر" في الأردن أيلول "سبتمبر" 1970 فاضطر للدعوة إلى مؤتمر القمة الذي أودى بحياته ....
هكذا كانت سلطات الأمر الواقع تحاصر جمال عبد الناصر منذ البداية وحتى اللحظة الأخيرة من حياته ، وهي تشدد حصارها اليوم على مشروع النهوض والتنوير والتحرر القومي العربي ، الذي ينتظر الحامل المناضل لاستئناف الانطلاق باتجاه الأهداف التي منحها جمال عبد الناصر حياته . وطوبى لمن يعلن الميلاد ، فميلاد "الطليعة العربية"هو ذاته ميلاد جمال عبد الناصر من جديد ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

زهير 01-17-2011 11:12

على بساط الثلاثاء
109
يكتبها : حبيب عيسى
تونس الحرية
"المدينة"
( 1 )
منذ أيام غادرت روحي هذا الجسد المحكوم عليه أن يبقى في المشرق ، بعد أن حاولت تلك الروح أن تأخذه معها إلى قرطاج وصفاقص وسيدي بو زيد والقيروان والقصرين ونابل وجندوبة لتتجول بذلك الجسد في سائر أنحاء حاضرة العرب هناك علهّ يحظى باحتضان التراب المخضب بدماء شهداء الحرية العربية ، لكنها الروح التي تعاند عندما يعجز مسكنها "الجسد" عن التحليق معها ، فتسعى للانعتاق منه ، تغادره إلى حيث الحرية ، قد تعود إليه ، وقد لا تعود ، لقد كان لي تجربة غنية مع تلك الروح عندما حُشرت وإياها في زنزانة منفردة ، عندها كانت تغافلني وتغادر لتعود إلي بما أحب أحياناً ، وبما لا أحب أحياناً أخرى ، وكم من مرة أيقظتني في أجواء العتمة ، تلك ، لتزف إلي فرحاً ، أو لتكرّث لدي أحزاناً ، وعندما غادرت عتبات الزنزانة الضيقة تمرّدت روحي مرة أخرى ، وقالت ساخرة : هل تعتقد أن حدود "سايكس بيكو" أقل ثقلاً على الروح من زنزانتك المنفردة السابقة ...؟ ، قالت ذلك وغادرت ، لكن إلى أين ؟ ، أليست الديار العربية متشابهة ؟ ، قالت بحسم : "الله يعّيشك" إلى تونس ، ورحلت ، كانت بين الفينة والأخرى ، وعندما يضيق صدري ، تعود لتبلسم الأحزان تحمل إلي مشاعر جياشة بين أنين ، وحروف تصرخ ، وتبكي ، وتحفزّ ، وتقسوا ، وتحنوا ، يكفي إنها من تونس التي تحتضن على البعد أخوة وأحبة ومناضلين أعرف بعضهم ، لكنني أتخيل ملامح الجميع ، وأتحسّس نبرات أصواتهم ، كنت أسألها بإلحاح : متى سيفعلونها ، لو قرروا أن يفعلوها لابتدأت الخطوة الأولى من ديارهم باتجاه العشرة آلاف ميل بين عيون موسى في الخليج ، والعيون على المحيط ، تونس هذه ، حلمت يوماً أنني سأهاجر إليها ، لا بأس في أن تسبقني روحي إلى هناك ، صحيح أن شيخوختي قد لا تسعفني في مجاراة الشباب العربي الثائر ، لكنني على الأقل سأستعين بعكازي ، وأتتبع خطاهم ... حتى إذا حانت ساعة الرحيل عن هذه الدنيا تكون شفاعتي أنني قضيت في نقطة ، ما ، على الطريق وراءهم ...
( 2 )
الآن ، وقد تخطى المناضلون في تونس حاجز الخوف ، فارتعدت فرائص الطاغية خوفاً وهلعاً ، نقول للأخوات والأخوة الأعزاء في حاضرة العرب الخضراء ، إنها البداية ، والطريق مازال طويلاً إلى الحرية ، واللصوص على المنعطف لسرقة الثورة ...
( 3 )
إن ما جرى حتى الآن درس بالغ الدلالة في مدرسة الاجتماع الإنساني ، لكن ما يعنينا هو تتبع أثر هذه المحاضرة النضالية المستمرة ، المخضبّة بدماء الشهداء ، وتداعياتها في المجتمع العربي ، وما سيترّتب عليها في دوائر السلطات التي تحتل الوطن العربي وتعيث فيه فساداً وإفساداً ، من جهة ، وكذلك ما سيترتب عليها في الدوائر الإقليمية المحيطة بالوطن العربي وفي العالم ، التي تخدّم عليها سلطات الاستبداد المحلية ...
أولاً : إن الشعب العربي في تونس تحرك بمكوناته كلها كمواطنين وهذا عوّض إلى حد ، ما ، ما أدى إليه الاستبداد من إضعاف لمؤسسات المجتمع الحزبية والنقابية والثقافية ، مما يعني أن الوحدة الوطنية شرط أساسي ... وهذا درس هام للشعب العربي بأن أية دعوة طائفية أو مذهبية أو أثنية أو إقليمية أو قبلية ترّسخ الاستبداد ، وتدمر بنية المجتمع ....
ثانياً : الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي يمكن إذا امتلكت الإرادة ، ولو كان من باب تجنب النهايات المأساوية ، يمكن أن تستفيد من الدرس ، فالحوار مع الشعب أجدى من استجداء المدد الخارجي ، فالخارج المصّنع لنظم الاستبداد أول من يقلب ظهر المجن للمستبدين فلا يسمح لطائراتهم بالهبوط في مطاراته رغم ما تحمله من مليارات منهوبة ...
ثالثاً : لابد من الوقوف أمام الموقف الوحيد الذي صدر عن سلطة في الوطن العربي وهو الموقف الذي عبرّ عنه القذافي فقد رأى فخامته أن سبب ما جرى في تونس هو عدم جلوس الشعب في مواقع السلطة في بلدانهم على غرار ما يجري في ليبيا وقد بشّر سيادته الحكام بطول البقاء في الحكم على غرار سلطته لو اقتدوا به ، فهو يتمتع بالحبور والسرور بالسلطة منذ 41 عاماً ومازال أمامه عدة عقود أخرى ، فهنيئاً للشعب العربي في ليبيا بطلته البهية ...
رابعاً : موقف القوى الدولية المعنية بأوضاعنا ، ونكتفي بموقفين معبرّين ، الأول : موقف السيدة هيلاري كلينتون التي فاجأها ما يجري في المغرب العربي فطارت إلى الخليج العربي لتحذر أصحاب الجلالة والفخامة من سوء العواقب إذا لم يستمعوا إلى نصيحتها ببعض الإصلاحات الاقتصادية ، والاجتماعية للتعويض عن الإصلاحات السياسية التي ترى سيادتها أنه لا حاجة إليها ...
خامساً : الثاني : موقف ساركوزي الذي لم يستوعب حتى الآن كيف هرب ذين رغم كل المديح الذي كاله له .... ، إن هذين الموقفين الأمريكي والفرنسي يعبران عن أن معركة الحرية في الوطن العربي هي في مواجهة الطغاة والغزاة في الوقت ذاته ، وأن كل ما يتشدق به الغرب الاستعماري عن الحرية والديمقراطية لا يليق بمجتمعنا العربي ، من وجهة نظره ...
( 4 )
باختصار شديد أن ما يسمونه الخارج المعني بمصالحه ، يجد أن مصالحه ليست مع الحرية والديمقراطية في الوطن العربي ، وعلى الشعب العربي أن يراهن على قراره وإرادته فالطريق إلى الحرية ليس مفروشاً بالورود ، وعلى الشعب العربي أن يقلعّ شوكه بيديه ، وان لا يعتمد إلا على مقدرته ...
( 5 )
نحن مازلنا في قلب الحدث ... فقط أردنا أن نحدث أنفسنا ، ونحن نتوجه بالتحية إلى الأشقاء في الحاضرة العربية تونس ، لقد راهنا في أحلك الظروف أن هذه الأمة لم ، ولن تموت ، وأن الذين توهموا أنهم دفنوها ، لم يدفنون إلا أوهامهم .... وتونس في القلب ...إنها "المدينة" ، ومنها إلى ....
حبيب عيسى

احمد اراجه 01-17-2011 11:57

الأخ الحبيب/ حبيب عيسى

اقتباس : (((( ثانياً : الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي يمكن إذا امتلكت الإرادة ، ولو كان من باب تجنب النهايات المأساوية ، يمكن أن تستفيد من الدرس ، فالحوار مع الشعب أجدى من استجداء المدد الخارجي ، فالخارج المصّنع لنظم الاستبداد أول من يقلب ظهر المجن للمستبدين فلا يسمح لطائراتهم بالهبوط في مطاراته رغم ما تحمله من مليارات منهوبة ...))) .

حال الأنظمة المتأمركة والمستبدة يقول :

لقد أسمعتَ لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي

ألم يقول المفكر الكبير عصمت سيف الدولة :

(أن الاستبداد عصابة على أعين المستبدين) .

فتعزلهم عن أن يروا حقائق شعوبهم ومعاناتها ....

مع كل الحب والتقدير

سليم حجار 01-25-2011 08:43

على بساط الثلاثاء 110

تونس المدرسة ... تونس الدروس ...!
( القوميون العرب التقدميون في تونس : دور ، ورسالة )

( 1 )
أعرف ، وأعترف أن الكتابة بالغة الصعوبة عن حدث مازالت تفاعلاته ساخنة على الأرض ، فالصراع "على تونس ، وفي تونس" بين قوى متشابكة محلية وعربية ودولية على أشده ، لكن هذا كله مازال على هامش المشهد التونسي الساطع فالقرار مازال بيد الشعب ، وأوراق ثورة الحرية مازالت بيده رغم المحاولات المستميتة لاختطافها ، ولعل هذا ما يميز ثورة الحرية في تونس ، ففي مثل هذه الأيام منذ 34 عاماً انتفض الشعب العربي في كنانة العرب : 18و19 يناير ، كانون الثاني ، جانفي ، من أسوان إلى سيناء ، ووضع يده على وطنه ، وركب "زين حاكمين" تلك الأيام طائرته يبحث عن ملجأ ، وبدأ يحوم داخل مصر وخارجها ، لكن الشعب الذي لم يجد في الشارع من يتقدم للمضي بالثورة إلى أهدافها عاد أدراجه إلى البيوت ، فعاد السادات إلى قصره ومن ثم إلى كامب ديفد ، لكن في تونس الحرية انتظروا أن يتعب الشعب علهم يكررون التجربة ، ولهذا مازالوا يحاولون حتى كتابة هذه الكلمات إعادة الشعب العربي في تونس إلى المنازل بأي ثمن ، علهّم يعيدون الطاغية الهارب ، أو يتم استبداله بفرخ طاغية جديد ، كانت بداية المحاولات مع الطاغية الهارب ذاته اعترف أن بطانته خدعته ، وأنه بدأ يفهم ، لكن الشعب كان بالمرصاد ، فتم تهريب الطاغية ، ثم المحاولة الثانية ، جاءوا بوزير الطاغية بقفازات من حرير يعلن القطع مع الماضي و و و ، لكن الشعب أدرك اللعبة ومازال في الشارع يعتصم ليل نهار ، وهو يؤكد أنه لن يترك البلد للطغاة واللصوص وخدم الأجانب مرة أخرى ، هذا هو جوهر المعركة في تونس هذه الأيام ، وهذا هو جوهر ثورة الحرية ، والصراع في أوجه .... المهم ، أن الشعب العربي في تونس ، رغم المآسي والألم والكوارث والتخريب والقمع الذي أحدثه الاستبداد في المجتمع ، يعرف ماذا يريد ، ولا يبدوا عليه التعب ، فعلى العكس من ذلك يزداد حيوية وإصراراً مع كل يوم يمر على ثورته ، إنه يلملم جراحه ، ويتفقد بنيانه ، ويعيد إنتاج مؤسساته الحزبية والمجتمعية ، إنه يتصلب ويقوى ، بينما الطرف الآخر يستميت في التشبث بمواقعه ، الشعب ينظم صفوفه وينتظر أن يلتحق ذنب الأفعى برأسها ، وأجهزة الطاغية الهارب تنتظر أن يتعب الشعب ، أو أن تجد وسيلة اختراق المجتمع لهزيمته والسطو على إردته مرة أخرى ...
( 2 )
المحظور الثاني في الكتابة إلى تونس ، وعن تونس هو تحديد الموقع الذي نكتب منه إلى تونس حتى توضع الأمور في نصابها ، فأقول ، بما يخصني ، أنني اكتب إلى تونس وعنها من مقاعد التلامذة الذين تعلموا ويتعلمون ويستمعون بانتباه إلى هذه المحاضرة الطويلة التي يلقيها علينا باقتدار وعمق ومعرفة وتماسك وصمود هذا الشعب العربي الثائر في تونس الحبيبة ، وأعترف أنني خلال الأسابيع التي انقضت والمعبّقة بعبير الياسمين لم أغادر تلك المقاعد لحظة واحدة ، لقد أضافت لي ثورة الحرية الكثير ، فأكدت على الكثير من المفاهيم التي أثبتت الثورة صحتها ، وكانت قبل ذلك مجالاً للأخذ والرد ، كما ألغت الكثير من الأفكار والمفاهيم التي كانت سائدة قبل ذلك ، ومازالت تلك الثورة تلقي الدروس علينا ، ومازلت على مقاعد التلامذة ، وإذا كنت سأخط على "بساط الثلاثاء" بعض مما تعلمته ، فإنني سأسمح لنفسي أن أتقدم من الأخوة الأعزاء القوميين العرب التقدميين على مختلف أطيافهم في تونس الحبيبة بمداخلة مختصرة ذات خصوصية ، في ختام هذا الحديث ...
( 3 )
أولاً : في الحديث عن بعض الدروس التي استخلصتها من ثورة الحرية والتي لا يمكن حصرها ، أقول ، وسأكتفي بالعناوين المهمة :
1 - لقد أثبتت ثورة الحرية تهافت المقولات التي كانت ترددها النخب العربية عن سلبية الشعب وعن حالة الاستلاب والخوف والركون إلى المستبدين ، وبالتالي فإن المشكلة كانت ومازالت في تلك النخب التي فقدت مصداقيتها وعجزت عن التعبير عن هموم الناس وتطلعاتهم ، وليست في الشعب ، وبالتالي على تلك النخب أن تعيد النظر بمواقفها بعد أن تبين أن هذا الشعب الذي كانوا ينعتونه بشتى النعوت ويتعالون عليه ... قد تجاوزهم ، وعليهم أن يبحثوا عن الوسائل للحاق به ، وليس لقيادته كما كانوا يتوهمون .
2 – بات من الثابت أنه ، حتى في حالة غياب البنية الحزبية والسياسية عن المجتمع ، سواء لأسباب موضوعية تتعلق بالقمع الذي تعرضت له ، أو لخلل ذاتي في بنيانها الفكري والتنظيمي ، أو لاجتماع الأسباب ، فإن المجتمع رغم ذلك قادر على تجاوز هذه العقبة في حال تمكن من سد جميع الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الاستبداد لتبديد وحدة المجتمع ، واختلاق صراعات وفتن بين أطيافه ...
3 – بات واضحاً أن الانقلابات العسكرية لم تعد الوسيلة المناسبة للتغيير وذلك لأن تجربة عسكرة السلطة باتت ذات سمعة سيئة أياً كانت الشعارات من جهة ، ولأن المؤسسة العسكرية في السلطة الإقليمية تم تهميش دورها بعد أن انقلب العسكر الذين أوصلتهم مؤسساتهم العسكرية للسلطة فاعتمدوا أجهزة الأمن والمخابرات والحرس الخاص لحماية سلطانهم بينما عيونهم على المؤسسة العسكرية ليكون الإنقلاب الذي قاموا به هم وأولهم للسلطة آخر الانقلابات ....
4 – لقد بات من الثابت أن النظم الشمولية ليست الوسيلة المناسبة للحكم مهما حسنت النوايا وأن تلك النظم تشكل خطراً على المجتمع عامة وبالدرجة الأولى على الأهداف والغايات التي تدعي أنها تسعى لتحقيقها فتشوه تلك الأهداف والغايات مهما كانت نبيلة ، وتحّول الحرية إلى استعباد ، والعدالة الاجتماعية إلى استغلال وتوليد المافيات والفساد في سائر المجالات .
5 – في ظل تغّول الأجهزة الأمنية في السلطة الإقليمية فإن النضال السري للتغيير لم يعد مجدياً ... ولن يؤدي إلا للانعزال عن المجتمع ، والعجز عن الفعل ، وتحويل الحركة السرية مع الأيام إلى أشباح ...
6 – في ظل إضعاف بنية المجتمع وتجريده من المؤسسات الحزبية والسياسية والثقافية والنقابية ومن جميع عوامل القوة والمناعة من قبل نظام الاستبداد فإن أية دعوة للعنف أو ممارسته سيرتد على المجتمع فتناً وتخريباً ، ومدرسة تونس قدمت دليلاً قاطعاً على ذلك ، فقد حاول طاغية تونس قبل هروبه أن ينتقل بالصراع إلى ساحة العنف عبر الملثمين والمخربين والقناصة ، فهو يعلم أنه إذا تحولت الثورة الشعبية إلى العنف فإن أجهزته البوليسية المدربة ستتمكن بيسر من سحق الثورة ، لكن الثوار كانوا بالمرصاد فشكلوا اللجان الشعبية لحماية الأحياء والممتلكات وقد تبين أن جميع عمليات العنف والاعتداء كانت من طرف وحيد ورغم كل المحاولات بقي جهاز الطاغية هو الوحيد الذي يمارس العنف والتخريب ... فسقط بالضربة الشعبية القاضية وبالتالي فإن الدرس المستفاد من تونس الحرية هو عدم الانجرار إلى ساحة العنف تحت أي شعار ، وعدم تشكيل الفك السفلي للسفاح لأنه بذلك فقط سيتمكن من الانقضاض على المجتمع ....
7 – لقد كشفت ثورة تونس بشكل جلي علاقة الداخل بالخارج بعد مرحلة طويلة من الاتهامات المتبادلة ، فهل الخارج يناصر الشعب العربي الساعي للديموقراطية ؟ ، أم يدعم السلطة المستبدة الحاكمة ؟ ، لقد جاء الجواب حاسماً من تونس ، أولاً ، لم يصدق الذين يتبنون النظام الاستبدادي في تونس ، ويدعمونه من الخارج أنه سينهار بهذه السرعة ، فصمت بعضهم على الطريقة الأمريكية ، وانبرى البعض الآخر لتقديم الدعم ، حتى الأمني "أي التدخل العسكري" على الطريقة الفرنسية ، لكن ما أن هرب الطاغية حتى بدأت المواقف تتغير ، على أية حال نريد أن نحدد موقفاً من هذه المسألة لإزالة أي لبس ، أولاً نحن بحكم مكوناتنا الحضارية العربية لا نعادي مجتمعات ولا شعوب ولا جماعات ، فنحن نعرف أن في الغرب وفي الشرق مفكرين وقوى مؤنسنة ودعاة حقيقيين للحرية والأنسنة ، لكن في هذا العالم أيضاً قوى طاغية في مجتمعاتها ومتوحشة في التعامل مع الشعوب الأخرى ، وللأسف فأن القوى الثانية هي الفاعلة والمؤثرة في التعامل مع ما يسمونه العالم الثالث ، ومنه وطننا العربي ، لأنهم أصحاب المصالح في النهب والسيطرة والفساد وقمع الشعوب لذلك فأنهم كانوا دائماً منتجين وداعمين للطغاة في الوطن العربي ، وفي العالم أجمع ... فلقد أثبتت الوثائق التي تم الكشف عنها أنه لم يولد طاغية أو يقوم انقلاب استبدادي في العالم الثالث إلا ولأجهزة المخابرات المهيمنة في العالم اليد الطولى في ذلك ، وهذا يرتبّ على قوى التحرر والتغيير أن تتخذ المواقف المناسبة في ضوء ذلك ، ودرس تونس كان بليغاً في هذا المجال ، إن قوى الهيمنة الدولية لم تستسلم للهزيمة في تونس وهي شكلت غرفة عمليات طوارئ لمنع امتداد الثورة وتقديم النصائح للحكام ببعض العمليات التجميلية .
8 – لقد أثبتت ثورة تونس أن الطاغية جبان وضعيف ، إنه غول من قش ، كما أن قوى الهيمنة الدولية نمر من ورق ، عندما يمتلك الشعب قراره وإرادته يهربون من المواجهة ، لكن لابد من الحذر من محاولاتهم الالتافية ...
9 – بات من الواضح أن الطاغية المستبد لا يصنع نفسه ، وإنما يصنعه المنافقون والأفاقون في الأعلام والفنون والثقافة والمؤسسات الدينية والمدنية ، وأن أول المنقلبين عليه ، عندما ينقلب ، هم أولئك المنافقين والأفاقين ، ولعل الذي يتابع مايكتبه ويقوله أولئك الذين كانوا قبل ايام يؤلهون الطاغية ، يكتشف مدى خطر النفاق والمنافقين على المجتمع ، وعلى الطغاة أنفسهم ... وهذا درس بليغ لمن يريد أن يتعلم ، وفي تونس الحرية لم يفهم الطاغية إلا متأخراً أن الذين كانوا يسيّرون له المسيرات المليونية ، ويزينون له القمع ، ويوهمونه أن الشعب يموت في حبه هياماً ، وأن له حزباً جماهيرياً عريضاً يضم أكثر من مليونين من الذين يفدونه بالروح والدم ... تبين أنهم كانوا يخدعونه ويسخرون منه ....
10 – لعل أهم الدروس ، وأكثرها بلاغة هو الأثر الذي أحدثته ثورة الحرية في تونس على صعيد الوطن العربي فقد أثبتت تلك الثورة وحدة المشكلات ، لقد أنعشت تلك الثورة أحلام النهوض والتحرير والتنوير في الوطن العربي بعد عقود من الصراعات العبثية والفتن المتجولة التي طغت على سطح الحياة العربية ، وبقدر ما كانت نتائج الغزو الأمريكي للعراق وما ترتب عليه من فتن مذهبية وطائفية وإثنية سلبياً ، وبات حجة بيد المستبدين لبسط الاستبداد ، وبات المجتمع ذاته يقارن بين الاستبداد وبين الفتن التي تدمر المجتمع في العراق الحبيب ، فيختار أهون الشرين ، وهو الاستبداد ، فنام المستبدون على حرير ، لكن ما حدث في تونس أيقظهم من أحلام اليقظة ، فكل ما جرى ويجري في تونس يقدم صورة معاكسة ...ولعل نظرة فاحصة على مايجري في العراق يوضح ماذا فعلت الإدارة الأمريكية ، وماذا تريد من الوطن العربي ، على النقيض من ذلك ، فإن نظرة فاحصة على ثورة الشعب العربي في تونس توضح ماذا يريد الشعب العربي في الوطن العربي ...
باختصار شديد أن المدرسة الثورية التونسية مازالت مشرعة الأبواب ، ففي كل لحظة تقدم دروساً جديدة لمن يريد أن يتعلم ، صحيح أن الشعب العربي ينتظر بخوف وقلق الخواتيم ، يخشى على الثورة من عوامل بالغة التعقيد داخلية وخارجية ، لكن ماجرى حتى الآن كافياً لنؤرخ ليوم عربي جديد ....
( 4 )
ثانياً : عن المداخلة التي أود توجيهها إلى الأخوة الأعزاء من القوميين العرب التقدميين في تونس الحبيبة ، فبعد كل ما تلقيته من دروس لابد من الإشارة إلى ما قلته على بساط الثلاثاء الماضي ، وهو أن روحي غادرتني إلى تونس منذ أسابيع ، وقد طالت غيبتها ، لكنني أغبطها على مكانها بينكم أيها الأخوة ، وأنتم تباشرون الخطوة الأولى لبناء غد عربي مختلف ، ثم لابد من الاعتراف أن القلم ليس خير وسيلة للتعبير عما أود قوله ، لكن بما أنه الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامي ، فأنني سأستخدمه بحذر شديد قدر الإمكان ...
1 – قد تعرفون ، وقد لا تعرفون أيها الأخوة الأعزاء ، أنني أعيش غربة بالغة الصعوبة ، وأن الصوت الوحيد الذي كان يخرجني من غربتي على مدى السنوات الخمس المنصرمة منذ ان غادرت زنزانتي المنفردة هو ذلك الصوت القادم من تونس ، أو من تونسيين في المغتربات ، وعندما استأنفت الكتابة عن مشروع ، وعقد للنهوض والتنوير العربي كان ذلك من وحي ذلك الصوت القادم من الغرب العربي ، وإليه ، ولا أعرف حتى الآن تحديداً من أين تأتى لي ذلك اليقين الصارم بأن تونس ستكون الرافعة والحامل لمشروع النهوض والتنوير العربي الجديد ، وبما أنكم الآن تعملون على التأسيس لهذا المشروع القومي العربي التقدمي في تونس ، فإنني على ثقة تامة بأنكم على دراية تامة بأهمية الخطوة التي تقدمون عليها ، لكنني ، ومن باب التشاور الذي يسمح به هذا القلم أقدم رؤيتي واضعها بتصرفكم ، ولكم القرار من قبل ومن بعد .
2 – أن السلطات المجاورة لتونس خاصة لا يمكن أن تقبل نجاح الثورة في تونس نجاحاً تاماً ذلك أن ما حصل في تونس شديد التأثير والعدوى ، فأما أن تنتقل الثورة إليهم ، وإما أن يحاصرونها ويجهضونها ، ويعيدون الحال إلى ما كانت عليه بطريقة ما .. ، وأعتقد أنكم تتنبهّون لذلك ...
3 – إنني على دراية بما خلفته سنوات الاستبداد المديد ونضالكم المستمر في مواجهته من اختلاف في الرؤى فيما بينكم ، أدت في بعض الأحيان إلى افتراق حاد في المواقف ، الآن نحن في واقع جديد يجّب ما قبله ، ولابد من الإشارة هنا إلى أن الاختلافات في الرؤى بينكم ضرورية لتفعيل قانون الجدل الاجتماعي داخل مؤسستكم الاعتبارية التي تسعون لبنائها ، بشرط أن يحتكم الجميع للديموقراطية داخل المؤسسة ، فينفذ الجميع رأي الأغلبية ، ويحترم الجميع رأي الأقلية .
4 - لعله من الأمور بالغة الأهمية ، وأنتم تصيغون مواثيق مؤسستكم ولوائحها التنظيمية الانتباه الدقيق إلى تداول المراتب والمواقع التنظيمية داخل المؤسسة بشكل دوري ، وصارم بحيث يكون البرنامج واللوائح هي مناط الالتزام .
5 – إن جميع القوميين العرب التقدميين في تونس مدعويين للمشاركة على قدم المساواة في المؤتمر التأسيسي ، ومن يتخلف يكون ذلك بسبب منه ، وليس لأي سبب آخر .
6 – إنني أشارككم المحاذير الناتجة عن سلبيات المرحلة السابقة التي تمثلت بتجارب ُنسبت إلى المشروع القومي العربي عموماً ، وأنكم تتخوفون من أن الشارع في تونس فقد الثقة بمصداقية الشعارات التي لا تلامس هموم الناس الملحة ، وأنكم بصدد البحث عن تسمية قريبة من نبض الشارع بعيداً عن المسميات القومية ، هنا ، لابد لي من كلمة مختصرة لا مجال للتفصيل فيها ، وهي أن الخطاء والخطايا التي ُارتكبت باسم المشروع القومي العربي والممارسات السلبية ، ورفع الشعارات البعيدة عن الواقع المعاش للناس والممارسة المناقضة للشعارات المرفوعة لا يمكن معالجتها بالتخلي عن الهوية والنهج والغائية القومية ، وإنما بالتمسك بالهوية والنهج والغائية القومية العربية ، لكن ، وفي الوقت ذاته بالقطع تماماً مع ممارسات الماضي والأخطاء ، والخطايا .
7 – إن حركة النهضة مثلاً لم تتخلى عن نهجها وهي تقدم برنامجها للشعب في تونس ، وأن اليسار الماركسي لم يتخلى عن نهجه وماركسيته وهو يقدم برنامجه ، وكذلك الليبراليون ، وإلى آخر الطيف السياسي في تونس ....، فلماذا لايقدم القوميون العرب التقدميون أنفسهم للشعب العربي في تونس بصفتهم القومية تلك ، وكطليعة عربية ؟ ، أما البرنامج ، وهنا بيت القصيد ، فيجب ان يكون بعيداً عن الشعارات يعالج الهموم الحقيقية للشعب العربي في تونس ، ويضع خططاً وحلولاً لمشكلات الحرية والعدالة والثقافة والفنون والتنمية والتعليم والفلاحة والتصنيع والاجتماع وسائر مفاصل الحياة بحيث لاتوجد مشكلة يطرحها مواطن عربي في تونس إلا ويجد معالجة لها في برنامج القوميين العرب التقدميين .
8 - إن القوميين العرب التقدميين في الوطن العربي عيونهم شاخصة إليكم لإعلان القطع مع ألأساليب التي أدت إلى انحسار المشروع القومي العربي النهضوي التنويري التحرري وتقديم برنامج يلتف حوله الشعب العربي في تونس والابتعاد عن الشعارات ، لتقديم نموزج جديد للنضال القومي العربي التقدمي ينجح في تونس ويحتذى به في الوطن العربي .
9 – إن القوميين العرب التقدميين في تونس بقدر مايساهمون في تحقيق العدالة والتنمية والحرية والمساواة في تونس من مواقعهم سواء في السلطة ، أو في المعارضة ، أو من خلال التحالفات مع القوى الأخرى وبقدر ما يقدمون نموزجاً إيجابياً في تونس بقدر مايكونون يساهمون في تحقيق الوحدة العربية ولو لم يقولون كلمة واحدة عن الوحدة العربية ، وبقدر مايساهون في رفع الظلم وبناء الوطن وتحقيق الكفاية والعدل بين المواطنين العرب في تونس بقدر مايكونون يساهمون بتحرير فلسطين ، ولو لم يقولون كلمة واحدة عن تحرير فلسطين .
10 – إن ألف باء النضال القومي العربي التقدمي هو الانطلاق من الواقع كما هو إلى مايجب أن يكون ، وبالتالي ، فإن النضال في الواقع الموضوعي لبناء قاعدة نموذجية هو المعيار الحقيقي للانطلاق الحقيقي إلى الحرية والوحدة والاشتراكية على الصعيد القومي العربي ...
( 5 )
أعرف أيها الأخوة الأعزاء ، أن ماجاء في مداخلتي المقتضبة هذه ليس موضع اتفاق ، وأن هناك آراء متعددة حول المسائل المطروحة ، وأنا بحكم الظروف لا أملك مواصلة الحوار معكم والدفاع عن وجهة نظري ، لكن لا بأس ، فأنتم الآن في ظروف موضوعية تتيح لكم الحوار حول جميع المسائل بحرية وتصادق ، المهم أن يكون الحوار مفتوحاً ، وبناء ، بحيث تطرح كل مسألة على حدة ، وبعد مناقشة كافة الآراء والمقترحات ُتطرح على التصويت فينفذ الجميع قرار الأغلبية ، ويحترم الجميع رأي الأقلية ، إن ممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتكم هو التعبير عن مصداقيتكم في الدعوة إلى الديمقراطية ين مختلف أطياف الحراك السياسي ، وأنا على ثقة أنكم ستختارون الخيارالأفضل لكم ، ولنا ، إن أبناء الأمة العربية جمعاء يتطلعون إليكم ، فعندما يتم طرح أية مسألة في تونس ، نواجه بالسؤال : ما هو موقف إخوانكم القوميون العرب التقدميون في تونس من مسألة كذا ...؟ ، وهذا يرتب عليكم مسؤوليات جسام إضافية ،لكنني على ثقة : أنتم لها ، أمنياتي لكم ، وقلبي معكم ، وروحي عندكم ، وقبلاتي لرأس كل واحد منكم فرداً ، فرداً .
دمشق : الثلاثاء – 25\1\2011
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-26-2011 10:18

على بساط الثلاثاء 111
يكتبها : حبيب عيسى

مصر الحرية :
من ديمقراطية هيلاري... إلى ديمقراطية الشعب العربي ...







( 1 )
لقد استفذتني السيدة الشقراء هيلاري كلينتون إلى درجة لم أطيق معها صبراً ، فيوم الثلاثاء القادم بعيد جداً ، لذلك أستميحكم عذراً في هذا اللقاء الطارئ الذي فرضه أولئك الرجال الرجال في كنانة العرب ، أتحدث هنا عن الرجولة ، وليس عن الذكورة ، وتلك صفة تعوّد العرب أن يطلقونها على الشجعان من أبنائهم ، بغض النظر عن الجنس ، لقد دمعت عيناي بالأمس وأنا أستمع إلى تلك الشابة العربية الرائعة الشجاعة نوارة ، وإلى ذلك الشاب العربي الرائع عمار ، يطلان من إحدى المحطات الفضائية ، وهما على السجية يرسمان غداً عربياً مختلفاً ، ويستعجلان إنهاء اللقاء للعودة إلى صفوف الشباب الثائر في ميدان التحرير بالقاهرة لمواجهة هراوات الطاغية ورصاصه وقنابله ...
هاهي شمس تونس الحرية تسطع في سماء طيبة ، وتشعّ على بلاد الأجداد في اليمن ، وتنير أضرحة الشهداء المليون في الجزائر بعد عقود من ظلام الاستبداد ....
لتكن النتائج ، ما تكون ، لم أعد مهتماً لذلك ، فالحدث له ما بعده ، المهم أنني لا أنسى يوماً كان كل من أعرفهم يشفق عليّ من أوهام العروبة والوحدة العربية والهوية العربية ... حتى أن بعض الأخوة طالبني بالكف عن الكتابة في هذه المواضيع التي لم تعد تهم أحداً ، ومنذ شهر واحد فقط رفع أحدهم إصبعه في وجهي محذراً ، وهو يصيح ، بعد حفلة نقاش ساخنة : ما هي إلا أسابيع قليلة ، وستحلم يا حبيب عيسى بدولة تكون بحجم دولة ، من دول "سايكس – بيكو" التي قضيت عمرك تحلم بتجاوزها إلى "الدولة القومية العربية" ، هل ُيعقل أنك لا ترى ، ولا تشم رائحة الدول المذهبية والطائفية والأثنية التي تدق باب الشرق الأوسط لتقسيم تلك الدول ؟ ، هل تعتقد أن التقسيم الذي تم إشهاره في السودان هو الأخير ؟ ، أليس بداية لمواليد مسخ أخرى ، لا حصر لها ، قادمة بين المحيط والخليج ؟ وأضاف : إنني أشفق عليك يا رجل ، آن لك أن تفيق من الأوهام . يومها أجبته بهدوء : يا صاحبي ، إن "دول سايكس بيكو" غير مشروعة ، وما يتوالد منها بالتأكيد ليس شرعياً ، وهذه الأمة العربية ستعرف كيف تنهض ، وتتوحد ، وتشعّ نوراً على هذا العالم . قال : إنني أشفق عليك ، بالأمس ، وبعد حدث تونس ، وبينما كان الشعب العربي من المحيط إلى الخليج يحتضن بعيون دامعة الصبايا والشباب في ميدان التحرير بالقاهرة ، وهم يواجهون بشجاعة وتصميم آلة قمع الطاغية ، جاء صوته عبر الهاتف ، وهو يكاد يختنق من التأثر قال متلعثماً : أنا آسف . قالها ، وأغلق الخط ....
( 2 )
أعتذر عن هذه المقدمة التي طالت أكثر مما قدّرت ، فقد كنت عقدت مقارنة على "بساط الثلاثاء" بالأمس بين ثورة الحرية في تونس ، وبين ثورة الحرية في الكنانة 18 و 19 يناير ، جانفيه 1977 ، ففي تلك الأيام حرر الشعب العربي في مصر أرض الكنانة تماماً ، وهرب أنور السادات يحوم بطائرته من مكان إلى آخر ، لكن لم يجد الشعب من يمضي بالثورة إلى غايتها ، فعاد الشعب إلى المنازل ، مما أتاح للطاغية أن يعود إلى قصره ثم إلى "كامب ديفد" ، أما في تونس فقد فشلت محاولات إعادة الشعب إلى المنازل حتى بعد هروب الطاغية ، ومازال الشعب العربي في تونس يمسك بأوراق الحرية بثبات وصبر ، وهاهو الشعب العربي في الكنانة يعود بالأمس إلى ميدان التحرير في القاهرة ، وهو مصمم هذه المرة على أن يتمسك بأوراق الحرية هذه المرة حتى إلى ما بعد هروب حسني ، ورغم ذلك مازال هناك من يراهنني ، فكلما صدر خبر أن بوليس حسني فرق المتظاهرين تمطرني الهواتف : إلى متى يمكن أن يصمد أصحابك ؟ ، ألا ترى وحشية القمع ؟، لكنني قبلت الرهان ، وربما كان على النخب السياسية ، في مصر وفي غير مصر ، تلك النخب التي كانت تتوهم أنها متقدمة على الشعب ، أن تعيد حساباتها علهّا تلحق بالشعب بعد أن كانت إلى وقت قريب تتوهم أنها ستقوده .
( 3 )
نعود إلى السيدة الشقراء هيلاري كلنتون فقد قالت ، لا فض فوها : "أن حكومة حسني مبارك" مستقرة ، من تريدين أن تطمئني أيتها السيدة ؟ ، هل تريدين بث الطمأنينة في صفوف الصهاينة ؟ ، أم تريدين أن تبعثين الاطمئنان في نفسك القلقة ؟ أم أن الهدف كان طمأنة حسني وحسّه على الصمود ، حتى لا يفاجئكم أنه في إحدى الطائرات يبحث عن من يسمح له بالهبوط ؟ ، هذا حقك أيتها السيدة على أية حال ، نعم ، من حقك هذا القلق ، وأكثر ، لكن عليك أن تنتظري يوماً أسود ، كاليوم الذي مرّ على زميلتك وزيرة خارجية فرنسا عندما ناشدت الاتحاد الأوربي لدعم زين العابدين بالأمن والسلاح ، وهي حتى الآن لا تعرف كيف تخرج من ورطتها . على أية حال ، من حقكم أن تقلقوا على نظام حسني مبارك ، لكن ليس من حقكم بعد الآن التشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان ، فمن المهم بالنسبة إلينا يا سيدة هيلاري ، حسم قضية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الوطن العربي من معها ؟ ، ومن ضدها ؟ ، فلقد أثبتت هذه الأيام الراهنة من تونس إلى القاهرة إلى الجزائر إلى اليمن إلى العراق إلى فلسطين ، أنكم ، وحلفائكم الأوربيين ، مع ديمقراطية زين العابدين بن علي ، وحسني مبارك وإلى آخرهم..... إضافة إلى الفتن المتنقلة التي تنتجونها في العراق وفلسطين والسودان ، تلك هي ديمقراطيتكم التي يواجهها الشعب العربي بمفهومه الإنساني للديمقراطية الحقيقية ، للحرية الحقة ، يواجهها الآن بالديمقراطية في تونس ، واليوم في مصر ، وغداً .... هذه هي ديمقراطيتنا ، وتلك هي ديمقراطيتكم ، وهما نقيضان لا يجتمعان في الوطن العربي ، لقد مرّت سنوات ساد فيها الكثير من الخلط المشبوه ، وُوضع مشروع التحرر والنهوض والتقدم والتنوير العربي بين كفي كماشة طغاة الداخل ، والقوى المتوحشة والمهيمنة من الخارج ، الآن ، آن للشعب العربي أن يتحرر من الطغاة والغزاة في وقت واحد ، فهما وجهان لعملة واحدة ، بينما الشعب العربي يسعى إلى الحرية ، وحمل مشاعل المساواة والعدالة والحقوق والتقدم والمساواة بين البشر ، ونبذ العنصرية ، بينما الطرف الآخر يريد لنا الرضوخ لنموذج بن علي وحسني مبارك والمستوطنات الصهيونية ، والنصر في النهاية لمن يستحقه .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-01-2011 08:42

على بساط الثلاثاء
112
يكتبها :حبيب عيسى



• أحمد عرابي في ميدان التحرير بالقاهرة ...
• أبو القاسم الشابي في ميدان الحرية بالقيروان ...


