منتديات الفكر القومي العربي

منتديات الفكر القومي العربي (www.alfikralarabi.net/vb/index.php)
-   حبيب عيسى (www.alfikralarabi.net/vb/forumdisplay.php?f=143)
-   -   على بساط الثلاثاء (www.alfikralarabi.net/vb/showthread.php?t=4551)

سليم حجار 11-12-2008 11:43

على بســــــــاط الثــــلاثاء 30
 
30
يكتبها : حبيب عيسى

البيان ....."4"
أحزاب النهضة العربية ، أزماتها...
وضوابط التغّير... للتغيّير ...!

( تتمة... "4"... البيان... )

نتابع البحث في الضوابط ، التي يجب توافرها ، لاستئناف النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي .
( 24 )
سادساً : سادس الضوابط ، هو ، العلنية ؟، والعلنية ، هنا ، لم تعد مسألة شكلانية ، وإنما مسألة موضوعية ، وأساسية ، في التأسيس للمشروع النهضوي ، التنويري ،العربي .
هنا ، قد نواجه ، باعتراض وجيه ، له منطقه ، ومبرراته ، يقول : كيف يمكن أن نواجه ، هذا الكم الهائل ، من المؤامرات الخارجية ، والأجهزة المخابراتية الدولية ، بالغة السرية ، والقدرة ..؟ ثم ، كيف يمكن أن نواجه أجهزة المخابرات المحلية ، التي تحمي الديكتاتوريات المنتشرة بين المحيط ، والخليج ..؟ وقبل ذلك ،وبعده ،كيف يمكن ، أن نواجه فتاوى التكفير ، والقتل ،تصدر من حيث لانحتسب.. ، كيف يمكن أن نواجه ذلك كله ...؟ ، وهذه ، وتلك ، لها من السمعة المخيفة ، والأساليب المرعبة ، والإمكانيات الهائلة ، والقدرة اللامحدودة على الاختراق ، والقتل ، والتوحش ، ما لا يخفى على أحد ... كيف يمكن مواجهة ، هذا كله ، بدون مؤسسات تفوقها سرية ، ومقدرة على الرد ، بالأساليب ذاتها .. العين ، بالعين ... والسن ، بالسن ... وإلى آخره ..؟ ، وكيف يمكن لمؤسسات سياسية علنية ، وواضحة ، ومفتوحة ،وشفافة ، أن تصمد في مواجهة هذا كله ..؟ ويضيفون ، أن تلك المؤسسات العلنية ، ستكون ببساطة ، فريسة سهلة ، لتلك الأجهزة ، الهائلة القدرة ، إما ، باختراقها ، وإما ، باحتوائها ، أو تصفيتها ، بالعنف ، إذا اقتضى الأمر ذلك ...!
في الرد ، على ذلك كله ، نقول : لتلك الأسباب ذاتها ، ولأسباب أخرى أساسية ، وموضوعية ، لابد من توافرها لإطلاق مشروع النهضة والتنوير ، في الوطن العربي ، مجدداً ، فإن العلنية شرط أساسي لا بديل عنه ، في هذه المرحلة من التاريخ العربي ، وذلك استناداً على التجارب المرة ،والمريرة ،والتي نعرج عليها ،باختصار ، كما يلي :
( 25 )