( 1 )
الكتابة ، والكلام في هذا اليوم الطويل الممتد من "ثلاثاء الغضب" \ 25 يناير ، جانفيه ، كانون الثاني \ ، إلى ثلاثاء الحرية 1 شباط ، فبراير ، هذا اليوم الطويل ملك لشباب مصر الأحرار في ميدان التحرير ، وفي ميادين المدن والبلدات والدساكر في الجمهورية العربية المتحدة ، الكلمة لكم أيها الأبطال ، ولاصوت يعلوا على أصواتكم التي هزت عرش الطاغية ...
منذ أسابيع ، والشعب العربي بين المحيط والخليج يجلس على مقاعد الدراسة والتعلم ، وإن كان البعض منه ، بين درس وآخر ، قد انخرط في الواقع الموضوعي لتطبيق دروس عملية بين كل محاضرة وأخرى ، هكذا يتنقل الشعب العربي بين الأكاديمية العربية العليا لعلم الثورات في قرطاج ، وبين الأكاديمية العليا لعلم الحرية في الكنانة ، ورغم حالة التوحيد في المناهج ، وفي المحاضرين ، وفي الطلاب ، فأن لكل من الأكاديمتين شارتها الخاصة بها ، فأكاديمية قرطاج العليا وضعت شارتها على صدور المناضلين :
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"
بينما أكاديمية الكنانة العليا استغنت فوراً عن "إذا" الشرطية ، وصممّت شارة مباشرة تقدم جواباً حاسماً عن إرادة الشعب:
"الشعب يريد إسقاط النظام"
( 2 )
لامكان إذن لأي كلام آخر من قبلنا ، أو من قبل غيرنا ، إن "بساط الثلاثاء" مفروش لتلك الرؤوس العربية المرفوعة الشامخة التي ستنطلق اليوم من ميدان التحرير إلى الحرية الرحبة ، فقط أرجوا أن تسمحوا لي ببضعة سطور قليلة ، للذين فوجئوا بثورة الحرية في الكنانة ، وليقارنوا جيداً بين العبارات ، وبين الحدثين ، والمتحدثين :
• الزمان : يوم 9 سبتمبر – أيلول – "أرجو من الأخوة العرب التوانسة وضع أسم الشهر بالعربي التونسي" 1881 .
• المكان : ميدان قصر عابدين – القاهرة .
• الفريق الأول : الخديوي توفيق بملابسه الحريرية إلى جانبه السير أوكلاند كولفن المراقب الأنكليزي الذي يهمس بأذن الخديوي : لاتخف ياجناب الخديوي إنهم لايجرأون ... ، لاتخف وإلا فأنك ضائع ياسيدي . وخلفه أستون باشا الضابط الأمريكي ورئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري وخمسة من الضباط ، وإثنان من الضباط الأجانب الأوربيين ومستر كوكس قنصل بريطانيا في الإسكندرية والجنرال جولد سميث .
• الفريق الثاني : في ساحة القصر ، الضباط ، أحمد عرابي وأحمد بك عبد الغفار وعبد العال بك حلمي واسماعيل بك صبري وإبراهيم بك فوزي وفودة أفندي حسن وعلي فهمي قائد حرس الخديوي الذي انضم مع الحرس للثوار واصطفت ألوية الجيش والحرس خلفهم والمدافع مصوبة إلى القصر وجماهير الشعب تحيط بالجنود تهتف بحماس منقطع النظير : الشعب يريد إسقاط الطاغية ، ويخطب بهم الثائر الوحيد من خارج المؤسسة العسكرية : المناضل عبد الله النديم .
( 3 )
• المواجهة :
يدخل الخديوي إلى القصر من باب خلفي للسراي أسمه "باب باريس" فيصدر اليوزباشي محمد أفندي السيد أمراً للبروجية بضرب نوبة "سونكي ديك" فأسرع العساكر إلى تركيب السونك في رؤوس بنادقهم وأحاطوا بالخديوي ، وصعق الخديوي كيف أن هؤلاء الجنود الفلاحين لايخافون ، فتوجه الخديوي صاغراً بطلب إلى البكباشي فودة أفندي حسن : أأمر العساكر أن ينفرجوا عنا يابكباشي ، فأمرهم البكباشي فودة ، وتوجه الخديوي ومن معه إلى ساحة القصر حيث ينصحه كلفن بالتوجه فوراً لمقابلة عرابي ورفاقه الثوار ، فتقدم الخديوي ومن معه باتجاه عرابي والجيش والشعب ، كولفن : هذه ساعتك ، الخديوي "هامساً" : نحن بين أربع نيران . كولفن : كن شجاعاً ، الخديوي : إنهم يقتلونا ..اقترب الخديوي ورفاقه من عرابي .
( 4 )
ألتفت عرابي إلى الضباط خلفه تماماً ، وصاح آمراً : أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى الوراء ،لكن الضباط الذين تغلي الدماء في عروقهم رفضوا تنفيذ الأمر .
ثم دار الحوار التالي بين عرابي والخديوي :
الخديوي : ما أسباب حضورك بالجيش إلى هنا ...؟ .
عرابي : جئنا لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة كلها ، وهي طلبات عادلة .
• وما هي هذه الطلبات ؟ .
• إسقاط الوزارة المستبدة وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوربي وإبلاغ الجيش إلى العدد المعين في الفرمانات السلطانية والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم بوضعها .
• كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها ، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي ، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا .
• لقد خلقنا الله أحراراً ولم نخلق تراثاً ولا عقاراً ... فوالله الذي لاإله إلا هو إننا سوف لانورث ولا نستعبد بعد اليوم ...
كولفن للخديوي : أرى أن نعود إلى القصر يامولاي للتشاور ... وعاد الخديوي مع الرهط الذي يرافقه لتدبير المكيدة والغدر بالثورة والتخلص من عرابي ورفاقه الثوار ، بينماعرابي يرفض رأي الجيش والشعب بالتخلص من الخديوي .
( 5 )
الآن التاريخ يعيد نفسه ، عرابي ، بالضبط ، هو شعب مصر العربي الأبي المحتشد في ميادين مصر ، الآن ، والخديوي ومن معه هو بالضبط حسني مبارك ومن معه ، وإذا كان عرابي قد قاوم رأي ضباطه بالتخلص فوراً من الخديوي لأسباب إنسانية ، فإن الخديوي لم يتردد في التآمر على الثورة ، ونفي عرابي ورفاقه إلى سيلان ، وهذا بالضبط مايحاوله حسني مبارك اليوم في مواجهة شعب مصر العربي العظيم .... لكنني على ثقة أن هذا الشعب الذي يعيرّونه أن لاقيادة له ، لن يلدغ من الحجر ذاته مرتين ، ولعل مصدر قوته أنه يقود نفسه بنفسه ، فأولئك الشباب العربي الشجعان الذين سيقبضون على الطاغية ، هم الذين سيعرفون كيف يفرزون قياداتهم من بين صفوفهم ، وغداً يوم عربي آخر ...
كلمة واحدة ختامية دعونا نرشح من سيرحل الثلاثاء القادم ، كلمة أوجهها إلى أبو تفليقة ، مارأيك ياسيادة الرئيس أن تغادر بإرادتك ، وتترك الجزائر بيد أبناء الشهداء ألا تستحق تلك الدماء الذكية أن ينتقل الأبناء من الإستقلال الشكلي إلى الحرية الحقيقية ، لماذا لاتتعظ ؟ ، الأول لم يفهم إلا في الربع ساعة الأخيرة ، والثاني يبدو أنه عصي على الفهم إطلاقاً ، حاول أن تفهم أنت قبل فوات الأوان ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@ahoo.com

سليم حجار 02-08-2011 08:25

على بساط الثلاثاء
113
يكتبها : حبيب عيسى
مصر الحرية : الحلم ... والقلق ...!

( 1 )
على مدى عقود أربعة لم توفرّ القوى الطاغية التي تبسط يدها الغاصبة على الوطن العربي وسيلة ، أو سلاحاً ، أو فتنة ، أو عدواناً من أول أسلحة الفتك الشامل بالبشر التي تنتجها مصانع الأسلحة الدولية ، إلى آخر مخلفات وتداعيات الصراع في العصور العربية المنقرضة ، القديمة ، إلا واستخدمتها لمنع احتمال أي شكل من أشكال الثورة أو التمرد في الوطن العربي ، ولعلنا لا نبالغ إذا اعترفنا أن تلك القوى الطاغية سواء في الداخل العربي ، أو من الخارج الإقليمي والدولي ، على الاتحاد والانفراد ، قد تمكنت على مدى تلك العقود من إغلاق أبواب الحلم عند ثلاثة أجيال عربية متعاقبة ، فغاب السؤال عن المستقبل العربي المنشود ، وحل مكانه السؤال القلق عن الحاضر : كيف نحافظ على الوجود البيولوجي ؟ ، وفي أحسن الأحوال : كيف ندفع المخاطر المحيقة به ؟ ، باختصار شديد لم تكن المسألة بالنسبة لجيلنا بعد التجارب المرة : ماذا ، وكيف نبني ونضيف بنياناً جديداً ؟ ، ولكن تم اختصار القضية : بماذا وكيف نحمي البناء القائم كي لايتهدم على رؤوسنا ؟ ، وكيف لا ننزلق إلى الأسوأ ؟ لم يعد السؤال : كيف وبماذا ننتقل من دول سايكس وبيكو وسان وريمو ...و ... إلى دولة الأمة العربية الواحدة ، وإنما بات السؤال كيف نواجه مخططات تفتيت تلك "الدول الفعلية" إلى كونتونات الطوائف والمذاهب والأثنيات ؟ ، وقد تم التعبير عن ذلك بلغة السياسة ، فظهرت مصطلحات : انحسار المشروع النهضوي العربي ، أو انحسار المشروع القومي العربي التقدمي ، أو حتى مصطلح خروج العرب من التاريخ ، وهكذا ...
لقد عبرت تلك القوى الطاغية التي تبسط يدها الغاصبة على الوطن العربي عن نفسها عبر مؤسسات ونظم مختلفة من حيث الشكل لكنها منضبطة موضوعياً في إطار قاسم مشترك متفق عليه بين الملكيات والجمهوريات والسلطنات والجماهيريات ، هو تجريد المجتمع من جميع الوسائل والأدوات والأمكانيات والمؤسسات التي يمكن أن تعبّر عن إرادته وقراره ، إلى درجة تعريته تماماً ، فلم تعد المسألة بالنسبة إليه ، كيف يحقق حلمه ، وإنما في أحسن الأحوال ، كيف يداري عوراته ...؟.
( 2 )
هذا الواقع الموضوعي العربي أدى إلى دخول المجتمع العربي في حالة من الاستلاب والخوف والتواري ، فنتج عنها عنصرين متلازمين :
الأول : التخلف ، لأن المجتمعات لا تعرف التوقف ، فانعدام المقدرة على التقدم يعني التخلف ، لأن التقدم الاجتماعي يتم قياسه بالنسبة لعصر محدد في زمن معين ...
الثاني : تسهيل انقياد المجتمع ، واستلاب إرادته ، وتم ترجمة ذلك عبر إخراج المجتمع من العصر الراهن ، والانكفاء به إلى علاقات عصور منقرضة مما يسهل انقياده لقوى الطغيان ، سواء كانت مستبدة ، أو محتلة إلى درجة يبدو معها المجتمع ، وكأنه يتقبل بكل الرضى الاستبداد ، وحتى الاحتلال دون أي شعور بالمهانة ، بل يمكن تسييره بمسيرات مليونية لتمجيد الطغاة ، وحتى الغزاة ، إذا لزم الأمر... أما إذا بدرت أية محاولة للتمرد من قبل المجتمع ، فيمكن تفريغها عن طريق افتعال فتن وصراعات بين مكونات المجتمع ذاته ، حيث يدمّر المجتمع نفسه بنفسه ، وينعم الطغاة والغزاة في التحكم بمقدّراته ، ونهب ثرواته ، وإفساده إلى درجة الاستعباد ...
( 3 )
هكذا اجتاز العالم عتبة القرن الواحد والعشرين وهو ينشد الانعتاق من الاستغلال والعنصرية والنظم المستبدة وينشد الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتخلص من رواسب عصور القرصنة والهيمنة وبدأت شعوب في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا تنشد التقدم والتطور ، وحده الشعب العربي بدا وكأنه يجتاز عتبة القرن الواحد والعشرين ، وهو يعود القهقرى إلى ماقبل سايكس بيكو ووعد بلفور والاحتلال الأوربي والعثماني والمغولي يوجع ظهره ضرباً بسياط صفين والجمل وداحس والغبراء وقبائل عبس وملاحم الزير سالم وتغريبة بني هلال ... فبعدت المسافة بين العرب والعالم المتقدم أصلاً الذي واصل تقدمه وراكمه ، وصعدت الشعوب من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا التي كانت إلى سنوات قريبة أكثر تخلفاً من العرب ، فتجاوزتهم ، لتلحق بركب التقدم العالمي ...
( 4 )
هذا الواقع العربي المرير المُستلب ، حيث لا إرادة عربية ولا قرار عربي ، بدأ يفرض نفسه موضوعياً مع الانقلاب على الثورة في القاهرة مع بداية عقد السبعينات من القرن الماضي ، صحيح أن مشروع النهوض والتنوير كان يعاني من موجات عدوانية متلاحقة تقودها قوى مضادة قوية وفاعلة أدت إلى إنفصال الأقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، ثم إلى هزيمة 1967 ، لكن الصحيح أيضاً أن مشروع النهوض ... كان يعاني أيضاً من أزمات ذاتية تتعلق بتأصيل منهج النهوض والتحرير وأدواته وأساليبه ، وكان من المتوقع معالجة ذلك بعد إزالة آثار العدوان ، إلا أن الانقلاب الذي فاجأ الجميع في القاهرة مع بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم أطاح بمشروع النهوض والتحرير العربي ، وحوّل القاهرة من قاعدة انطلاق للمشروع العربي إلى قاعدة للهجوم عليه ، وساد هذا الواقع اللاعربي البالغ السواد ، والموصوف سابقاً ، والذي امتد على مدى العقود الأربعة المنصرمة ، وكانت المعادلة الأساسية تتمثل في استقرار آلية النظام بكامل عدته ووظائفه في القاهرة ، لتستمر حالة الاستلاب والسكون والتخلف في المجتمع العربي ، وفي المقابل كان الذين يراهنون على استئناف مشروع النهوض والتنوير العربي يتطلعون إلى الكنانة ليبدأ المشوار بها ، ومنها مرة أخرى ...

( 5 )
هكذا أعترف أنني منذ أربعين عاماً أنتظر هذا اليوم ...لقد رحل الكثير من جيلنا قبل أن يشاركوننا الدموع والفرح والقلق الذي نعيشه هذه الأيام ، والكثير منا كان قد تملكه اليأس ، واستعد للمغادرة حزيناً ... لكن تبين أن جيلنا ، الذي تعرض لرضوض سيكولوجية حادة ، لم يكن يفهم عناصر القوة في الجيل العربي الجديد ، ولا يعرف عناصرها ، كان جيلنا قد تجمّد فهمه لعلم الثورة ، ودروب الحرية بما اكتسبه من معارف عن التنظيمات السرية ، والتنظيمات المسلحة ، والانقلابات العسكرية ، والنظم الثورية ، والزعيم الملهم ، والرمز الفرد ، والكاريزما المؤثرة ، ولم يدرك جيلنا أن الزمن قد تغيّر ، وأن العصر هو عصر الشعوب ، وأن عصر الانقلابات العسكرية والعصابات المسلحة ، والأحزاب المؤدلجة السرية قد ولى ... إلى أن أشعل البوعزيزي تلك الشرارة ، وحتى بعد ذلك ، لم يكن جيلنا يدرك أن لهيب تلك النيران ستتجاوز جسمه النحيل ، لتلتهم هذا الهشيم واليباس الذي راكمه الطغاة والغزاة في أرجاء الوطن العربي ، إلى أن هرب طاغية تونس ، بينما يبحث طاغية مصر عن مهرب ... عندها استفاق العرب من المحيط إلى الخليج ، وكأنهم لايصدقون ، هل نحن في حلم أم في علم ؟ ، ثم حرر الشباب العربي ميدان التحرير في القاهرة بما يشبه الإعجاز يقيمون مجتمع ويفرضون قيماً وعلاقات إنسانية بالغة الثراء أين منها ماقرأناه عن كومونة باريس أو ثورة .... أو .... كل هذا يجري والطاغية لم يهرب بعد وقوى الهيمنة الإقليمية والدولية لايفهمون مايجري ، والجميع يسأل عن قيادة الثورة ، فلا يعثر عليها أحد ، لماذا لاتريدون ان تفهموا أن هذه الثورة لاتتحلقّ حول رمز ، ولا يقودها حزب ، جميعهم في ميدان التحرير رموز ، جميعهم مشاريع شهداء ، جميعهم مشاريع قادة ، هم الحكماء ، هم الثوار ، هم القادة ، هم الذين يفهمون في القانون ، والدساتير والشرعية ، والمشروعية ، والديمقراطية ، والحرية ، والتقدم ، هم المستقبل ، وكل من يزحف إليهم عليه أن يتعلم إذا كانت جملته العصبية مازالت قادرة على الإستيعاب ... كما في تونس ...
( 6 )
لقد حلمت بهذا اليوم منذ أربعين عاماً ، وكان أقرب المقربين يجزم أنني واهم ، وأنني لم أراه ... الآن ، رأيته ، ورأيتهم استمعت إليهم ، سالت دموعي ، كما لم أعهدها غسلت كل أحزاني ، يكفي أنني عشت بداية عصر هؤلاء الشباب العربي الرائع ، ورغم القلق ، وإدراك المخاطر ، والخوف من مكائد قوى الغدر والعدوان ، ستنتصر ثورة الشباب العربي ، لا أعرف لماذا يسكنني شعور بالاطمئنان ، لاحدود له ، بأن الجيل العربي الجديد قد خرج من تحت عباءة جيلنا ، وهزائمه ، وخيباته ، وأن هذا الجيل العربي الجديد سيعرف كيف يبني جمهورية عربية متحدة تشمل وطن الأمة وشعبها بين المحيط والخليج تحقق العدل والمساواة والتقدم والحرية ... وسيعرف كيف يحافظ عليها ويحصنها من عوامل الانفصال ، قد لايمتد بي العمر كي أحتفل بها ، لكنني سأغادر وأنا على يقين أنهم سيشيدون بنيانها الشامخ ....
( 7 )

لهذا قلنا في حديث الثلاثاء الماضي : لاصوت يعلوا على صوت الشباب العربي في ميدان التحرير بالقاهرة وميادين التحرير في الإسكندرية والسويس والإسماعيلية والمحلة وطنطا والمنصورة وأسيوط والأقصر ودمنهور والكاف وتونس والقيروان وصفاقص وابوزيد والقصرين ، الكلام لهم ، والرأي لهم ، لهم المجد ، وللشهداء وللدماء الطاهرة ننحني إجلالاً واحتراماً ...والثورة مستمرة ، وغداً يوم جديد ... يوم عربي آخر ...!
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-15-2011 08:16

على بساط الثلاثاء
114
يكتبها :حبيب عيسى
الميلاد ...!

( 1 )
على مدى الأشهر الثلاثة المنصرمة كان الشعب العربي بين المحيط والخليج مشدوداً بقوة إلى المشهد الملحمي في تونس ومصر ، وربما كانت الأعصاب العربية خارج مصر وتونس أكثر توتراً بما لايقاس ، ذلك أن عرب تونس ومصر كانوا مشغولين طوال الوقت في صناعة الحدث ، وإبداع الأساليب المناسبة لمواجهة آلة القمع الإستبدادية ، وبالتالي كانوا على دراية موضوعية بمدى تقدمهم وتقهقر القوى الإستبدادية التي كانت إلى ماقبل أسابيع قليلة تثير الرعب والخوف في النفوس إلى درجة تسويق مقولة أن أجهزة القمع تلك لاتقهر ، وأن النظم التي تنعم بحماية تلك الأجهزة لايصيبها الوهن ، وأن الشعب العربي محكوم عليه بأحكام مؤبدة من قبل حكام مؤبدين يملكون البشر والحجر يرددّون بعبارات معاصرة ماقاله الخديوي توفيق في ميدان قصر عابدين جواباً على مطالب أحمد عرابي ورفاقه في 9 سبتمبر عام 1881 : " كل هذه الطلبات لاحق لكم فيها ، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي ، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا " ، وبالمناسبة فإن طلبات الشعب والجيش التي تقدم بها أحمد عرابي يومها هي ذات طلبات هذه الأيام ، وقد جاء جواب الشعب العربي في ميادين الحرية سواء في تونس ، أو في مصر هذه الأيام يحمل ذات المعاني التي حملها جواب أحمد عرابي على خديوي تلك الأيام الغابرة حيث كان رد أحمد عرابي على الخديوي : " لقد خلقنا الله أحراراً ، ولم نخلق تراثاً ولا عقاراً ... فوالله الذي لا إله إلا هو أننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليو م " .
( 2 )
الآن ، وقد تمكن الشعب العربي في تونس ومصر من تجاوز العتبة الفاصلة بين الاستبداد والحرية لابد من التوقف أمام هذا المشهد ثلاثي الأبعاد :
البعد الأول : استخلاص الدروس من التجربتين النضاليتين الثوريتين ، وهي كثيرة لاتحصى لكن جميع تلك الدروس على تنوعها وعظمتها تتفرع من عنوان أساسي هو المواطنة فعندما تجاوز الشعب العربي في تونس ومصر الفتن التي حاول النظام الاستبدادي في البلدين إثارتها بين أبناء الشعب ، وتحرك الجميع تحت عنوان واحد هو : الحرية ، والتوحد حول متطلباتها لم يعدم امتلاك الوسائل المناسبة لمواجهة آلة القمع ، إذن هناك مطلب عام لامناص من أن يتوحد عليه المجتمع بمكوناته كلها اولاً ، هو تحقيق مناخ الحرية والديمقراطية ، وبعد ذلك ، وليس قبله يمكن السعي لتحقيق المطالب الخاصة لكل مكوّن من مكونات المجتمع ، باختصار شديد يشترك المجتمع بمكوناته كلها في تحقيق الهدف العام ، وبتحقيقه فقط ، ينفتح الطريق أمام تحقيق المطالب الخاصة ...
البعد الثاني : إن ما تحقق في مصر وتونس ماهو إلا الخطوة الأولى على طريق مازال طويلاً إلى الحرية ، فالإستبداد المديد لم يترك وسيلة من وسائل تدمير المجتمع إلا واستخدمها من أول النهب والفساد والإفساد المادي والإقتصادي إلى التدمير القيمي والأخلاقي والتعليمي والثقافي والفني والاجتماعي والسياسي ، وبالتالي فإن عمليات إزالة الخرائب وكنس الفساد ومعالجة الرضوض النفسية ولاجتماعية وضرورة بناء مؤسسات المجتمع بحيث لايمكن استلاب إرادته مرة أخرى ، يستوجب أكبر قدر من الانتباه واليقظة .
البعد الثالث : لقد حسمت التجربتين الثوريتين في تونس ومصر علاقة الداخل بالخارج ، بحيث يتم التعامل معها بموجب مقياس ثابت بدون تهوين ، أو تهويل وفق الأسس التالية :
1 – إن قوى التغيير والتحرر هي الحامل الوحيد للتغيير تعتمد قواها الذاتية مع الفهم الكامل لقوى التأثير الخارجي بحيث يكون مركز الفعل في الداخل ، والتعامل مع ردود الأفعال التي قد تأتي من الخارج بما تستحق ، وهذا مارسخته ثورة تونس ، ومن ثم ثورة مصر ، لقد كان الخارج يلهث وراء أحداث الثورتين ، ويصّدر مواقف شديدة التناقض بين ساعة وأخرى .
2 – إن هذا يستدعي أكبر قدر من المعرفة والوعي بالخارج وقواه وأدواته ومصالحه وحدود مقدرته على التدخل ، فهو ليس خارج أصم ، وإنما هو خارج متعدد ومتنوع ويضم قوى متصارعة وبالتالي لابد من الفرز وعدم الخلط بين القوى المختلفة .
3 – إن قوى الهيمنة الدولية لاتقدّر للديكتاتوريات الخدمات التي قدمتها ، وإنما تتعامل معها على أساس مدى صلاحيتها لتقديم خدمات مضافة ، ومتى شعرت قوى الهيمنة أن تلك الديكتاتوريات قد انتهت صلاحيتها ، فإنها تنتقل فوراً للبحث عن بدائل لخدمة مصالحها ، أو لتقليل الخسائر على الأقل هذا ماكان واضحاً مع طاغية تونس ، وكذلك مع طاغية مصر ، لقد كان الدعم مطلق في البداية ثم عندما بدأ الإنهيار بدأ البحث عن الإنتقال السلس للسلطة ، وهكذا ... مما يرتب على قوى التغيير والتحرر الانتباه الشديد لامتلاك الإرادة والقرار ، فلا يسمح لقوى الهيمنة الخارجية أن تتدخل في القرار الوطني مرة أخرى .
( 3 )
المهم أن المشهد العربي في تونس ومصر هو شهادة ميلاد جديدة للأمة العربية التي تبيّن أنها لم تخرج من التاريخ يوماً ، كانت في محنة ، وقلنا أكثر من مرة ، وفي أحلك الظروف : إنها محنة وستمضي ، ورغم اليقين نعترف أننا كنا قد حزمنا أمتعتنا لنمضي قبل أن تنقضي المحنة ، لكن رياح الثورة من قرطاج إلى الكنانة أعادتنا إلى الحياة مرة أخرى ، فمنذ أشهر ثلاثة ، وأنا بين الحلم والقلق ، تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام من خمسينات القرن الماضي حيث أتفحص عيون الصبايا والشباب العربي تلمع بالانتماء إلى وطن متحرر من الغزاة والطغاة ، المواطنة فيه هي الأساس ، والمساواة والعدالة والحرية هي الأهداف التي ينشدها الجميع ، فلاطائفية ولامذهبية ولاعنصرية ولاإقليمية ولا مناطقية وإنما مواطنة ومواطنين يديرون فيما بينهم إختلافات حضارية بين يسار ويمين وليبراليين واشتراكيين وقوميين ووطنيين وإلى آخرهم ...
( 4 )
الآن ، قد يكون الحلم أقرب إلى التحقق بعد انقضاء تجارب بالغة الثراء ، رغم أنها تجارب مرة من حيث المسارات والنتائج ، فالشعب العربي على يد جيل عربي جديد بدأ يقبض على مصيره وقراره بعد أن تحررت إرادته ، وإذا عرف كيف ينتقل إلى بناء مؤسساته الإجتماعية والسياسية والثقافية ويمارس الجدل الإجتماعي فإن الأمة العربية في طريقها لتأخذ مكانها الذي تستحق في هذا العالم ، والجديد الجديد أن الجيل العربي الجديد يمارس الفعل مباشرة ، ويوجّه ، ويقرّر ، وينفذ ، ويستشهد ، لاينتظر إنقلاباً ، ولاقوى خفية ، لاداخلية ، ولا خارجية ، وإنما ، بيديه ، وبصدور عارية وبضعةأحجار يلاحق الطغاة والغزاة ...
( 5 )
وإذا كان هذا ينطبق على جمع القوى والتيارات والاتجاهات بما يتضمن المراجعة والتجديد والانتقال من أحزب الأفراد والعائلات إلى أحزاب الوطن والبرامج ... فإن المشروع القومي العربي التقدمي يولد من جديد مطهراً من سلبيات الماضي والتجارب المرة ، ولعل القوميون العرب التقدميون الجدد يقررون ، الآن ، بالضبط الآن ، أن الأون قد آن لإشهار ميلاد الطليعة العربية في الأجزاء ، وفي الكل العربي ، وفي المهاجر بناء على أسس ومعايير كاملة الأوصاف ، وطوبى لمن ينير الشعلة الأولى ...
لقد لحق بالمشروع القومي العربي التقدمي الكثير من التشويه ، والتصقت به تجارب بالغة التشويه والسلبية ، وحدث انفصام حاد بين الشعارات المرفوعة والممارسات المشينة ، وقد أدى هذا كله إلى أن تلك الشعارات القومية العربية فقدت مصداقيتها بعد أن مرّغها الذين حولوّها من أهداف نبيلة إلى مجرد غطاء لممارسات سلطوية متوحشة ، وقد فاقم من الأزمة غياب المؤسسات القومية التي كان يمكن أن تفرز القوى والمواقف ، إضافة إلى ماتعرض له المشروع القومي التقدمي من تهجم القوى المضادة ، داخلية ، وخارجية مما دفع إلى الخلط بين الأهداف النبيلة ، والممارسات المشينة ، الآن على الطليعيين العرب الجدد أن يقطعوا تماماً مع الممارسات السلبية التي نُسبت إلى المشروع القومي العربي التقدمي دون مواربة ، فهي ُتنسب لمن مارسها ، ولا ُتنسب إلى المشروع النهضوي العربي التقدمي ، وهذا يقضي وضع البرامج والأسس والمنطلقات والغايات بما يجعل الميلاد الجديد للطليعة العربية معرفاً ، ومعروفاً من المنطلقات إلى الغايات ...
إنه الميلاد الثالث للقومية العربية ، الأول كان بمواجهة التتريك مع بداية القرن العشرين ، والثاني كان بموجهة التقسيم وسايكس – بيكو ، ووعد بلفور والاستعمار الأوربي ، والآن الميلاد الثالث بمواجهة الاستبداد والتجزئة والتبعية والفساد ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-22-2011 08:17

على بساط الثلاثاء
115
يكتبها : حبيب عيسى

ليبيا الحرية : شهداء ، وثورة ...



منذ انطلاقة ثورة الشعب العربي في تونس ، والشعب العربي من المحيط إلى الخليج ، وفي المهاجر يحاول أن يتلمسّ طريقه للخروج من محنة بالغة القسوة ، ومع انتقال شرارة الثورة إلى الكنانة انتعشت أحلام العرب بغد عربي مختلف ، وقد تعزز ذلك الحلم مع هدير الجماهير العربية في اليمن والبحرين والجزائر والعراق والسودان والمغرب والأردن ، على الجانب الآخر في قصور الحكام ومراكز القرار المهيمن الدولي والإقليمي كان الارتباك سيد الموقف ، وإذا كان البعض قد لاذ بالصمت ، فإن المدعو معمر القذافي لم يتمكن من كتم غيظه فأشهر موقفه المشين من ثورة الحرية في تونس ، ثم كرر الموقف المشين ذاته من ثورة الحرية في مصر ، وما هي إلا أيام قليلة حتى تجسّدت مخاوفه ثورة شعبية في ليبيا ، فواجهها بوحشية لا حدود لها ، ورغم أن رواد المشروع القومي العربي التقدمي قد تبرأوا من ذلك الطاغية منذ زمن بعيد ، كما أنه كان قد تبرأ من القومية العربية علناً ، فإن هذا لايعفيهم من الاعتذار يقدمونه للجماهير العربية في ليبيا ، وتونس الخضراء الثائرة ، ومصر الحرية ، والشعب العربي عامة ، وأن يعترفون دون مواربة بقصورهم المعرفي في زمن سابق ، وأن يشهروا البراءة التامة من الممارسات الوحشية لذلك الطاغية ، ومن كل ما تفوّه به ذلك الشخص اتجاه ثورة المناضلين العرب في تونس ومصر ، وقبل ذلك البراءة من ممارساته القمعية اتجاه أهلنا في ليبيا ، ويؤكدون للشعب العربي أن ذلك الطاغية قد أعلن منذ زمن بعيد أنه ملك ملوك إفريقيا ، وأن العلاقة بينه وبين القومية العربية هي علاقة عداء ، وتضاد ، فهو يغتصب جزء من الوطن العربي ، ويمارس الطغيان والقمع على جزء من الشعب العربي ، ويبدد الطاقات العربية ، ويمنع الشعب العربي المناضل في ليبيا من ممارسة دوره النضالي القومي لتحرير الأمة والنهوض بها ، بل ، ويتآمر مع الطغاة على الشعب العربي في الأجزاء العربية الأخرى ، ويعلن دون خجل الوقوف مع الطاغية الهارب من ثورة الشعب العربي في تونس الخضراء وأنه يتعاطف مع الطاغية المختبئ من ثورة الشعب العربي في مصر ، وبالتالي ، فأن القوميون العرب التقدميون لا يبرأون فقط من هذا الناكص عن المشروع القومي العربي النهضوي التقدمي ، وإنما يعتبرون أن ما نالهم منه ، ومن أمثاله أخطر مما نالهم من القوى المضادة ، والمعادية ، فقد أثبتت التجارب المرة أن الإنسان الحر المتحرر من كافة القيود على إرادته وقراره وحده القادر على انتزاع الحرية والوحدة والعدالة ، وأن الإنسان الذي يتمتع بالحقوق الأساسية للمواطنة وحده القادر على الرؤية الصحيحة للوطن والانتماء والهوية ، وبالتالي وحده القادر على تحقيق الوحدة العربية بمعانيها وأسسها الحضارية التي تحتضن سائر التكوينات الاجتماعية والدينية والمذهبية والمناطقية في إطار من التعددية الإيجابية والمساواة ، وليس بأي مدلول عنصري ، فلا طغيان ولا تهميش ولا إقصاء ولا استئصال ، ولهذا فأن الطليعيون العرب الجدد يناضلون بالشعب العربي ومع الشعب العربي في الأجزاء ، و في الكل العربي ، ومع كافة القوى الحية والأصيلة لتحرير الإنسان أولاً ، فبذلك يتحرر المجتمع ويتحرر الوطن وتأخذ هذه الأمة المكانة التي تستحق فلا تعتدي ، وتعرف كيف ترد العدوان ...
إن الشعب العربي الثائر في بنغازي وطبرق وبرقة والبيضا ومصراته والزاوية وطرابلس وسائر أرجاء ليبيا هو الأمين على القومية العربية وهو الذي يقدم لها الشهداء بمواجهة عدو القومية العربية ، وأعدائها .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-01-2011 06:43

على بساط الثلاثاء 116
يكتبها : حبيب عيسى

"الطليعة العربية" تولد من رحم ... ميادين التحرير العربية



( 1 )
لعل الواقع العربي الذي يرسم ملامحه شباب الأمة العربية هذه الأيام ، بعد أن انتفض على عباءة جيلنا ، فحققّ في ذاته عوامل الانتفاض على الطغاة ، لا يطيق التنظير ، والكلام النظري ، لأن الشباب العربي منخرط في النضال والمواجهة ، كما أن ميادين التحرير العربية مازالت ساحات مفتوحة لمعارك متنقلة يستخدم فيها الطغاة أسلحة الدمار المادي والمعنوي ، من أول الرصاص إلى آخر الفتن ، وبالتالي فإن أجندة الشباب العربي لا مكان فيها راهناً إلا لمواجهة الأحداث المستجدة التي تفرض نفسها على الأرض والمتعلقة بمواجهة آلة الدمار الشامل التي أعدها الطغاة على امتداد عقود ، إن الشباب العربي أصاب العالم بالذهول ، ذلك العالم الذي أطلق على نفسه ، أنه عالم أول ، ووصّف العرب أنهم في الدرك الأسفل من عالم ثالث ، وأنه تم تولية أمر العرب لعدد من المقاولين الذين يؤمنوّن استقرار أسواق الطاقة مقابل إطلاق أيديهم في استعباد الشعب ، وممارسة الفساد والإفساد والنهب والقمع ، أولئك المقاولين "الحكام" الذين لا يتحسسّون السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي ، إلا إذا خطر على بال أحد في العالم أن يتحدث ، ولو باستحياء عن بعض الحقوق الأساسية للإنسان ، أما أن يتخلى الحاكم نفسه عن القرار السيادي ، وأن يضع البلاد والعباد في خدمة قوى الهيمنة الخارجية ومخططاتها ، فهو موقف سيادي ، هكذا رأينا ، على سبيل المثال ، فقط ، أن حاكم مصر أنور السادات كان يفاخر أن تسع وتسعين بالمائة من الأوراق بيد دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وعندما ورّث مصر لحسني قام هذا الأخير بالتنازل عن الواحد بالمائة التي تركها له السادات لأمريكا ، لكن حسني هذا أصابته حساسية شديدة اتجاه السيادة الوطنية المنتهكة عندما انتفض الشعب على نظام حكمه ، فاعتبر سيادته أن الشعب كله أداة بيد الخارج الذي ينتهك السيادة الوطنية ... هنا ، وهنا فقط ، يتذكر الحاكم حرمة السيادة الوطنية ...
( 2 )
الشباب العربي اليوم يواجه الطغاة بما يشبه الإعجاز ، لا قائد فرد ، لا قيادة ثورية ، لا أحزاب ، لا منظمات ، لا جمعيات ، لا نقابات ، أجهزة الإعلام العالمية تبحث في ميادين الحرية العربية عن القيادة فيأتيها الجواب حازماً : لا قائد للشعب ، الشعب هو القائد ، الجميع قادة ، الجميع رموز ، فيكبر السؤال : ما هو هذا الأسلوب غير المسبوق الذي أبدعه الثوار ؟ ، لقد دقق الطغاة وأجهزتهم ومن يدعم سلطاتهم خارجياً في العوامل والوسائل المتفق عليها التي تمنع الثورة ، وتم تطبيقها بكل حسم ووحشية حتى لا يثور الشعب ، حيث تم القضاء على المؤسسات الحزبية الفاعلة ، وتغّولت أجهزة القمع ، فنشرت الخوف والرعب ، وكم الأفواه إلى درجة الاستلاب والاستسلام للطغاة والتنازل عن حقوق الإنسان الأساسية طوعاً ، وترك الأمر لولي الأمر في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين ، والتنفيذ والقضاء والتشريع ، فهو الأول في شتى المجالات ، هو العامل الأول والفلاح الأول والمعلم الأول والفيلسوف الأول والقاضي الأول ... ثم تم نشر الفساد والإفساد والمافيات ، وتم إنتاج رموز جديدة للمجتمع ، حيث تم استبدال رموز النضال والمقاومة والاستقامة والفكر والثقافة والعلم ، برموز جديدة مصّنعة ُأطلق عليهم لقب رجال الأعمال ، بينما ، هم ، مجرد مرتزقة لا علاقة لهم لا بالرجال ، ولا بالإعمال ... هكذا اعتقد الطغاة أنهم قطعوا الطريق على أي شكل من أشكال الثورة ، وعلى سبيل التجربة أمروا بتسيّير مسيرات مليونية تهتف بمفاتنهم ، وكان لهم ذلك ، فتنفسّوا الصعداء ، واستووا على عروشهم ، وهتفوا لمواقع القرار الدولية قائلين : لقد تم إنجاز المهمة ، وحققنا الاستقرار ، لا ثورة ، ولا تمرد بعد الآن ، وبالتالي القصور الحاكمة وحدها هي صاحبة القرار الأوحد : نصون مصالحكم مقابل صيانة السلطات ، هكذا اطمأن الطغاة على سلطاتهم وتأبيد حكمهم ، وهكذا أيضاً اطمأن الخارج على استقرار مصالحه ... لكن ، ومن خارج التوقعات ، ومن حيث لا يتوقعون انطلقت ثورة الياسمين من تونس ، وامتدت إلى اللوتس في مصر ، ومن ثم بدأت الأزهار العربية تتفتحّ من المحيط إلى الخليج بعد مرحلة تصحر طويلة ، إنهم الشباب العربي يواجهون الطغاة بصدور عارية ، وعقول وقادّة ، يصرخون في وجه الطغاة : أن ، لقد ولىّ عصركم ، وبدأ فجر عربي جديد ، هل فهمتم ؟ ، هل تفهمون ؟ ، الشعب يريد ، والشعب أراد ، والشعب يعمّد إرادته بدماء الشهداء ، لكنهم لا يفهمون ، والشعب لم ُيفاجئه غباء الطغاة ، فهم صم ، بكم ، عمي ، لصوص ، قتلة ، جبناء ، خدم صغار للأجنبي ، ديناصورات متوحشة على شعوبهم ، هذا الشعب العربي الذي كان قبل أسابيع قليلة مجالاً لتندر العالم عن استكانته وعجزه ، بات اليوم درساً يومياً في أكاديميات العالم عن ثورات بطعم جديد لم يعهده العالم من قبل ... هاهي ثورة الياسمين تتجاوز حدود الوطن العربي وتلهم مليار مواطن صيني لاستئناف مسيرة الحرية تحت ذات العنوان : ثورة الياسمين ، والقادم أعظم ...
( 3 )
هذا كله مفهوم ، لذلك قلنا منذ اللحظة الأولى لثورة الياسمين أن "بساط الثلاثاء" مفروش في ميادين التحرير العربية للشباب العربي المشبعين بروح التاريخ ، وحلم الحرية والانعتاق ، وأن الكلمة لهم ، ولا صوت يعلو على أصواتهم الشجية ، وما زلنا على هذا الموقف ...
لكن ، وبما أن نسمات الحرية بدأت تهب على الأمة فأن الواجب يقتضي الدعوة إلى حوار متعمق حول المستقبل العربي ، وملامحه بناء على الأسس ، والضوابط التالية :
أولاً : أن التغيير في الوطن العربي بات محسوماً ، وبالتالي فأن السؤال لم يعد : هل يحدث التغيير ؟ ، وإنما متى يحدث ؟ ، وكيف ؟ ، ومتى ؟ ، وبأي ثمن ؟ ، وبأي اتجاه ؟ ، وما هي ملامح المستقبل ؟ ، يترتب على ذلك ، إلى جانب المساهمة في تصويب الإجابات ، التدخل لمواجهة السلبيات ، وتجاوز المطبات ، وتصويب المسارات ، فقد آن لهذه الأمة أن تجتاز المحن والمآسي .
ثانياً : أن إسقاط الطاغية ، على أهميته ، هو مجرد فتح الباب أمام الشعب لتحقيق التقدم على الأصعدة كافة ، ذلك الباب الذي كان موصداً بفعل الطاغية وبطانته ، وهذا يعني أن تقييم فعل الإسقاط يتوقف على مدى الفرق الإيجابي بين ما قبل ، وما بعد ، مع مايترتب على ذلك من جهود مضاعفة مطلوبة على طريق البناء .
( 4 )
ثالثاً : أن الكثير من الأفكار والادعاءات التي رافقت انحسار المشروع النهضوي التحرري التنويري العربي المعاصر على مدى العقود الأربعة المنصرمة بدأت تتهاوى مع انطلاقة ثورة الشعب العربي في تونس وامتدادها إلى الكنانة ، فقد تبيّن أن وجود الأمة العربية ليس وهماً ، وأن العرب لم يخرجوا من التاريخ ، وأن الجماعة البشرية المنتشرة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي تشكل أمة عربية مكتملة التكوين ، تختص بوطن هو الحامل لهويتها الحضارية ، وأنه ليس مجرد شرق أوسط ، وأنها ليست مجرد قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وإثنيات متناحرة لاهوية لها ، لقد سقطت كل تلك الترهّات مع انطلاق شرارة الثورة في تونس ، واكتشف الثوار على الفور أنهم أكبر من الصراع بين الجنوب التونسي وشماله ، وأن قضيتهم أشمل من الصراع بين الساحل التونسي وداخله ، لقد اكتشفوا أنهم يوقدون شعلة الحرية في الوطن العربي موضوعياً بدون أن يرفعوا شعار الوحدة العربية ، ثم تم تظهير الصورة أكثر في ميدان التحرير في القاهرة حيث اكتشف الثوار دون عناء زيف الصراع الذي كان يصطنعه الطاغية بين عرب مصر ، مسلمين وأقباط ، وأنهم موضوعياً بقصد منهم أو بدون قصد بحجم الأمة العربية كلها ، ثم تم توضيح الصورة أكثر في ميادين الحرية في اليمن ، فقد كان الطاغية هناك يقيم نظام حكمه على إدارة الصراع داخل المجتمع ، صراع قبلي ، حوثيين ، شماليين ، جنوبيين ، شرقيين ، فجأة ، ومع ثورة تونس ومصر يكتشف المناضلون في سبيل الحرية ، وفي جميع أرجاء اليمن زيف تلك الصراعات ، فيتوحد الشعب وتختفي شعارات التقسيم ، ويتوحد الشعب حول شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ، ويتذكر عرب اليمن أنهم أكبر من أجزاء اليمن ، بل أكبر من اليمن ، إنهم بحجم أمتهم العربية ، وهكذا في جزائر الشهداء ، وفي ميادين الحرية التي تنتشر من ميادين الآليء في المنامة إلى الميادين المذهبّة في نواكشوط ، ومن ميادين صلالة إلى ميادين جيبوتي وعمّان والدار البيضاء والبقية تأتي ، ثم لابد من الوقوف ملياً أمام مشهدين بالغي الدلالة ، المشهد الأول : كان في العراق حيث ، وعلى مدى أعوام منذ الاحتلال الأمريكي يفيق العرب وينامون على أنباء متواترة تتحدث عن الصراع "الشيعي – السني – الكردي " ، وعن مذابح وتفجيرات متبادلة يتم تقييدها ضد مجهول ، لكن مع ثورة الشعب العربي في ميادين التحرير ينتفض الشعب في العراق من البصرة إلى السليمانية ، ومن ديالى إلى الأنبار ، ومن كربلاء إلى بغداد يردد شعاراً وحيداً : "الشعب يريد إسقاط النظام وطرد المحتلين" ، المشهد الثاني الآخر كان في بيروت حيث النظام طائفي ، والدستور طائفي ، والسلطات طائفية ، والمذابح طائفية ، ينطلق الشباب في بيروت مشبع برائحة عصر الياسمين في مظاهرة ترفع شعاراً وحيداً "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي" ... هذا هو المشهد العربي العام هذه الأيام ، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل ، صحيح أن الدماء الذكية مازالت تسيل ... لكنها مسألة وقت ، فالشباب العربي أراد وقرر وأطلق النداء ، والشعب العربي أراد ويريد ...
( 5 )
رابعاً : يترتبّ على ذلك أن عصراً عربياً جديداً ولد في 14 كانون الثاني – جانفي – يناير 2011 ، وقد قلنا يومها ، أن مابعده يوم عربي آخر له متطلباته ، وأولها أن يستعيد المجتمع العربي بناء مؤسساته ، وفي المقدمة منها مؤسساته السياسية الحزبية بعد أن دمّر الاستبداد المديد نسيج المجتمع ، وقمع الأحزاب واخترقها ، وباتت ذات تأثير هامشي ، ومنتهية الصلاحية في الغالب ، ولعل ميادين التحرير والحرية والشهداء هي الحاضنة لتلك الولادات على أسس عصرية ، وبقدر ما ينجح الشباب العربي في بناء تلك المؤسسات ، بقدر ما يقترب من إقامة مؤسسات ديموقراطية حقيقية فالديموقراطية ليست مجرد صناديق اقتراح ، وإنما قبل ذلك هي مؤسسات وبرامج ...
خامساً : في إطار التعددية السياسية المتوقعة نتوقف عند المشروع القومي العربي التقدمي الذي ناله الكثير من التعسف والتشويه خلال العقود المنصرمة ، سواء على أيدي القوى المضادة ، أو على أيدي البعض ممن نسبوا أنفسهم له ... مايعنينا الآن هو أن الظروف الموضوعية الراهنة تلقي على عاتق القوميين العرب التقدميين مراجعة عميقة للأساليب والأدوات وإبداع الأساليب والأدوات المناسبة ...
لقد تعرض المشروع القومي العربي التقدمي خلال النصف قرن الأخير لتجارب مرة وطغت الممارسات الخاطئة على الأهداف النبيلة وتشرزمت القوى القومية وافترقت مما يجعل توحدها في ظل هذه الظروف مستحيلاً ، لذا نقترح ما يلي :
1 – وقف المهاترات مهما كان نوعها ، فالنضال لتحرير الوطن العربي وتوحيده ليس حكراًعلى أحد ، وليس لأحد أن يستأثر به ، ومن حق من يشاء أن يختار الأسلوب الذي يراه مناسباً في إطار من التعددية والحوار النظيف والتحالف الممكن ، فهذا سيؤدي إلى الوحدة من خلال الممارسة الإيجابية بعد ذلك .
2 – بما أن المشكلة كامنة في جيلنا الذي تعرض لرضوض نفسية بالغة أقترح أن يبني الجيل العربي الجديد مؤسساته السياسية بعيداً عن اصطفافات جيلنا وصراعاته ، حتى لانحمّل تلك المؤسسات الوليدة وزر أخطاءنا وخطايانا . وأن ننسحب إلى مواقع المستشارين ، إذا كان هناك حاجة .
3 - بما أنني كنت قد اقترحت مسودة عقد لبناء "الطليعة العربية" فأنني أضعه بتصرف الشباب العربي في ميادين التحرير ، ولعل الميلاد يكون في إحداها ... مؤسسة إعتبارية ذات مواصفات كاملة ...
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-08-2011 08:15

على بساط الثلاثاء
117
يكتبها : حبيب عيسى
دستور الجمهورية العربية السورية:
دراسة مقارنة ...
ومقاربة دستورية ...
(مواد تحمي الحريات ، وأخرى ُتقيدّها)

(أول حق للإنسان في أي مجتمع توافرت فيه الشرعية أن يمارس دوره باعتبار أنه العامل الأساسي في التطور ، والديمقراطية هي أسلوب تلك الممارسة ، أما الذين يخشون على مجتمعاتهم من أخطاء الناس فيه فإنهم يخطئون خطأً جسيماً...وعلى الذين يريدون أن تكون لهم تقاليد ديمقراطية أن يدفعوا من الإصرار على الممارسة ثمن تلك التقاليد..) . – عصمت سيف الدولة
( إذا بحثنا عما يتكون منه بالضبط أكبر قدر من الخير للجميع ، وهو ما ينبغي أن يكون هدف كل نظام تشريعي ، سنجد أنه يتلخص في شيئين رئيسين : الحرية والمساواة ، الحرية لأن كل تبعية خاصة هي قدر من القوة ينتقص من جسد الدولة ، والمساواة لأنه لا بقاء للحرية بدونها..) . - جان جاك روسو














(1)

- مدخل: لعله من غير الممكن علمياً، وقانونياً، وموضوعياً، وحقوقياً ، دراسة دستور الجمهورية العربية السورية دون التطرق إلى الظروف المحلية، والعربية، والدولية التي كانت سائدة لحظة إعداده، والتي انعكست على "مواده" إيجاباً، و سلباً... وإذا كانت السمة التي طبعت تلك المرحلة التاريخية هي التناقض الحاد في المواقف، والاتجاهات، فإن ذلك كله وجد طريقه إلى مواد دستور الجمهورية العربية السورية... الذي تم إعداده و إقراره في الربع الأول من العام 1973 .
(2)

نقول هذا ابتداءً ، لأننا نود صادقين أن يتم وضع هذه الدراسة في موضعها الصحيح كدراسة قانونية بحتة، فهي ليست وثيقة اتهام لأحد، لكنها في الوقت ذاته ليست وثيقة تبرير لأي ممارسة، أو خطأ، أو خطيئة... كذلك ، فإن هذه الدراسة ليست محاكمة للماضي ، و إنما قراءة في مواد دستورية ُيفترض أنها تصيغ ، وتنظم حياتنا في الحاضر ، لنرى بوضوح ما فيها من ايجابي فنعّززه ، ونفرز ما فيها من السلب ، فيُطرح على ذوي الاختصاص والخبرة للتخلص منه عبر الطرق الدستورية التي حددها الدستور ذاته ، وصولاً إلى وثيقة دستورية متماسكة ، متناسقة ، واضحة ، تكون هي الدستور الذي لا يتجاوز الحقائق الموضوعية في الوطن ، ولا يغفل الأحلام والآمال للمستقبل ، وغير قابل للخرق أو للاختراق ، يستظل الجميع بمواده الحاسمة ، الواضحة ، الملزمة ، و يرسم خطوطاً واضحة على الطريق إلى المستقبل... خاصة ، وأن الدستور في الجمهورية العربية السورية ، ذو خاصية مرنة من الناحية التشريعية بمعنى أنه يتضمن أساليب مرنة لتعديله ، أو تعديل البعض من مواده ، بدليل أنه أمكن تعديل مادة من مواده خلال أقل من ساعة واحدة عندما شغر منصب رئيس الجمهورية في 11/6/2000 ،وهذا يؤكد أن المسألة ليست معقدة ، كما يتصور البعض ... خاصة إذا أخلصت النوايا ، ونحن إذ نقرّ من الناحية التشريعية أن الصفة العامة التي يجب أن يتميّز فيها الدستور ، هي الاستدامة والثبات ، لكن هذا لا ينفي على الإطلاق أن المجتمع ، ومؤسساته التشريعية يملكان الحق في تعديله بما يتلائم مع الظروف المتغيرة...
فكيف إذا كان الدستور قد تم إعداده في ظروف استثنائية ، وبالغة التعقيد... وفي هذه الحالة يكون التعامل الايجابي مع القواعد الدستورية لتتلائم مع الظروف الموضوعية التي تغيرّت تغييّراً جذرياً على الصعد كافة... وجوبياً لا مناص منه .

(3)
إن القواعد الدستورية يتم اعتمادها لإيجاد مظلة للقوانين العادية بحيث تتضافر ، وتتكامل لبناء مؤسسات المجتمع ، وتحديداً المراكز القانونية للمؤسسات ، وللأفراد ، وهذا لا يتحقق إلا باعتماد القواعد الدستورية كمرجع تتحقق من خلاله ما يعرف بدستورية القوانين ، وهذا بدوره لا يتحقق إلا بقواعد دستورية نابضة بالحياة ، وقادرة على أن تكون المرجع والأساس الذي تبنى عليه القوانين باستمرار... وهنا يكمن دور مؤسسات التشريع في المجتمع للمراجعة الدائمة ، والحثيثة للقواعد الدستورية واختبار مدى صلاحيتها ، وصيانتها ، وتعديلها ، وتغييرها إذا اقتضى الأمر بما يتلائم مع الظروف الموضوعية في المجتمع ، فالقواعد الدستورية هي التي تحدد النهج والمسار إلى المستقبل ، وعندما ينتابها العجز يتم تغييرها... ذلك أن قسر المجتمع على التقوقع بموجب نصوص تكبلهّ ، وتمنعه من التطور غير ممكن التحقق من الناحية الموضوعية... إذا استكان المجتمع لها يستنقع ، وتغلق أمامه سبل التطور ، والتطور هو قانون المجتمعات... وإذا تم خرق الدستور ، فإن ذلك يؤدي إلى خلل في النظام العام ، وبالتالي يؤدي إلى الفوضى... لهذا فإن المخرج من الحالتين السلبيتين السابقتين يكمن في مراجعة القواعد الدستورية ، وتطويرها ، و اعتماد مرجعيتها .
فالدساتير ، والقوانين ، والتشريعات عموماً ُتعتمد لأن لها وظائف وطنية في المجالات كافة، والمجتمع هو الأساس ، وهو المصدر ، وبالتالي ، فإنه هو الذي يضع القواعد الدستورية ويطورّها ، ويعدلهّا بما يتناسب مع حاجات المجتمع ، وليس العكس....
(4)
وإذا كان لكل تشريع بدءاً بالدساتير ، وانتهاءً بالقوانين ، أسباباً موجبة ، فإن الظروف التي كانت سائدة مع بداية عقد السبعينات في القرن المنصرم يمكن تصنيفها كأسباب موجبة لدستور عام 1973 في الجمهورية العربية السورية ، ولضرورة البحث فإننا نصنف تلك الظروف الموضوعية ضمن ملفات ثلاثة رغم إقرارنا بالترابط ، والتداخل فيما بين بعضها البعض...
أولاً : الظروف الداخلية ، والمحلية .
ثانياً: الظروف العربية ، بما في ذلك الصراع العربي - الصهيوني.
ثالثاً: الظروف الدولية .
(5)
لكن ، وقبل الدخول في مفاصل تلك الظروف هناك توضيح موضوعي أوليّ لابد منه يتعلق بأننا لا نتطرق لتلك المسائل الشائكة من مدخلها السياسي ، و إنما فقط ، بالضبط فقط ، من مدخلها المتعلق بموضوع هذا البحث ، وهو تأثرها وتأثيرها وانعكاساتها التي ُترجمت نصوصاً في دستور الجمهورية العربية السورية ، وهذا من طبيعة الأمور ، وفي صلبها ، فالدساتير ليست محصورة في جانب ما ، ولا تشرّع لناحية محددة ، وإنما بموادها الآمرة واجبة الاحترام ، والإلزام ، والالتزام شاملة لشؤون المجتمع وقضاياه وتاريخه وحاضره ومستقبله وثقافته واقتصاده وفنه ورياضته وخصوصياته ، وعلى أساسه ، وبوحي من مواده تصاغ جميع القوانين والتشريعات والأنظمة من القانون المدني ، إلى قانون العقوبات ، إلى قانون الأحوال الشخصية ، إلى القانون الإداري ، والتشريعات العسكرية ، وقوانين النقابات ، والجمعيات ، والأحزاب... وصولاً إلى وضع الحدود بين السلطات التشريعية ، والقضائية ، والتنفيذية ، وتحديد مهام كل منها بحيث تتكامل وتتضافر جهود المجتمع ومؤسساته بتناسق وانسيابية باتجاه التطور والعدالة والمساواة والتنمية...
إن الدستور بهذا المعنى هو "المايسترو" وعلى العازفين على القوانين أن يتناغموا معه ، وأي خلل في أداء أي من العازفين ، يمكن ضبطه وإعادته إلى السياق العام ، بإشارة من "المايسترو" ، أما إذا كان الخلل في "المايسترو" فإن النشاز يعمّ الجميع ، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه... وفي هذه الحالة لا بديل عن "مايسترو" ، لا يجيد صياغة نص جيد متماسك وقراءته ، وحسب، وإنما يجيد بالإضافة لذلك ضبط أفراد الفرقة (المؤسسات) بحيث يعرف كل واحد منهم حدود مهمته، ودور الآلة التي يعزف عليها (الأدوات) فيأخذ الكل مكانه، ويضبط إيقاعه... فلا يطغى... ولا ُيطغى عليه...
(6)

أما التوضيح الموضوعي الثاني الذي لا بد منه، فيتعلق بموضوع هذا البحث كما يعبر عنه العنوان (المواد التي تحمي الحريات، والمواد المقيدة لها في دستور الجمهورية العربية السورية)... فما علاقة هذا الذي نتحدث عنه بموضوع هذا البحث...؟
نقول أن الدساتير بشكل عام لا يمكن بحثها بالقطعة ، ولا يمكن للبحث العلمي القانوني أن يحيط بمدلولات مادة من مواد الدستور دون إدراك ما يسمونه الروحية العامة للدستور ، وهذا يقتضي البحث في الدستور بدءاً من مقدمته وحتى آخر مادة فيه ، ومن ثم البحث في مدلولات المادة التي يراد بحثها ، وهذا بالضبط ما سنحاول الإحاطة به في مجال هذا البحث ، فلو حاولنا فرز المواد التي تحمي الحريات العامة في دستور الجمهورية العربية السورية ، والبحث في مدلولاتها دون البحث المعمق في مواد الدستور الأخرى ، لتوصلنا إلى نتيجة مفادها أن الحريات العامة مصانة في الدستور على أحسن حال... وإذا قمنا بفرز المواد المقيدة للحريات والبحث في مدلولاتها على حدة... لتوصلنا إلى نتيجة مناقضة مفادها أن هناك مشكلة، ما، في مكان ما، من الدستور لابد من تضافر الجهود لإيجاد حل لها ، وذلك لتفعيل مواد الدستور مادة ، مادة ، فقد يمكن الاستناد على عبارة واحدة في مقدمة الدستور ، أو على مادة من مواده... لتعطيل فاعلية مواد كثيرة في الدستور وتحويلها إلى نصوص شكلية لا أكثر من ذلك، ولا أقل، لهذا قررنا أن ندخل إلى باب الحريات العامة حماية وتقييداً ، من المدخل الصحيح حسب وجهة نظرنا...
(7)
أما التوضيح الثالث ، فهو توضيح ذاتي ، ذلك أنني مواطن عربي يتملكهّ الخوف ، ويحمل جنسية دولة الجمهورية العربية السورية ، ورغم أنني أمضيت ما يقارب السنوات الخمس في زنزانة منفردة بتهمة الاعتداء لتغيير الدستور سنداً للمادة (291) من قانون العقوبات العام ، ورغم أنني بريء مما وجه إلي بدليل أن اللذين وجهوا الاتهام لم يقدمّوا أي دليل ُيعتد به ... ورغم أنه لم تتملكني في يوم من الأيام أية نية جرمية بالاعتداء لا على الدستور، ولا على أي شيء آخر في هذه الدنيا ، فإنني وكرجل قانون وجدت نفسي ، الدستور، و أنا ، في زنزانتين متجاورتين ، ذلك أنه ، وبعد أن تبلغت قرار الاتهام ، في زنزانتي ، لم أجد من أستنجد به إلا الدستور ، فطلبت من عائلتي التي كان يُسمح لها أن تراني لمدة نصف ساعة كل /15/ يوماً بحضور عناصر الأمن ، أن ُتحضر لي "الدستور" ، كي أبني دفاعي عليه ، لكنني فوجئت أنه بمجرد إحضار الدستور إلي ، قام السجان باعتقاله ، ولم ألتقي بـــه ثانيةً ، و أنا أسعى من خلال هذا البحث لتقديم طلب إخلاء سبيل له..... ولن أستفيض ... ، المهم أنني لا أهدف من هذا التوضيح الذاتي إلى الشكوى "فالشكوى لغير الله مذلة " ، كما أنني لا أهدف إلى رد الاتهام الظالم الذي ووجهت به ، باتهام أوجهه لأي أحد ، فقد كنت ، ومازلت على قناعة تامة بأن هذا الوطن يستحق منا جميعاً أن نتعالى على الجراح ، وأن نتداعى إلى الكلمة السواء بدون أحقاد ، وانفعالات ، وردود أفعال... وأن نسعى جميعاً ليستظل الأبناء بدستور يحمي القانون ، ويرعى الحريات ، ويصون المواطنة ، ويحقق المساواة والعدالة ، فالمواطنون الأحرار وحدهم هم القادرون على صون حرية الوطن ، وإعلاء كلمة الحق فيه ، ورد أي عدوان عنه ، وفتح السبل أمام تطوره وتحقيق العدالة الاجتماعية بين أبنائه ، وإبراز وجهه الحضاري ، وفتح المجالات كافة أمام علمائه ، والمبدعين في شتى المجالات للمساهمة في نهوضه وتقدمه... وعودة المهاجرين منه إلى ربوعه الرحبة ، والواعدة...
والآن لنضع ما تقدم في الفقرات (5 و6 و7) بين قوسين، ثم لنعود معاً ، لصلب الموضوع.

(8)

قلنا أنه ، ولضرورات البحث، سنضطر لتصنيف الظروف الموضوعية التي أحاطت بإعداد دستور الجمهورية العربية السورية في ملفات ثلاثة: داخلية، وعربية، ودولية...
(9)
أولاً: عن الظروف الداخلية السائدة في دولة الجمهورية العربية السورية مع بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم ، نتوقف في بعض المحطات التي تتعلق بالوضع الدستوري في البلاد.
فدولة الجمهورية السورية منذ استقلالها شهدت النظام البرلماني الذي انقطع بثلاثة انقلابات عسكرية لم تعمّر طويلاً ، كان الانقلابيين خلالها يعلقوّن العمل بالدستور ، أو يعدوّن دساتير على مقاسهم ، لكن الوضع الدستوري استقر منذ عام 1954 حتى عام 1958 حيث كان دستور عام 1950 هو المعمول به إلى أن أعلن قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة التي تضم الإقليمين الشمالي والجنوبي ، والدستور هنا كان دستور رئاسي ، ومع انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة في 28/9/1961 ولدت دولة الجمهورية العربية السورية ، حيث أعيد العمل بدستور عام 1950 في ظروف مضطربة استمرت لمدة ثمانية عشر شهراً شهدت البلاد خلالها محاولات انقلابية عديدة ، وتعليقاً للدستور ، انتهت مع انقلاب 8/3/1963 أوصل إلى السلطة حليفين سياسيين هما : البعثيون ، والناصريون ، وبأمر عسكري أعلنت حالة الطوارئ وفق مشروع قانون لم يكن قد أقر من المجلس النيابي قبل الانقلاب ، وعلقّ العمل بالدستور ، والنظام البرلماني ، وأنيط الحكم بما عرف بمجلس قيادة الثورة ، ثم تطور الصراع بين البعثيين والناصريين ، حيث تم هزيمة وتصفية الفريق الأخير ، وانفرد حزب البعث بالسلطة ، الذي ما كاد يستقر على مقاعدها حتى اندلع الصراع داخل حزب البعث ذاته بين ما عرف بالصراع بين فريقين الأول أطلق على الثاني اليمين العفن، والثاني أطلق على الأول اليسار المناور ، وحسم هذا الصراع في 23/2/1966 بانتصار الفريق الأول الذي أنتج المنطلقات النظرية ، وتبنى الاشتراكية " العلمية "، والصراع الطبقي ، على أن تدار البلاد بمجلس للدولة يرأسه رئيس الدولة ،و وضع دستور مؤقت ، حيث شهدت البلاد في تلك المرحلة هزيمة الخامس من حزيران 1967 ، أو ما يسمى تلطيفاً للواقع ، بالنكسة ، فاندلع الصراع الخفي مرة أخرى داخل الفريق البعثي الحاكم ، وتبلور بتيارين ، الأول يطلق على الثاني أنه يسار مناور متسلط ، والثاني يطلق على الأول أنه طغمة عسكرية ديكتاتورية ، وُحسم الصراع بانتصار الفريق الأول في عام 1970، والذي جاء بشعارات عامة عديدة ، الخروج من الانغلاق ، الانفتاح على القوى الأخرى ، الحرية والديمقراطية ، دستور دائم ، مجلس شعب ، جبهة وطنية تقدمية من أحزاب عدة ، عدالة اجتماعية ، حريات عامة .. وإلى آخره....
باختصار شديد كان على الدستور الجديد أن يعكس ذلك كله في مواده ، وفي الوقت ذاته ، ومن الناحية الواقعية ، كان عليه أن ُيمّهد واقعياً للحزب القائد ، ثم للقائد ، ثم لقائد المسيرة، ثم للقائد إلى الأبد... فكيف يمكن لدستور مكتوب أن يجمع ذلك كله ؟ ، وكيف يمكن أن تنص مواده على نظام اشتراكي صريح... ويتم الانتقال إلى اقتصاد متعدد..؟ ، مع الحفاظ على سيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد ؟ ، وكيف يمكن النص على الديمقراطية الشعبية ، وعلى حماية الحريات العامة في الوقت ذاته، باختصار شديد هذا ما حاول دستور عام 1973 أن يحمله كله... ويضعه في سلة من المواد... فهل أدى هذا إلى وضع دستور يستظل الجميع بظله ، أم إلى دستور تم التعليق واقعياً لمواد كثيرة فيه...؟ ، هذا هو السؤال...؟!!

(10)
ثانياً : عن الظروف العربية التي كانت سائدة لحظة إعداد دستور عام 1973 ، نلحظ أن الواقع العربي كان تحت التأثير الصاعق لما حدث في 5 حزيران 1967 ، وما يعنينا هنا النتائج السياسية التي ترتبت على ذلك ، فتيار القومية العربية الرافض للوجود الصهيوني في فلسطين ، وللتجزئة في كامل الوطن العربي ، والرافض لهيمنة الدول الكبرى ، ومخططاتها ، بدأ ينحسر واقعياً عن دائرة الفعل والتأثير والقرار في الوطن العربي ، لتحلّ محله سياسات "واقعية" ترفع شعار (السياسة فن الممكن) ، وهذا أدى فيما أدى إليه إلى معادلة جديدة تمثلت في أن النتائج السياسية التي كانت وراء هزيمة عدوان الخامس من حزيران 1967 لم تجد طريقها للتحقق إلا بعد نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973 .
- النتائج السياسية لهزيمة الخامس من حزيران 1967 كانت:
لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف "بإسرائيل".
- النتائج السياسية لنصر 1973 كانت :
فصل القوات ، ثم كامب ديفيد ، فوادي عربة ، فأوسلو... والحبل على الجرار...
لقد كانت دولة الجمهورية العربية السورية في القلب من تلك التغيرات التي عصفت بالأمة ،ومهدت لما تقدم ، وكان على الدستور أن يعكس هذه التغيرات من جهة ، وأن يحافظ على الثوابت القومية من جهة أخرى... فهل كان ذلك ممكناً...؟!!
لقد كان الواقع العربي قبل عام 1970 منقسماً ، انقساماً حاداً بين ما يسمى محور الدول التقدمية، ومحور الدول الرجعية ، وبين دعاة السلام مع "إسرائيل" ، وبين الرافضين... بعد عام 1970 ، وفي الفترة الزمنية التي أحاطت بإعداد دستور الجمهورية العربية السورية كان لابد من التعامل مع المرحلة الجديدة بالانتقال من الانقسام الحاد بين الدول "التقدمية" والدول "الرجعية" إلى الشعار الذي رفع بعد ذلك عن التضامن العربي ، ووحدة الصف العربي كبديل عن وحدة الهدف... إلى آخره... واستبدال شعار الرفض للصلح والتفاوض والاعتراف "بإسرائيل" إلى شعار السلام العادل الشامل ، ثم إلى شعار التوازن الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي ، ثم إلى شعار السلام خيار استراتيجي مع إسرائيل... فكيف انعكس ذلك كله على الدستور، وهل يغطي دستور 1973 تلك التحولات كلها...؟ أم لابد من تعديل ما.. في مكان ما...؟
(11)
ثالثاً : عن الظروف الدولية التي أحاطت بإعداد دستور عام 1973 نسجل المحطات التالية التي يمكن من خلالها فهم ما جرى ، فبعد الحرب الأوربية الثانية على العالم خرج الفريقان الاشتراكي والرأسمالي منتصران ، وكما في كل حرب يقتسم المنتصرون الكعكة كما يقولون ، فاجتمعوا في يالطا ، وتمت القسمة التي شملت العالم كله ، بما في ذلك وطننا العربي ، واقتسم الفريقان السيطرة على هيئة الأمم المتحدة عن طريق هيئتها التنفيذية ، ونقصد مجلس الأمن ، حيث الفيتو حق لكل منهما ، وبالتالي لا يمكن إصدار أي قرار إلا بتوافق الفريقين... لكن فترة الخمسينات من القرن المنصرم شهدت نمو حركات التحرر في ما يسمونه العالم الثالث الذي كان محل التقاسم ، فشهد محاولات نهوض جادة تم التعبير عنها دولياً بتشكيل تكتل يحقق التوازن ، وعرف بتكتل دول عدم الانحياز ، بعد مؤتمر باندونغ... لكن ، وباختصار شديد ما كاد ينفضّ عقد الخمسينات ، ثم عقد الستينات من القرن الماضي ، حتى كان العالم قد شهد استقطاباً حاداً ، فانهارت حركات النهوض في أغلب بلدان العالم ، بفعل عوامل محلية معقدة من جهة ، وبفعل انقلابات مشبوهة شهدها العالم بتدبير من مخابرات القوتين المهيمنتين ، فاختفى تكتل عدم الانحياز ، ثم اختفى التعدد داخل المعسكر الرأسمالي فانحصر القرار بالإدارة الأمريكية ، واختفى التعدد داخل المعسكر الاشتراكي وأمسك الإتحاد السوفييتي بالقرار ، وتصاعدت حدة الحرب الباردة بين المعسكرين ، وقد انعكس هذا على العالم الثالث ، فلم يعد معيار الليبرالية ، والديموقراطية هو الذي يحدد موقف الإدارة الأمريكية من القوى والنظم في العالم الثالث ، وإنما تم اعتماد معيار براغماتي وحيد هو مدى قدرة ذلك النظام في بلد ،ما ،على خدمة السياسة الأمريكية في مواجهة المعسكر الآخر ، وبناءً على ذلك فإن المخابرات المركزية الأمريكية باتت هي صاحبة القرار ، وبناءً عليه قامت تلك المخابرات بالمساهمة في عشرات الانقلابات العسكرية ، وغير العسكرية في دول العالم الثالث ، ودعمت عشرات النظم الديكتاتورية ، ولم تكن تأبه لصرخات الليبراليين ،في تلك الدول ،الذين أودعو السجون ، أو تمت تصفيتهم ، والأمر ذاته تم اعتماده في المعسكر المقابل فغدت المخابرات السوفييتية هي التي تحدد معيار التعامل الايجابي مع ذلك النظام ، أو العكس في العالم الثالث ، وكان ذلك المعيار يعتمد على مدى فاعلية نظام ما ، في المواجهة المتصاعدة مع الإدارة الأمريكية ، ولم تأبه الإدارة السوفييتية لصرخات الاشتراكيين ، أو الشيوعيين الذين كان يتم تصفيتهم ، أو سجنهم من أنظمة تدعمها الإدارة السوفييتية ذاتها...
باختصار شديد... اتفقت القوتان الرئيسيتان في العالم اللتين تشكلان حدي الحرب الباردة في ذلك الوقت ، دون اتفاق ، أن صراعهما على العالم الثالث ، هو الذي سيحسم الصراع بينهما ، اتفق الفريقان دون اتفاق أن التعامل مع النظم الديكتاتورية في العالم الثالث هو الأسهل لتنفيذ المهام ، فتبارت أجهزة المخابرات في القوتين العظميين على ترتيب الصفقات السرية لانقلابات عسكرية تؤدي إلى الديكتاتورية ، أو لترتيب علاقات سرية مع الديكتاتوريات القائمة...
إذا كان هذا هو الواقع السائد على صعيد العالم في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ، فإن هذا انعكس على الواقع العربي فلا الولايات المتحدة معنية بطبيعة الحكم ، وطريقة إدارة شؤون البلاد في الدول العربية أو مدى اقترابه أو بعده عن الديموقراطية ، ونظام السوق ، وإنما فقط مدى صلاحيته للخدمة في الحرب الباردة ، وكذلك الأمر بالنسبة للإتحاد السوفييتي ، فلم يعد معنياً بطبيعة الحكم ، وطريقة إدارة شؤون البلاد ، أو مدى اقترابه أو بعده عن النظام الاشتراكي ، فقد يساهم بالإطاحة بأقرب المقربين منه أيديولوجياً وفكرياً لمصلحة نظام هو أكثر صلاحية للخدمة في الحرب الباردة... وبالتالي لا مبرر لوجود نظم لا تخضع تماماً لإحدى القوتين العظيمتين .
هذا كله أدى ، فيما أدى إليه ، إلى ظروف بالغة التعقيد في الأوضاع الداخلية في دول العالم الثالث ، فنظم الاستبداد والديكتاتورية ُتضعف النسيج الاجتماعي الداخلي ، وتدمّر مؤسسات المجتمع الحزبية ، والنقابية ، والمدنية ، حتى أنها تدمّر مؤسسات السلطة ذاتها ، وتحولهّا إلى مؤسسات شكلانية ذات طابع أقطاعي أكثر منها مؤسسات مدنية... وبالتالي يتم تقويض أسس المواطنة، لتحل محلها علاقات ما قبل المواطنة... هذا كله يضع قوى المجتمع ، أو ما تبقى منها عارية ، عاجزة عن إيجاد أي مركز قوة اجتماعي يمكن الاعتماد عليه ، فتجد نفسها في موقع العجز ، والتهميش ، والاضطهاد ، والقمع ، والتصفية ، من قبل أنظمة الاستبداد في الداخل ، والمساومة عليها من الخارج ... ثم ، وفي لحظات حاسمة، وحسب تطورات الأحداث يكتشف الجميع أن الخارج لا يدعم أحداً ، لا في المعارضة ، ولا في السلطة ، وإنما يبحث عن أدوات لتحقيق مصالحه ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل...
غني عن القول ، أننا نعني بالخارج هنا ، سلطات و أجهزة دول الهيمنة الكبرى ، وبالتالي، لابد من التنبيه ، أننا ، وفي ظل ثورة المعلومات ، لابد لقوى التحرر ، والديمقراطية والاستقلال ، أن تتضافر جهودها معاً لمواجهة نظم التوحش على الصعيد المحلي ، والدولي معاً...
المهم في الموضوع ، أن ذلك الوضع الدولي ثنائي القطب ، الذي كان سائداً مع بداية السبعينات من القرن المنصرم ، انعكس سلباً على العالم الثالث ، الذي تحّول من أوطان تنشد التحرر والاستقلال والتنمية ، واستثمار ما تملك شعوبها من مصادر للثروة ، وتحافظ على كرامة الإنسان ، وحرية الإنسان ، وإنسانية الإنسان ، إلى ساحة يتصارع عليها "الخارج" ، وتحولت أغلب الدساتير والقوانين والمؤسسات إلى أوضاع شكلانية لتغطية صفقات ، وتصفية حسابات لا يعرف مصدرها ،ولا يملك أحد في الداخل تقدير مآلها...
يضاف إلى ذلك كله ، بما يتعلق بالدول العربية ، وخاصة الدول المحيطة بفلسطين المحتلة ، ومنها دولة الجمهورية العربية السورية ، ما تقوم به "إسرائيل" من عدوان مستمر ، وما نتج عن عدوان 1967 ، حيث ، وللمرة الأولى تجاوزت "إسرائيل" حدود فلسطين كما رسمها البريطانيون ،والفرنسيون ، واحتلت جزء هام من أراضي دولة الجمهورية العربية السورية ، وباتت مراصدها تشرف على العاصمة دمشق...وإذا كان هذا كله قد فرض في عقد الستينات القطع حتى الدبلوماسي مع دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وبعض الدول الأوربية ، ورفض القرارات الصادرة بعد عدوان 1967 عن مجلس الأمن الدولي ، بما يخص الصراع مع "إسرائيل" فإن عقد السبعينات شهد بداية التعامل الإيجابي مع قرارات مجلس الأمن ، والانفتاح الاقتصادي ، مع الحفاظ على الإمساك بالاقتصاد ، وهذا كله كان يجب أن ينعكس بشكل ما ، على دستور عام 1973 .

(12)
لعل ما تقدم كان ضرورياً ، وإن كان البعض سيعتبره خروجاً عن الموضوع المُعبّر عنه ، بعنوان هذا البحث ، وسيعتبره البعض الآخر موقفاً سياسياً يختبئ وراء عنوان دستوري ..! ، لكن موقفي سيبقى ، مع الاحترام الكامل للرأي الآخر ، أياً كان... أن ما تقدم كان في صلب البحث القانوني حول دستور عام 1973، والمواد الحامية للحريات فيه ، والمواد المقيدة لها... ذلك أن الدراسة الموضوعية ، تتطلب فهم روحية الدستور، وهذه لا يمكن استخلاصها ، إلا بمعرفة الظروف التي أنتجت الدستور... وما تقدم كان لابد منه للوصول إلى عتبة الدستور ، وتجاوزها إلى حرفية مواده ، لكن ، وقبل الولوج... من المهم أن نلقي نظرة سريعة على تطور الوضع الدستوري في دولة الجمهورية السورية ثم دولة الجمهورية العربية السورية ، وهذا يحتاج إلى مدخل للتعريف بالقانون الدستوري ، وطبيعة قواعده ومعاييره...