1 - لقد كان انكفاء الأحزاب ، والجماعات السياسية ، وغير السياسية ، أحياناً ، إلى أقبية العمل السري ، في الوطن العربي ، هو المعادل الموضوعي ، لنظم الاستبداد التي ضيقت على المجتمع ، عموما ، وعلى نشاط الأحزاب السياسية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والأهلي ،خصوصا ، ثم مارست عليها ، كافة أشكال القمع ، والإقصاء ، والاستئصال ، ثم ، وفي مرحلة لاحقة ، التفتيت ، وتدجين الكوادر الرخوة ، لتشكيل تكوينات ، وأحزاب شكلانية ، لا أثر لها ، ولا تأثير ، أمّا ، ما تبقى ، فقد انحشر في الأقبية السرية ، أو في السجون ، حيث لم يعد لهم ، أي تأثير ، على الأجيال المتلاحقة ، التي ، لا يعرفون ،هم ، كيف تفكر ،هي ، ولا تعرف ، هي ، كيف يفكرون ،هم .. ، ثم ، أن مياه غزيرة جرت في أنهار ،العرب ، والعالم ، وتغيرت الكثير من المفاهيم ، فنهضت قوى ، وبادت أخرى ، بينما القوى الحية في المجتمع العربي محشورة في الظلام ، غائبة عن ما يجري ، وتحجرت عند مفاهيم ، وتجارب لم تعد ذات شأن ، أو انتقلت بردة الفعل إلى المقلب الآخر ، لتتبنى أفكاراً نقيضة ، لتلك الأفكار ، التي دفع كوادرها ، أعمارهم دفاعاً عنها ، في الأحوال كلها ، لم يعد هؤلاء جميعاً ، من النواحي الموضوعية ، والذاتية ، قادرين ، حتى لو أرادوا ، أن يديروا الحوار المنفتح ، والموضوعي ، والضروري ، للخروج من الأزمة ، التي عصفت بمشاريع النهضة ، والتنوير ، وقد حاولت ، العديد من القوى ، والتنظيمات ، والأحزاب ، الخروج إلى العلنية ، لكنها ، حتى الآن ، لم تعرف الطريق إلى العلنية ، ومتطلباته ، كما لم تعد تعرف ، أو تطيق ، البقاء في الأوضاع السرية غير المجدية ، وهي ضائعة ، بين ، البينين .فلا هي قادرة على العمل السري ،ولا ، هي ، محققة لشروط العمل العلني....
هنا ، لابد من الاعتراف ، أن الماكينة الأمنية ، لنظم الاستبداد ، ولقوى الهيمنة الدولية ، قد امتلكت ، من الإمكانيات ، والمقدرة على التطور ، ومن الأجهزة القمعية ، ما جعل الظروف ، غير متكافئة ، ودفع بما تبقى ، من قوى النهوض ، إلى الظروف الحرجة ، وثبت أن تلك الأجهزة قادرة بالقمع ، والأجهزة المتطورة ، على اختراق الأحزاب ، والمنظمات ، والتجمعات ، حتى باتت سريتها ، بلا معنى ، في بعض الأحيان ، بل ، وتحولت في أغلب الأحيان إلى سرية سلبية ، فهي سرية ، بالنسبة لكواردها ،بين بعضهم ،البعض ، وسرية عن المجتمع ،حاضنتها المفترضة ، ولكنها مكشوفة ،عارية ، في الغالب ،أمام أجهزة الأمن ، والتجسس ، والتنصت ، البالغة التعقيد ، والدقة . وبالتالي ، فإن الغاية الأساسية من السرية ، لم تعد ذات جدوى ، بل أضحت ، تقدم خدمة ، لا تقدر بثمن ، لقوى الاستبداد...، ولقوى الهيمنة الدولية ، في الوقت ذاته ، وذلك ، بعزل قوى النهوض ، والتنوير ، عن حاضنتها الاجتماعية ، من جهة ، ومن ثم الفتك بها ، من جهة أخرى ، بمعزل عن حاضنتها الاجتماعية تلك .