(13)

القواعد القانونية – بصفة عامة – هي القواعد المنظمة لحياة الأفراد في المجتمع ، والتي يتعين عليهم مراعاتها ، إذ يقترن مبدأ احترامها بمبدأ الجزاء على مخالفتها ، وقد تكونت القاعدة القانونية بصورة غير كاملة نظراً لبدائية الحياة الاجتماعية ذاتها ، ثم توسعت لتشمل مظاهر الحياة السياسية ، ومن هنا ظهرت قواعد القانون الدستوري التي تعني :
" تحديد الإطار القانوني للظواهر السياسية داخل الدولة.. "
وقد تباينت وجهات نظر الفقهاء الدستوريين بشأن تعريف القانون الدستوري ، فمنهم من اعتمد المعيار اللغوي ، ومنهم من اعتمد المعيار التاريخي ، ومنهم من اعتمد المعيار الشكلي ، ومنهم من اعتمد المعيار الموضوعي...
وخلاصة القول ، أن القواعد القانونية الدستورية يجب أن تتوافر فيها أركاناً ثلاثة هي : العمومية، والتجريد، والجزاء... وإذا كان القانون الدستوري يشمل المسائل ذات الطبيعة الدستورية الواردة في الوثيقة الدستورية ، أو في القوانين العادية ، فإنه أحد فروع القانون العام الداخلي ، لكنه في الوقت ذاته يرتبط مع القانون الإداري ، والقانون المالي ، والقانون الجزائي ، ويرتبط في الوقت ذاته بالقانون الدولي العام .
أما مصادر القواعد الدستورية ، فهي مصادر رسمية ، وتعتمد على مصدرين هما: التشريع والعرف ، ومصادر ُمفسّرة... وتعتمد الفقه والقضاء، وللقواعد الدستورية أنواع مختلفة يمكن تصنيفها ضمن نوعين ، نوع مرتبط بالشكل ويشمل الدساتير المدونة ، ودساتير العرف. ونوع مرتبط بوسائل تعديل الدستور ، ويشمل الدساتير المرنة ، والدساتير الجامدة ، وعن إنشاء الوثيقة الدستورية ، فتتم إما بمنحة من الحاكم ، أو بصورة تعاقد عبر مرحلة انتقالية بمشاركة شعبية ، وبإدارة الحاكم ، كما يمكن أن يتم وضع الدستور من قبل جمعية نيابية ، أو يتم وضع الدستور من قبل لجنة ، ويتم الاستفتاء الشعبي عليه...
باختصار شديد ، إن للدستور مكان الصدارة بالنسبة للقوانين في الدولة ، وعلى جميع السلطات أن تحترم قواعده ، ونصوصه ، وعدم الخروج عليها ، فالقوانين الدستورية أكثر ثباتاً واستقراراً من القوانين العادية ، ويترتب على ذلك السمو الموضوعي، للدستور، بحيث يؤسس بنيان الدولة على قواعده ، وتستمد السلطات العامة شرعية وجودها من أحكامه ، وعليها أن تخضع لقواعده، و إلا فقدت مشروعيتها .
إن الدستور ليس وثيقة مكتوبة ، وإنما نهج يحدد المسارات ، والحدود بين السلطات ، والطرق المشروعة للوصول إلى السلطة ، والسبل المشروعة لممارستها ، والطرق المشروعة لمغادرتها ، ويترتب على ذلك أن وجود أي قوة في المجتمع تمارس سلطاتها خارج النطاق الدستوري ، أو إنفاذ قوانين عادية تتعارض مع القواعد الدستورية ، أو التسليم لفرد ، ما ، أو جهاز ، ما ، بسلطة تتجاوز القوانين الدستورية ، فإن ذلك لا يؤدي إلى الفوضى ، والفساد ، وتصدع البنيان الدستوري في المجتمع، وحسب ، وإنما يؤدي مع ذلك ، قبله ، وبعده ، إلى أن الوثيقة الدستورية أياً كانت النصوص ، ومهما كانت محكمة ، قد فقدت احترامها لدى الشعب ، الذي يبحث عن مصدر السلطة في مكان آخر ، وهذا يقضي على السمة الأساسية التي ُتميّز الدستور في البلاد ، أي بلاد ، وهي : سمّو الدستور ، فعندما يفقد الدستور سموّه ، ويظهر في المجتمع من يسمو عليه في الممارسة ، سواء كان شخصاً طبيعياً، أو جهازاً، أو جماعة ، فإنه يفقد مرجعيته ، وهكذا نلاحظ أن السلطات التي تتجاوز القواعد الدستورية ، وتزوّر الانتخابات ، وتزيّف نتائج الاستفتاءات ، وتمارس القمع ، والتخويف ، منفلتة من الأنظمة والقوانين ، تنكشف أمام المجتمع ، فلاهي تحترم الدستور ، ولا المجتمع يهتم بنصوصه ، مهما كان مضمونها...بعد ذلك ...

(14)
لقد كان حديثنا حتى الآن حديثاً مجرداً في القانون الدستوري ، وفي الظروف المحلية ، والعربية ، الدولية ، وقد حاولنا قدر الامكان الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى التي كانت سائدة ، وفاعلة في الفترة الزمنية التي رافقت إعداد دستور 1973 في الجمهورية العربية السورية .
ما يعنينا الآن ، بعد ما تقدم ، واستناداً عليه ، التأكيد : أن القانون الدستوري ، كنص قانوني ، يسمو على القوانين العادية ، على تنوعها في المجتمع ، هو حلقة من حلقات متكاملة لا بديل عن اكتمالها ، وتضافرها لبناء الدولة المستقلة ، ذات السيادة ، وحجر الزاوية في هذا البنيان هو بالإضافة إلى ركني الوطن والشعب يتمثل في سلطة متعددة السلطات ، الفصل بين السلطات واضح بنصوص قانونية ملزمة ، والصفة التمثيلية التي تتمتع بها كل سلطة من السلطات واضحة بنصوص قانونية ُملزمة ، بحيث يتم تداول السلطة في المؤسسات التنفيذية ، والتشريعية ، بالعودة دورياً إلى صندوق الاقتراع ، كما تجري عمليات بناء السلطة القضائية بفروعها وفق لوائح وقوانين صارمة تمنع إلى حد التحريم طغيان سلطة على أخرى ، أو حتى التأثير عليها... يحكم ذلك كله ، ويسمو عليه ، قانون دستوري واضح ، ُمحدد، ُملزم ، وهذا كله يتطلب موضوعياً بناء مؤسسات حزبية ، ونقابية ، وثقافية ، واقتصادية ، واجتماعية وإلى آخره... بحيث يكون المجتمع القوي المتماسك ، الذي يتمتع المواطنون فيه بحقوق مواطنة متساوية في المجالات كافة ، هو المصدر الحقيقي للسلطات ، وبحيث يدرك الذين توصلهم الانتخابات إلى مقاعد السلطة ، أن المجتمع هو الذي وضعهم حيث هم ، وأنه هو الذي يقرّر متى يغادرون ، إن هذا هو الشرط الأساسي ، الذي لابد من توافره ، لبناء الدولة المستقلة ذات السيادة ، بينما في ظل السلطات الاستبدادية التي تعتمد في وجودها ، أو في استمرارها على صفقات خارجية ، وعلاقات مع دول الهيمنة الدولية ، فإنها تعتمد في استمراريتها على عاملين ، الأول : داخلي ، بإضعاف المجتمع ومؤسساته ، وأحزابه ، ومقدرته على التغيير... ، والثاني: دولي ، بحيث تقدم تلك السلطات للخارج ما يخدم مصالحه... وبالتالي ، فإننا نكون أمام دولة منتقصة للسيادة والاستقلال ، وأمام سلطة تعطل التطور ، والتقدم ، والتنمية ، وأمام معارضة ضعيفة ، ُمحاصرة ، ومقموعة... وبالتالي أمام دولة فاقدة للسيادة والاستقلال ، وأمام مجتمع مقموع خائف عاجز عن التطور والتقدم ، وعاجز قبل ذلك وبعده عن الدفاع عن أبسط حقوقه ، وسرعان ما يسقط أمام أي عدوان خارجي ، مهما كان صوت المستبدين به عالياً...
إن المعيار الأساسي، الذي يجب اعتماده عند وضع القواعد الدستورية للمجتمع، أي مجتمع، هو بناء سلطات تعتمد على أساس اجتماعي متين في الداخل، وتتعامل مع العالم بناء على ذلك... وأي خلل سيؤدي إلى العكس، فالسلطات التي تبني بالاعتماد على صفقات خارجية تتجه إلى الداخل لتدميره ، ذلك أنها تستمد وجودها من مقدرتها الباطشة على ارتهان المجتمع ووضعه في المسار الذي تطلبه قوى الهيمنة الخارجية... وبالتالي لا دولة ،و لا سيادة ، ولا استقلال ، وإنما نحن أمام شكل متطور ، وأكثر خطراً من الاستعمار التقليدي، إنه استعمار لبلد ما، بجيش ذلك البلد، وبإمكانياته، وبواسطة فئة من أبنائه ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل...

(15)
ننتقل الآن من التجريد، ومن الحديث عن القواعد الدستورية بشكل عام، إلى التخصيص المتعلق ببناء القواعد الدستورية في الجمهورية السورية ، وتطورها ، وصولاً إلى دستور عام 1973 للجمهورية العربية السورية...
وفي هذا السياق لابد من لمحة تاريخية نمّر علها باختصار شديد...
فبلاد الشام كانت خاضعة مباشرة للسلطنة العثمانية حتى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين ، وكانت المنظومة القانونية السائدة للدلالة على موضوعات القانون الدستوري يعبر عنها بمصطلحات مثل (نظام السلطات العمومية) و (القانون الأساسي) و (القانون النظامي) ، ثم ، وبنتيجة الحرب العالمية الأولى ، وهزيمة الدولة العثمانية ، بات الطريق مفتوحاً لتنفيذ الاتفاقية المبرمة بين سايكس الإنكليزي ، وبيكو الفرنسي ، خاصة ، وأن الجيوش الإنكليزية ، والفرنسية باتت على الأرض في بلاد الشام ، والعراق ، ومعظم أنحاء الوطن العربي... وكان نصيب بلاد الشام العربية تقسيماً حاداً ، متصرفية لبنان مع البقاع ، دولة تحت الانتداب الفرنسي ، ولايات عكا وغزة والقدس دولة تحت الاحتلال الإنكليزي لتنفيذ وعد بلفور للصهاينة ، ولايات عمّان ومعان والسلط دولة تحت الاحتلال الإنكليزي ُتمنح فيما بعد لأحد أبناء الشريف حسين ، ولاية الموصل ُتضم لدولة العراق تحت الاحتلال الإنكليزي ، ولاية الاسكندرون تحت الاحتلال الفرنسي لمنحها كترضية للدولة التركية ، وهكذا فإن ما تبقى من ولايات بلاد الشام بات يشكل دولة ، هي دولة : سورية ، وُأحدثت فيها مملكة للملك فيصل الذي سرعان ما تم عزله ، وباتت دولة سورية تحت الحكم المباشر للمندوب السامي الفرنسي حيث عرفت البلاد للمرة الأولى اصطلاح القانون الدستوري ، بإصدار دستور عام 1920 الذي شكلّ نقطة التحّول من النظام المطلق إلى نظام ُمقيد رغم ما شاب ذلك من سلطة للمندوب السامي الفرنسي ، وفي عام 1930 أصدر المندوب السامي الفرنسي بإرادة منفردة دستوراً جديداً ينص للمرة الأولى أن الدولة في سورية هي جمهورية ، وقد نصت المادة 116 من ذلك الدستور على أنه ما من حكم من أحكام الدستور يعارض ، وليس له أن ُيعارض ، الالتزامات التي قطعتها فرنسا على نفسها بما يخص سورية ، وخاصة ما تعلق منها بعصبة الأمم... وقد أدى ذلك إلى مظاهرات ، وإضرابات ، وحل مجلس النواب عدة مرات ، وتم تعديل ذلك الدستور مرات عدة واستمر العمل بذلك الدستور بين فترة ، وأخرى إلى ما بعد الاستقلال عام 1946 حيث قام حسني الزعيم بالانقلاب العسكري الأول -1949- الذي علق العمل بالدستور ، وجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في يديه ، و أجرى استفتاء شعبي في 25/6/1949 فاز فيه برئاسة الجمهورية ، وألف لجنة لوضع دستور جديد أنهت مهامها في 27/6/1949 ومن خصائص الدستور الجديد عدم الإشارة إلى دين رئيس الجمهورية خلافاً لما كانت عليه الدساتير السابقة التي كانت ُتشير إلى أن دين رئيس الدولة ، الإسلام ، وأقر ذلك الدستور الأخذ بالنظام البرلماني مع ترجيح السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ، إضافة إلى أنه دستور جامد لأنه كان يشترط لتعديله موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب ، إضافة إلى الاستفتاء الشعبي ، والأخذ باللامركزية الإدارية ، وقد استمر العمل بذلك الدستور إلى أن قام انقلاب سامي الحناوي عام 1950 حيث مارس الجيش كافة الاختصاصات التشريعية ، والتنفيذية ، وتم تشكيل حكومة مؤقتة دعت لانتخاب جمعية تأسيسية ، لوضع دستور للبلاد ، حيث تمت الموافقة على مشروع الدستور الذي أقر في 5/9/1950 ، الذي استمر ساري التطبيق حتى 29/11/1951 وهو التاريخ الذي قام فيه الضابط أديب الشيشكلي ، بالانقلاب العسكري الجديد ، فألغى الدستور ووضع دستور جديد باسم المجلس الأعلى العسكري ، الذي فاز بالاستفتاء الشعبي ، وينص دستور الشيشكلي على الأخذ بالنظام الرئاسي ، وينتخب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرةً ولا يسأل أمام مجلس النواب ، والسلطة التشريعية يتولاها مجلس النواب ، وليس للسلطة التنفيذية حل مجلس النواب ، واستمر العمل بذلك الدستور حتى 25/2/1954 عندما سقط نظام أديب الشيشكلي ، وأعيد العمل بدستور عام /1950/ حتى يوم 22/2/1958 عندما قامت دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وباتت دولة سورية هي الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة إضافة إلى الإقليم الجنوبي ، وفي 5/3/1958 أصدر رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر دستوراً مؤقتاً من /73/ مادة يعتمد الأسس العامة لدستور 1956 في مصر ، ويعتمد المبادئ السبعة عشر التي اتفق عليها ممثلوا مصر وسورية ، لتكون عماد الحكم في الجمهورية العربية المتحدة خلال فترة الانتقال ، ولحين وضع دستور دائم ، وأخذ الدستور بجوهر النظام الرئاسي مضافاً إليه بعض مظاهر النظام البرلماني ، ونص الدستور على السلطات الثلاث التشريعية ،والتنفيذية ،والقضائية ، وفي 28/9/1961 تم فصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، فحمل منذ ذلك الوقت، اسم الجمهورية العربية السورية ، حيث ُأعيد العمل بدستور عام 1950 لفترات متقطعة تخللها اضطرابات ، وذلك حتى قام انقلاب 8/3/1963 حيث أعلن الحاكم العسكري في البيان رقم /2/ إعلان حالة الطوارئ التي مازالت مستمرة حتى يومنا هذا ، ذلك أنها الثابت الوحيد الذي أصرت عليه السلطات المتعاقبة ، رغم إصدار دستور مؤقت عام 1964 ثم دستور عام مؤقت آخر عام 1969 ثم تعديل لدستور عام 1969 بتاريخ 19/2/1971 ليعود شكل الدولة إلى جمهوري ، وحزب قائد ثم دستور عام 1973....
وقبل اختتام هذه الفقرة لابد من الإشارة إلى وثيقتين دستوريتين :
- الأولى عرفت بميثاق 17 نيسان 1963 وهي دستور الوحدة بين دول: سورية ومصر و العراق لقيام دولة الجمهورية العربية المتحدة، وهذه الوحدة لم ترى النور.
-الثانية هي الوثيقة الدستورية لاتحاد الجمهوريات العربية بين سورية، ومصر، وليبيا، وهذه الوثيقة تم النص عليها في متن دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973 كما سيتبين ذلك خلال هذا البحث...

(16)
إن إلقاء نظرة فاحصة على القواعد الدستورية التي تم اعتمادها في سورية من دستور 1920 ولغاية دستور عام 1973 الذي مازال معمولاً به إلى الآن... تدل على محطتين أساسيتين لابد من الوقوف عندها :
- الأولى : وثيقة دستور 23 ذو القعدة 1369 هجري الموافق 5/9/1950 ميلادي .
- الثانية : وثيقة دستور 9/2/1393 هجري الموافق 13/3/1973 ميلادي .
الوثيقة الأولى صدرت بتوقيع من رئيس الجمعية التأسيسية رشدي كيخيا ، والوثيقة الثانية حملت توقيع رئيس الجمهورية حافظ الأسد . أما الوثائق الدستورية الأخرى فكانت على العموم وثائق استثنائية صدرت عن المندوب السامي للانتداب أو عن مجالس نيابية تعرضت لضغوط من المندوب السامي ، أو كانت وثائق مؤقتة بعد انقلابات عسكرية ، ولفترات زمنية قصيرة نسبياً... أو نتاج اتفاقات وحدوية لم تكلل بالنجاح ...
ونحن هنا ، لسنا في وارد بحث مقارن بين الوثيقتين الدستوريتين 1950 و 1973 فلهذا مجاله الذي لا يتسع له هذا البحث ، لكن ولضرورات البحث لا بد من الدخول إلى دستور عام 1973 عبر بوابة دستور عام 1950 لوضع الأمور في نصابها . بما يتعلق بالخصائص التي تتميز فيها كل من الوثيقتين عن الأخرى ، وبالخصائص المتقاربة هنا ، وهناك ، ثم هل وجدت تلك الوثائق طريقها للتطبيق..؟
وهل هناك مشكلة في النصوص ، أم في النفوس ، أم أن المشكلة كامنة بالنصوص ، وبالنفوس معاً...؟!

(17)
نبدأ بالوثيقة الدستورية لعام 1950 حيث جاء في مقدمة ذلك الدستور ، أو في ديباجته ، والتي ُيفهم منها ، روح الدستور ، ما يلي :
"نحن ممثلي الشعب السوري العربي ، المجتمعين في جمعية تأسيسية بإرادة الله ورغبة الشعب الحرة ، نعلن أننا وضعنا هذا الدستور لتحقيق الأهداف المقدسة التالية : إقامة العدل على أسس متينة... ضمان الحريات العامة الأساسية لكل مواطن... نشر روح الإخاء وتنمية الوعي الاجتماعي بين المواطنين... دعم واجب الدفاع عن الوطن والدستور... كفالة المساواة في الواجبات العامة والحقوق... تقوية الشخصية الفردية وتثقيفها وتعهدها ، حتى يشعر كل مواطن أنه المسؤول الأول عن سلامة الوطن وعن حاضره ومستقبله ، وأن الوطن هو الحقيقة الخالدة الباقية... ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا... ونعلن أن شعبنا الذي هو جزء من الأمة العربية ، بتاريخه وحاضره ومستقبله ، يتطلع اليوم إلى اليوم الذي تجتمع فيه أمتنا العربية في دولة واحدة ، وسيعمل على تحقيق هذه الأمنية المقدسة في ظل الاستقلال والحرية.."
ُنسّجل على تلك المقدمة انطباعين يدلان على خصائص دستور عام 1950:
- الانطباع الأول : حماية الحريات العامة .
- الانطباع الثاني : تأكيد الانتماء للأمة العربية ، والسعي لإقامة دولتها الواحدة .
وقد انعكس ذلك في مواد ذلك الدستور....
المادة (1) :
1- جمهورية عربية سورية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة .
2- وهي وحدة سياسية لا تتجزأ...
3- والشعب السوري جزء من الأمة العربية .
المادة (2) :
السيادة للشعب ، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها .
تقوم السيادة على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب .
يمارس الشعب السيادة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور .
المادة (3) :
دين رئيس الجمهورية الإسلام .
الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع .
حرية الاعتقاد مصونة ، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام .
الأحوال الشخصية للطوائف مصونة ومرعية .
المادة (4) :
اللغة العربية هي اللغة الرسمية .
....
المادة (7) : المواطنون متساوون أمام القانون ، وفي الواجبات والحقوق وفي الكرامة ، والمنزلة الاجتماعية .
المادة (8) : تكفل الدولة الحرية والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين .
المادة (9) : لكل شخص حق مراجعة المحاكم ضمن حدود القانون ، وتجري المحاكمة علناً ما لم ينص القانون على خلاف ذلك .
المادة (10) :
كل إنسان برئ حتى يدان بحكم قانوني .
لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر أو قرار صادر عن السلطات القضائية أو إذا قبض عليه في حالة الجرم المشهود ، أو تقصد إحضاره إلى السلطات القضائية بتهمة ارتكاب جناية أو جنحة .
لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة ، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك .
لا يحق للسلطات الإدارية توقيف أحد احتياطياً إلا بموجب قانون في حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية ، أو الحرب .
كل شخص يقبض عليه يجب أن يبلغ خلال أربع وعشرين ساعة أسباب توقيفه والنص القانوني الذي أوقف بموجبه ، ويجب أن يسلم إلى السلطات القضائية خلال ثمان وأربعين ساعة على الأكثر من توقيفه .
يحق لكل موقوف أن يقدم بذاته أو بواسطة محام... طلباً إلى القاضي المختص يعترض فيه على قانونية التوقيف وعلى القاضي أن ينظر في هذا الطلب حالاً ، وأن يدعو الموظف الذي أمر بالتوقيف... فإذا وجد أن التوقيف غير مشروع أمر بإخلاء سبيل الموقوف في الحال .
حق الدفاع مصون في جميع مراحل التحقيق .
لا يجوز إحداث محاكم جزائية استثنائية ، وتوضع أصول خاصة للمحاكمة في حالة الطوارئ .
لا يحاكم أحد أمام المحاكم العسكرية غير أفراد الجيش ، ويحدد القانون ما يستثنى من هذه القاعدة .
لا يحكم على أحد بسبب فعل أو ترك لم يكن حين اقترافه معاقباً عليه بموجب القوانين المعمول بها...
لكل شخص حكم عليه حكماً مبرماً ، ونفذت فيه العقوبة وثبت خطأ الحكم أن يطالب الدولة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به .
......
المادة (12) : المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في حالة الجرم المشهود أو بإذن من صاحبها ، أو بموجب أمر قضائي .
المادة (13) : المراسلات البريدية والبرقية والمخابرات الهاتفية وغيرها سرية لا تجوز مصادرتها أو تأخيرها ، أو الإطلاع عليها إلا في الحالات التي يعينها القانون .
المادة (14) :
تكفل الدولة حرية الرأي ، ولكل سوري أن يعرب بحريه عن رأيه بالقول و الكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير .
لا يؤاخذ فرد على آرائه إلا إذا تجاوز الحدود المعينة في القانون .
المادة (15) :
الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون .
لا يجوز تعطيل الصحف ولا إلغاء امتيازها إلا وفقاً لأحكام القانون .
يجوز في حالة إعلان الأحكام العرفية أو الطوارئ أن يفرض القانون... رقابة محدودة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة وأغراض الدفاع الوطني .
ينظم القانون أسلوب المراقبة على موارد الصحف .
المادة (16) : للسوريين حق الاجتماع والتظاهر بصورة سلمية ودون سلاح ضمن حدود القانون .
المادة (17) :
للسوريين حق تأليف الجمعيات والانتساب إليها على أن لا يكون هدفها محرماً في القانون .
ينظم القانون طريقة إخبار السلطات الإدارية بتأليف الجمعيات ومراقبة مواردها .
المادة (18) :
للسوريين حق تأليف أحزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية .
ينظم القانون طريقة إخبار السلطات الإدارية بتأليف الأحزاب ومراقبة مواردها .
المادة (19) :
لا يجوز إبعاد السوريين عن أرض الوطن .
لكل سوري حق الإقامة والتنقل في الأراضي السورية إلا إذا منع من ذلك بحكم قضائي أو تنفيذا لقوانين الصحة والسلامة العامة .
المادة (20) :
لا يسلم اللاجئون بسبب مبادئهم السياسية أو دفاعهم عن الحرية .
تحدد الاتفاقات الدولية والقوانين أصول تسليم المجرمين العاديين .
المادة (21) : الملكية عامة وخاصة .
للدولة وللأشخاص الاعتبارية وللأفراد تملك الأموال ضمن حدود القانون .
....
الملكية الخاصة مصونة ويعين القانون كيفية حيازتها والتصرف بها بحيث تؤدي وظيفتها الاجتماعية .
........
المادة (23) :
المصادرة العامة في الأموال ممنوعة .
لا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي .
تجوز المصادرة الخاصة بقانون لضرورات الحرب والكوارث العامة .
المادة (24) : للدولة أن تؤمم بقانون ، كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة مقابل تعويض عادل .
.........
المادة (26) :
العمل حق لجميع المواطنين وواجب يمليه الشرف .
......
التنظيم النقابي حر ضمن حدود القانون ، وللنقابات شخصية اعتبارية .
........
المادة (33) :
لكل سوري حق في تولي المناصب العامة بالشروط المعينة في القانون .
التعيين للوظائف العامة ، من دائمة و مؤقتة ، في الدولة والإدارات الملحقة بها والبلديات يكون بمسابقات عامة ، ولا يستثنى من ذلك إلا ما نص عليه القانون .
.......
المادة (35) : يتولى السلطة التشريعية مجلس النواب المنتخب انتخابا عاماً وسرياً ومباشراً و متساوياً وفقاً لأحكام قانون الانتخاب .
.......
المادة (40) : يجب أن يتضمن قانون الانتخاب نصوصاً تكفل :
سلامة الانتخاب .
حق المرشحين في مراقبة العمليات الانتخابية .
عقاب العابثين بإرادة الناخبين .
.........
المادة (44) : لا يسأل النواب جزائياً أو مدنياً بسبب الوقائع التي يوردونها أو الآراء التي يبدونها أو التصويت في الجلسات العلنية أو السرية وفي أعمال اللجان .
المادة (45) : يتمتع النواب بالحصانة خلال مدة اجتماع المجلس ، ولا تجوز ملاحقتهم جزائياً ولا تنفيذ حكم جزائي عليهم إلا بعد الحصول على إذن من مجلس النواب ، ولا يجوز توقيفهم إلا في حالة الجرم المشهود ، وعندئذ يجب إعلام المجلس بذلك فوراً .
المادة (46) : قبل أن يتولى النواب عملهم يقسم كل واحد منهم علناً أمام المجلس اليمين التالية : "أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدستور البلاد مدافعاً عنه وعن استقلال الوطن وحريات الشعب ومصالحه وأمواله وكرامته وأن أحترم قوانين البلاد وأقوم بمهام النيابة بشرف وصدق وإخلاص وأن أعمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية" .
.......
المادة (70) : رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة .
ويعين القانون ما يقتضيه منصبه من المراسم والميزات .
المادة (71) :
ينتخب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب بالتصويت السري .
يجب أن يفوز بأكثرية ثلثي مجموع النواب .
فإن لم تحصل أعيد الانتخاب ويكتفى بالأكثرية المطلقة .
فإن لم تحصل أعيد ثالثة ويكتفى بالأكثرية النسبية .
المادة (72) : يشترط فيمن ينتخب لرئاسة الجمهورية أن يكون :
سورياً منذ عشر سنوات .
حائزاً شروط الترشيح للنيابة .
متماً الأربعين من عمره .
المادة (73) :
مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات كاملة تبدأ منذ انتخاب الرئيس ، ولا يجوز تجديدها إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على انتهاء رئاسته .
........
........
المادة (75) : قبل أن يمارس رئيس الجمهورية ولايته يحلف أمام مجلس النواب اليمين التالية :
"أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها ، وأن أكون أميناً على حريات الشعب ومصالحه وأمواله ، وأن أكون مخلصاً للنظام الجمهوري ، وأن أبذل جهدي وكل ما لدي من قوة للمحافظة على استقلال الوطن والدفاع عن سلامة أرضه وأن أعمل على تحقيق وحدة الأقطار العربية" .
.......
المادة (90) :في بدء كل دور اشتراعي ، أو بعد انتخاب رئيس جمهورية جديد ، أو بعد حجب الثقة عن الوزارة أو استقالتها ، أو خلو رئاسة الوزارة لسبب ما ، يسمي رئيس الجمهورية رئيساً للوزارة ويسمي الوزراء بناء على اقتراح رئيس الوزارة .
المادة (91) :
تتقدم الوزارة ببرنامجها إلى مجلس النواب ويصوت على الثقة .
وتعتبر الثقة ممنوحة إذا أيدها أكثر النواب الحاضرين .
............
المادة (104) : القضاء سلطة مستقلة .
المادة (105) :
قضاة الحكم مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون .
شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس .
..........
المادة (116) :
تؤلف المحكمة العليا من سبعة أعضاء ينتخبهم مجلس النواب من قائمة تحوي أربعة عشر اسماً .
.........
المادة (121) : يقسم رئيس وأعضاء المحكمة العليا أمام مجلس النواب في جلسة خاصة يحضرها رئيس الجمهورية اليمين التالية : "أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها وأقوم بواجبي بتجرد وأمانة" .
...........
المادة (123) : يؤلف مجلس القضاء الأعلى من سبعة أعضاء :
رئيس المحكمة العليا رئيساً .
أثنين من أعضاء المحكمة العليا .
أربعة من قضاة محكمة التمييز الأعلى مرتبة .
المادة (124) : يقترح رئيس مجلس القضاء الأعلى على هذا المجلس تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وفقاً لأحكام القانون ويبت المجلس في ذلك بالأكثرية المطلقة .
..............
المادة (155) :
لرئيس الجمهورية بموافقة مجلس الوزراء وللنواب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور ، على أن يتم ذلك وفقاً للشروط الآتية :
يجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والسبب الداعي إليه .
إذا كان الطلب مقدماً من النواب يجب أن يوقعه الثلث فأكثر من مجموعهم .
يناقش المجلس طلب التعديل ثم يصوت عليه بأكثرية مجموع أعضائه المطلقة ، فإذا رفض اعتبر الرفض نهائياً ولا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مرور سنة .
إذا وافقت على التعديل أكثرية مجموع النواب المطلقة ، اعتبر ذلك رغبة في التعديل .
يناقش المجلس بعد ستة أشهر من إقراره رغبة التعديل في المواد المراد تعديلها ، فإذا وافق ثلثا مجموع أعضائه على التعديل أدخل في صلب الدستور وأصبح نافذاً .
ويجب على النواب إعادة القسم على الدستور المعدل خلال أسبوعين من إقراره .
..........
المادة (166) : ................
(18)
سنترك مواد دستور 1950 ال 166 تتحدث عن نفسها بعد تسجيل الملاحظات التالية :
إن مقدمة الدستور ، والقسم الذي يؤديه رئيس الجمهورية ، والنواب ، تتضمن حماية الحريات العامة بالتوازي مع السعي لإقامة دولة الوحدة العربية ، بتحقيق الوحدة بين الأقطار العربية .
إن الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية واضح ، وبيّن ، لا لبس فيه ، ولا غموض... ولا تداخل بين السلطات .
إن دستور 1950 يعتبر دستوراً جامداً ، ذلك أن تعديله ، أو تعديل بعض مواده ، معقدّ ومرهون بتوفر شروط يصعب تحققها كما وردت في المادة 155 منه.....
يجوز لربع أعضاء مجلس النواب اقتراح إحالة رئيس الجمهورية للمحاكمة أمام المحكمة العليا ، فإذا وافق مجلس النواب بالأغلبية المطلقة ، ُيحال رئيس الجمهورية للمحاكمة ، وتعتبر سدة الرئاسة خالية حتى تصدر المحكمة قرارها .
لا يجوز انتخاب رئيس الجمهورية ، لدورتين متتاليتين...
التكملة في المداخلة اللاحقة

سليم حجار 03-08-2011 08:31

(19)
كان لا بد من هذا المدخل إلى الدستور النافذ حالياً في البلاد ، ذلك أن دستور عام 1973 هو أول دستور دائم للجمهورية العربية السورية بعد دستور عام 1950 ، ورغم أن بينهما ما يقارب الربع قرن من السنوات (23 عاماً) شهدت تحولات سياسية واجتماعية ، وحروب وانقلابات ، فإن هناك رابط بين الوثيقتين ، في بعض القواعد الدستورية ، وافتراق في قواعد أخرى ، وكان لابد للتغيرات الحادة والمعقدة في الظروف المحلية والعربية والدولية أن تنعكس إيجاباً وسلباً على مواد دستور عام 1973...
ولابد من الإشارة هنا إلى أن إعداد الدستور وإقراره قد تم في الربع الأول من العام 1973 ، أي قبل أشهر من حرب السادس من تشرين الأول 1973 ، وهذا يعني أن نتائج وتداعيات عدوان الخامس من حزيران كانت ترمي بظلالها على البلاد ، ورغم أن التوجه كان قد بدأ باتجاه الانفتاح على الأنظمة العربية التي كانت توصم بالرجعية ، والمساومة ، ورغم بوادر انفتاح اقتصادي محدود ، فإن مقدمة دستور عام 1973 كان عليها أن تبرز حزب البعث العربي الاشتراكي كحزب قائد للثورة العربية ، للنضال الاشتراكي ، وذلك كمدخل للنص على ذلك في الدستور... وبالتالي جاءت مقدمة الدستور ، وكأنها بيان صادر عن حزب سياسي ، أكثر من كونها ديباجة لدستور... وكان ذلك ضرورياً للنص على قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في المجتمع والدولة ، هذا النص الذي سيلقي بظلاله على مواد الدستور الأخرى ، وخاصة تلك المتعلقة بالحريات...
جاء في مقدمة الدستور ، بالحرف الواحد : (..وفي القطر العربي السوري واصلت جماهير شعبنا نضالها بعد الاستقلال واستطاعت عبر مسيرة متصاعدة أن تحقق انتصارها الكبير بتفجير ثورة الثامن من آذار عام 1963 بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي جعل السلطة أداة في خدمة النضال لتحقيق بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد...)
نتابع القراءة في ديباجة الدستور : (..لقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي أول حركة في الوطن العربي أعطت الوحدة العربية محتواها الثوري الصحيح وربطت بين النضال القومي والنضال الاشتراكي ، ومثلت إرادة الأمة العربية وتطلعاتها نحو المستقبل بربطها بماضيها المجيد ، ويؤهلها للقيام بدورها في انتصار قضية الحرية لكل الشعوب..)
ولمزيد من التخصيص، تحدد مقدمة الدستور موقفاً من الصراع الذي دار داخل حزب البعث العربي الاشتراكي ، فتقول مقدمة الدستور : (.. ومن خلال مسيرة الحزب النضالية "حزب البعث العربي الاشتراكي" جاءت الحركة التصحيحية في السادس عشر من تشرين الثاني 1970 تلبية لمطالب شعبنا وتطلعاته فكانت تطوراً نوعياً هاماً ، وتجسيداً أميناً لروح الحزب ومبادئه وأهدافه وخلقت المناخ الملائم لتحقيق عدد من الإنجازات الهامة لمصلحة جماهيرنا الواسعة كان في طليعتها قيام دولة اتحاد الجمهوريات العربية استجابة لنداء الوحدة التي تحتل مكان الصدارة في الوجدان العربي والتي عززها الكفاح العربي المشترك ضد الاستعمار والصهيونية والنزعات الإقليمية والحركات الانفصالية وأكدتها الثورة العربية المعاصرة ضد التسلط والاستغلال... ).
فماذا حققت الحركة التصحيحية ..؟ تقول مقدمة الدستور : (.. وفي ظل الحركة التصحيحية تحققت خطوة هامة على طريق تعزيز الوحدة الوطنية لجماهير شعبنا فقامت بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي جبهة وطنية تقدمية متطورة الصيغ بما يلبي حاجات شعبنا ومصالحه ، ويتجه نحو توحيد أداة الثورة العربية في تنظيم سياسي موحد ) .
وأين موقع هذا الدستور..؟ جاء في مقدمة الدستور : (.. ويأتي إنجاز هذا الدستور تتويجاً لنضال شعبنا على طريق مبدأ الديمقراطية الشعبية ، ودليلاً واضحاً ينظمّ مسيرة الشعب نحو المستقبل ، وضابطاً لحركة الدولة بمؤسساتها المختلفة ، ومصدراً لتشريعها ) .
ثم تحدّد مقدمة الدستور المنطلقات الرئيسية التي استند عليها الدستور ، وتحددها الديباجة بخمسة منطلقات وهي :
- إن الثورة العربية الشاملة ضرورة قائمة ومستمرة لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية . والثورة في القطر العربي السوري هي جزء من الثورة العربية الشاملة ، وسياستها في جميع المجالات تنبثق عن الاستراتيجية العامة للثورة العربية .)
- إن جميع الإنجازات التي حققها ، أو يمكن أن يحققها أي قطر عربي في ظل واقع التجزئة تظل مقصرة عن بلوغ كامل أبعادها ومعرضّة للتشوه والانتكاس ما لم تعززها وتصونها الوحدة العربية ، وكذلك ، فإن أي خطر يتعرض له أي قطر عربي من جانب الاستعمار والصهيونية ، هو في الوقت نفسه ، خطر يهدد الأمة العربية بأسرها .)
- إن السير باتجاه إقامة النظام الاشتراكي بالإضافة إلى أنه ضرورة منبعثة من حاجات المجتمع العربي ، فإنه ضرورة أساسية لزج طاقات الجماهير العربية في معركتها ضد الصهيونية والإمبريالية .)
- الحرية حق مقدس ، والديمقراطية الشعبية هي الصيغة المثالية التي تكفل للمواطن ممارسة حريته التي تجعل منه إنساناً كريماً ، قادراً على العطاء والبناء ، قادراً على الدفاع عن الوطن الذي يعيش فيه ، قادراً على التضحية في سبيل الأمة التي ينتمي إليها ، وحرية الوطن لا يصونها إلا المواطنون الأحرار ، ولا تكتمل حرية المواطن إلا بتحرره الاقتصادي والاجتماعي .)
- إن حركة الثورة العربية جزء أساسي من حركة التحرر العالمي ، ونضال شعبنا العربي جزء من نضال الشعوب المكافحة من أجل حريتها واستقلالها وتقدمها .)
(20)
كان لابد من استعراض مقدمة الدستور ، واستعراضها كما هي ، لأن استخلاص روحية الدستور تكون من مقدمته ، وديباجة دستور 1973 واضحة في دلالتها ، ومن الإنصاف الإشارة إلى الملاحظات التالية :
إن هذا الخطاب عن الثورة العربية ، والنضال العربي الاشتراكي الذي ورد في مقدمة الدستور كان مفهوماً في تلك المرحلة التاريخية ، فالتيار القومي العربي ، الذي ، وإن كان جريحاً بعد انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، وبعيد هزائم الخامس من حزيران عام 1967 إلا أنه كان مازال في وسط حاضنة جماهيرية عربية عريضة تحثه على مزيد من النضال والمقاومة والتحدي... ولكن هذا أمر ، وصياغة ديباجة قانونية تكون قاعدة دستورية للإلزام والالتزام في "دولة" ، أمر آخر...يستوجب الجزاء ، إذا توفرت الأدلة ... والواقع العربي الآن ...؟!! .

(21)
إن الإسهاب في الحديث عن قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للنضال العربي في مقدمة الدستور كان تمهيداً للنص على قيادته للدولة والمجتمع ، وهذا من الناحية الدستورية يضعنا أمام نظام حكم الحزب الواحد ، لكن ، ومن الناحية الواقعية ، فإن دستور 1973 لم يبدع ذلك ، وإنما كان معمولاً بهذا النظام اعتباراً من عام 1963 في سورية ، الجديد ، أن الدستور حّول ذلك إلى قاعدة قانونية ملزمة في دستور دائم... ثم ، وهذا في منتهى الأهمية ، فقد أشارت مقدمة الدستور إلى الحركة التصحيحية التي جاءت من خلال "مسيرة الحزب النضالية" في 16/11/1970 ، وبالتالي فإن المقصود بحزب البعث العربي الاشتراكي في الدستور ، هو الجناح الذي انتصر في 16 تشرين الثاني 1970 ، والذي شكلّ القيادة القطرية المؤقتة بعد حل القيادة القطرية ، وذلك بعد سلسلة من التطورات التي مر بها الحزب لا بد من الإشارة إليها سريعاً لتحديد البنية الدقيقة للحزب وصولاً إلى "الحركة التصحيحية" ، خاصة ، وأنه بات في صلب الدستور موضوع هذا البحث :
تأسس حزب البعث العربي عام 1947 .
تأسس الحزب العربي الاشتراكي في الفترة ذاتها تقريباً .
توحد الحزبان مع بداية الخمسينات من القرن المنصرم ، بما ُعرف بعد ذلك بحزب البعث العربي الاشتراكي .
أعلنت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي حل الحزب بعد وحدة عام 1958 وقيام الجمهورية العربية المتحدة .
إثر انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، وعودة الحياة الحزبية إلى البلاد أعاد البعثيون تأسيس عدة أحزاب تعبيراً عن المواقف التي أفرزتها تجربة "الجمهورية العربية المتحدة" .
أ – حزب البعث العربي الاشتراكي .
ب – حزب الاشتراكيين العرب .
جـ - حزب الوحدويين الاشتراكيين .
د - إضافة إلى أن قيادات هامة من البعثيين ، إما حافظت على استقلالها ، وإما قامت بالمساهمة مع الآخرين بتأسيس أحزاب أخرى .
هـ - في 8/3/1963 نجح الانقلاب العسكري بالتحالف بين (اللجنة العسكرية) ، والضابط الوحدويين ، وضباط مستقلين ، وتم تشكيل حكومة ائتلافية تمثل هذه القوى ، أنتجت ما عرف بميثاق 17/4/1963 الذي يعتبر دستور تأسيسي للجمهورية العربية المتحدة بين دول : الجمهورية العربية السورية ، والجمهورية العراقية ، ومصر ، التي كانت مازالت تحمل اسم "الجمهورية العربية المتحدة" ، لكن الصراع بين القوى المؤلفة للائتلاف في الجمهورية العربية السورية ، تم حسمه في 18/7/1963 وانفرد الحزب المشار إليه في الفقرة (أ) بالسلطة ، ويضم معظم القادة التاريخيين لحزب البعث العربي بعد استقلال حزب الاشتراكيين العرب عن حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة الأستاذ أكرم الحوراني وشخصيات بارزة ، وبعد استقلال حزب الوحدويين الاشتراكي عن حزب البعث بقيادة الأستاذ المرحوم محمد الخير وشخصيات أخرى ، وبعد الدعوة إلى حزب بعث جديد التي دعى إليها الأستاذ جلال السيد وشخصيات أخرى ، وبعد أن أعلن المرحوم الدكتور جمال الأتاسي مع شخصيات هامة تأسيس الإتحاد الاشتراكي العربي... وهؤلاء جميعاً من المؤسسين لحزب البعث العربي الاشتراكي ، كما التزم عدد آخر من الشخصيات الهامة المؤسسين لحزب البعث العربي الاشتراكي مقاعد المتفرجين مثل وهيب غانم ، وفيصل الركبي ، وعبد الهادي عباس ، وغيرهم من المؤسسين .
و - تصاعدت حدة الصراع داخل الحزب الذي انفرد بالحكم بدءاً من 18/7/1963 وتم حسمها في 23/2/1966 بانقلاب عسكري أطاح بالقيادة السابقة المشار إليها وحكم على أغلب أعضائها بالإعدام وأطلق عليهم (اليمين العفن) ثم تطور الصراع داخل الذين قاموا بانقلاب 23/2/1966 وحسم هذا الصراع كما جاء في مقدمة الدستور بما أطلق عليه (الحركة التصحيحية) وأودع أغلب أعضاء القيادة السابقة بالسجون ، وأطلق عليهم مصطلح جديد هو (القيادة المناورة المتسلطة) .
ما يعنينا من هذا كله ، هو تحديد ، من يكون حزب البعث العربي الاشتراكي المعني في مقدمة دستور 1973 ، إنه الحزب المنتصر في 16/11/1970 بقيادة مؤقتة أشرفت على انتخاب مؤتمر قطري لحزب البعث العربي الاشتراكي ، ومن ثم مؤتمر قومي ، من ثم انتخاب قيادة قطرية للحزب ، وقيادة قومية له ، وبالتالي فإن أي حزب آخر يحمل اسم حزب البعث العربي الاشتراكي ، سواء كان تحت القيادة التي تم الانقلاب عليها في 1966 ، أو القيادة التي ُقلبت عام 1970 ، أو أي حزب آخر ، هو حزب غير مشروع ، بل أكثر من ذلك... وذلك وفق القواعد القانونية التي سنها دستور عام 1973 . كما أن جميع الأحزاب في الجمهورية العربية السورية غير المنضوية تحت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي المشار إليه في الجبهة الوطنية التقدمية هي أحزاب غير مشروعة وفق أحكام الدستور... وكل من ينتسب إليها يعتبر عرضة للملاحقة القانونية...
نقطة أخيرة بهذا الشأن لا بد من معالجتها ، من الناحية الدستورية ، وتتعلق بالبنية الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي باعتباره الحزب القائد في الدولة والمجتمع ، ذلك أن النظام الداخلي للحزب كان يعتمد انتخاب المراتب الحزبية من القاعدة إلى القمة ، وذلك لأن دستور عام 1950 كان يشترط في مادته /18/ أن تكون الأحزاب السياسية ذات نظم ديمقراطية ، ولم تتضمن القواعد الدستورية عام 1973 ما يناقض ذلك ، المهم أنه في المرحلة التي تلت الحركة التصحيحية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، تم تعديل النظام الداخلي للحزب بحيث يتم انتخاب أعضاء المؤتمر القطري من القواعد ، الذي ينتخب بدوره القيادة القطرية للحزب ، ثم للقيادة القطرية أن تعين المراتب الأدنى بالترتيب ، وأن تقيلهم ، وقد اختلفت الآراء ، فالبعض اعتبر هذا تحولاً نحو تعميق الديمقراطية في مراتب الحزب ، والبعض اعتبره تراجع... أدى إلى تحوله من حزب له سلطة ، إلى سلطة لها حزب... ولعل البت بهذا الموضوع شائك ، ولهذا فإننا نترك أمر البت به لأعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي ، فهم ، وبعد الممارسة قد يكونون الأقدر على البت بهذا الموضوع ، ونحن هنا نشير إليه مجرد إشارة تتعلق بأثر ذلك على القواعد الدستورية في دستور عام 1973 .

(22)
جاء في مقدمة الدستور إشارة هامة إلى اتحاد الجمهوريات العربية بين دول : سورية ومصر وليبيا ، وجاء النص كما يلي (... الحركة التصحيحية... خلقت المناخ الملائم لتحقيق عدد من الإنجازات الهامة... كان في طليعتها قيام دولة اتحاد الجمهوريات العربية...).
إن دولة اتحاد الجمهوريات العربية ، ليست موجودة على أرض الواقع ، بل إن إحدى دول ذلك الاتحاد (مصر) ذهبت بعيداً في توقيع معاهدة مع (الصهيونية) كما ُيعبّر عنها في مقدمة الدستور ، والتي تشكل خطراً يتهدد الأمة العربية بأسرها... وإذا كان هذا هو واقع الحال ، فإن هذا يتطلب مراجعة في القواعد القانونية الدستورية لا مناص منها....

(23)
أكدت مقدمة الدستور على السير باتجاه إقامة النظام الاشتراكي ، وواقع الحال أن دولة الجمهورية العربية السورية شهدت أشكالاً متعددة من التشريعات الاقتصادية بحيث لا يمكن إطلاق صفة محددة على ما يجري... ذلك أن التوجه كان في البداية على وحدانية القطاع العام ثم تطور إلى قطاع عام وقطاع مشترك ، وقطاع تعاوني ، ثم أضيف القطاع الخاص ، والبنوك الخاصة ، وشركات التأمين الخاصة إلى آخره... وبعد العثور على صيغة أن هذا كله يتم بقيادة القطاع العام ، إلا أن واقع الحال تغيّر مرة أخرى ، ولم يعد القطاع العام هو القطاع القائد في الاقتصاد ، بل ربما ، وفي مجالات مختلفة بات الحلقة الأضعف ، على أية حال لم نعد أمام توجه اقتصادي ُمحدّد ، وإنما أمام نظام مختلط ، بين إمساك السلطة بالمرافق الاقتصادية ، وبين الانفتاح على الاستثمارات الخاصة ، وغياب القواعد الدستورية الناظمة لذلك يؤدي إلى خلل لا يمكن استمراره فهناك من يستثمر بالمليارات في مؤسسات خاصة ، وهناك من ُيساق إلى المحاكم لخلل بالقروش في فواتير صغيرة بتهمة الاعتداء على النظام الاشتراكي... نقول ذلك على سبيل التجريد ، بما يخص القواعد الدستورية ، بغض النظر عما يجري على أرض الواقع في الجمهورية العربية السورية....!

(24)
إذا كانت الحرية حق مقدس كما نصت على ذلك مقدمة الدستور فهل (الديمقراطية الشعبية) هي الصيغة المثالية... كما جاء في المقدمة ذاتها...؟
إن مصطلح (الديمقراطية الشعبية) هو المصطلح الذي تم إطلاقه على النظم الشمولية التي تأسست في النصف الأول من القرن العشرين فيما أطلق عليه (المعسكر الاشتراكي) ، والذي استند على حكم الحزب الواحد بمفرده ، أو الذي يقود جبهة وطنية تقدمية ، وتلك الصيغة لن نناقشها من حيث انعكاساتها السياسية والعقائدية فهذا شأن الفكر السياسي ، ما يعنينا الآن هو ترجمتها كقاعدة دستورية...
جاء في مقدمة الدستور : (.. في ظل الحركة التصحيحية... قامت بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي جبهة وطنية تقدمية متطورة الصيغ ، بما يلبي حاجات شعبنا ، ومصالحه ، ويتجه نحو توحيد أداة الثورة العربية في تنظيم سياسي موحد...)
فكيف يمكن ترجمة ذلك ، كقواعد دستورية...؟ ، ثم وبعد مرور أكثر من /35/ سنة على قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للجبهة الوطنية التقدمية... هل تم توحيد إدارة الثورة العربية...؟؟ .
لن نغوص في تفاصيل هذا الوضع الشائك... لكن ، هذا النص الذي كان يحكم الانتخابات في النقابات ، والمجالس المحلية ، ومجالس الشعب ، تم التراجع عنه ، بترك مناطق فارغة لما سمي بالمستقلين... فمن هم هؤلاء المستقلين...؟ وما هي برامجهم..؟ وما هي توجهاتهم...؟ وكيف يمكن حدوث ذلك ؟،أو معرفته ؟ ، طالما أن هؤلاء ليسوا ممثلي أحزاب ، ذلك أنه لا أحزاب مشروعة خارج أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي...؟
هذا كله.. يستدعي وضع القواعد الدستورية المحددة ، والنافذة في هذا المجال...

(25)
أكدت مقدمة الدستور على مرحلية الدولة الإقليمية ، أو القطرية كما أطلقت عليها مقدمة الدستور ، فجاء بالنص : (إن جميع الإنجازات التي حققها ، أو يمكن أن يحققها أي قطر عربي في ظل واقع التجزئة تظل مقصرة عن بلوغ كامل أبعادها ومعرضة للتشوه والانتكاس ما لم تعززها وتصونها الوحدة العربية...) ، والوحدة العربية تتحقق وفق مقدمة الدستور (بالثورة العربية)... كما أن حركة الثورة العربية استناداً للقواعد القانونية في مقدمة الدستور هي : (جزء أساسي من حركة التحرر العالمي...)
فكيف يمكن ترجمة روحية هذه الأفكار على أرض الواقع بالنص عليها قواعد قانونية ملزمة ؟، وكيف سارت الأمور على أرض الواقع...؟ ثم كيف يمكن تحقيق الإنجازات في ظل واقع التجزئة بحيث تكون مرتكزات للبناء القومي العربي في دولة الوحدة العربية ، لا بالتضاد معها ؟ ، وهل الواقع العربي في ظل الأوضاع والقواعد الدستورية التي سادت خلال العقود المنصرمة يتجه من التجزئة إلى الوحدة العربية ، أم يتجه من التجزئة إلى تجزئة المجزأ...؟

(26)
بكلمة أخيرة ، وموجزة عن مقدمة دستور 1973 في الجمهورية العربية السورية ، نقول أن النص الدستوري يستمد فاعليته وقوته وتأثيره واحترامه من نصوصه المحكمة ، وقواعده الدستورية الواضحة ،والملزمة ، فالدستور هو أب القوانين ، وهو أمها ، ومجرد إصدار قانون ، واتخاذ إجراء ، لا يحمل (جينات) القواعد الدستورية ، فإن هذا سيؤدي إلى وضع شكلاني يجعل تلك القوانين لا قيمة فعلية لها ، ولا أثر ، وبالتالي فإن النصوص الدستورية لا تحتمل وجود كلمة ، أو مصطلح لا دلالة قانونية لها... لأن هذا يؤدي إلى وجود أجهزة وأشخاص ، ومراكز قوى ، تتولى السلطة ، وتحتكر القرار ، بمعزل عن القواعد الدستورية... التي يتجاهلها في هذه الحالة الحكام ، والمحكومين معاً... وفي هذه الحالة يتحول الدستور إلى كتاباً مهملاً لا يلتفت إليه أحد ، إلا لتمرير إجراء ما... وفي هذه الحالة أيضاً يضطرب الوضع الدستوري والقانوني في المؤسسات، وفيما بين بعضها البعض ، ويفتح الباب واسعاً لشتى ضروب الفساد والإفساد ، والمحسوبيات ، وتنتهك بدون رحمة الحريات العامة ، والحريات الخاصة ، وينتهك مبدأ المساواة بين المواطنين ، فتفقد المواطنة معاييرها ، وتسود معايير ما قبل المواطنة من انتماءات ونفاق... وتسود معايير ما بعد الموطنة من اصطفافات وصفقات...
وبغض النظر عن موقفنا السياسي والمبدئي من الدول الفعلية القائمة على أرض الوطن العربي من المنشأ وحتى المآل ، فإن السلطات التي تعاقبت على تلك الدول قد فشلت بالإجمال من بناء مؤسساتي على قواعد دستورية مؤثرة ، وفاعلة ، تتمتع بمهابة الدستور التزاماً ، واحتراماً ، وبمهابته جزاء ، بحيث يرتدع عن ارتكاب جرم اختراقه أياً كان ، وكائناً من كان...
وإذا كان هذا البحث لا يحتمل الغوص في تفاصيل الأوضاع الدستورية في الوطن العربي ، فإن نظرة سريعة وشاملة كافية لتبيان كيف تستخدم القواعد الدستورية لخدمة السلطات المؤبدة ، عوضاً عن أن تعمل مؤسسات السلطات على تنوعها ، بهدي من القواعد الدستورية...
لهذا يقولون في الوطن العربي ، المشكلة في النفوس ، وليست في النصوص ، لأن بعض نصوص الدساتير في بعض الدول العربية متطورة ، لكننا نقول أن هذا لا يكفي ، وأن تلك النصوص لو لم تكن تحتوي على خلل ما ، في مكان ما ، لما كان اختراقها ممكناً بتلك السهولة ، وبهذا الاستخفاف...
وإذا كانت مقدمة دستور الجمهورية العربية السورية تستند إلى معطيات الثورة العربية الشاملة ، وإلى الوحدة العربية ، وإلى حركة التحرر العالمية ، فإن هذا يقتضي موقفاً من القواعد الدستورية في الدول العربية ، لتحقيق الوحدة العربية ، وكذلك موقفاً من القانون الدولي لإنجاز حركة التحرر العالمي...
والآن لندخل من عتبة دستور 1973 إلى نصوص مواده :
(27)
يتألف دستور الجمهورية العربية السورية من 156 مادة موزعة على أبواب أربعة :
الباب الأول في المبادئ الأساسية : سياسية ، اقتصادية ، تعليمية ، ثقافية ، حريات ، حقوق ، واجبات عامة . (49) مادة .
الباب الثاني في سلطات الدولة : تشريعية ، تنفيذية ، قضائية (99) مادة .
الباب الثالث في تعديل الدستور : (1) مادة واحدة .
الباب الرابع ، أحكام عامة وانتقالية : (7) مواد .

(28)

المادة (1) : تنص على أن الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية . وأن القطر السوري جزء من الوطن العربي ، والشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة... "الفقرة المطروحة للنقاش في هذه المادة : هي دولة اتحاد الجمهوريات العربية ."
المادة (2) :
نظام الحكم... جمهوري .
السيادة للشعب ويمارسها على الوجه المبين في الدستور .
الأصل في هذه المادة أن السيادة للشعب ، أما الشرط بأن الممارسة تكون على الوجه المبين في الدستور ، فإنه لا يجوز وفق القواعد الدستورية أن ينال من الأصل وهو هنا (السيادة للشعب) وقد جاءت هذه السيادة للشعب مطلقة ، وبالتالي فإن أي نص ولو كان في الدستور ينتقص من سادة الشعب ، يكون نص مناقض لهذا النص الأصيل ، و يجب حذفه من الدستور .
المادة (3) : دين رئيس الجمهورية الإسلام ، والفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع .
لقد أخذت هذه المادة نقاشاً واسعاً وأضيفت إلى النص ، وهي مازالت مطروحة للنقاش ذلك أن للتشريع مصادر أخرى كان يجب تحديدها والإشارة إليها... إضافة إلى الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع .
المادة (4) : اللغة العربية هي اللغة الرسمية .
......
المادة (6) : علم الدولة وشعارها ونشيدها هو علم دولة اتحاد الجمهوريات العربية وشعارها ونشيدها .
(في الوقت الراهن لم يعد علم الدولة ، هو علم دولة اتحاد الجمهوريات العربية ، ولا شعارها ، ولا نشيدها ومع ذلك مزال النص الدستوري كما هو)

(29)
المادة (7) : يكون القسم الدستوري : (أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي وأن احترم الدستور والقوانين وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن وأن أعمل مخلصاً وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية) .
المادة (8) : حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية.
في المادتين 7 و 8 من الدستور ما يستحق التدقيق فيه ، ذلك أن القسم في المادة (7) يتضمن مصطلح سياسي ، وشعار سياسي . أما عن المصطلح فهو (النظام الجمهوري الديمقراطي الشعبي) فمصطلح (الديمقراطية الشعبية) هو مصطلح النظم الشمولية التي اختزلت (الديمقراطية) بسيطرة حكم الحزب الواحد ، وبالتالي فإن هذا المصطلح ينتظر تفسيراً ، أو تعديلاً لينسجم مع مواد الدستور الأخرى . وأما الشعار فهو (الوحدة والحرية والاشتراكية) في هذا المجال لا بد من التأكيد أن غالبية الشعب العربي ليس في دولة سورية ، وحسب ، وإنما في مختلف الأجزاء العربية يستهدفون تحقيق هذه الأهداف على هذا الترتيب أو وفق ترتيبات أخرى ، وعلى تفاوت ، وقد لاحظنا أن دستور 1950 ينص على الوحدة العربية ، والحرية ، وإن كان مصطلح الاشتراكية يحتمل تفسيرات مختلفة... نقول : بغض النظر عن المضمون في هذا الشعار ، فإنه كما يقول البعض شعار لحزب سياسي هو حزب البعث العربي الاشتراكي ، وبالتالي فإن النص عليه في متن القسم الدستوري يعني الولاء لحزب بعينه ، وليس لوطن يضم تعددية حزبية ، حتى بالمعنى المحدد الوارد بالدستور عن جبهة وطنية تقدمية تضم أحزاباً مختلفة ، لكننا ، ومن الناحية الدستورية ، نقول أنه ينسجم مع المادة ( 8 ) من الدستور ..
أما ما ورد في المادة ( 8 ) من الدستور ، من أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ، فإن ذلك النص ، كما يقول البعض الآخر ، يصادر جميع المواد الواردة في الدستور ذاته عن الحريات ، والحقوق ، والواجبات العامة . ويذكرون على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :
1 - الفقرة ( 2 ) من المادة ( 2 ) من الدستور التي تنص : أن السيادة للشعب تم تقييدها لأن ممارستها على الوجه المبين في المادة ( 8 ) تعني أن السيادة للحزب القائد للدولة والمجتمع .
2 - المادة ( 10 ) من الدستور التي تنص على أن مجالس الشعب مؤسسات منتخبة انتخاباً ديمقراطياً ، يمارس المواطنون من خلالها حقوقهم في إدارة الدولة وقيادة المجتمع باتت معطلة أيضاً .
3 - المادة ( 12 ) من الدستور حيث الدولة في خدمة الشعب وتعمل مؤسساتها على حماية الحقوق الأساسية للمواطنين باتت معطلة هي الأخرى .
4 - المادة ( 25 ) من الدستور حيث الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم ، وسيادة الوطن مبدأ أساسي في المجتمع والدولة ، والمواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات ، وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين ... هذا كله يصبح غير ممكن التطبيق في ظل نص المادة ( 8 ) من الدستور على أن هناك حزب بعينه هو القائد في الدولة والمجتمع .
5 - المادة ( 26 ) حيث لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وينظم القانون ذلك ... فكيف يمكن أن ينظم القانون ذلك دون أن يتعارض مع نص المادة ( 8 ) إلا بتقييد حريات المواطنين في المجالات المذكورة ...؟!
6 - وهذا ينطبق بالضبط على المادة ( 27 ) التي تنص على ممارسة المواطنين حقوقهم ، وتمتعهم بحرياتهم ... ولكن وفقاً للقانون أيضاً ...
7 - كذلك ما جاء في المادة ( 38 ) من الدستور حيث لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وان يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ، وفقاً للقانون فهل سيستند القانون الذي ينظم ذلك كله على القواعد الدستورية في المادة ( 38 ) من الدستور أم على ما ورد في المادة ( 8 ) ... وكم الفرق شاسعاً بين المادتين بحيث لا يمكن وضع قواعد قانونية تستند على المادتين معاً ...
8 - الوضع ذاته ينطبق على المادة ( 39 ) من الدستور حيث للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذا الحق .
9 - أما المادة ( 48 ) فتنص على انه للقطاعات الجماهيرية حق إقامة تنظيمات نقابية أو اجتماعية أو مهنية أو جمعيات تعاونية للإنتاج أو الخدمات وتحدد القوانين في إطار التنظيمات وعلاقاتها وحدود عملها ... وبالفعل فإن القوانين التي نظمت ذلك كله استندت على المادة ( 8 ) من الدستور ، وبالتالي فإن وضع تلك المؤسسات هو كما هو الآن ...

( 30 )
ورغم أن المادة ( 13 ) من الدستور نصت على أن الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي ، فإن المادة ( 14 ) حددت الملكية بثلاثة أنواع هي : 1 – ملكية الشعب ، 2 – ملكية جماعية ، 3 – ملكية فردية ، والمادة ( 15 ) من الدستور نصت على ألا تنزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون ، وأن المصادرة العامة في الأموال ممنوعة ، وأنه لا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي ، وأنه تجوز المصادرة الخاصة بقانون لقاء تعويض عادل ، لكن المادة ( 16 ) نصت على : يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزراعية ... إن هذا النص يتناقض مع الفقرة الأولى من المادة ( 15 ) التي حصرت نزع الملكية الفردية بالمنفعة العامة ، وهذا يقتضي إما تعديل الفقرة الأولى من المادة ( 15 ) بما يسمح بإعمال المادة ( 16 ) ، أو العكس ...

( 31 )
لو استعرضنا بعد ذلك مواد الفصل الرابع من الباب الأول من الدستور المتعلقة بالحريات والواجبات العامة لوجدنا أنها تحمي الحريات العامة ، إلا إذا تم تقييدها بمواد من خارج هذا الفصل أو بقوانين عادية أو استثنائية ، وهذا بحد ذاته مخالف للقواعد الدستورية ، فالقواعد الدستورية تقيد القوانين العادية ، ولا يصح العكس ، إلا في الظروف الطارئة ، ولفترات زمنية محددة ، ووفق ضوابط صارمة ...
هكذا نجد أن المادة ( 28 ) من الدستور تنص على :
1 – كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم .
2 - لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقاً للقانون .
3 - لا يجوز تعذيب احد جسدياً أو معنوياً أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك .
4 – حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون .
و أضافت المادة ( 29 ) لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني ، وحددت المادة ( 30 ) : لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ، ولا يكون لها أثر رجعي ، ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك . وحددت المادة ( 31 ) : المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون . ونبهت المادة ( 32 ) إلى أن سرية المراسلات البريدية والاتصالات السلكية مكفولة وفق الأحكام المبينة في القانون ، وحرمت المادة ( 33 ) إبعاد المواطن عن أرض الوطن ، وأنه لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة إلا إذا ُمنع من ذلك بحكم قضائي ، أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة ، ومنعت المادة ( 34 ) من تسليم اللاجئين السياسيين بسبب مبادئهم السياسية أو دفاعهم عن الحرية ، وأباحت المادة ( 35 ) حرية الاعتقاد واعتبرتها مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان ، وكفلت المادة ( 45 ) للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، وتكفل الدولة بموجب المادة ( 46 ) كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة ، كما تحمي الدولة صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداول ....
هكذا نجد أن المشكلة الأساسية لا تكمن في النص على الحريات في الدستور ، وإنما في النصوص التي ُتعطلّ ، أو في الأجهزة التي تستغل هذا التعطيل ، فتتحول إلى قوة منفلتة من أي ضوابط دستورية أو قانونية ... كما يقول البعض ، وهذا ما نرجوا ألا يحصل في دولة الجمهورية العربية السورية .
( 32 )
تم تخصيص الباب الثاني من الدستور لسلطات الدولة وتم تحديدها بسلطات تشريعية ، وأخرى تنفيذية ، وثالثة قضائية ، ومن الهام جداً الإشارة إلى أن دستور 1973 لا يتضمن نصاً صريحاً على الفصل بين السلطات ، ونحن نعتبر أنه لابد من تدارك هذا النقص ، إذ أنه بدون الفصل بين السلطات يكون أي نص عن الديمقراطية والحريات مجرد كلام مرسل لا مدلول واقعي له ، ولا أثر دستوري ، أو قانوني ينتجه ... وفي سياق هذا البحث عن سلطات الدولة في الدستور سنكتشف مواقع التداخل بين السلطات ، ومناطق الضعف التي نرجو ألا تؤدي إلى خلل خطير في القواعد الدستورية ...
( 33 )
عن السلطة التشريعية نتابع المواد من ( 50 ) إلى ( 82 ) من الدستور فالمادة ( 50 ) تنص على تولي مجلس الشعب السلطة التشريعية على الوجه المبين في الدستور ، وعلى انتحاب أعضاء مجلس الشعب انتخاباً عاماً وسرياً ومباشراً ومتساوياً وفقاً لأحكام قانون الانتخاب ، والمادة ( 52 ) تنص على أن عضو مجلس الشعب يمثل الشعب بأكمله ولا يجوز تحديد وكالته بقيد أو شرط ، وعليه أن يمارسها بهدي من شرفه وضميره ، والمادة ( 57 ) توجب أن يتضمن قانون الانتخاب نصوص تكفل حرية الناخبين بانتقاء ممثليهم وسلامة الانتخاب ، وحق المرشحين في مراقبة العمليات الانتخابية ، وعقاب العابثين بإرادة الناخبين.
والمادة ( 66 ) تنص على ألا يسأل أعضاء مجلس الشعب جزائياً أو مدنياً بسبب الوقائع التي يوردونها أو الآراء التي يبدونها أو التصويت في الجلسات العلنية أو السرية وفي أعمال اللجان والمادة ( 67 ) تنص على أن أعضاء مجلس الشعب يتمتعون بالحصانة طيلة مدة ولاية المجلس ولا يجوز في غير حالة الجرم المشهود اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو منهم إلا بإذن سابق من المجلس ، وفي غير أدوار الانعقاد يتعين أخذ إذن من رئيس المجلس ويخطر المجلس عند أول انعقاد له بما اتخذ من إجراء ... أما المادة ( 71 ) فتنص على أن مجلس الشعب يتولى ترشيح رئيس الجمهورية وحجب الثقة عن الوزارة ، أو عن أحد الوزراء وتكمل المادة ( 72 ) بأن على الوزارة أو الوزير تقديم استقالتها أو استقالته إلى رئيس الجمهورية . ويلاحظ هنا أن الحكومة لا تطلب الثقة من مجلس الشعب ، كما يلاحظ أن فرض حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ورفعها ليس من صلاحية السلطة التشريعية ...
( 34 )
تم تخصيص المواد من ( 83 ) وحتى ( 130 ) للسلطة التنفيذية التي تتوزع على سلطات ثلاث هي : 1 – سلطة رئيس الجمهورية .
2 – سلطة مجلس الوزراء .
3 – سلطة مجالس الشعب المحلية .
عن السلطة الأولى ، وهي رئيس الجمهورية تشترط المادة ( 83 ) من الدستور في من يرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون عربياً سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية متماً الرابعة والثلاثين عاماً من عمره وهي المادة التي عدلت بالقانون رقم / 6 / الصادر بتاريخ 11/6/2000 ، أما المادة ( 84 ) فتنص على أنه يصدر الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية عن مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه .
وهنا لابد من تسجيل الملاحظات التالية : إن المادة ( 84 ) تضع قيداً على المادة ( 71 ) التي تعطي مجلس الشعب ولاية ترشيح رئيس الجمهورية بالمطلق بينما المادة ( 84 ) حصرت الترشيح بناء على اقتراح من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ، وإذا كان هذا ينسجم مع المادة ( 8 ) من الدستور فإنه يتناقض مع الفقرة ( 4 ) من المادة ( 25 ) التي تكفل مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين ، ورئاسة الجمهورية وظيفة عامة تخضع لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين كافة . ثم ، إذا كان لابد من إعمال المادة ( 8 ) من الدستور التي تنص على القيادة في الدولة والمجتمع لحزب البعث العربي الاشتراكي ، فلماذا النص على ذلك فقط بمنصب رئيس الجمهورية ...؟ .. ولماذا لا تكون جميع المناصب التنفيذية والتشريعية والقضائية تتم باقتراح من القيادة القطرية ، وإذا كان ذلك يتم بدون نص خاص بكل منصب قيادي في الدولة والمجتمع ، فلماذا النص على ذلك تخصيصاً بمنصب رئاسة الجمهورية ...؟
إن تحقيق الانسجام بين مواد الدستور مبدأ أساسي في القانون الدستوري ، وفي تفعيل القواعد الدستورية في المجتمع ، وهذا ما أردنا لفت النظر إليه ...
ننتقل إلى المادة ( 85 ) التي تحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بسبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم . ويلاحظ أن هذه المادة لم تحدد ما إذا كان هذا الانتخاب يتم لولاية واحدة ، أو أنه لرئيس الجمهورية أن يتولى ولاية ثانية وثالثة وإلى آخره ... وإنما ترك الموضوع بدون نص دستوري ، وقد تم تفسير عدم وجود نص بأنه يحق لرئيس الجمهورية أن يتولى منصب رئاسة الجمهورية دورات متتالية غير محدودة . وهذا ما حصل في السنوات التي أعقبت نفاذ هذا الدستور .
أما المادتين ( 93 ) و ( 94 ) فتعطي رئيس الجمهورية حق ممارسة السلطة التنفيذية حيث تنص الفقرة ( 2 ) من المادة ( 93 ) على أن يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا الدستور ، وتكمل المادة ( 94 ) فتنص على أن يضع رئيس الجمهورية بالتشاور مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها ...، والمادة ( 100 ) نصت على أن رئيس الجمهورية يعلن الحرب والتعبئة العامة ويعقد الصلح بعد موافقة مجلس الشعب ، والمادة ( 101 ) نصت على أن رئيس الجمهورية يعلن حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون ..، والمادة ( 112 ) نصت على انه لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها وينشرها رئيس الجمهورية ... أي أن هذه المادة أعطت رئيس الجمهورية الحق بتجاوز المؤسسات التشريعية عندما يرى أن هناك حاجة إلى ذلك ، كذلك المادة ( 113 ) قالت : أن لرئيس الجمهورية إذا قام خطر جسيم وحالّ يهدد الوحدة الوطنية ، أو سلامة ، واستقلال الوطن أن يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية أن يتخذ الإجراءات السريعة التي تقتضيها هذه الظروف لمواجهة الخطر ... ومن الملاحظ أن تقدير هذا ( الخطر الجسيم ) متروك لتقدير رئيس الجمهورية دون رقابة من أي جهة تشريعية ...

( 35 )
لقد تم تخصيص المواد من ( 115 ) ، وحتى ( 128 ) لسلطة مجلس الوزراء الذي هو الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة ... لكن المادة ( 117 ) نصت على أن رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسئولون أمام رئيس الجمهورية ... والمادة ( 123 ) نصت على انه لرئيس الجمهورية حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يرتكبه من جرائم أثناء توليه مهامه بسببها وفقاً لأحكام الدستور والقانون ....
إضافة إلى سلطة رئيس الجمهورية ، وسلطة مجلس الوزراء اعتبر الدستور مجالس الشعب المحلية من السلطة التنفيذية ، وخصص لها المادتين ( 129 ) و ( 130 ) التي نصت على أن مجالس الشعب المحلية هيئات تمارس سلطاتها في الوحدات الإدارية وفقاً للقانون ، ويحدد القانون اختصاصاتها وطريقة انتخابها وتكوينها وحقوق أعضائها ...

( 36 )
خص الدستور السلطة القضائية بالمواد من ( 131 ) إلى ( 148 ) وتم تقسيم السلطة القضائية إلى : 1 – قضاء الحكم والنيابة العامة .
2 – المحكمة الدستورية العليا .
عن قضاء الحكم والنيابة العامة نصت المادة ( 131 ) أن السلطة القضائية مستقلة ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال يعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى .
هذه المادة تعتبر خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات فرئيس السلطة التنفيذية هو الضامن لاستقلال القضاء ، ومجلس القضاء الأعلى يعاون رئيس السلطة التنفيذية في ذلك ، ثم تكمل المادة ( 132 ) الصورة فتنص على أن يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى ، أما المادة ( 137 ) فتنص على أن النيابة العامة مؤسسة قضائية موحدة يرأسها وزير العدل ... ووزير العدل هو نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى ... أما المحكمة الدستورية العليا فتؤلف من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم بموجب المادة ( 139 ) من الدستور ويقسم رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاؤها اليمين أمام رئيس الجمهورية .
هذا التداخل بين السلطتين التنفيذية والقضائية بالغ الخطورة خاصة إذا أشرنا إلى أن المادة ( 91 ) تنص على أنه لا يحاكم رئيس الجمهورية إلا أمام المحكمة الدستورية العليا ... فكيف يمكن لتلك المحكمة أن تحاكمه ، وهو صاحب القرار المنفرد بتسمية رئيسها وأعضائها جميعاً ..؟ .

( 37 )
خصص الباب الثالث من الدستور للمادة ( 149 ) المعنية بتعديل الدستور ... حيث تنص على :
1 – لرئيس الجمهورية ، كما لثلث أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح تعديل الدستور .
2 – يتضمن اقتراح تعديل النصوص المراد تعديلها والأسباب الموجبة لذلك .
3 – يشكل مجلس الشعب فور ورود اقتراح التعديل آلية لجنة خاصة لبحثه .
4 – يناقش المجلس اقتراح التعديل فإذا أقره بأكثرية ثلاثة أرباع أعضائه اعتبر التعديل نهائياً شريطة اقترانه بموافقة رئيس الجمهورية وأدخل في صلب الدستور .
لقد اختلف فقهاء القانون الدستوري في قراءة دستور الجمهورية العربية السورية ، فمنهم من اعتبره دستوراً مرناً ، ومنهم من اعتبره جامد نسبياً ، علماً أن التقييم هنا يتم على قاعدة المرونة في التعديل ، أو الجمود بمعنى صعوبة تعديله ... ونحن نميل إلى الرأي الأول ذلك أن المادة ( 149 ) أعطت لجهتين الحق في طلب التعديل على الانفراد إما لرئيس الجمهورية وإما لثلث أعضاء مجلس الشعب ... وإذا كان البعض قد أطلق عليه صفة الجمود النسبي استناداً إلى المادة ( 151 ) التي نصت على انه لا يجوز تعديل هذا الدستور قبل مرور ثمانية عشر شهراً على تاريخ نفاذه ، فإن تلك المادة ذات أحكام انتقالية ، ولم يعد لها أثر في تعديل الدستور ...
بناء على ما تقدم فإننا نضع هذا البحث برسم الجهات المعنية باستقرار القواعد الدستورية في البلاد ، وإذا رأت أن هناك ضرورة لتعديل ، ما ، في الدستور ، فليتم ذلك بالوسائل الدستورية المنصوص عليها في المادة ( 149 ) من الدستور ذاته ... لا أكثر من ذلك ولا أقل ...

( 38 )
أما بعد ... فإننا حاولنا حصر هذا البحث بموضوع الحريات ، حماية وتقييداً ، لكن القواعد الدستورية لا يمكن تجزئتها تعسفياً ، ولا يمكن فهمها ، وتتبع مدلولاتها ، إلا بالإحاطة بروحيتها ، ودراستها كسلة واحدة ... وبالتالي فإن موضوع الحريات ، والحقوق لا يمكن دراسته منعزلاً في المواد الخاصة بذلك ، فالأسس التي بني عليها الدستور في مقدمته ، والتي هي جزء لا يتجزأ منه ، والمبادئ الأساسية والعامة ، وطريقة ممارسة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ... هذه المواد مجتمعة إضافة إلى القوانين العادية ، التي تستند إليها تلك المواد ، وإلى التعليمات التنفيذية للقوانين والمراسيم .. والأنظمة والأسس التي تحكم عمل مؤسسات الدولة وأجهزتها في المجالات كافة ... هذا كله يجب أن يعمل بتناغم وانسجام كامل مع القواعد الدستورية التي هي الأساس في البنيان القانوني للدولة الحديثة ، وأي خلل في مكان ما ، في جهاز ما ، في مؤسسة ما ، سينعكس سلباً على البناء الدستوري برمته في البلاد ، وسيؤثر بالتالي على الحريات العامة والخاصة في المجتمع ... ولعلنا نعتمد في كل ما قلناه على نص جاء في مقدمة الدستور يقول : ( حرية الوطن لا يصونها إلا المواطنون الأحرار ) وإذا كان هذا هو المبدأ الذي انطلقنا منه ، فإنه في الوقت ذاته هو الغاية التي ننشدها ...

( 39 )
نقول ذلك ، ونحن ندرك الظروف بالغة التعقيد والحساسية التي أحاطت بإعداد دستور 1973 بعد سلسلة من الدساتير المؤقتة ، لكن هذا يحتم في الوقت ذاته أن ندرك المتغيرات الجذرية ، والحادة التي رافقت هذا الدستور خلال السنوات الخمس والثلاثين المنصرمة .. والدساتير توضع لخدمة المجتمعات ، وليس العكس ، وبقدر ما يترافق تطور القواعد الدستورية ، ويتواكب مع تطور المجتمع بقدر ما تفتح آفاق التطور الايجابي والإنساني والحضاري لتحصين الوطن ضد الأخطار الخارجية والداخلية معاً ، ولفتح المجال واسعاً أمام التنمية واستغلال مصادر الثروة والإنتاج ليعيش المجتمع بما يملك من إمكانيات وطاقات ... وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالاستناد إلى قواعد دستورية صلبة ، لا تحتمل التجاهل ، وعصية على الاختراق في الوقت ذاته ....

( 40 )
ونحن ندرك أيضاً أن الثبات هو صفة لازمة للقواعد الدستورية ، لكن هذا الثبات يعتمد أولاً ، وأخيراً على استيعاب القواعد الدستورية للمتغيرات ، بحيث تبقى القواعد الدستورية قادرة على الحياة ، والعطاء ، والبناء عليها ، والعودة إليها في كل شأن ... ونحن ندرك أن الحياة الدستورية في الجمهورية العربية السورية منذ الانتداب الفرنسي ، وحتى الاستقلال ، وما بعده قد مرت باضطرابات عديدة ، وقد آن الأوان لكل من يهمهم الأمر في المجتمع ، وفي مؤسسات الدولة إرساء قواعد دستورية قابلة للثبات والحياة ، لفترة زمنية بعيدة الأمد ، فالمسألة في مثل هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها بلادنا ليست صراعاً ، وليست مرحلة تسجيل مواقف ...وليست مرحلة تصفية حسابات ، وإنما مسألة تكافل ، وسموّ بين جميع العناصر، الحية، والنهضوية، والتنويرية في الدولة والمجتمع ... للوصول إلى عقد اجتماعي وثقافي ، وسياسي ، وبنيوي ، يحتكم إليه الجميع بإرادتهم الحرة ، وينتظمون على الطريق إلى النهضة والتنوير بمؤسسات مشروعة ، وبأساليب مشرعة ، ووفق قواعد ثابتة ، فتتحقق العدالة ، والمساواة ، والمواطنة الحقة ، وتصان الحريات الخاصة والعامة بفروعها ومجالاتها كافة .
نحن إذن لا نعتدي لتغيير الدستور ، لا بالقوة ، ولا باللين ... لأننا باختصار ضد جميع أشكال العدوان المادي والمعنوي ، وإنما نسعى لاحترام القواعد الدستورية في البلاد ... وإلى الالتزام بها .. لكن القواعد الدستورية لا تحتمل الالتزام الاستنسابي ، ولا التطبيق الاستنسابي ... وإذا كانت بعض مواد الدستور تحتاج إلى تعديل ، فليتم ذلك وفق القواعد الدستورية المنصوص عليها في الدستور ذاته ...
والسلام على من اتبع الهدى ...
دمشق : 1 / 1 / 2008
"مجلة المشكاة ، العدد السادس – حزيران – يونيه /2009 "
حبيــب عيــسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-15-2011 07:35

على بساط الثلاثاء 118
يكتبها : حبيب عيسى

ربيع القومية العربية الشعب أراد ... !!