( 26 )
2 - إن العنف ، والقمع ، الذي مارسته ، وتمارسه أجهزة أمن السلطات الاستبدادية ، دفع ببعض القوى ، لمواجهته ، بردة الفعل ، وبالأسلوب ذاته ، وبالتالي تحولت بعض القوى ، والأحزاب المعارضة ، إلى شكل مناقض للأجهزة الأمنية التابعة لقوى الاستبداد ، لكنه متطابق معها ،من حيث الأساليب ، والطبيعة العنيفة ، مع الفارق ، في الإمكانيات ، وعدم التكافؤ ... وبما أن القوى ، والأحزاب السرية ، لا تملك أن تضرب في عمق الأجهزة الأمنية ، فإنها تضرب ،مناطق يسهل الوصول إليها ، قوى معينة ، أو تضرب عشوائياً في المجتمع ، وهذا يقدم خدمة واسعة لقوى الاستبداد ، التي تبدو ، وكأنها تحاول حماية المجتمع من قوى إرهابية ...... ،وفي المقابل ، ولأن قوى الاستبداد ، لا تعرف مكامن ، ومخابئ القوى السرية التي تواجهها ، فإنها تتوسع ، وتضرب في عمق المجتمع ، أيضاً ، وتبدو القوى المقابلة ، وكأنها تدافع عن المجتمع ،بمواجهة تعسف أجهزة السلطة ، وهكذا يتبارى الطرفان في ضرب المجتمع ، الذي يصبح بين فكي كماشة ، تنتهي في الغالب بسيطرة قوى الاستبداد السلطوي ، التي تستند إلى كل تلك المجريات ، في استباحة المجتمع ، ومؤسساته ، طولاً ، وعرضاً ، بحجة حماية المجتمع ، ولعل نظرة موضوعية على الساحة العربية ، من المحيط إلى الخليج ، توضح ، كيف تم سحق مؤسسات المجتمع ، وحتى مؤسسات الدولة ، ذاتها ، وبات ، كل شيء ، تحت تصرف القوى الأمنية ، والمخابراتية ، لا أحزاب ، حتى الأحزاب الحاكمة ، تم تدجينها ، لا قوات مسلحة ، حتى القوات المسلحة ، باتت تحت تصرف ، ورقابة الأجهزة الأمنية ، لا نقابات ، لا جمعيات ، لا أحزاب ، حتى الحركة الطلابية ، والجامعات ، بات كل شيء ، إما تحت تصرف الأجهزة الأمنية ، أو مخترقا ،ً من قبلها . وهذا ، سبب آخر ، يجعل من السرية خطراً على أصحابها ، وعلى المجتمع ، في الوقت ذاته ، وأنه لابد لقوى النهضة ، والتنوير ، أن تعود إلى حاضنتها الاجتماعية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، بالعلنية ، والشفافية ، والثمن ، في جميع الأحوال ، سيكون أقل تكلفة ...
3 - لقد تواترت الأدلة ، والنتائج ، بما لا يدع مجالاً للشك ، أن الأحزاب السرية ، والحركات السرية ، والمذاهب السرية ، والجمعيات السرية ، تؤدي إلى إنتاج علاقات داخلية ، بالغة التعقيد ، من الاستبداد ، والفردية ، والتسلط الداخلي ، بحجة السرية ، وعدم جواز كشف المعلومات ، والقرارات ، إلا لفئة ضيقة ، ثم ، وفي فترة لاحقة ، تنحصر المعلومات ،ومن ثم القرار ، بيد شخص واحد ، وحده ، يملك السر ، ويملك القرار ، وبالتالي ، فإن تلك المؤسسات السرية ، تتحول إلى بؤر للفساد ،والتسلط ، وإنتاج مستبدين ، وإقصائيين ، في مؤسساتهم ، ومن ثم ، مستبدين في علاقاتهم ، مع الآخر ، ثم مستبدين ، في حال وصلوا إلى السلطة .. ذلك ، أن ، الإناء ينضح بما فيه ، فالمؤسسات الشمولية ، المغلقة ، لا يمكن أن تنتج علاقات ديمقراطية ، أو تتعامل ، مع الآخرين ، بديمقراطية ، وبالتالي فإن السرية ، تتناقض مع الشرط ، الذي وضعناه ، وهو ديمقراطية مؤسسات النهضة ، والتنوير ، وتغدو العلنية شرط لازم لهذه الناحية أيضاً .