( 1 )
ها نحن نتنفس الصعداء بعد عقود من المحن والمآسي دفعت حتى الخلصّ من أبناء الأمة لليأس ، والحديث عن خروج العرب من التاريخ ، والبحث عن مخبأ آمن في جحور إقليمية ، أو طائفية ، أو مذهبية ، أو قبلية ، أو عشائرية ، لم تترك مكاناً للمدنية العربية ، وحضارتها ، استوى على بوابات تلك الجحور وعروشها، الطغاة ومصاصي الدماء والأفاقين والمتألهين والمؤلهين والمهرجين واللصوص والقتلة والمعتوهين يؤمنوّن لاحتكارات قوى المهيمنة الدولية الراعية لعروشهم نهب الثروات العربية أكثر مما كانت جيوش المستعمرين تحققه بالاحتلال المباشر مقابل تأمين مظلة حماية دولية للطغاة ، والتستر على ممارساتهم القمعية والوحشية ، وعلى مافيات الفساد والنهب العائلي للطغاة حيث تبيّن أخيراً أن ثروة فرد واحد من عائلة أي طاغية تكفي ليعيش الشعب العربي بكرامة ، وفي ظل ظروف إنسانية مناسبة خارج بيوت الصفيح والمقابر والعشوائيات وشوارع البطالة وزنازين المخبرين ...
قد يواجهنا اعتراض مشروع ، يقول : إنكم تحتفلون بنصر لم يتحقق بعد ، وبتغييّر إيجابي لظروف مأساوية لم ينبلج فجره بعد ، فمازالت عائلة القذافي تهاجم عرب ليبيا ، وتحاصرهم من الجهات الأربع ، وتعمل فيهم تقتيلاً ، بالأمس فقط أطل عليكم أحد أبنائه ليقول علناً : "طز فيكم أيها العرب" ، فماذا كان جوابكم ؟ هل دبّت النخوة في عروقكم ؟ ، هل ثرتم لكرامتكم المجروحة ؟ ، ثم ، هاهو طاغية اليمن يطلق الغازات السامة على الأخوة والأبناء ، في ميادين الثورة والحرية ، ماذا تفعلون أكثر من الفرجة ، وإحصاء أعداد الشهداء ؟ ، وهاهي إرهاصات ثورة الحرية في الجزيرة العربية ، والبحرين تتعثرّ بالفتن المذهبية بين ...وبين ... ، أين أنتم من عقد المواطنة الذي صاغه جدكم محمد بن عبد الله ، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام ، في يثرب بين مواطنين متساوين : مهاجرين وأنصار ، مسلمين ونصارى ، يهود وصابئة ، مشركين وقبائل وعشائر ؟ ، هل قرأ أحد منكم ذلك العقد "الصحيفة" ؟ ، حيث جاء فيها : (... إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين ، وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم ... ، وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ... وأن النصر للمظلوم ... وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ... وأن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ... وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم . وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم ... ) ، هل يعقل بعد هذا أن نجد مرجعية شرعية للفتن التي يتم افتعالها بين المواطنين ...؟ ، ليس بين الأديان ، وحسب ، وإنما داخل مذاهب الدين الواحد ... ؟ ، ليس بين الأقاليم العربية ، وحسب ، وإنما داخل الإقليم الواحد ...؟ ، ليس بين القبائل والأثنيات والأكثريات والأقليات ، وحسب ، وإنما داخل كل واحدة منها على حدة ...؟؟؟ ، وقبل ذلك وبعده : من تخدم تلك الفتن إلا الطغاة في الداخل والغزاة من الخارج ...؟ .
( 2 )
نعم ، هناك مخاوف ، وهناك أسئلة ، وهناك مخاطر ، والصحيح أيضاً أن المعارك في ميادين التحرير العربية لم ُتحسم بعد ، وبالتالي من المبكر أن نحتفل بأمة عربية قد استعادت كرامتها وإرادتها وقرارها وسيادتها على أراضيها وثرواتها ، لكن ، وفي الوقت ذاته لا يمكن تجاهل ما حصل ، ويحصل في وطن العرب منذ ثلاثة أشهر ، أحداث تتوالى ، وتتصاعد مع كل فجر ، لم ُتحسم المعركة بعد ، نعم ، لكن الأمة الآن في ساحة المعركة ، وهذا في حد ذاته حدث جلل ، فقد كانت الأمة العربية قبل ذلك خارج كل معركة ، كتبوا عن أمة غير موجودة أصلاً ، والذين كانوا قد اعترفوا بوجودها تحدثوا عن خروجها من التاريخ ، وبلغ الفجور حداً لا يمكن تحّمله في نبش بدائل وهويات دينية وطائفية ومذهبية وعرقية وقبلية وإقليمية يشرف عليها دهاقنة نظام عالمي عنصري ظالم ، يوفرّ لها مظلة دولية ، ويمنحها صفة دولية يسميها "شرق أوسط" ، وإذا ضاق بها القديم يبحث لها عن شرق أوسط جديد ، المهم أن الغاية المتفق عليها بين طغاة الداخل وغزاة الخارج كانت وما تزال أن لا تستعيد الأمة العربية إرادتها ، وبالتالي تبقى مستلبة بلا قرار ، فيستقرّ الطغاة على عروشهم ، ويطمئن قراصنة الخارج على مصالحهم ، والغاية كانت بالنسبة إليهم تبرّر الواسطة ، وبناء عليه لم يتم تحريم أي سلاح لتحقيق تلك الغاية من أول القمع والقتل والتوحش ، إلى آخر المذابح ، وهكذا شاهدنا أساطين الديمقراطية في العالم يتسابقون لكسب ود الطغاة ، ويكيلون المديح للمستبدين ، وهكذا أدت سنوات القمع المديدة إلى إخراج الأمة العربية من دائرة الصراع ، وتحويلها إلى ساحة يتصارعون فيها ، وعليها ، وينهبون ثرواتها... تلك كانت هي الحال .... الآن لم يعد الأمر كذلك ، الشعب العربي لم يعد يرتعب خوفاً من أجهزة القمع والقتل ، على العكس ، فالشعب بدأ يقتحم تلك الأجهزة ، بينما المخبرين والقتلة يرتجفون خوفاً ، الطغاة لم يعودوا بانتظار المسيرات المليونية التي تؤلههّم ، وإنما يبحثون عن مهرب من مسيرات لا يعرفون متى تنطلق ، ومن أين ، والهتاف : "الشعب يريد إسقاط النظام" ، كما أن مرتزقة الطغاة ومنافقيهم يبحثون عن مخارج ... وصكوك براءة من أسيادهم الطغاة ، وقوى الهيمنة الدولية التي كانت مطمئنة لمصالحها ، ومندوبيها متعهدي مصالحها من الطغاة في الوطن العربي ، فقدت هذا الإطمئنان الآن ، وبعد أن كانت تصنع الحدث ، وتقرّر من يحكم ، ومن لايحكم ، من يقرّر ، ومن لايقرر ، هي الآن تلاحق احداث يصنعها شباب عربي ينطلقون من حيث لايدري الذين اعتقدوا أنهم أدخلوا شعوب العالم في كمبيوتراتهم يحصون عليهم الأنفاس ، وبالتالي ، وللمرة الأولى ، نجدهم في حالة تخبّط ، لايجرأون على التدخل المباشر ، بينما تدخلهم غير المباشر تتجاوزه حركة الشباب .... هل كل هذا ، سواء مايجري في الوطن ، أو من حوله في العالم ، قليل ؟ ، ألا يحق لنا بعد ذلك أن نستعيد الحلم ؟ ، ثم من قال أن كل هذا السوء والتخريب والفساد والفتن والقمع والنهب والطغيان سيتم محو آثاره بين ليلة وأخرى ؟ ، هل يمكن لأحد في هذا العالم أن ينكر ، أن الأمة العربية باتت في ساحة المعركة طرفاً أصيلاً ، وأنها لم تعد جثة تنهشها الوحوش ، نقول ذلك ، ونحن لانقلل من إمكانيات القوى المضادة ، إنما بتنا أمام احتمال لم يكن موجوداً لدينا منذ عدة أشهر يتمثل في ان تأخذ هذه الأمة العربية مكانها الذي تستحق ي هذا العالم ، لاتعتدي ، وقادرة على صد العدوان ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ... وهذا الحلم ليس بالقليل ، فهو بحد ذاته قيمة مضافة بالغة الأهمية ، يُنعش في دواخلنا إنسانية دافعنا عنها في مواجهة غيلان ووحوش وقتلة ... ، ولم نكن نحلم أنها ستشبّ ماردة ، نبيلة بعد كل تلك المحن البالغة القسوة والمأساوية ....
( 3 )
قضية أخيرة ، كنت قد حسمت أمرها منذ سنوات عديدة عن علاقة الداخل بالخارج ، حيث تحدثت عن الدائرة المفرغة التي تحاول القوى المضادة لمشروع النهوض العربي حشرنا فيها ، والمتمثلة في قوى هيمنة دولية تتعاقد مع طغاة محليين يتعهدون مصالحها ، فتتعهد حماية طغيانهم ، وهكذا ... ، وقد بات من الثابت أنه عندما تتخلى القوى الخارجية عن طاغية فإنه يبحث عن بديل خارجي ، وبالمقابل عندما يفشل طاغية ، ما ، في حماية مصالح القوى الخارجية التي تتعهده ، تبحث هي عن بديل له .... وهكذا ... ، وبالتالي ، فإن المسألة ، كما هي فعلاً ، ليست في الاختيار بين الطغاة والغزاة ، وإنما في مواجهة الطغاة والغزاة معاً ، وفي الوقت ذاته ....
( 4 )
إننا نضع هذه القاعدة لنبني عليها في تقييم الحدث المأساوي الذي يجري في ليبيا العزيزة ، حيث فرض الطاغية القتال على الشعب ، وهو الذي فعل كل مايمكن لإحداث التغييّر بالوسائل السلمية لتجنيب المجتمع وحشية أجهزة الطغاة ، وحيث لا مجال للخلط والخطأ والأزدواجية في المواقف بما يخص مسألة بالغة الدقة ، فعلى أرض ليبيا الحبيبة صراع بين أطراف ثلاثة :
1 – الشعب العربي الثائر على حكم الطاغية .
2 – العائلة الحاكمة ، ونقصد عائلة معمر القذافي حصراً ، وليس قبيلة القذاذفة ، كقبيلة عربية ، بريئة مما يمارسه الطاغية .
3 – سلطات الهيمنة الدولية صاحبة المصالح الهائلة في ثروة النفط الليبية .
فأين هو الموقف القومي العربي التقدمي من تلك الأطراف ... ؟ .
إن الموقف القومي العربي التقدمي مما يجري في ليبيا ، من وجهة نظري ، أطرحه للنقاش ، ويتمثل بما يلي :
1 – إن الموقف القومي العربي التقدمي ، متطابق مع موقف الثوار الأحرار المناضلين في ليبيا ، دون تحفظ ، ودون شروط ، بل ، لو كان واقع القوميون العرب التقدميون في الوطن العربي بحالة أفضل ، لكان عليهم أن لا يكتفوا بالتأييد ، وإنما كان عليهم أن يتدفقوا فوراً على ليبيا ، لنصرة أخوانهم الثوار الأحرار ، والتخلص من الطغيان .
2 – إنني أرى وحدة الطرفين الآخرين ، وأقصد الطاغية والأجنبي ، وبالتالي ، فإن الخيار الوحيد هو في مواجهتهما معاً ، وبنفس الدرجة ، وليس في الخيار بينهما ، ولعل دروس الثورة العربية الراهنة بالغة الدلالة ، والحسم قد أكدت الثابت في هذا الشأن ، ففي لحظة مواجهة الطاغية معمر القذافي ، لمصيره أقرّ بمهامه التي يؤديها في ليبيا ، دون مواربة ، فماذا قال ؟ ، دعونا نعتمد على أقواله ، لإزالة أي التباس ، فقد قال سيادته ، وبالحرف الواحد مهدداً العرب بما فيهم الليبيين ، والصهاينة ، والأوربيين ، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية ، بل ، والعالم كله فيما إذا سقط نظام حكمه حيث :
1 – ستقوم إمارات للقاعدة في ليبيا تهدد أمريكا وأوربا والعالم .
2 – ستفقد الشركات الأمريكية امتيازات النفط ، وسيحترق النفط " ويستولي عليه الأرهابيون .
3 – سيتدفق الأفارقة "السود" على أوروبا وستصبح سوداء .
4 – ستعم الفوضى المنطقة وستتهدد مصالح الغرب في بلاد العرب .
5 – سيتهدد وجود "دولة إسرائيل" وستتعرض لمخاطر جسيمة .
6 – سيستولي العرب على النفط الليبي ويتدفقون من مصر وتونس وسيحرم الليبيون منه .
( 5 )
إذا كانت تلك هي المهام التي يؤديها الطاغية ، وإذا كانت تلك المهام لن تجد من يؤديها إذا زال نظام حكم الطاغية القذافي ؟ ، هل لنا أن نسأل : ماذا يمكن أن يوفرّ التدخل الخارجي المباشر أكثر من ذلك ؟ ، بل ، أليس من المشكوك فيه أن تتمكن جيوش التدخل الخارجي من تحقيق كل تلك المهام مجتمعة ؟ .
لهذا قلنا ، ونكرّر ، أن القوميون العرب التقدميون ليسوا أبداً أمام خيار بين حكم الطاغية ، وبين التدخل الأجنبي ، إنهم في مواجهتهما معاً ، جنباً إلى جنب مع الثوار ، وحمل السلاح معهم إذا كان هذا ممكناً ، للتخلص من الطاغية ، ولتحصين ليبيا ضد العدوان الخارجي في الوقت ذاته ، لتكون ليبيا هي القلب الذي يخفق ثورة وحرية ، وحلقة الربط بين ثوار تونس ، وثوار مصر ، والبقية ستأتي ، ستاتي ...
هكذا ، وبعد عقود من الموات عدنا إلى الحلم ، فتحية للذين أعادوا لنا نبض الحياة ، وروح التاريخ ، وشعلة الأحلام ، تحية للشباب العربي الذين حولوّا ، ويحولوّن ، وسيحولوّن ميادين ميتة إلى ميادين نابضة بالحياة والتحرير والثورة والحرية والوحدة والعدالة والمساواة والأنسان ، الإنسان المرفوع الراس المملؤ كرامة وشموخ وعزة ومرؤوة ومواطنيته مصانة ، يؤدي واجباته ، ويعرف حقوقه ، إنها أيام تاريخية ، لم نكن لنحلم أن العمر سيمتد بنا لنراها ، منذ أشهر كان الكثيرين من الاصدقاء يسألون بما يشبه الاستنكار ، لمن تكتب ؟ ، مالفائدة ؟ ، كنت أجيب بانكسار : أكتب لأجيال عربية قادمة ستأتي حتماً ، ولم يخطر لي في أقصى لحظات التفاؤول أنني سأعيش اللحظة ، أو سأراهم ، الآن أنا رأيتهم شباب في عمر الورود من المحيط إلى إلى الخليج يعلمّون العالم ، يلهمونه ، من الصين التي ُدعينا لطلب العلم ، ولومنها ، الآن ، نحن نعلمّ ، ورغم كل المخاطر ، إذا انتصرت ثورة الحرية في وطن العرب سيكون العالم غير هذا العالم الذي نرى ....
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-22-2011 08:09

على بساط الثلاثاء
119
يكتبها : حبيب عيسى

الشباب العربي 2011 :
ُيطهّر الأمة العربية من رجس الاستبداد ...
الياسمين من تونس
اللوتس من مصر
سعف النخيل المدمّى من ليبيا
الحكمة يمانية ... والبقية تأتي



( 1 )
لقد خاض الثوار المقاومون في الوطن العربي غمار ثورات عارمة لطرد الجيوش الاستعمارية حتى منتصف القرن العشرين ، وعندما اقتنع المستعمرون أنه لابد من الرحيل نفذوّا ذلك بمقضى مخططاتهم التي كانوا قد أعدوّها من قبل ، بحيث يتم الرحيل دون أن تتأثر مصالحم الاستراتيجية في الوطن العربي ، بل كان سعيهم إلى ان تلك المصالح يمكن تحقيقها بكلفة أقل من تواجد الجيوش الاستعمارية ، هكذا فشل العرب في الحصول على الاستقلال ، وتم منحهم استقلالات لإجزاء بموجب معاهدات بين القوى المستعمرة ذاتها ، فقامت ممالك وجمهوريات وسلطنات وإمارات ومستعمرة صهيونية وأقاليم محتلة من دول الجوار ، وقد ترتبّ على ذلك ، أن المشروع النهضوي العربي التنويري التحرري وجد نفسه في المواجهة السياسية للتجزئة ، وتم إرجاء البحث الجدي في المسائل الأخرى ، من أول الحرية والعدالة ، إلى آخر المساواة والمواطنة والديموقراطية ، مروراً بالاقتصاد والاجتماع والثقافة ، ذلك أن دولة الوحدة ستكون هي الجنة الموعودة التي ستلبي جميع الحاجات للشعب العربي على تنوعها ، وبالتالي ، فإن التطهّر الثوري من الواقع المجزأ المؤقت والمرفوض ، هو المثل الأعلى للمناضلين ، وقد ترتبّ على ذلك ، أن الواقع الموضوعي في الأجزاء وفي الكل العربي بات أرضاً خصبة لتنبت فيه المفاسد والاستبداد والطغيان والاستغلال والقمع والتوحش ، حتى القوميون الذين قفذوا على بعض السلطات الإقليمية عن طريق إنقلابات أو ... التهمت تلك السلطات جميع مشاريعهم القومية النهضوية التوحيدية التحررية ، وتحولوا إلى متسلطين أكثر سوءاً ، حيث جميع أشكال وفنون القمع والتوحش والتبعية مباحة للحفاظ على التأبيد في السلطة ، وحيث قوى الهيمنة الدولية تمارس جميع أشكال النفاق والغزل والدعم للطغاة مقابل تأمين المصالح ... هكذا فقدت تلك الإستقلالات حتى الغايات الجزئية منها ، واستنقع الواقع العربي وتحول إلى ممالك وجمهوريات وجماهيريات وإمارات وسلطنات ...للخوف والفساد والنهب والقمع ، وبالتالي لابد من إعادة النظر في الكثير من المفاهيم وفي الأساس من ذلك تجديد البناء البنيوي للحامل الذي يتنكبّ مهام تحقيق المشروع النهضوي التحرري التوحيدي ، وهو الإنسان العربي ، فهل يعقل بعد التجارب المرة أن يكون الإنسان المقموع ، المستعبد ، المكبل ، المستلب الإرادة ، والقرار ، هو الحامل لمشروع النهوض والتحرر القومي ؟ ، إذن لابد من المراجعة بشفافية ، وحسم ، ومصداقية ، وتحديداً للمسار من التحرير ، إلى الحرية ، إلى الوحدة ، وهذا يعني أن أكثر من نصف قرن قضاها العرب في ظلام الخوف والاستبداد واستلاب إرادة الإنسان العربي وحريته ، قد جرّدت الاستقلالات من مضامينها ، فالتحرر من الأجنبي الذي لا يؤدي إلى الحرية ، ليس إلا استعماراً مُقنعاً ، واستبداداً ، وقمعاً لإرادة الشعب ، ونشراً للخوف والفساد ، وهذا لايمكن ان يؤدي إلى الوحدة ، وإنما إلى تجزأة المجزأ ...
( 2 )
في هذا السياق التاريخي انبلج فجر الثورة العربية الراهنة ، إنها استكمالاً لثورات التحرر والمقاومة الشعبية التي طردت جيوش المستعمرين ، إنها تنبت من دماء الشهداء الذين طردوا المستعمرين ، وبالتالي تمنح الاستقلال مضمونه الأساسي ، وهو الحرية ، إذ ، ماقيمة الاستقلال في بلاد ينسحب منها أجنبي ، ثم يتسلط عليها طغاة ومستبدون وقتلة ولصوص ؟ ، أليس ظلم ذوي القربى أشد مضاضة ...؟ .
نحن إذن نعاصر ثورة عربية تاريخية ، الحامل لها شباب مبدعون ، سرعان مايلتف حولهم شعب ثائر ينتفض على القهر والخوف فيتحول الشعب كله إلى رموز مضيئة ، فيتمكن من فرض إرادته ...
( 3 )
البداية كانت من تونس ، التي كان المتسلط على مقدراتها قد حولهّا إلى جمهورية للخوف ، إلى درجة أنه ، وعلى مدى أسابيع لم يصدق أن الثوار باتوا على أبواب قصوره ، وعندما فهم في الربع ساعة الأخيرة كان عليه أن يوظف فهمه لترتيب هروبه من البلاد ...
تونس اليوم تزرع الياسمين ، وتتنفس الحرية ، وتبني مؤسسات المجتمع أحزاباً ومنتديات وجمعيات تمهيداً لبناء هيكلية حقيقية لمؤسسات الدولة اليموقراطية حيث المواطنة والعدالة والمساواة ، وهذا يعني أن الثورة تنتقل من هدم الإستبداد وآلياته ، إلى التأسيس لبنيان الحرية ...
إن هذا الشعب العظيم كان على مدى عقود يردّد ماقاله يوماً أبو القاسم الشابي :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
وهكذا عندما أراد الشعب ، كانت الثورة ...
( 4 )
سرعان ما وصل أريج الياسمين إلى مصر فتفتحت أزهار اللوتس تزهو ، وانطلق الشعب إلى ميادين التحرير ، فحتى يكون هناك تحرير ، يجب أن تتحقق الحرية ، وهذا كله يبدأ من إرادة الإنسان ، وهكذا أراد الشعب إسقاط النظام ، ولا راد لإرادته ، فسقط النظام قبل أن يفهم الطاغية ...
مصر اليوم تزرع اللوتس ، وتتنفس الحرية ، وتبني صرح المؤسسات الديموقراطية .
لقد كان المشهد بالغ التأثير بالأمس ، الشعب ينتظم طوابير ممتدة للإدلاء بإصواتهم على تعديل الدستور ، مشهد حضاري إنساني يصفع وجوه الطغاة الذين يرددون على مدى عقود ، أن الديموقراطية لا تليق بنا وبالتالي يجب تأجيل الحديث عنها إلى أجيال قادمة ، هكذا نحن لانعيش سقوط الإستبداد ، وحسب ، وإنما نعيش سقوط منظومته ومفاهيمه أيضاً ...
( 5 )
في القلب بين تونس ومصر تتململ ليبيا ، كيف السبيل للتخلص من طاغية ، ذو نمط خاص ، لكن الشعب أراد ولا راد لإرادته ، صحيح ان الثمن سيكون باهظاً ، لكن الحرية تستحق ... فقط هناك غصة في القلب كنت أتمنى أن تكون الأمة العربية قد تجاوزت محنتها ، وبالتالي يندفع المناضلون العرب من كل مكان لمواجهة الطاغية ، وأسلحته الفتاكة ...واحتضان أهلنا في ليبيا ، وتضميد جراحهم ، وإثبات أن الطغاة هم الجرزان والمهووسين ، أو على الأقل أن يقوم بهذه المهمة النظام الإقليمي العربي دون حاجة لمساعدة أجنبية ، لكن لا بأس ، فالشعب العربي في ليبيا سينال حريته ، وبالتالي سيعرف كيف يصون سيادته وحريته من أي عدوان خارجي .
( 6 )
إلى اليمن ، موطن الأجداد ، حيث للثورة نكهة البن اليمني ، وحيث كان الطاغية مطمئناً إلى أن الاستبداد حولّ الشعب إلى قبائل متناحرة ، ومذاهب متقاتلة إلى حد التكفير ، وحيث شمال وجنوب يتنافران ، لكن للحرية عند هذا الشعب العظيم قيمة أخرى ، إنه أكبر من الأجزاء ، أكبر من المذاهب ، أكبر من القبلية ، بل أن الحلم يحمله لتتبّع خطى الأجداد بين المحيط والخليج ، هكذا صدحت تلك الفتاة العربية بالنداء فكان ميدان التغييّر ميداناً للحرية ...
لقد قلنا سابقاً ، أن الثورة العربية الراهنة بمواصفاتها ومقاييسها ونواميسها لا سابقة لها في التاريخ البشري على حد علمنا ، نضيف على ذلك ميزة يمنية لاسابقة لها في التاريخ ، فمن المعروف أن الشعب الأعزل في اي بلد من البلدان يواجه أسلحة السلطات بدون سلاح ، لكن في حالة اليمن ، نحن أمام وضع غير مسبوق ، فالشباب اليمني يمتلك السلاح ، لكنه قرّر أن يواجه الطغاة بصدور عارية ، هكذا كان ميدان التغييّر بدون سلاح ، ورغم المذابح التي أقدم عليها الطاغية وكررها ، فإن هذا الشعب العظيم كان يشيّع الشهداء ومن ثم يعود ليواجه رصاص الطاغية بصدور عارية وإرادة موحدة ، لا مذهبية ، لاطائفية ، لافبلية ، لا مناطقية ، الشمال في قلب الجنوب ، والجنوب في قلب الشمال ، هكذا ، وهكذا فقط بدأت أنياب السفاح تتساقط ....
( 7 )
إنه التاريخ العربي ، إنه الحاضر العربي ، إنه المستقبل العربي ، يخطهّ جيل عربي جديد ، لاقائد له ، لارمز ، لا ُملهم ، لاأحزاب ، لا تنظيمات ، يُبدع أساليبه وأدواته ، فيوليّ الطغاة الأدبار ، وينتزع الشعب الحرية ، يفرز من ميادين التحرير مؤسساته ، وأحزابه ، إنه الشباب العربي ، من عيون موسى في الخليج العربي ، إلى عيون الصحراء على ساحل المحيط ، ومن جوبة في الجنوب العربي إلى الاسكندرونة في شماله ، ومن الأحواز في مشرقه إلى الرأس الأبيض في مغربه ، فقد قرّر ، وأراد ، قرّر استلام راية الأمانة العامة للقومية العربية ، وقرّرأن يرفع رايتها ، يمنحها المهج ، والأرواح ، والدماء
إنه الشباب العربي الأمين ، الأمين على القومية العربية ، على الهوية العربية ، على الرسالة الحضارية للأمة العربية ، ينفض الغبار عن الوجه الإنساني الناصع للأمة العربية ، ويلقي إلى مزابل التاريخ كل ما لحق بنا ، و بها من زيف وتخلف ، وينظفّ وجهها الجميل من كل ماراكمته عليه قرون الانحطاط والطغيان والعدوان والاستغلال ، ويُسلمّ الأمانة إلى الأجيال القادمة بعده ، مع وصية وحيدة : حذارى أن تتنازلوا عن هذه الأمانة لفرد ، أو لجماعة منكم ، أو من غيركم ، أياً كان ، أو كانت ، بعد الآن ، إنها أمانة جماعية في اعناقكم جميعاً ...
حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 04-05-2011 09:25

على بساط الثلاثاء
121

يكتبها : حبيب عيسى



من ...
ثورة الشباب العربي
إلى ...
شباب الثورة العربية







( 1 )
من الطبيعي أن يخشى الذين استنقعوا في مواقعهم على مدى عقود من مصطلح "ثورة"،لذلك نجدهم يبحثون عن مصطلحات بديلة لإطلاقها على ما يجري ، الآن ، في الوطن العربي ، فتارة يسمونها : "صرعة" ، وتارة أخرى يسمونها "حالة" ، أو "موجة" ، أو "عصابة" ، أو "دسّة" ، أو "فوضى" ، أو "فتنة" ، أو انتفاضة ، وهكذا ...
ونحن لن ندخل في مماحكة مع أحد ، وإنما سنقدّم رؤيتنا التي سنعتمدها ، ونبني عليها ، ذلك أن تعددّ الآراء نعمة ، فماذا حصل ؟ ، وماذا يحصل في الوطن العربي هذه الأيام ... ؟ .
إذا كانت الثورة هي تغيير الواقع الموضوعي من حال إلى حال مختلف ، فما هو التقييم الحقيقي للواقع الموضوعي العربي ؟ ، وهل يتغيّر على يد الشباب العربي ، هذه الأيام ، حتى يمكن أن نطلق على ما يحدثونه مصطلح "ثورة" ...؟ .
( 2 )
لقد تمكنت سلطات الطغيان والاستبداد والنهب والفساد والتبعية أن تبسط يدها على الواقع الموضوعي العربي ، منذ أكثر من أربعة عقود ، وتمكنت تلك القوى الباغية من استلاب إرادة المجتمع العربي ، وقمعه وتخويفه ونهب ثرواته وإضعاف نسيجه الاجتماعي عن طريق ضرب مفهوم المواطنة ، والنكوص إلى علاقات ما قبل المواطنة ، وإذكاء الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية والقبلية والأثنية ، ودفع الكتلة الشعبية الكبيرة إلى ما تحت خط الفقر ، بينما الإثراء الفاحش لبطانة الطغاة وخدمهم والمنافقين ، والغاية أن ينشغل المجتمع بالصراعات المفتعلة بين مكوناته ، والتي يديرها الطغاة عن طريق أجهزة أمنية مدربة ومتوحشة مطلقة الصلاحيات ، هي وحدها صاحبة القرار في سائر مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية والعسكرية ، وهي وحدها صاحبة القرار في التعامل مع المجتمع عماله وفلاحيه ومثقفيه وتجاره ومراكزه الدينية والمدنية وأحزابه ومنتدياته وجمعياته ، وهي التي تسمح ، أو لا تسمح بأي نشاط ثقافي أو سياسي أو اقتصادي أو ديني ، باختصار شديد باتت كافة مرافق الحياة وكافة مفاصل المجتمع بيد الأجهزة الأمنية ، وفي ظل هذه الأوضاع استوى الطغاة على عروشهم في اطمئنان كامل لأن المجتمع ممسوك ، ولا خوف من أحد فيه ، والخارج المنافق اطمأن على مصالحه وخفتت أصواته وأصابه الخرس عن ما يدعيه من حرصه على حقوق الإنسان والديمقراطية ...
في ظل مثل هذه الأوضاع أغلقت نظم الاستبداد الدائرة في الداخل والخارج على المجتمع ، ولم يعد من الممكن التفكير بالثورة على الطرق التقليدية ، فقد تم إغلاق الطريق أمام المؤسسات العسكرية للانقلابات العسكرية ، كما أن تغّول الأجهزة الأمنية وقمعها أدى إلى تهميش الأحزاب السياسية ، فلا العمل السري ممكن في ظل سطوة أجهزة الأمن والقمع ، ولا العمل السياسي العلني متاح بفعل ذات الأسباب والأجراءات القمعية ... بل أدى ذلك إلى إلغاء السياسة من المجتمع وإعادته إلى علاقات ماقبل المواطنة وتهديد النسيج الاجتماعي تهديداً شديداً ، ومن جهة أخرى فأن نظم الاستبداد كانت الضامن لمصالح دول الهيمنة الخارجية وشركاتها الاحتكارية ....
( 3 )
هكذا ، فأن ماقام به الشباب العربي لتغيير هذا الواقع الموضوعي الشديد التعقيد أكثر من ثورة ، وأكبر شأناً ، إنه إبداع ثوري بكل المقاييس ، فاجأ الطغاة ، وأربك قوى الهيمنة الدولية ، واستلهمته شعوب عديدة في هذ العالم تتطلع إلى الحرية ، نحن إذن أمام فعل ثوري بالغ الدلالة انطلق من تونس ، وعزل الطاغية عن مصر ، وانتشرت تداعياته إلى ليبيا واليمن ... وبين المحيط والخليج ، باختصار شديد ، لقد غيرّت تلك الثورة المزاج الشعبي العربي بين المحيط والخليج ، وقضت بضربة واحدة على الخوف والاستلاب ، وتمكن الشباب العربي بثورته ، وبالصدور العارية من قلب الطاولة على الطغاة ،وعلى الطامعين في الخارج ، وتجاوز أزمة ضعف المؤسسات الحزبية ، وحتى غيابها في أكثر الأحيان ، نعم ، لقد غيرّ الشباب العربي واقعنا ، وأعاد لجيلنا الآفل الذي كان يستعد للرحيل منكسراً مهزوماً محبطاً ، أعاد له الأمل بأن يرى الطغاة يهربون ، والغزاة يرحلون ، وأن يرى جيلاً عربياً ينعم بالحرية والعدالة والمساواة ، لا إقصاء ، ولا استئصال ...لاستئثار ولاتهميش ، ويبني مجتمعاً معافى يعيش بما يملك ويفتح الآفاق للتقدم والتحضر والنهوض والتنوير ....
وبالتالي فإن ماحدث ويحدث في الوطن العربي هو ثورة بكل المقاييس ، صحيح أنها تتعثر هنا ، أو تعترضها عوائق هناك ، لكن التغيير قد بدأ ، فالشعب أراد ، والشعب يريد ، ولا راد لإرادته ...
( 4 )
نقول ذلك بداية ، وننطلق منه إلى السؤال البالغ الحساسية : وماذا بعد ...؟ .
نعم لقد أبدع الشباب العربي ثورة غير مسبوقة في التاريخ البشري من حيث الأسلوب والأدوات والتصميم والتضحية ، لكن حدود هذه الثورة تتمثل في استعادة الشعب العربي وطنه المخطوف والمنهوب ، هنا تثور المشكلات المستجدة ، ذلك أن الشعب الذي استعاد وطنه ، وامتلك حريته يجد نفسه بدون مؤسسات حزبية سياسة قوية ، بدون مؤسسات تطرح برامج شاملة مرحلية واستراتيجية ، فالاستبداد المديد جرد المجتمع من عوامل قوته ومقدرته ، وبالتالي على المجتمع أن ينتج مؤسساته الحزبية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، فالشعب العربي يستلم وطناً منهوباً فيه من الخرائب أكثر مما فيه من البنيان ، حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية والإنسانية ، ترك الاستبداد المديد الكثير من الرضوض النفسية التي تحتاج إلى معالجة عاجلة ، وهذا يعني أن المسألة انتقلت من مرحلة الشباب الذين استعادوا الوطن ، ألى مرحلة التأسيس والتصيم للبناء على الأرض المحررة وهذه ثورة جديدة قد تكون أكثر صعوبة من الأولى ، وهذه الثورة الثانية هي التي ستحدد مكان الثورة الأولى في التاريخ ...
( 5 )
الآن ، ومن خلال المتابعة عن بعد لما يجري في كل من تونس ومصر ، حيث الساحتين المحررتين حتى الآن ، يمكن تسجيل الملاحظات التالية :
أولاً : أن الشعب العربي في كل من تونس ومصر مازال يمارس فرحه بأجواء الحرية التي افتقدها طويلاً ، ورغم ذلك بدأ السؤال : وماذا بعد ؟ ، يطرح نفسه .
ثانياً : بدأ البحث الجدي عن أطر سياسية ، وبرامج ، هناك من بدأ بترميم أحزاب كانت قد تعرضت للقمع ، وهناك من يؤسس أحزاباً جديدة ، وهناك من يبحث عن جديد ، فالثورة تجبّ ماقبلها ...
وهذا كله يمكن وضعه في سلة الإيجابيات ، المهم مواجهة الاستحقاقات المستجدة ، وأن يولي الجميع وجوههم شطر المستقبل ...
في هذا الإطار ، وفي أجواء التعدد والتنوع الذي يجب أن يحرص عليه الجميع ، سنجد أنفسنا أمام مشهد سياسي حيوي تعود فيه الإرادة الشعبية لتفرض نفسها بعد غياب ، وبالتالي فإن مستقبل أي مشروع سياسي يتوقف على مدى مقدرته على الإقناع فكراً وممارسة ...
هنا ، لابد لي من حديث خاص عن المشروع القومي العربي التقدمي النهضوي التنويري ، ذلك أن هناك همس في الوطن العربي حول غياب هذا المشروع عن الإعلان عن نفسه ، وعن برامجه وتوجهاته رغم أن كل ماجرى من المفترض أنه يصب في مصلحته ، فنحن أمام صحوة عربية بعد طول انحسار ... فلماذا هذا الغياب ؟ ، وكأن القوميون العرب التقدميون مازالوا أسرى مرحلة الانحسار والتغييب ، وكأن ماجرى لايستحق منهم مراجعة شاملة استناداً إلى معايير ثلاثة :
الأول : التزام الأهداف القومية الاستراتيجية بالسعي لإقامة دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية دون انتقاص ، أو مساومة .
ثانياً : جميع الأساليب والممارسات التي مارستها فصائل الأحزاب والحركات القومية العربية في الماضي ... خاضعة للمراجعة والنقد ، وكذلك الباب مفتوح لإبداع أساليب وأدوات مناسبة ومرنة بناء على معايير الحرية والديمقراطية الملزمة للجميع .
ثالثاً : إشهار الحزب القومي العربي "الطليعة العربية" في الأجزاء ، والالتزام ببرنامج قومي للكل العربي ، وكذلك برامج للأجزاء ، يتم من خلالها الانخراط في النشاط السياسي في الأجزاء للتعامل الإيجابي مع الواقع كما هو ...
إن هذا يتطلب تضافر كافة الجهود والتعالي على سلبيات المرحلة المنصرمة، وما خلفته من انقسامات وخلافات انقضت اسبابها ، فالثورة تجبّ ماقبلها ، من جهة ، كما أنها أحدثت واقعاً جديداً ، الموقف منه ، ومن المستقبل هو المعيار الوحيد ... وهذا يتطلب مساهمة كل قادر في أي مجال من المجالات ، ثم ، ليتم اعتماد الأسلوب الديمقراطي ، فيتم عرض جميع المساهمات ، ووضع البرامج والأسس ، بالأسلوب الديمقراطي ...
وفي هذا المجال ، فإنني كنت ، وعلى مدى عام كامل تقريباً ، قد عرضت "على بساط الثلاثاء"في الحلقات من \20\ إلى \54\ "البيان في التأسيس للبنيان" وكانت الحلقة الأخيرة منه تحمل عنوان "العقد" اعتقدت أنه يصلح كمشروع عقد قومي للطليعة العربية ، وأتبعته بمشروع عقد للطليعة العربية في سورية كنموذج ، فيما لو كان ذلك ممكناً بعد صدور قانون للأحزاب ، و بهذه المناسبة أضع المشروعين بتصرف الشباب العربي علهم يجدون فيهما مايفيد ....أوعلى الأقل يحفذهّم لإبداع جديد ...
حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 04-19-2011 08:29

على بساط الثلاثاء
123


يكتبها : حبيب عيسى

ثورة في الديار العربية :
سورية بين الاصلاح ، والتغيير !







( 1 )
أعترف ابتداء أن القلق يستبد بي إلى درجة الاضطراب ، وقد كنت طيلة العقود التي استهلكت ما مضى من عمري ، أواجه مثل تلك الحالة بالصمت إلى أن أستعيد السكينة ، ذلك أن الحديث يصدر عن ذات مضطربة لابد أن يناله شيء من الاضطراب ، لكنني أجد ذاتي هذه المرة ، وقد تمردت على تلك القاعدة تيمناً بثورة الشباب العربي في الوطن العربي ، وتمردهم هذه الأيام ، ربما ، واعترافاً بأن الصمت لم يعد خياراً ، فالعمر يمضي إلى خواتيمه ، وبالتالي لم يعد أمامك أيها العجوز إلا أن تقول كلمتك ، وتمضي ...!
( 2 )
ولعل مصدر القلق ، رغم النشوة بمشهد الثوار العرب بين المحيط الذي يعصف هادراً ، والخليج الذي يصرخ ثائراً ، ينبع من مصادر فرعية ثلاثة ، مترابطة موضوعياً ، على ما بينها من تباين ظاهري ، ومصادر القلق ، تلك ، هي :
أولاً : مصدر قلق قادم من خارج الوطن العربي .
ثانياً : مصدر قلق آخر نابع من نظم الاستبداد ، وعقابيلها التخريبية .
ثالثاً : مصدر قلق ذاتي كامن في بنيان الثورة العربية الشبابية الوليدة يهدد استمراريتها وتصاعدها باتجاه الأهداف الاستراتيجية للأمة العربية في النهوض والتنوير والتحرر والتوحيد والتنمية والتقدم .
هكذا نلاحظ أن المصدرين الأول والثاني للقلق ينبعان من خارج الثورة ، بل بمواجهتها ، ولا يملك الثوار القرار فيهما ، كل ما يستطيعونه هو ضرورة التبصر فيهما لتجنب الأفخاخ ، والمطبات ، والغدر ، والفتن ، وحتى العدوان المباشر من قبل أحدهما أو من كليهما معاً ، أما المصدر الثالث للقلق فهو مصدر ذاتي نابع من ضعف بنية الثورة ، وعفوية تنظيمها الناجم عن سنوات مديدة من القمع والاستبداد التي أدت إلى إضعاف النسيج الاجتماعي في المجتمع العربي بحيث تمكنت أجهزة القمع من القبض على عنق المجتمع ، وتفريغه من كافة مؤسساته البنيوية السياسية والاجتماعية والثقافية والنكوص به إلى علاقات ما قبل المواطنة ، بحيث يكون البديل لقبضة الأجهزة الأمنية هو اضطراب المجتمع ذاته ، فيفتك ببعضه ببعضاً ، ويقع في فوضى الفتن والاقتتال ، بينما يفلت الطغاة والقتلة من العقاب ويلحقون بثرواتهم التي نهبوها من الوطن .
لكن هذا القلق والاضطراب الذاتي لا يقلل على الإطلاق من القيم النبيلة التي تزهر في حياتنا هذه الأيام يغرسها ثوار يتمتعون بمواصفات من الجودة لم يشهدها العالم من قبل ، نحن إذن ننطلق من قيم الثورة ، ونحاول الكتابة على هوامش دفاترها ، أما متن النص فيكتبه الثوار الشباب بدمائهم الذكية ، والذين توهموّا أن ما يحدث في الوطن العربي هذه الأيام مجرد صرعة ، يلاقون مصيرهم ، فمنهم من صرعته الثورة ، ومنهم من ينتظر ... فماذا عن مصادر القلق تلك ؟ .
( 3 )
أولاً : عن المصدر الأول للقلق والاضطراب المتمثل بعلاقة الداخل العربي بالخارج الدولي لابد أولاً من التحديد أننا نقصد بالخارج هنا : سلطات وحكومات وأجهزة مخابرات وتكتلات الاحتكارات الاقتصادية المتوحشة في تغولها والمؤسسات العسكرية وتجار الأسلحة ، ذلك أن تلك القوى صاحبة النفوذ الطاغي في بلدانها ، وفي العالم على تنوع شبكاتها الاخطبوطية ، تستند في تضخم ثرواتها على مصالح مصيرية بالنسبة إليها في الوطن العربي ، إلى الدرجة التي أعلنت فيها بعض تلك الجهات أن تلك المصالح توازي ما يسمونه "الأمن القومي لبلدانهم" ، يستدعي تهديدها تحريك الجيوش والأساطيل والطائرات المقاتلة ، وبما أن هذا الموضوع ، بهذه الأهمية ، وبما أن ممارسات تلك القوى الخارجية وعلاقاتها بقوى الداخل ، سلطات ومعارضات يكتنفها الكثير من الغموض والشكوك ، فإن الموقف المفترض اتخاذه من قبل قوى النهوض والتحرر والاستقلال والثورة في الوطن العربي بقي ملتبساً بسبب الجهل بمرامي وأهداف وأساليب قوى الهيمنة الخارجية ، وبسبب الشكوك في مدى مقدرة تلك القوى على الفعل في الواقع العربي ومدى مقدرتها على تقرير ما يجب وما لا يجب أن يكون عليه الأمر في الوطن العربي ، وقد تراوح الموقف من الخارج بين من اعتبر أن الخارج لا تأثير له إطلاقاً ، وأن الصراع داخلي محض ، وبين من اعتبر أن كل ما يجري في الداخل العربي هو بفعل وانعكاس لما يريده الخارج ، وأن القوى الفاعلة أو المسموح لها بالفعل في الداخل العربي هي مجرد دمى يحركها الخارج ، وربما كان الموقف الصحيح كامن في منزلة بين المنزلتين ، فلا الخارج قادر على تحقيق مصالحه بدون القوى الخادمة في الداخل العربي ، ولا القوى الطاغية المسيطرة المستبدة في الداخل العربي قادرة على ممارسة طغيانها بدون الارتباط بقوى الهيمنة الدولية ، ويمكن رصد علاقة الداخل العربي بالخارج المهيمن خلال المراحل التاريخية من بدايات القرن التاسع عشر ، وحتى الآن بالمراحل التالية :
1 – مرحلة الصراع بين الغرب الاستعماري والسلطنة العثمانية حيث كان الوطن العربي بالكامل تقريباً تحت السيطرة المباشرة للاستعمار من قبل القوتين الخارجيتين .
2 – مرحلة التفرد الاستعماري الأوربي بالسيطرة على الوطن العربي بعد الحرب الأوربية العالمية الأولى .
3 – مرحلة المعاهدات والصفقات بين القوى الاستعمارية ذاتها ، وبينها وبين بعض الدول الإقليمية المجاورة لاقتسام الوطن العربي وتقسيمه واقتطاع بعض الأجزاء لتقديمها ترضية لدول الجوار وأخرى لتركيب مستعمرات صهيونية عليها ، وهكذا .
4 – مرحلة تصنيع "دول فعلية" في الوطن العربي تخدمّ المصالح الاستعمارية ، فتلك "الدول الفعلية" لا تمثل أقاليم عربية بالمعنى الجغرافي ، ولا تمثل هوية الجيوش الاستعمارية المحتلة ، فلم يقيم الانكليز مثلاً دولة واحدة على الأرض العربية التي يحتلونها ، ولم يقيم الفرنسيون دولة واحدة على الأرض العربية التي يحتلونها ، وإنما قسمّت تلك القوى الاستعمارية حتى نصيبها من الوطن العربي إلى أكثر من 22 دولة فعلية ومستعمرات صهيونية وأجزاء أخرى تم منحها إلى دول الجوار لا يعرف عربي واحد ما هي معايير هذا التقسيم ، ولماذا هذه المدينة في تلك الدولة ، أو جزء منها في دولة أخرى ؟ .
5 – مرحلة إشهار استقلال تلك "الدول" ومنحها "الشرعية الدولية" والاعتراف بها ، وبالسلطات الحاكمة فيها ومنحها مقاعد في الهيئة العامة للأمم المتحدة وانسحاب الجيوش الاستعمارية .
6 – مرحلة الرعاية الخارجية لتلك السلطات ومحاصرة المتمردين على التبعية للخارج سواء من الحكام أو من الشعب ، تلك العلاقة التي استقرت أخيراً منذ نصف قرن تقريباً على عقود مقاولة بين الخارج المنوه عنه وبين الحكام الطغاة وخلاصتها : للطغاة السلطة المطلقة في الداخل ، وللخارج مصالحه مصانة بالمطلق في هذا الداخل ، وبموجب تلك العقود استقر الطغاة على عروشهم طيلة نصف قرن تقريباً ، واستقرت مصالح الخارج يحرسها الطغاة أنفسهم .
7 – مع بزوغ فجر الثورة العربية مؤخراً من تونس بدأ الخارج يضطرب ويخشى على مصالحه ، وقد أعطى للطاغية هناك كل الوقت للقضاء على الثورة في مهدها قبل أن يعلن موقفاً ، وعندما بات من المؤكد أن الثورة تتجه للإطاحة بالطاغية بدأ الخارج يمزق عقد المقاولة مع الطاغية بن علي ، ثم مع الطغاة الآخرين ، ويبحث عن حماية مصالحه المهددة في مكان آخر ، ثم استنفر الخارج كل أبواقه الدبلوماسية والإعلامية لتوجيه النصائح لمن تبقى من الطغاة الآخرين كي يصلحوا أنظمتهم قبل أن تجتاحهم جحافل الثورة العربية ، لكن الطغاة ، وللمرة الأولى في تاريخهم الدامي يتبرمّون من نصائح الخارج ، ويندبون معاتبين من تخليه عنهم ، ويهددون الخارج بأن مصالح الخارج مرتبطة بعروش الحكام ، وأن تلك المصالح ستتهدد بتهديد تلك العروش ، بل ويعتبرون نصائح الخارج تدخلاً في شؤونهم الداخلية ونقضاً لعقود المقاولة ، ويصل الأمر بالبعض من الطغاة إلى درجة استعادة الذاكرة والإحساس من جديد بالسيادة الوطنية التي كانوا قد تجاهلوها لعقود طويلة ، ثم يتبارى الطغاة بإعلان البراءة من بن علي وإنهم ليسوا تونس ، فهذا وزير خارجية مبارك يسخر من السؤال عن الثورة في مصر على الطريقة التونسية ، ويجيب : "كلام فارغ" ، وهذا القذافي يصرخ بعد سقوط مبارك : أنا لست بن علي ، ولست مبارك : "أنا سلطة الجماهير" ، وإلى آخرهم بين المحيط والخليج .
باختصار شديد نقول أن الجماهير العربية المستلبة الإرادة والقرار والحرية كانت تنظر إلى الطغاة على أنهم من صنيعة الخارج ، وأن الشعب العربي من المحيط إلى الخليج هو ضحية مؤامرة دولية ، ومع تغول القمع ، وتدمير النسيج الاجتماعي ، وضرب البنى الحزبية السياسية ، واحتكار القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي كان الشعب يضطر لهجر السياسة تجنباً للمخاطر ، مما أدى إلى حالة من الاستلاب والتسليم ، فالخارج الذي نصبّ الطغاة هو المعني بتغييرهم ، وعندما بدأت إرهاصات الثورة من تونس وبدأ الخارج يتخلى عن الطغاة ارتفعت أصوات الطغاة بأن تلك الثورة مؤامرة من الخارج على عروشهم ، وأن الثورة العربية الراهنة مؤامرة يحركها المندسون من الخارج .
نحن نقول أن هذه الثورة العربية المباركة ولدت مجبولة بجينات جيل عربي جديد فتح عيونه على آباء وأمهات مذعورين من بطش أجهزة قمع متوحشة ، يحذروّن الأبناء من رفع أصواتهم ، يحذرونهم من السياسة ويدعونهم لتقديس الطاغية ، هذا الجيل العظيم لم يثور اليوم على الطغاة ، وحسب ، وإنما قبل ذلك وبعده يثور على جيلنا كله ، على هزائمه واستكانته وخوفه ، إنها الثورة على طغاة الداخل وعلى هيمنة الخارج في الوقت ذاته ، نعم نحن أمام مشهد ثورة عربية لم تكتمل بعد ، قبلها كان الصراع بين الفرقاء ، طغاة وغزاة ، على الأمة العربية ، الآن الصراع بين الأمة العربية ، وبينهم جميعاً ، وهذا بحد ذاته ثورة عظيمة ، الآن ، إذا انتصرت الثورة العربية في هذا الصراع المحتدم بين الأمة العربية من جهة ، وبين الطغاة وقوى الهيمنة الدولية من جهة أخرى ، فإن العالم بأسره سيتغير وسيكون أمام نظام عالمي جديد ، لا فيتو فيه لأحد ، ولا مكان في مقاعد الأمم المتحدة لطاغية ، أو مغتصب للسلطة في بلاده . لكن مصدر القلق نابع من أن يدور بخلد أحد من الثوار أن ذلك الخارج قد تخلى عن مصالحه ، وتاب عن نفاقه ، فهو لاشك يبحث عن بدائل لتحقيق مصالحه ، نقول ذلك ، ونحن نعرف أن الانعزال عن العالم غير ممكن ، وغير مطلوب ، فالأمة العربية في القلب من هذا العالم تؤثر وتتأثر وتتبادل المصالح لكن من موقع القرار المستقل الذي يقرر حدود المصالح للأمة وحدود مصالح الغير ، لاضرر ولا ضرار . وهذا يستدعي الكثير من الحذر خاصة في المرحلة الانتقالية الراهنة من لعبودية إلى الحرية حيث تتداخل القوى وتتصارع .
( 4 )
ثانياً : مصدر القلق الثاني نابع من طيش نظم الاستبداد في الوطن العربي التي لن تسلم بالهزيمة مما يدفعها لارتكاب العديد من الحماقات والجرائم ، هنا لن نكرر ما قلناه عنها ، ذلك أن أفعالها ، وفعائلها حاضرة ، ليس في الذهن العربي ، وحسب ، وإنما في الواقع العربي المهشم ، والذي اقتضى قيام هذه الثورة العربية الراهنة ، ولهذا سنقتصر في هذا الحديث على البحث في قضية واحدة تتعلق بما تطرحه الثورة العربية الراهنة عن النظام الإقليمي في الوطن العربي ، وعن كيفية التعامل معه ، ويمكن اختصار هذه المسألة بسؤال واحد ، هل يطالب الثوار بالإصلاح ، أم بالتغيير ؟ .
إن النظام الإقليمي في الوطن العربي على تنوع أشكاله هو نظام متهتك فردي شمولي احتكاري وبالتالي فإن إصلاحه سيؤدي إلى تغييره ، وبالتالي فإن الإصلاح الحقيقي يلتقي مع التغيير ، ولعل الافتراق بين الأسلوبين يكمن في الحامل لكل منهما ، فالحامل للأصلاح والقادر عليه هو النظام ذاته ، أو جناح إصلاحي منه يتمكن من امتلاك القرار في النظام ، ويمتلك المقدرة والإرادة على ذلك وإن كان هذا يتطلب مساهمة القوى الحية في المجتمع ، بينما الحامل للتغيير هو الثوار أنفسهم وسنترك الحديث عنه للفقرة التالية المتعلقة بالثوار أنفسهم .
أما عن الإصلاح ، فقد أثبتت المراحل التي مرت بها الثورة العربية حتى الآن من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا أن هذه النظم عصية على الإصلاح لإن تلك النظم تدرك أن الإصلاح الحقيقي سيؤدي إلى التغيير البنيوي لتلك النظم ، وبالتالي من العبث أن يُطلب إليها أن تُسقط نفسها بنفسها ، وهي لذلك تلجأ إلى إطلاق أجهزتها القمعية بكل طاقاتها على الثوار ، وعندما تفشل تلجأ إلى بعض الإجراءات التجميلية وتقدمها على أنها تنازلات ، والتي غالباً ما تنتهي بالرحيل .
مصدر القلق لدينا في سورية أن يصرّ النظام على انتهاج الحل الأمني ، وعلى الإجراءات التجميلية لإنه بذلك يفاقم المشكلة ولا يساهم في حلها ، وهذا ما نخشاه فعلاً ، ذلك أن الأوضاع معقدة على مختلف الصعد ، ونعتقد أن التغيير عن طريق الإصلاح يقرره النظام يوفر على البلاد الكثير من الضحايا ويجنبها مخاطر ومطبات وأفخاخ لا حصر لها ، وحتى ننتقل بهذا الحديث من التجريد إلى الواقع الموضوعي ، فإننا نقدم رؤيتنا للإصلاح بكل شفافية وتصادق ، حيث نرى أن الإصلاح الحقيقي يمر عبر حزمة متلازمة من القرارات يتم اتخاذها وتنفيذها بالتزامن مع بعضها بعضاً ، وهي كما يلي :
1 – إطلاق كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير في الحال .
2 – تعليق العمل بدستور 1973 .
3 – إلغاء حالة الطواريء وكافة القوانين الاستثنائية .
4 – تشكيل حكومة تصريف أعمال من الخبراء والاختصاصيين .
5 – حل مجلس الشعب والمجالس المحلية .
6 – إصدار قانون انتخابات يوفر المساواة بين الناخبين وبين المرشحين وتشكيل هيئة حقوقية مستقلة للأشراف على الانتخابات في جميع مراحلها تضمن النزاهة والشفافية .
7 – إصدار قانون عصري للأحزاب .
8 – إصدار قانون للصحافة والإعلام يضمن حرية الصحافة وحرية الرأي .
9 – الدعوة لا نتخاب هيئة تأسيسية خلال ستة أشهر على الأكثر تكون مهمتها الأساسية إعداد مشروع دستور يضمن الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وعرضه على الشعب خلال ستة أشهر اعتباراً من انعقاد الجلسة الأولى للهيئة التأسيسية .
10 – دعوة الهيئات العامة للنقابات العمالية والمهنية خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر لوضع قوانين نقابية تحقق المساواة بين النقابيين ، ويتم بمقتضاها انتخاب مجالس نقابات تمثل أعضائها تمثيلاً حقيقياً .
11 – فك الارتباط بين حزب البعث العربي الاشتراكي وبين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية وإخضاعه لقانون الأحزاب على قدر المساواة مع الأحزاب الأخرى في البلاد .
12 – إلغاء كافة المنظمات التي تحتكر النشاط بين الطلاب أو القطاعات الأخرى وترك الأمر لهم بانتخاب اتحاداتهم الطلابية ديمقراطياً .
13 – حصر اختصاصات أجهزة الأمن بالقطاعات التابعة لها .
14 – إلغاء المحاكم الاستثنائية .
15 – إلغاء القانون "49" تاريخ : 8\7\1980 الخاص بالأخوان المسلمين.
16- إلغاء القانون "53" تاريخ : 8\4\1979 الخاص بأمن حزب البعث العربي الاشتراكي .
17 - تشكيل لجنة للأنصاف والعدالة للكشف عن مصير المفقودين وتسوية أوضاعهم .
18 – إلغاء قرارات منع السفر وضمان حرية التنقل للمواطنين .
19 – السماح بعودة المواطنين المبعدين ومنحهم جوازات سفر .
20 – إلغاء الأحكام الصادرة على سجناء الرأي من السجلات العدلية واسترداد حقوقهم المدنية .
إننا نقترح هذه الحزمة من الإصلاحات ، ونعتقد أن السير بها قد يخففّ الكثير من القلق الذي يضغط على أعصابنا هذه الأيام .
( 5 )
ثالثاً : أما المصدر الثالث للقلق الذي ينتابنا ، فيتعلق ببنيان الثورة ، ذلك أن الاستبداد المديد في الوطن العربي هشمّ النسيج الاجتماعي العربي بهدف إغلاق كل الطرق إلى التغييّر ، وإذا كنا نسجل للثوار مقدرتهم الإبداعية على اختراق ما كان يبدو مستحيلاً ، فإن مصدر القلق نابع من أن الثورة مفروض عليها أن تحقق التغييّر ، وأن تواجه استحقاقاته قبل أن تبني مؤسساتها البديلة ، وتحدد مساراتها الاستراتيجية ، لقد حسمت الثورة موقفها وواجهت وتواجه كل ماترفض وجوده وتنتزع الحرية انتزاعاً لكنها تجد نفسها بمواجهة استحقاقات ومطبات خلفتها سنوات القهر والتخلف والنهب والفساد حيث المجتمع فاقد لمؤسساته السياسية ، أو بمؤسسات هرمة في أحسن الأحوال ، بينما الثورة لم تنجز بناء مؤسساتها البديلة ، وهذا يرتب على الثوار مسؤوليات جسيمة في إزالة التشوهات ، وإدراك المخاطر ، وإحياء المجتمع لإفراز مؤسساته وتعزيز معايير المواطنة ورفع الصوت عالياً بقيم الحرية والعدالة والمساواة واستنفار القوى الحية للبناء ، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية برفع كافة القيود عن حرية المواطن ، ووقف كافة الانتهاكات لحقوقه الأساسية ، وإزالة كافة المظاهر ، والإجراءات الاستثنائية التي أدت إلى منح امتيازات لمن لا يستحق ، وتهميش المواطنين ، وحرمانهم من حقوق يستحقونها كبشر ، ونحن ، هنا ، لسنا في وارد المحاسبة عما مضى ، فالأمر جلل ، فقط نريد القول أن هذا الشعب العظيم احتمل من المظالم ما لا يُحتمل ، ورغم ذلك لم يخطر له الانتقام ، ولم يفكر فيه ، لأنه يحمل الروح النبيلة لتاريخ حضاري هائل ، فقد كان ، وما يزال ، في أحلك الظروف ، وفي ظل أقسى الانتهاكات لحقوقه الأساسية يمد يده بالدعوة إلى الكلمة السواء ، لكن للأسف الشديد توهّم البعض أن هذا ضعف من الشعب ، وأنه بقدر ما تتغّول عليه الأجهزة بالقمع ، بقدر ما يستكين أكثر ، الآن ، بالضبط الآن ، وليس غداً ، يجب أن يفهم من لم يفهم حتى الآن ، أن هذا الشعب العظيم لم يكن ضعيفاً ، ولم يكن مستكيناً في يوم من الأيام ، لكنه كان صابراً إدراكاً منه للمخاطر التي تحيق بالنسيج الاجتماعي الوطني نتيجة ظروف بالغة التعقيد نالت من المفهوم الحقوقي للمواطنة ، ولم يفهم البعض أن لهذا الصبر حدوداً ، وأن كافة المبادرات لتصويب المسارات الوطنية بإلغاء الامتيازات ، بوضع حد للإقصاء والتهميش والفساد والإفساد ، بإعادة تصويب نظام عام دستوري وقانوني يحقق المساواة والعدالة وتداول السلطة والفصل بين السلطات ...كان يجب أن يُستمع لها بالجدية التي تستحقها ، الآن ، ومن منطلق الحرص الشديد على الوحدة الوطنية ، ولوضع حد لأي تدخل خارجي ، يرتفع النداء بالتمسك بالمواطنة ، وبالتكافل الاجتماعي بين جميع مكونات الوطن ، وبالتصدي لكافة الدعوات للتفرقة بين المواطنين ، ورفض مبرراتها ، وبعدم الانسياق وراء ردود الأفعال ، فبذلك ، وبذلك فقط تتحقق الأهداف النبيلة ، فإما أن ينهض الوطن بجميع مواطنيه ، وإما أن ينهزم بكل مواطنيه ، لا حلول جزئية ، ولا مطالب فئوية في هذه المرحلة ، ولا انتصار لفئة بهزيمة أخرى ، إن مقدرة المواطنين على تجاوز هذا المطب ، هو الشرط الأساس للنهوض الوطني المنشود .
إن الوطن يجتاز مرحلة بالغة الدقة ، وأن كل مواطن ، أياً كان موقعه ، يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية تحدد مستقبل الوطن والأجيال القادمة ، فليسعى الجميع كي يتم اجتيازها ، بأقل الخسائر ، وليسترجع الجميع روح التاريخ الحضاري لشعبنا ، فنجنب أنفسنا والأبناء والأحفاد مخاطر الفتن والفوضى والصراعات الدامية . وتتضافر كل الجهود لبناء وطن شامخ قوي ينعم فيه المواطنين بالأمن والمساواة والعدالة تصان فيه حقوقهم كاملة ، وتنفتح الأبواب أمامهم للتقدم والتطور الذي يستحقون .
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.c0m

سليم حجار 05-03-2011 09:10

على بســاط الثلاثــاء
124
يكتبها : حبيب عيسى

المأساة في التاريخ العربي
مسيرة جنائزية …





عندما يضيق الأفق ، وتتلبد سماء الوطن بدخان الحرائق ، وتصّم الآذان أصوات القذائف ، تتدخل الذاكرة لتحملك إلى المقدمات والمسببات التي أدت إلى ما أنت عليه ، فهل هذا هروب إلى الماضي ؟ ، أم بحث في أسباب المحنة وتداعياتها ؟ ، يجوز الوجهان كما يقول النحاة ، الأمر يتوقف على الموقف مما يجري ، بعد قراءة ماجرى ...

( 1 )
لقد شهد عقد الستينات من القرن العشرين المنصرم محاولات فكرية جادة لمواكبة مشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي التقدمي ، بعد أن انكشف المشروع بانفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة 1961 ، ثم بهزيمة 1967 ، وظهرت الضرورة الملحة للمراجعة الفكرية والتنظيمية والبنيوية ، وتعددت المسارات في هذا الاتجاه ، البعض استنجد بالماضي ، واكتفى بالنقل التراثي ليفلسف فتن الحاضر ويبررها بفتن الماضي ، وُغيّب العقل تماماً ، والبعض الآخر تجاهل التاريخ العربي واستنجد بالنقل المترجم من الخارج كوسيلة وحيدة للحاق بركب التقدم ، وُغيّب العقل أيضاً ، ونهائياً ، والبعض الثالث أهمل هؤلاء وأولئك ، وانخرط في الممارسة النضالية الواقعية معتمداً على التجريب والتضحية والانخراط في معارك الواقع بالأدوات المتاحة ، وُغيبّ العقل الاستراتيجي ثالثاً ، لكن هناك مسار آخر انتهجه فريق مختلف ، فتح دفاتر التاريخ ، ودققّ في التراث العربي وأعمل العقل ، لكنه ، وفي الوقت ذاته تعمّق في البحث والتمحيص في التراث الإنساني الشامل ، وبحث أيضاً في تجارب الحاضر العربي منقباً عن العوامل الايجابية ، وعن العوامل السلبية والمعيقة للتطور والنهوض ، هنا تصادفنا اجتهادات وإبداعات فكرية عملاقة تنوعت مناهجها واتجاهاتها ، لكن هناك سياق واحد يجمعها هو إعمال العقل في سائر القضايا والأفكار والإيديولوجيات المطروحة تمحيصاً وإبداعاً واجتهاداًً ابتداء من " منهج جدل الإنسان " الذي أبدعه عصمت سيف الدولة ، إلى المنهج التاريخي الذي اعتمده نديم بيطار ، إلى البيان الذي حققه عبد الله الريماوي ، إلى أسماء أخرى واكبت وتلت تلك المسيرة النضالية ، فبناء النموذج الحضاري العربي المعاصر في الوطن العربي ، والذي طال انتظاره ، تم تناوله من أوجه متعددة لكن الحديث فيه يبقى ملحاً ومشروعاً ومشرعاً كون هذا البناء لم يتحقق بعد في الواقع .. وإلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يرتفع فيه بناء الحضارة العربية المعاصرة على أنقاض التجزئة والتخلف والاستغلال والاستبداد والاحتلال ... سيبقى شباب الأمة العربية وشيوخها المخلصين مشغولين بهذا البنيان كيف يقوم ..؟ ، ما هي أسسه ..؟ ، ملامحه ..؟ ، العقبات التي تعترضه ..؟ ، ثم كيف يتحقق هذا كله في الواقع العربي المأزوم ..؟ ، وما هي إمكانيات انتصاره ، وتجاوز العثرات ..؟ ، الاختلاف في الإجابات لا يفسد للود قضية ، لكن الهروب من الإجابة يفاقم المشكلات ، ويعّقد الحلول ...
فتيار النهوض والتنوير العربي القومي والتقدمي عانى من الهزائم ما فيه الكفاية ، ودفع دماء غزيرة على طريق التجريب ، وحسن النوايا ، والشعارات الكبيرة التي تخفي أساليب عاجزة عن التعامل مع الواقع ومشكلاته ، أدخلته في نفق الانحسار والهزائم .. فتم النكوص عن التقدم تحت شعار أنه " لا جديد تحت الشمس " وأنه لا حاجة إلى الإبداع الفكري الجديد فكل إبداع برأيهم ابتداع ، وأن التراث العربي حسب رأي بعضهم ، والتراث العالمي حسب رأي بعضهم الآخر يضم كل ما نحتاجه ، وما علينا إلا الالتزام بتلك المدارس الفكرية التي يدعون إليها وأنه لا حاجة بنا إلى الاجتهاد ولا إلى البحث العلمي المعاصر ولا إلى دراسة ظروف أمتنا التي تعقدّت الأمور فيها .. فكل تساؤل أو اختلاف أو إبداع هو تجذيف أو تحريف أو ردة ، وقد بذلت جماعات هذا الاتجاه بتناقضاتها وبالاتهامات الحارة التي يوجهها كل فريق إلى الفريق الآخر ... جهوداً مضنية لنبش التراث العربي وملائمته مع ما تريده بعض تلك الجماعات ، بينما بذلت جماعات أخرى جهوداً مضنية باتجاه آخر لترجمة ما يخدم الخط الذي تتبناه من التراث العالمي ، واغرقوا المكتبات بتلك المؤلفات وبدا المزاد فيما بينهم على الجماهير العربية وبالطبع لم يخل المزاد من عمليات التزوير والتلفيق والرشوة والاتفاقيات السرية بين أصحاب المزاد أنفسهم .. فانفضّت الجماهير العربية عن هذا المزاد بعد أن خسرت أعداداً هائلة من الضحايا المجانييّن ، وفقد مشروع النهوض والتنوير التقدمي العربي حاضنته الجماهيرية ، أو انصرف المجتمع عن السياسة كما يقولون .
( 2 )
وللأمانة فإن تلك المجموعات رغم سلبياتها كلها ، فإن لها حسنة إيجابية واحدة سيبقى تيار التقدم العربي يذكره لها ، وهي أنها أغنت المكتبة العربية بمؤلفات هامة عن التراث الإنساني العالمي ، وعن بعض جوانب التراث العربي القديم ، أتاحت وستتيح في المستقبل لتيار النهوض العربي أن يدرس ويحلل ويستوعب التراث الإنساني بما فيه العربي وهو يحاول التقدم بمجتمعه وبناء حضارته الجديدة ، فالانعزال غير ممكن في هذا العصر ولا يضير هذه المؤلفات أن تقديمها تم بطرقة استفزازية أو أن البعض قد حاول اعتناقها كمذاهب لاهوتية عوضاً عن أن تكون مجرد مصادر للمعرفة والثقافة واستخلاص الدروس واستيعاب التطور التاريخي للعلوم الإنسانية .. نقول أن ذلك كله لا يضيرها لأن العقل المنهجي يستطيع اكتشاف الحقائق العلمية والأصالة التاريخية بنفس القدرة التي يستطيع من خلالها اكتشاف الزيف والتزوير والتضليل ...
لقد أدى ذلك كله إلى بلورة مشاريع فكرية أصيلة عالجت الظروف الموضوعية بالغة التعقيد في الوطن العربي بالإضافة إلى إدراك إصرار قوى الهيمنة الأجنبية على استمرار تدخلها في التوجهات السياسية والفكرية والحضارية للشعب العربي ، وذلك بسبب ضخامة المصالح الأجنبية في الوطن العربي ، وخلصت تلك المشاريع الأصيلة إلى أن الأفكار والأساليب السائدة لن تستطيع تغييّر هذا الواقع الموضوعي العربي المعقد والتقدم به ، لذلك لابد من استيعاب التراث الإنساني والعربي ودراسة الواقع العربي بظروفه وواقعه المعقد ، ثم التعامل من خلال ذلك كله مع الواقع العربي كما هو ومن ثم التقدم إلى ما يجب أن يكون ، فظروف التخلف والتجزئة لن تتغيّر لصالح الجماهير العربية إلا إذا تقدمت تلك الجماهير لتغييرها .
لقد قدمت تجربة أولئك الرواد رغم حملات الحصار والتهويل التي تعرضّوا لها نتائج إيجابية لحل أزمة الفكر العربي المعاصر وتفاوتت محاولات هؤلاء بين العمل على بناء إيديولوجية عربية متماسكة منهجياً ، وبين مجرد نقد الأوضاع الراهنة وتعرية الأفكار السائدة ، ونحن هنا سنلقي الضوء على محاولة فكرية ظهرت في أواخر عقد الستينات من القرن المنصرم لم يتم الانتباه إليها تحت عنوان " نحو حضارة جديدة " حيث حاول أحمد حيدر أن يطرح المشكلة ويناقش ممارسات التيارات السائدة وفشلها في تقديم حل موضوعي ويهتدي من خلال البحث العلمي إلى أن الإنسان الإيجابي ، إنسان القضية هو المسؤول عن تحدي الظروف ، وبناء نموذج الحضارة القومي التقدمي .
"الديالكتيك" في رأي احمد حيدر سمة من سمات العصر ، وليس من الضروري أن يشمل العالم كله حتى يعتبر كذلك ، فما من فلسفة شملت العالم كله ، و"الديالكتيك" كما يقول حيدر كأغلب المفاهيم الفلسفية بدأ مع الأغريق ، ليس في مرحلة ازدهار الفلسفة اليونانية مرحلة سقراط وأفلاطون وأرسطو ، بل قبل ذلك في مرحلة الطبيعيين ، ومع هيراقليط بالذات ، فقد قال هيراقليط بالتغيير والصراع ، وهما المقولتان الأساسيتان في "الديالكتيك" ، وهذا ما يعرف بالتقريب بينه وبين هيجل ، وقد شهدت الفلسفة الحديثة محاولات توفيقية لإيجاد العلاقة بين شطري الانفجار : الفكر والامتداد ، وقدّم كل فيلسوف نظرية في المعرفة ، واستنبط منها نظرية في الأخلاق ، وقد ساهموا جميعاً في تغييّر العالم ، ولو أن ماركس قال : أن وسيلته أنجع من وسائل السابقين لاعتماده على المظلومين لكان قد عبر عن أصالته الخاصة على نحو أفضل .. ويأخذ حيدر على هيجل نزعة استسلام وإذعان لحكم القدر ، وهذا طبيعي مادام كل شيء من فعل الروح التي تتسع حكمتها إلى كل شيء ، لكن وبعد كل انتقاد يبقى هيجل شامخاً في تاريخ الفلسفة ، وعلى مفترق دروب عصرنا ، ولا يضيع منه سوى المذهب ، أما الحدوس التي التقطها فستبقى ، ويبقى على عصرنا أن يعالجها على نحو جديد .
( 3 )
ثم يعرّج أحمد حيدر على فلسفة ماركس والماركسية كنظرية سياسية بالإضافة إلى كونها نظرية فلسفية ، وهذا يجعل منها سلاحاً ذو حدين يمكنهّا من الدفاع عن نفسها دون حاجة اللجوء إلى المنطق ، فكثير من الماركسيين يكتفون من النقاش بتصنيف كل ذي حس نقدي في صف المعادين للثورة دونما حاجة إلى أية حجة ، وبالفعل إذا كان الهجوم على الماركسية من جانب المستعمرين وأعداء الاشتراكية ، فإنه يصح هذا الموقف الحاد الذي يقفه الماركسيون " التصنيف وإصدار الحكم السريع " ، ولكن عندما ينطلق هذا الموقف من الاشتراكية بصفتها نظاماً إنسانياً ، لا غنى عنه ، محاولاً تصحيح النظرية بنوع من النقد الذاتي ، فإن مثل هذا النقد الذاتي مع المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي يمكننا أن نستمد تبريره من الرفاق المتزمتين أنفسهم بالإضافة إلى أن الاستعمار ذاته يعمل على زرع نوع من الماركسية الميكانيكية في العالم المتخلف ، ماركسية مبتذلة تتناسب مع الأذهان الكلية ، وتعفي الإرادات من عبء العمل والمسؤولية وبذلك تلهي الشعوب عن قضاياها وقد تمكنت الستالينية من تحويل الماركسية إلى عقيدة جاهزة يغيب فيها دور الإنسان ومبادرة الجماهير وبذلك ترجع الماركسية إلى العقائد الجاهزة ، وهي عدوة الاجتهاد الشعبي ، وقديماً قام الكهنة بدور الحجر على العقل بطريقة لبقة أحياناً لذلك كان لهم السلطان على الدولة نفسها ، وللأسف فقد ارتضت الماركسية كسياسة انحرافات تأباها وتنكرها كفلسفة ، فالعقيدة التي كانت تعلن الحقيقة بصراحة وقسوة ما كان لها أن تبتلى بالأكاذيب وما كان للعقيدة التي تعلن نهاية الظلم أن ُتستخدم لتبرير أقسى المظالم التي شهدها التاريخ ، وقد شهد الربع قرن الستاليني الذي احتجبت به الأصالة الماركسية النقدية والعلمية ، ليقوم مقامها تصور للعالم وللمعرفة أصبح معتقدياً ولاهوتياً ، فكان هذا الربع قرن باهظ التكاليف ، فالعدوان على الديمقراطية في الحزب وفي الدولة ينشأ بالضرورة من هذا التصور اللاهوتي للعالم وللتطور التاريخي وللفكر البشري ، كما أن لينين كان قد وضع الدولة وصية على الجماهير عندما قال : " ما يتصوره هذا العالم أو ذاك ، أو حتى البرولتياريا كلها ، أنها الهدف ... شيء لا قيمة له .."
هكذا يرجع الإنسان في مجرى التاريخ أداة كما كان في الهيغلية ويصبح الخلاف بين النظامين "الاشتراكي والرأسمالي" على طبيعة القوى المحركة فقط أما دور الإنسان فمحذوف من كليهما ، أو هو عرض ظاهر على سطح الأحداث ، ولا يغيّر من الأمر أن أنجلز يعتبر أن الجماهير هي القوى المحركة ، فقد رأينا أن الطبيعة والمجتمع يسودهما وضع واحد .
( 4 )
فالتاريخ في نظر الماركسية يبدو حواراً بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج المنبثقة عنها .. فالبشر في نظر ماركس لا يصنعون تاريخهم بشكل واع ، إذ أن كافة مظاهر هذا التاريخ تنبثق انبثاقاً مباشراً عن سلوكهم المادي ، ولا قيمة للصور التي تمر في وعيهم عن هذا التاريخ ، وتحرص النصوص الماركسية كثيراً على تعبير " باستقلال عن إرادتهم .. لا قيمة لأهدافهم المنشودة ...إلخ " فكأن البشر لا يفعلون سوى أن يستعملوا أدوات الإنتاج التي تتطور ، وتتولى نيابة عنهم صنع تاريخهم بكافة مظاهره ، فالبشر ماركسياً يصنعون تاريخهم دون أي قصد واع منهم ... ويقول أحمد حيدر : إن "الديالكتيك" هو حوار الذات والموضوع ، وليس حوار قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ، ثم أن الديالكتيك مغامرة دائمة لا يستطيع المذهب أن يقدم لها أي ضمان ، أما في الماركسية ، فالتاريخ محكوم بالمذهب الذي يبدو ضماناً كلياً .. !
إن إعطاء الأولوية للعمل على المعرفة يجعل المذهب منجرفاً منذ البداية نحو السلطة السياسية ، وهيمنة الدولة ، والخلفاء ليسوا منحرفين ، ولكنهم امتداد طبيعي للمذهب ، ويصف أحمد حيدر الماركسية بأنها تعاني من أزمة نظرية حادة ، ولكن الدول الماركسية في نمو متزايد ( 1969 ) فهل يعني هذا أن الدول قد تجاوزت المذهب ...؟
فالماركسية لا تسمح بعودة الإنسان إلا إذا تنكرت لنفسها ، إن الماركسية لا تملك إمكانية التجدد إلا إذا حطمّت هيكلها القديم ، ثم عمدت إلى بعض مفاهيمه المبعثرة ، وأعادت صياغتها من جديد ، وهذا ما لن يحدث من داخل الماركسية ...
ثم ينتقل حيدر من دراسة الديالكتيك الموضوعي ممثلاً في هيجل وماركس إلى دراسة الديالكتيك الذاتي .. الذي وجد تعبيره في الصوفية قديماً .. وفي الوجودية حديثاً ..
فالتصوف هو أن يتخلص الإنسان من عنصره الخسيس ليلتقي بذاته الحقيقي ، وذلك بأن يتبدل عبر سياق ديالكتيكي جوهره : المعاناة ، والتوتر ، فليس التصوف صدعاً بين الأنا والعالم ، إنه السيطرة على الحياة بالسيطرة على ذواتنا ...
أما الوجودية : فهي جزء من شعور عام معاصر لنا .. قوامه الشعور بالافتقار إلى الماهية ..
ثم ينتقل حيدر إلى مقارنة ، ومناقشة ما يسميه الديالكتيك الذاتي بالديالكتيك الموضوعي فيقول : إن الوجودية حركة حائرة لا تملك انسجام الصوفي مع نفسه الذي أودع ماهيته خارج العالم ، فتخلى عن هذا العالم جملة وتفصيلاً ، ولا تملك أيضاً انغماس الماركسي في حياة المجتمع من أجل تغييّره ، لكنها تكون أكثر انسجاماً مع نفسها إذا قبعت مع الذاتية ، فلم تحاول الخروج منها لأن الوجود الحق في نظرها هو الذاتية ، لقد عانى سارتر شعوراً بالنقص أمام الماركسية التي لا تفتأ تناوشه وتنتصر عليه كلما تصدى للسياسة ، لأن مواقفه الاجتماعية والسياسية ليست سوى مواقف انتقائية غير منسجمة مع معارفه الفلسفية .
( 5 )
لقد جاءت النظرات الفلسفية إلى الوجود متعسّفة ، وحيدة الجانب تجيد وصف بعض الظواهر وتتعثر عند التعرض لسواها ، فهي تحمل في صميمها تناقضاً لا يمكن رفعه ، وبذلك تعرض نفسها للنقد من قبل مذهب جديد يزيل التناقض السابق ، ويقع في تناقض جديد نتيجة نزعة الإطلاق التي ترمي إلى تفسير كل شيء بمبدأ وحيد وبذلك يفسح المجال لمذهب فلسفي جديد ، وهكذا ..
فمقابل الذاتية السارترية المتطرفة ، نجد الماركسية تنتصر للعالم وتؤكد نظامه وقيامه بذاته وهي لا تفسح مجالاً للذاتية إلا بمقدار ما تعمل هذه الذاتية على السير في اتجاه التاريخ المنتظم .. إن هذه المأساة المعاصرة ليست سوى تكراراً لمأساة قديمة عاناها الفكر الإسلامي بشكل حاد تمثل في الصراع بين الفلاسفة الذين بلغوا ذروة العقلانية وعلى رأسهم ابن رشد ، وبين علماء الكلام الذين مثلهم الغزالي ، ثم تتابع هذا الصراع من خلال معاني الفلسفة الرئيسية مثل " الله ، العالم ، علاقة الله بالعالم ، الإنسان " ويعقبّ حيدر على ذلك بالقول :
إن هناك مفهومين عن الكون متقابلين ، ومتعارضين في جميع المسائل هما مفهوما الدين والفلسفة ، التعارض الأول في المعرفة بين الوحي والعقل ، والتعارض الثاني هو تقابل الله والعالم ، والتقابل الثالث هو تقابل الجواز والضرورة ، ثم التقابل بين المعرفة والعمل ..
إن القتل في الحياة البرجوازية إدانة لصاحبه ، لذلك استعاضوا عنه بالقتل المعنوي ، بتحويل الذات موضوعاً بإرجاع الذات إلى شروطها وظروفها وتفسيرها بهذه الشروط والظروف بدل تفسيرها بالقضية أو إرجاعها إلى الماضي بدل ربطها بالمستقبل ...
إن مهمة الانتهازي الذكي هي وصم كل إنسان حسن السمعة ، ذلك لأن كل من يحتفظ بشرفه هو بمثابة اتهام ، وتهديد للأنذال ، وقد ُقتل الشرفاء في مختلف العصور بهذا الدافع الخسيس ذاته ...
إن تحويل الإنسان إلى موضوع ُيفسّر بعجز البشر وسقوطهم على مستوى ذواتهم ، والخضوع لجبرية الشروط والظروف .
هكذا يعثر حيدر على طرفي الصراع :
التقابل في المعرفة هو تقابل بين عالم ضروري منتظم خاضع للقانون ملائم للحياة ، وبين شخص متفرد بذاته قانونه الوحيد هو الحرية .
التقابل في الحياة قائم بين قبول الحياة والمحافظة عليها ، وبين التضحية بها من أجل قضية تكتمل بها إنسانية الإنسان .
التقابل في العلاقات الإنسانية قائم بين أن نعامل الآخر موضوعاً ونتخذه وسيلة لحياتنا ، وبين أن نجعله ذاتاً فنضع حياتنا تحت تصرفه .
تقابل بين أن نحيا فنجعل معرفتنا في خدمة الحياة ، وبين أن نخلص للمعرفة فننصرف عن المنفعة .
إذن فالحياة ، أو " ضرورة البقاء " هي طرف التقابل الأول ، أما الطرف الثاني فهو الذات الإنسانية ، وهي في صراع دائم مع هذه الضرورة ، فكيف تكتشف الذات هذه الضرورة ...؟؟.
( 6 )
المعرفة أولاً شرط ضروري للحياة ، إننا نحيا في العالم فحياتنا فيه رهن بمعرفتنا إياه من أجل التلاؤم معه ، والمعرفة الإنسانية تختلف عن معرفة الحيوانات ليس في الدرجة كما يرى بعضهم ، بل في النوع أيضاً ، فالإنسان يصل إلى تكوين المفهوم ويسأل عن معنى الوجود والغاية منه ومكان الإنسان فيه ، إننا على علاقة وثيقة مع العالم ، وأن هذه العلاقة غير قابلة للفصل ، وتأخذ أشكالاً عديدة من الصراع والتركيب .. فلماذا كانت علاقتنا بالعالم محتومة لا يمكن الخلاص منها ...؟
إن صلتنا بالطبيعة ليست تلك الصلة الساكنة المنفصلة القائمة في عالم الحيوان ، فالإنسان بسبب طبيعته الإنسانية لا يقف بعلاقته بالطبيعة عند شكلها الأولي المعطى ، ولكنه يؤنسن هذه العلاقة ويطبعها بطابعه ، أنه يعيد تنظيمها باستمرار ، وبذلك يحملها على أن تتلاءم مع حاجاته .. فالتطور نحو الموضوعية معيار أساسي من معايير التقدم ، فهو يميز بين العالم المتخلف والعالم المتقدم ..
ونحن نغوص في العالم ، وُنمعن في تنظيمه وتصنيعه وتنميته لأن لنا جسداً هو أصل بقائنا وأصل صلتنا بالعالم ... من المهم أن نعيد الذات إلى تربتها الواقعية ... بعد أن تركها بعضهم معلقة في الفراغ .. دون أن تمحوا أصالتها الخاصة ، كما لابد من تبيان صلة الأصالة بشروطها وتوقفهّا على هذه الشروط ، فهي ليست أمراً ُمعطى .. ولكنها غاية ُتنشد ، وكمالاً نجهد في سبيل بلوغه ، ودراسة الذات هي دراسة أبعادها ، إن للعمل قوة تطهيرية .. إنه مثل القضية .. بل هو القضية في سياق التحقق ، ولأنه كذلك فهو يفعل في صاحبه ، ويجعله أكثر تماسكاً ومنعة ، وذلك بنقله الجسد من وضع الاسترخاء ، أو الوضع التأثري ، إلى وضعية الفاعلية أو الوضع التوتري ..
فالإنسان الحق هو إنسان القضية ، والقضية هي ما لم يتحقق بعد .. هي ما ينقصنا ، وما نسعى إليه كي نحصل به على كمالنا الذاتي ...ولذلك ، فالقضية هي الماهية ، والماهية ليست أمراً معطى ، ولكن هي ما علينا تحصيله بضرب من الجهد الذاتي .. وما دمنا كذلك فنحن جهد متوتر ونزوع دائم نحو الهدف ... إننا في سياق ديالكتيكي ، والديالكتيك هو التغييّر في الوجود من أجل تحصيل الماهية ، والتغييّر يقتضي الزمن ، فالزمن إذن من بنية وجودنا ... إن فكرة الزمن هي أساسية في مذاهب الخلاص ، في المذاهب التي تحمل الإنسان على أن يحّصل خلاصه الذاتي بنفسه ، وليس الأمر مقصوراً على المذاهب الدينية ، فبعض الفلسفات الاجتماعية مثل الماركسية تضع المستقبل على أنه هدف التاريخ الإنساني ، وتجعل الحاضر شراً ينبغي تجاوزه ، فالزمان هو أداة تحقيق الماهية ، والإنسان سياق زماني بجوهره .. فنحن لم نعط حياتنا الحقة ، ولكننا اكتشفناها هناك في المستقبل ... وإننا في سعي دائم نحوها متجاوزين الحاضر ... القضية هي أن يتجاوز الفرد حياته الحاضرة نحو هدف ، ما ... فهي ليست سوى هذا التجاوز ، أو هذا النزوع نحوه .. قبل أن يتحقق في أي مشروع عيني ...!
وتماسك الفرد هو أساس تماسك الوحدة الحوارية وازدهار الوحدات الحوارية وتماسكها الذاتي هو أساس الحوار الإنساني الشامل الذي يؤدي إلى ازدهار الإنسانية عبر حدود الجسد ، حد الماضي ، حد التناهي ، حد العماء ..