( 27 )
4 - إن مشروع النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، ليس مشروعاً خاصاً بالأمة العربية ، أو بجزء من شعبها ، وحسب ، وإنما هو جزء من حركة إنسانية واسعة ، للتخلص من القرصنة ، والتوحش ، والاستبداد ، الذي تمارسه ، قوى متنوعة المنطلقات ،والأهداف ،لكنها تتناغم في الأساليب ،وتتمثل ، بشركات ، ودول ،وجماعات ،تنشط ، على كافة الأصعدة ، السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، وبالتالي ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، والذي ، هو ، محط أنظار العالم ، تدعمه العديد من قوى الأنسنة ،والتنوير في العالم ، أو تحتشد لإفشاله العديد من قوى الاستغلال ،والهيمنة في العالم...،وبالتالي ، لا يمكن ، لحملة مشروع النهضة العربية ، أن يغمضوا أعينهم ، عما يجري في العالم ، لأنهم جزء من حركات واسعة ،منتشرة في جميع أنحاء العالم ، لمناهضة الإمبريالية المتوحشة ، والتوحش الرأسمالي ، ومقاومة النظم الشمولية ، والاستبدادية ، وحماية البيئة ، والكوكب من التلوث ، ومن أسلحة الفتك الشاملة ،وكذلك مقاومة جميع أشكال التطرف ،والغلو ،أيا كان مصدرها ، وهذا يعني ، أن حملة مشاعل النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، أصحاب رسالة إنسانية شاملة ، يجب أن تحكم تصرفاتهم ، وسلوكياتهم ، وفي هذا المجال ،وتحت سقف المراجعة ، نقول ، إن بعض الفصائل العربية ، التي وجدت نفسها أمام أفق مسدود ، في الوطن العربي ، وتعاملت مع طرف ، من أطراف ، أجهزة الهيمنة الدولية ، في مرحلة من المراحل ، أيام الحرب الباردة ،قبلها ،أو بعدها ، وجد ، كوادرها أنفسهم ، بعد انتهاء تلك الحرب ، بانهيار ، أحد ، حديها ، أنهم مجرد أدوات بأيد مجرمة ، خبروها من الداخل ، وخبروا أساليبها ، وخبروا أدواتها ، فاستخدموا ، كل ، ما امتلكوا من خبرات ، ومقدرة ، ومعارف في الانقلاب عليها ، وقرروا أن يضربوها في عقر دارها ... وبذات الأساليب المتوحشة......
( 28 )
وإذا ، كنا ، نتفهم تلك الدوافع التي أدت إلى تفجيرات نيويورك ،ولندن ، ومدريد .......، وإلى آخرها... ، ونتفهم مبرراتها ، ونتفهم ما أنتجته ازدواجية المعايير ، والنظرة العنصرية ، والاستعلائية ، والمخططات المشبوهة ، للسيطرة ، والهيمنة الدولية ، ووضع اليد على ثرواتنا ، وانتهاك حقوقنا ، في كافة المجالات ، فإن الردود ، التي تمت ، حتى الآن ، على أيد مدربة ، ومقتدرة ،وسرية ،وجدناها تصب في الاتجاه المعاكس ، لما تسعى إليه قوى النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ... كيف ؟ في الجواب ، نقول ، انه ، ورغم الإمكانيات الهائلة ، التي امتلكتها الجماعات السرية ،العربية ،وغير العربية ، والتي انخرطت في تلك الأحداث ، فإنها وجدت نفسها غير قادرة على ضرب قوى الهيمنة الدولية ، كقوى مخابراتية ، وقوى عسكرية ، فاتجهت لضرب المجتمعات ، أو المؤسسات المدنية ،التي من المفترض ، أن تتحالف ، معها ، قوى النهوض العربية ،فقوى التوحش ، المعولمة ، يجب أن تسقط في مجتمعاتها ،وبالتعاون مع القوى الحية في تلك المجتمعات لا بإرهابها ، وبالتالي ،فإن تلك العمليات ، أدت إلى نتائج عكسية حيث أضعفت تلك الضربات ، قوى التنوير، ومؤسسات مقاومة التوحش ، في الغرب ، بل ، وفي العالم كله ، واستفادت قوى الهيمنة ، والتوحش ، من ذلك ، فقويت شوكتها ، وقامت بالتوسع في الغزو ، والهيمنة .. وبات العربي ، إرهابيا ،ً إلى أن يثبت العكس ، وبالتالي ، لابد من تصحيح هذه الصورة ، فنحن ، وفي القرن الواحد والعشرين ، لا يمكن أن نقول ، من حيث المفاهيم ، أن هناك ، شعوباً عدوة لنا ، أو أن هناك ، أمماً عدوة لنا ، تلك عنصرية ، لا يمكن أن ينزل النهضويون العرب ، إلى مثل هذا الدرك ، من التوحش ، في أي حال ، من الأحوال ، نحن ضد سياسات عنصرية ، متوحشة ،أيا ، كان مصدرها ،من الشرق ،أو من الغرب ، وهذه ، لا تقابل بذات أساليبها ، التوحش ، لا يواجه بالتوحش ، بل يواجه ، بالأنسنة ، والعنصرية لا تواجه ، بمثلها ، وإنما تواجه ، بالمساواة بين البشر ، وإدانة ضرب المدن بأسلحة الدمار الشامل ، كما فعل الأمريكيون ، في هيروشيما ، لا يكون بضرب محطات المترو ، وتفجير وسائل النقل العام ،وقتل المدنيين ، كما أن مواجهة الطائفية ، والتعصب الديني ، كما يفعل الصهاينة ، لا يكون بالطائفية ، والتعصب ، وإنما ، بالحوار ، والتسامح . فالعنصرية ، هي العنصرية ، والطائفية ، هي الطائفية ، والاستغلال ، هو الاستغلال ، والتوحش ، هو التوحش ... فليس ،أي من ذلك ، حد إيجابي ، في مواجهة حد سلبي ، وإنما يتساوى الحدان ، في السلبية .