( 7 )
أما في مناقشة أحمد حيدر للصيرورة ، فيرى أن الموضوع يعاني ضربين من التغيير هما :
التغيير العفوي الذي سيتم بفعل عوامل الطبيعة ذاتها .
التغيير الهادف الذي يتم من قبل الإنسان .
هنا يصل أحمد حيدر إلى صلب الموضوع فيقول : إن الإنسان هو المحرك الهادف للتطور في مواجهة الظروف وامتداد التاريخ في المستقبل ، حيث يقول :
1 – " .. إن الإنسان الثورة هو الإنسان الذي ينزع نحو تركيب جديد من القيمة والواقع " .
2 – إن الصيرورة الأفقية ذات البعد الوحيد ليست صيرورة ديالكتيكية لسبب واضح هو أن الإنسان ليس طرفاً فيها ، إنها في نظر أصحابها أفضل عالم ممكن لأنها تعفيهم من الجهد واليقظة ، إنهم يكرهون كل جديد ،ولذلك فهم يكرهون المستقبل ويعملون على مد الحاضر إلى مالا نهاية ، أما إنسان الثورة فقد وضع قضيته في ذلك المستقبل الذي سيبدو مفاجأة مذهلة لهم .
الثائرون سيصنعون المستقبل وعيونهم مفتوحة على الغاية .. قضيتهم ليست مضمونة بحتمية التاريخ بل عليهم أن يقاوموا تيار الصيرورة وأن يعارضوا الحاضر الأبدي بالمستقبل حامل القضية ، إنهم الوعد بحضارة جديدة ...
.. الثوار سيدخلون في حوار شامل ليس مقصوراً على وحدة حوارية ، بل إنهم سيرتفعون إلى حوار الوحدات الحوارية .. إلى حوار الثقافات الإنسانية ..
إنهم ينتمون إلى المستقبل بينما ينتمي خصومهم إلى الماضي ، ومن هنا يستمدوّن قوتهم .
إن التركيب الحق لا يتحقق من تلقاء ذاته .. بحتمية التاريخ بل لابد من معارضة العطالة الإنسانية وحمل الصيرورة على أن تسلك سبيل القضية والجهد والمقاومة الصعبة في سبيل بلوغ هذا التركيب .. إنها تجربة أخصب من أن يتسع لها صدر هذا العصر الجاحد ، المنهوك القوى .. إن التركيب الحاضر ليس أبدياً لأنه ليس خاتمة التاريخ ، فالصيرورة لا تتوقف ولابد من أن تؤدي بالبشر إلى أن يصيروا موضوعات مرة أخرى ، وعندئذ لابد من جهد إنساني جديد يتجلى في ثورة تعيد للإنسان أبعاده المفقودة ، وهكذا .. إن الإنسان يحتفظ بماهيته ، بجهده الذاتي دون أي عون من صيرورة التاريخ ...
أما عن دور البيروقراطية المتقدمة علمياً واقتصادياً في قهر الشعوب المختلفة ، "والمتخلفة منها خصوصاً " ، وتزوير قضاياها ، وامتلاك الفعاليات الاقتصادية لتلك الشعوب ، فيقول أحمد حيدر : أن ذلك كله يتم بأن ينخلع الإنسان وأن يطمئن إلى انخلاعه .. فقضيته قد ُنقلت من مستوى القيمة إلى مستوى العيش .. وماهيته قد ُغرست في مستوى العيش هذا .. وصنعت لها أبعاداً زائفة .. وبذلك يجد المنخلع لنفسه مبرراً معقولاً .. وينتفي الشعور بالانخلاع ، وتستأصل جذوة الثورة من نفوس البشر .. فماضي الشعب ُينظر إليه على أنه تاريخ مؤسف .. ُيتغاضى عنه بتاريخ حكومي ُمقرر سلفاً ، ُفيلقن الطلاب تاريخاً معاصراً صنعته الصحافة وأجهزة الإعلام قوامه المؤتمرات والمراسيم والمنظمات وأعمال " الرجال العظام " الذين لازالوا يتمتعون بالحياة ، وهكذا ..
( 8 )
أن نمّر بالحاضر كراماَ في سبيل مستقبل يتجاوز هذا الحاضر ذلك ضرب من الاختلال النفسي هكذا فالحاضر هو الوجود الحق الذي يجب أن نملأه بالمقامرة والصيد والجنس ... والمستقبل هو أن ُتتاح لنا الفرصة لتكرار هذا الحاضر ، هكذا يتم تزييف كل شيء ، وهكذا يتم استغلال حتى الإيديولوجيات التقدمية ، فالماركسية مثلاً يمكن أن ُتستغل بما فيها من نزعة عالمية ترى الوحدات الحوارية ، أو الألوان القومية تشكيلاً عارضاً يجب تجاوزه ...واستغلال نزعة التقيدّ التاريخي المتضمنة في هذه النظرية لتشييع الاستسلام لدى الشعوب ، فالتاريخ سيؤدي بشكل حتمي إلى خير الإنسان ، ولذلك فلا حاجة للتوتر وبذل الجهد ، وإنما يكفي أن نمنح روح التاريخ الخيّرة ثقتنا وبركتنا ..."
ثم يتم ترويض النزوع إلى اليسار عند الشعوب عن طريق ماركسية مُبسّطة ومُيسّرة ، ماركسية ميكانيكية مُجّردة خالية من عنصر الإنسان الواقعي المُشخصّ ، وبعيدة عن روح التحليل الخصبة التي لا يمكن إنكارها على " الماركسية الصحيحة " .. إن هذه الماركسية المبتذلة تجذب الأميركانية كثيراً ، ولولا اقتران الماركسية بالاشتراكية ، لكان هذا النوع من الماركسية فلسفة الأميركانية الرسمية ..
ثم يتم تمويه الصراع الجذري بين عالم ذوي التقنية العالية ، وعالم المستلبين بصراع عرضي بين ذوي التقنية أنفسهم " شرق وغرب " وبذلك ينشغل المستلبين عن أن يختاروا وجودهم الحق ، بالوقوف في وجه ذوي التقنية أولاً .. بالوقوف مع فريق من ذوي التقنية ضد الفريق الآخر ..
الأميركانية تسلب الإنسان أبعاده الحقة ، وتصنع له أبعاداً زائفة ، وتعمل في البلاد الأخرى على خلق حكومات صمت وتعمية تكون بمثابة وكالات خارجية للتصدير ..
الأميركانية نزعة واعية ومدروسة ، وهي تعمل في ضوء تخطيط شامل قوامه تقنية تستند إلى شتى العلوم ، إنها سياسة ذوي التقنية من أجل إخماد روح العصر ، وتحقيق المزيد من الانخلاع الإنساني ...
( 9 )
في القديم كانت مأساة العرب متأتية من أثر الصحراء وحياة الترحال على علاقتهم بالأرض ، وكيف أن الحاكم في عصر الانحطاط كان يتغير بسرعة ، فقد كانت الانقلابات رائجة في ذلك الوقت فلا يكاد الناس يبكون رموز مزاج حاكم مطلق ، ما ، حتى يحل محله آخر مطلق ذو مزاج مختلف .. فخضعت حياة الناس للمصادفة ، وانتفى الشعور بالأمان .. ولذلك يرتمي الإنسان في النظرية الجاهزة فاقداً كل حس نقدي ، وكل قدرة على التميّيز لأنه إنسان مهدور ، لذلك كان عصر الانحطاط يضطهد المفكرين ، ويسبق العصور الحديثة بفرض نظرية الدولة على المواطنين ، أما عن واقع العرب في العصر الحديث فيقول حيدر :
إن العرب يسمون عصرهم الحاضر بعصر النهضة الحديثة ، وهذه التسمية تترك في نفوسهم ارتياحاً فيشعرون بأنهم تجاوزوا عصر الانحطاط وظلامه ، ويحولون بين الناشئة ، وبين مواجهة الحقيقة ، فترتمي الناشئة في الجهل ..
أغلب المواطنين العرب لا يجدون كفايتهم من الحاجات المادية على الرغم من الثروات الضخمة التي يتمتع بها الوطن العربي .
الانفصال القائم بين الدولة والمواطنين يجعل كلاً منهما في عزلة من الآخر ، عزلة قوامها الشعور بالارتياب والحذر والخوف ، وبذلك تنصرف الأولى للدفاع عن نفسها بدل أن تنصرف للبناء ..
العربي المعاصر لم يسترد أبعاده المفقودة منذ عصر الانحطاط الكلاسيكي ، ولكن مأساته المعاصرة تقوم في أن أبعاداً مزورة زائفة بدأت تنمو على أنقاض الأبعاد الأصيلة ، والعربي المعاصر بدأ ينسى أبعاده الحقيقية ، وهو يزهو بأبعاده الزائفة بوقاحة تبني المسخ لمسوخيته ...!
العربي اليوم ينزلق بين مختلف الاتجاهات مسمياً حركة الانزلاق هذه مرونة ، واهتداء ... فالعربي قد نسي وجود القيمة ، ومنح وجود العيش شكل وجود القيمة ...
إن عصرنا هو عصر انحطاط مموه ، ولذلك فهو أسوأ عصور الانحطاط جميعاً .. إنه مموه بالأبعاد الكاذبة ، وبالآلة ..
لكن هذه المأساة التي تجعل تاريخنا أشبه بمسيرة جنائزية لا ينبغي أن تحجب عن عيوننا رؤية المستقبل .. فنحن ما نزال أحياء رغم هذا التاريخ الطويل من التجارب المريرة .. فالشعور بضرورة التغيير الجذري كامن لدى هذا الشعب ، وعلينا أن نوقظ هذا الشعور لكي ينزاح التافهون فيمتلك الشعب هويته الحقة ، لهذا كله فإن احمد حيدر يدعو إلى التوجه نحو تركيب جديد .. فالتاريخ الإنساني يبدو في أغلب لحظاته محكوماً من قبل الطبيعة التي لا تهتم سوى باستمرار الحياة ، أما ازدهار الإنسان فأمر منوط به وحده ، وعليه من أجل استعادة ماهيته المستلبة ، أن يقوم بجهد خارق للطبيعة من أجل أن يجعل الصيرورة محكومة بالقيمة ...
فمهمة عصرنا أن يقيم الأبنية الإنسانية فوق تربة التقنية الشاملة ، ونعني بالأبنية الإنسانية تلك الوحدات الحوارية ، أو الكيانات القومية المفتوحة على حوار إنساني شامل والتي يسترد الفرد ضمنها أبعاده المفقودة ، وماهيته المستلبة ، إن ذوي العطالة يزعمون أنهم يعملون لمحو كل أنواع الصراع .. بين البشر ، وذلك بإلغاء الاختلاف ، وإقامة التجانس وهم يرون " التجانس في حذف أبعاد الإنسان لأن تنوع الوحدات الحوارية أو الثقافات القومية أساس الخلاف بين البشر " .. لكننا رأينا أن الماهية الإنسانية هي في صميم تواصل وحوار ، ولا ينقطع الحوار إلا بفقدان هذه الماهية حيث يسقط الفرد حيواناً مسوقاً بالعطالة وحدها ، وبذلك يعمل على سلب ماهياتهم ...!
( 10 )
إن من يمتلك أبعاده يحرص على الآخرين ، لأن الحوار أساس أبعاد الإنسان ، فاسترداد الأبعاد إذن يحلّ الحوار الإنساني محل الصراع ، وبذلك يتواصل البشر ...ويبقى السؤال كيف نقونن التوجه إلى المستقبل العربي ، ونصيغها قوانين ترشد المناضلين العرب لتوحيد جهودهم .. وتحريك الطاقات العربية باتجاه تحقيق الهدف ، وإذا كان إنسان القضية هو المعني بصياغة المستقبل ومنع امتداد الماضي إلى هذا المستقبل ، فمن هو إنسان القضية ...؟ وما هي القوانين النوعية التي تحكم حركته ...؟ ثم ، وإذا كان المقصود الآن هو التوجه نحو حضارة عربية جديدة أو بناء الوحدة الحوارية المتقدمة في الوطن العربي كما يسميها أحمد حيدر يصبح السؤال أكثر تحديداً : كيف يستطيع إنسان القضية بالتحديد .. أن يفعل إيجابياً في الواقع العربي المتخلف والمجزأ والمُحاصر ، ليحقق فيه الحضارة العربية الجديدة ...؟
هذه أسئلة تهم المعنيين بالمستقبل العربي عامة ، ولذلك ، فإنهم جميعاً معنيين بالإجابة ، وهنا على سبيل المثال نلاحظ أن أحمد حيدر ، وهو يبحث عن حضارة جديدة تقاطع إلى حد التطابق مع منهج " جدل الإنسان " الذي صاغ قوانينه عصمت سيف الدولة فإنسان القضية المعّول عليه في صياغة وصنع الحضارة العربية الجديدة عند عصمت سيف الدولة هو الإنسان الديالكتيكي الفاعل في مجتمع ديالكتيكي عن طريق الديالكتيك الاجتماعي ، وبذلك يكون بحث أحمد حيدر خطوة إيجابية .. وتلك إضافة جديدة على الطريق ...إلى الحضارة العربية الجديدة ، وربما تكون الخطوة الأولى هي تلك التي خطاها المناضلون العرب في تونس ....إنهم عرب القضية ، إنسان القضية ، مجتمع القضية المحصن ضد الفتن ، ودعاتها ...
حبيب عيســــــــــى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

جمال الصباغ 02-07-2012 12:12

إلى الشباب العربي في تونس
 
على بساط الثلاثاء
135





يكتبها : حبيب عيسى
رسالة جوابية :
إلى الشباب العربي في تونس ...

تحية ... واعتذار ... أما بعد ...!

( 1 )
أيها الأحبة في تونس الحبيبة ... !
تحية عربية ... ورجاء أن تصلكم رسالتي هذه ، وقد أنجزتم مشروع المأسسة ، والتوحيد للقوميين العرب التقدميين في تونس ...!
أما بعد ...!
أعترف ابتداء أن القلم ليس خير وسيلة للتعبير في مثل الظروف التي نمر بها ذلك أن المرسل يكتب ما يحلوا له ، ويملي على المرسل له ما يعتقد أنه صحيح ، بينما نحن الآن في أشد الحاجة للتحديق في عيون بعضنا البعض مع كل عبارة تقال ، لكن للضرورات أحكامها ، وأجدادنا قالوا : "الضرورات تبيح المحظورات" .
أيتها العزيزات ، أيها الأعزاء ...!
تلقيت ببالغ السرور والتقدير دعوتكم الكريمة لي لحضور المؤتمر التوحيدي للقوميين التقدميين في تونس ، وأعترف أنني ودون أي تفكير اندفعت على الفور في الإعداد للسفر إليكم ... لكن ، وكما يحصل عادة بعد كل قرار مفاجيء يعود العقل البشري إلى التحليل والتركيب ، السلبيات والإيجابيات للموقف ، والقرار المطلوب اتخاذه ، وشيئاً فشيئاً بدأت أقنع نفسي بالاعتذار ، ذلك أن وجودي بينكم في هذا الظرف بالذات قد يكون له أثر سلبي أنتم في غنى عنه ، في هذه اللحظة التاريخية . ذلك أنني راجعت المراسلات بيني وبين بعض الأعزاء حول مواقف الشباب في تونس من المسألة السورية ، وخلصت إلى أن هناك انقسام حاد حول ما يجري ، وأنا شخصياً أتفهم ذلك ، وأحترم جميع المواقف ، وأثق أن الدوافع والمخاوف مشروعة في كلا الطرفين ، قد تقولون أن ذلك يجب أن يحفذني أكثر للحضور ، وقد خطر لي ذلك ، لكنني سرعان ما تراجعت فالقضية الأساسية بالنسبة إليكم ، الآن ، هي البحث في المشكلات التي تواجه المجتمع العربي في تونس ووضع الحلول والانخراط مع الجماهير التونسية في وضع الحلول موضع التنفيذ ، وذلك حتى يكون تمثيل القوميين العرب التقدميين في تونس في المجالس التمثيلية التشريعية والتنفيذية يتناسب مع أصالة مشروعهم النهضوي القومي ، لا بأس أن يكون هناك اختلاف بينكم حول المسألة السورية ، أو الفلسطينية ، أو البحرينية ، أو الليبية ، أو اليمنية ، الحوار بينكم وليس الشقاق ، تبادل المعارف وليس الجهالة ، الدعوة للتفاهم وليس التخوين والسباب ... هو السبيل ، وعلى أية حال ، فإن تطور الأحداث موضوعياً قد يحل تلك المشكلات ، المهم الآن بالنسبة إليكم تونس ، أن تكونوا طليعة الشعب في البناء ، وفي محاربة الفساد والاستغلال ، في تحقيق العدالة الاجتماعية ، وصيانة الوحدة الوطنية ، وتعزيز قيم المواطنة ، والحريات العامة ، وصيانة الحقوق الساسية للمواطنين ، ووضع القرار الوطني بيد الشعب بحيث لا يرتهن لأية قوة خارجية مهما كانت هويتها ، لو نجحتم أيها الأعزاء في أن تكونوا طليعة المجتمع العربي في تونس لتحقيق ذلك ، فأنتم بذلك تساهمون في تحرير فلسطين حتى ولو لم تذكروا فلسطين بكلمة واحدة ، تساهمون في تحقيق خطوة هامة باتجاه الوحدة العربية ولو لم تذكروا الوحدة العربية بكلمة واحدة ... هكذا ، ولأسباب لا يتسع المجال لها ، وحتى لا يتحول الموقف من المسألة السورية من اختلاف مشروع إلى خلاف عصبوي ، انشقاقي غير مشروع ، قررت الاعتذار عن الحضور رغم الشوق الذي يبرّحني للقاء بكم ...
( 2 )
أيتها العزيزات ... أيها الأعزاء ...
ليس هنا ما أود الإقناع به ، لكن من حقكم علي أن أوضح موقفي الذي يحتمل الخطأ والصواب ، هناك من اعتبر في تونس أن موقفي من المسألة السورية خروج عن الخط القومي التقدمي ، وأنا أرى أن موقفي هو في صلب الموقف القومي التقدمي ، ليكن ؟ ، الاختلاف لايفسد للود قضية ، وإذا كان المجال هنا لا يتسع لشرح الموقف فإن من حقكم علي أن أحدد الأسس التي حكمت موقفي ، وأطرحها هنا ، كعناوين فقط :
1 – أن الخارج لم يخرج من الوطن العربي حتى نرفض تدخله ثانية فالقوميون التقدميون امتداد للثوار الذين قاوموه أولاً ، ويقاومونه حاضراً ومستقبلاً ، كل مافي الأمر أن ذلك الخارج قد استبدل احتلاله المباشر بالجيوش ، بما كنت قد أسميته "الاحتلال بالدول" ، ثم احتلال الدول الإقليمية بالسلطات الاستبدادية ، وفي المركز منها مستوطنات الصهاينة في فلسطين .
2 – أن المؤامرات الخارجية لم تبدأ مع "الربيع العربي" وإنما جاء الربيع العربي لمواجهتها ذلك أن تلك المؤامرات وصلت إلى غايتها بفعل النظم الاستبدادية ، أو مانسميه اصطلاحاً النظام الإقليمي الذي دمر النسيج الاجتماعي في الوطن العربي وأعاده قسراً إلى علاقات ماقبل المواطنة العصبوية والطائفية والمذهبية .
3 – إن النظام الإقليمي في الوطن العربي كان على امتداد القرن المنصرم من سايكس بيكو ووعد بلفور ومعاهدات تقسيم المغرب العربي والخليج العربي ، كان رأس الحربة في تنفيذ المخططات الخارجية والصهيونية .
4 – لقد كنا أول من نبه إلى المخططات الصهيونية بالسعي إلى تجزئة المجزأ عبر تقسيم دول سايكس بيكو إلى دويلات طائفية ، وكان ذلك ثابتاً بالمراسلات بين "بن غوريون وشاريت" ، ثم عبر وثيقة "استراتيجية اسرائيل في الثمانينات" والتي رسمت حدوداً تفصيلية لدول الطوائف ، ثم عبّر عنها دبلوماسياً "شيمون بيريز" بما أسماه "الشرق الأوسط الجديد" ، ثم بتشكيل مؤسسات "البحث عن أرض مشتركة في الشرق الأوسط" في نيويورك ومراكز الأبحاث في القاهرة والكويت وسواها ، لقد كان تحقيق ذلك ومازال رهناً بنجاح النظام الإقليمي في تدمير النسيج الاجتماعي العربي ، وهذا ماحاوله ، ويحاوله النظام الإقليمي في الوطن العربي ، والنتائج واضحة من السودان إلى العراق ، ومن المحيط إلى الخليج .وهذا ماهدد ، ويهدد به الحكام ، بإن البديل للاستبداد هو الفوضى ، والحروب الأهلية ، والطائفية ، والعنصرية ، وبالتالي فإن موقفنا كقوميين تقدميين هو رفض الخيارين معاً فخيارنا التحرر والحرية .
5 – إن المخاوف من المخططات المعادية والحروب الأهلية واستغلال القوى المعادية للفراغ الذي يخلفه سقوط الطغاة ، مشروعة ، لكن الحل يكون بمواجهة القوى المعادية والتصدي لمخططاتها ، وليس بإدانة الثورة على الاستبداد ، الحل يكون بالانخراط في الثورة ومواجهة المخططات الالتفافية المعادية على الربيع العربي بتحصين المجتمع والثورة باتجاه الأهداف المشروعة للأمة .
6 – إن الشباب العربي الذي يستدعي الربيع العربي من المحيط إلى الخليج ليس هو من كان يستقبل أمير قطر وغير قطر ويعزف له الأناشيد ، وليس هو من ينفذ المؤامرات الخارجية ، ولا يعرف ليفي ، ولا غير ليفي ، وإنما هو جيل ثائر على استبداد ومؤامرات طغت وسادت وخلفتّ عقوداً من الظلام على الأمة ، فشل خلالها جيلنا في مواجهتها إلى أن اندفع هذا الجيل الشاب ليقتحم المستحيل ، وأعتقد أنه من الظلم إتهام هذا الجيل العربي الشاب بإنه ينفذ مؤامرة ، أو أنه جيل جاهل لا يعرف مايريد .
7 – إن "الربيع العربي" يتعرض بالفعل لمحاولات حثيثة من قبل قوى خارجية وداخلية معادية لمشروع النهوض العربي لحرفه عن مساره الثوري ، وفرض أجندات بديلة تعيد الواقع العربي إلى ما كان عليه في ظل الطغاة ... مجتمع مغيب ، وأنظمة تابعة ، وهذا يحدّدالمهمة الأساسية للقوميين العرب التقدميين بالانخراط في صلب الثورة ، لتحصينها ، ورسم خطها البياني التحرري ، وليس بالتهجم على "الربيع العربي" ووضعه في إطار المؤامرة على الأمة ، إن تخلي القوميين العرب التقدميين عن دورهم الثوري في الربيع العربي قد يؤدي فعلاً إلى فشل الربيع العربي وإلى مخاطر كبيرة ، وسيكون القوميون العرب التقدميون مسؤولين عن هذا الفشل ، وبالتالي فأن الربيع العربي ينبغي أن يكون هو ربيع القوميين العرب التقدميين يندمجون فيه وينطلقون منه باتجاه اهدافهم المشروعة .
8 – إنني أنطلق في مواقفي من مختلف القضايا من قاعدة منهجية ثابتة ، وهي أولوية الإنسان ، وعندما نتحدث عن الإنسان ، فإننا نتحدث عن حريته ، ذلك أن الإنسان يتميز عن غيره من الكائنات الحية بأنه يمتلك المقدرة على اتخاذ القرار بحرية اتجاه أي موقف ، ويتحمل مسؤولية قراره ، وقد أثبت النصف قرن الأخير أن الشعب العربي الذي استلبت حريته فقد مقدرته على التقدم ، وفقد مقدرته على الدفاع عن الوطن ، وبالتالي فإن الحرية أولا هي الطريق للحرية أخيراً ، فالأحرار وحدهم يشكلون الحامل لمشروع الحرية والوحدة والاشتراكية في الوطن العربي ، وهذا يعني أن كل اعتداء على حرية المواطن العربي هو اعتداء على الأمة ومشروع تحررها ونهوضها ووحدتها .
9 – إنني على قناعة تامة بضرورة مراجعة القوميين العرب التقدميين للأساليب التي أدت بهم إلى الدرك الذي انحطوا إليه ، نعم ، هناك مؤامرة على الأمة ، وعلى مشروع النهوض القومي و... لكن هزيمة المشروع القومي العربي التقدمي خلال العقود المنصرمة جاء من داخله أساساً ، ومن تناقض أساليبه الشمولية في الحكم مع غائيته التحررية ، لقد تم الانقلاب على ثورة عبد الناصر ونهجه القومي من داخل النظام ذاته ، وكذلك الأمر ُأكل حزب البعث من انظمته ، وحركة القوميين العرب لم تكن في حال أفضل ، وهذا يحتمّ على القوميين العرب التقدميين الجدد مراجعة الأساليب التي أدت إلى الهزائم ، والتي دفع ، ويدفع القوميون العرب التقدميون والأمة كلها أثماناً باهظة كنتيجة لها .
10 – إن القوميين العرب التقدميين من المفترض أن يعملوا منهجهم في تقييم الواقع الموضوعي ، واتخاذ الموقف الصحيح من المشكلات المطروحة ، وأن يكفوا عن الرهان على التشكيلات الإقليمية والطائفية والمذهبية والمناطقية والعنصرية مهما كانت الشعارات التي ترفعها .....
( 3 )
أيتها العزيزات أيها الأعزاء
لم أبغ مما تقدم أن أقنع أحد بموقفي ، ولا أن أدافع عن مواقف اتخذتها ، فأنا ، وبالحديث معكم لست في موقف الدفاع ، كما أنني لست في موقف الهجوم ، ولكنني بالضبط في موقف التوضيح الذي يُلزمني ولا يلزم أحد ، لكنني اضطررت إليه أمامكم بالذات ، فقد كنت في موقف بالغ الصعوبة ، ذلك أنني أتطلع للقاء بكم ، لكن وعندما حانت الفرصة وجدت أنه لزاماً علي أن أتخذ قراراً صعباً بالتأجيل ...
إن توحدكم الآن يكفيني ، ولا تدعوا الموقف من المسألة السورية يفسد وحدتكم ....
( 4 )
إنني لن أنسى ما حييت لحظة خروجي من زنزانتي في الشهر الأول من عام 2006 عندها انهالت علي الاتصالات من تونس ، ومنها احتفال في صفاقص ، لم يحتفل أحد بخروجي من المعتقل إلا التوانسة ، لقد غالبتني الدموع يومها ... وعندما راودني الحلم بالربيع العربي قبل أن يهل علينا بسنوات حلمت باريج ياسمينه يهبّ من تونس ، فكتبت كما تذكرون عن "زين الحاكمين" وهو زينهم بالفعل ، حتى وإن جاء فهمه متاخراً ، لكن هروبه كان مناسباً ... لقد كان حلماً بالنسبة إلي أن ينطلق الربيع العربي من تونس ذلك أنني أعرف أن لي مكانة في قلوب بعض التوانسة ، لكن تونس كلها في قلبي ، لهذا فأنا أرجوكم أن ترّكزوا جهودكم على أن تحتلوا مكانكم الطليعي في بناء تونس ، وأن تديروا اختلافاتكم بلغة حضارية ، وأن تحتكموا للمنهج الذي ارتضيتموه ومن ثم لرأي الأغلبية بينكم ، وأن تضعوا حداً نهائياً للشرزمة والفرقة ...
( 5 )
أقول لكم أن أهلكم في سورية معكم ويتطلعون إلى وحدتكم ، وسيعرفون كيف يتجاوزون المحن ، أقول ذلك وأنا مازلت أذكر مشهد الصبايا والشباب اللواتي والذين حملن وحملوا الشموع أمام سفارة تونس بدمشق مع بداية ثورتكم ، ثم انتقلوا إلى المصرية ، فالليبية ، فاليمنية وقد نالهم العسف الشديد ، لم يكونوا من تيار سياسي معين ، كانوا يهتفون لحريتكم وتحرركم ... وعندما بدأوا الحراك كانوا ينتظرون من القوميين التقدميين ان يحملوا لهم شمعة في أي مكان من الوطن العربي ... هم الآن إما ضحايا ، وإما متخفيّن ، وإما هاربين من البلاد .... وأنا أبادلهم الوفاء الآن ....
أيتها العزيزات ، أيها الأعزاء ...
هكذا ترون كم أنا حزين لإنني لست بينكم ، لكن قلبي معكم أرجو لكم النجاح في مساعيكم باتجاه الوحدة بين فصائلكم ...
تمنياتي لكم بالتوفيق ، وربما إلى لقاء ...
دمشق :4/2/2012
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

جمال الصباغ 02-07-2012 12:28

اقتباس:

إنني على قناعة تامة بضرورة مراجعة القوميين العرب التقدميين للأساليب التي أدت بهم إلى الدرك الذي انحطوا إليه ، نعم ، هناك مؤامرة على الأمة ، وعلى مشروع النهوض القومي و... لكن هزيمة المشروع القومي العربي التقدمي خلال العقود المنصرمة جاء من داخله أساساً ، ومن تناقض أساليبه الشمولية في الحكم مع غائيته التحررية ، لقد تم الانقلاب على ثورة عبد الناصر ونهجه القومي من داخل النظام ذاته ، وكذلك الأمر ُأكل حزب البعث من انظمته ، وحركة القوميين العرب لم تكن في حال أفضل ، وهذا يحتمّ على القوميين العرب التقدميين الجدد مراجعة الأساليب التي أدت إلى الهزائم ، والتي دفع ، ويدفع القوميون العرب التقدميون والأمة كلها أثماناً باهظة كنتيجة لها .
لا شك ان هذا الموقف من الأخ حبيب عيسى موقف يستحق كل التقدير وخاصة عندما يطلب من الإخوة مراجعة حالهم وبالتالي ان التيار الناصري بحاجة ان يراجع ذاته دوما لإنه لا يعقل ان ينحسر وجوده في كل الساحات العربية دون ان يبذل اي مجهود يذكر ان يسال نفسه كيف تم هذا الإنحسار.

رياض عبدالله 02-07-2012 07:46

كلام صحيح بان شباب الربيع العربي لا يعرف امير قطر و لا ليفي و لا باقي المتحلقين على التدخل الاجنبي لكن للاسف فاننا نرى ان الانحراف بالربيع العربي على قدم و ساق فبعد ربيع تونس غزل مع ليفي و تبعية لامير قطر و في لييبيا شاركت قوات امير قطر قوات الناتو في "فتح طرابلس" و الغزل مع ليفي متعدد الاشكال و هكذذا في ربيع مصر و غزوة الصناديق القطرية الانتخابية و كامب دايفيد محمية بالفتاوي و قد نسينا ربيع البحرين؟؟؟لطبيعة الطقس الصحراوي و نصل الى سوريا و التي اصبحت محمية قطرية بالمال و السلاح والاعلام و السفير الاميركي يشارك بالانتفاضة و ننتظر رميه بالاحذية قبل ان يغلق سفارته و حرق العلم الاميركي و هذا ما ننتظره مع الاخ حبيب حتى يكون الربيع العربي صناعة عربية مائة بالمائة و يصبح التغيير بارادة الشعب العربي بارادته الحرة و قواه الذاتية .


الساعة الآن 07:29.

Copyright 2008 © www.alfikralarabi.net = Designed & Upgraded By : Rami Elias S. Suleiman