مرة أخرى ، نقول ، أن مشروع النهضة ، والتنوير، في الوطن العربي ، يجب أن يستعيد صورته المشرقة ، بالإنسنة ، وبمواجهة كل سلب ، في هذا العالم ، بكل ما هو إيجابي ، لإنقاذ هذا الكوكب ، من ، كل ، أشكال التوحش ، وبالتالي ، الشد على الأيدي التنويرية ، في العالم ، والقيام ، بكل ، ما يمكن ، لإضعاف قوى التوحش ، والاستبداد ، في كل مكان ، من هذا العالم ، بتقديم نموذج حضاري ، نهضوي ، تنويري ، يحتذى به ، ويمنح القوة ، لمنطق الأنسنة ، والتنوير ، في العالم ، لمحاصرة قوى ، وعصابات ، ومؤسسات التوحش ، في بلاد المنشأ ذاتها .
إذا ، صح ما قلناه ، وهو بنظرنا صحيح ، فإن الدعوة لبناء تنظيمات ، وجماعات سرية ، من ذات طبيعة أجهزة القوى المعادية ، تفقد مبرراتها ، فقوى العنصرية ، والهيمنة ، والتوحش ، والتطرف في العالم ، ترضع من بعضها ، البعض ،حتى ، لو كانت على التضاد ، بينما ، تدفع قوى الأنسنة ، والحضارة ، الثمن دائماً .
( 29 )
5 - إن ، أي ، عمل نضالي ، من أجل الحرية ، في ، أي ، مكان من هذا العالم ، وفي ، أية ، لحظة تاريخية ، يتضمن نسبة معينة ، من المغامرة ، والمخاطرة ، وهذه النسبة ، تبدو مرتفعة ، في ظل ظروفنا المعقدة ،في الوطن العربي ، المهم في الأمر ، أن تكون تلك المغامرة ، ودرجة الخطر ، محسوبة ، قدر الإمكان ، وإن كان الأمر ، لا يتوقف على المناضلين ،المحررين ، الأحرار ، وحدهم ، وإنما يتوقف على الطرف الآخر الممانع ، للنهضة ، والتنوير ، والذي لن يوفر سلاحاً ، في معركة البقاء ، ذلك ، أن قوى الاستبداد ، ومؤسساتها الفوقية ، وقوى التحجر ، ومؤسساتها التحتية ، غالباً ما تكون أحادية النظرة ،باتجاه واحد ، بمعنى ، أنها لا تبحث عن بدائل ، فهي ، إما ، أن تبقى في موقع السيطرة ، والسطو على المجتمع ، أو في موقع امتلاك الحقيقة ، وإلغاء الآخر ، وإما ، أن تزول نهائياً ، وبالتالي ، فإنها ترفض ، أي حوار ، إلا تحت سقف التسليم ، للقوى الفوقية ، بأبدية حقها في السلطة ، أو التسليم للقوى التحتية ، بأبدية حقها ، في احتكار الحقيقة ، فقد ، أحرقت ، هذه ، وتلك ، مراكب العودة إلى المواطنة ، والمجتمع ، وهي ، لهذه الغاية ، قد تفعل ، أي ، شيء، تقمع ، تقتل ، تعتقل ، تناور ، تفجر ، تعقد الصفقات ، مع عناصر معينة ، لتخريب مؤسسات المجتمع ، وتفتيت المؤسسات ذات النفع العام ، تعقد الصفقات مع الخارج ، بلا حدود ، تقدم التنازلات ، بلا حساب ، لأصحاب مخططات الهيمنة الخارجية ، بينما ترفض الحوار – مجرد الحوار – مع ، أي ، قوة مجتمعية ، في الداخل ، ذلك أنها ، تقدم نفسها ، للخارج على أنها ، هي ، القوة الواحدة ، والوحيدة ، التي يمكن الاعتماد ،إلا عليها ، وأنه ، لا مجتمع ، ولا قوة أخرى ، خارج سيطرتها .
وإذا ، كان هذا هو شأن القوى المستبدة ، في الواقع العربي ، سواء في السلطة ،أو ، في قاع المجتمع ، فإن واقع قوى ، ومافيات الهيمنة الخارجية ، تتناغم ، مع ذلك ، فقد ثبت ، أن الصفقات ، وتمرير مخططات الهيمنة على المجتمعات ، لا يمكن أن تمر ، عبر نظم ديمقراطية ، مهما كانت عيوب تلك النظم الديمقراطية ، ولهذا ، فإن قوى الهيمنة الدولية ، التي تدعي الديموقراطية ، وأجهزتها المخابراتية ، تورطت ، وتتورط ، في الانقلاب على الديمقراطيات ، وإقامة النظم الديكتاتورية ، والتجارب ساطعة ، في هذا المجال ، عبر العالم ، كله ، وفي وطننا العربي ، على وجه الخصوص ... وبالتالي ، فإن قوى الاستبداد في الداخل ، وقوى الهيمنة من الخارج ، تتكامل في السعي ، للعمل في الظلام ، وعقد الصفقات السرية ، وهذا ، لا يمكن أن يدوم إلا بتغييب المجتمع ، وتغييب الرقابة الشعبية ، وهذا يستدعي محاصرة مؤسسات المجتمع ، وقمعها ، ودفعها إلى أقبية العمل السري ، لإخراجها من حاضنتها الاجتماعية ، الواسعة ، فبهذا تصبح ، بلا فاعلية ، كما ، أن المجتمع ،بذلك ، يفقد مقاومته ، للاستبداد ، والاستلاب ، في الوقت ذاته ، وإذا كان ، هذا هو الواقع ، الذي مازال سائداً ، في الوطن العربي ، فإن قوى النهوض ، والتنوير ، بدأت تشق طريقها ، في أكثر من مكان ، في العالم ، للخروج من المأزق ، فهذه شعوب ، أمريكا اللاتينية ، التي أسست مدارس ، في المقاومة المسلحة ، والتنظيمات السرية ، والأعمال الفدائية الخارقة ، لمقاومة الديكتاتوريات ، والهيمنة الخارجية ، تحقق ،الآن ، عن طريق الأحزاب ، والتنظيمات العلنية ، والطريق الديموقراطي ، ما عجزت عن تحقيقه ، بالثورات المسلحة ، والأحزاب السرية ، فها ، هي ، الآن ، تتخلص من الديكتاتوريات ، والهيمنة الخارجية ، في الوقت ذاته ، وكذلك ، ما جرى في شرق آسيا ، وفي جنوب شرق آسيا ، وفي تركيا ، وفي أغلب الدول الإفريقية ، نريد من ذلك كله ، أن نصل إلى نتيجة ، تقول : أن المخاطر المتأتية ، على الكوادر ، في التنظيمات السرية اكبر ، بما لا يقاس ، من المخاطر المتأتية ، عن العمل العلني ، ذلك ، أن الاختراق ، في ظل العلنية ، أصعب ، لأن المؤسسات العلنية ، الديمقراطية التكوين ، والتركيب ، من الصعب جداً احتواءها ، وتدجينها ، واختراقها ... وبالتالي ، فإن نسبة المغامرة ، تتدنى في النضال العلني ، وهذا لا شك ، يتطلب قواعد ، وأسس مختلفة ، تتبنى تهذيب الخطاب السياسي ، ودراسة القوانين الوضعية ، دراسة دقيقة ، والتقيد ، قدر الإمكان ، بأسس العملية الديمقراطية ، والجهر بالرأي ، والتحرر من الخوف ، وفي مثل هذه الحالة ، فإن القمع ، يفقد مبرراته الموضوعية ، والعنف يفقد حده المقابل ، في المجتمع ، فيتحول من اعتداء خاص ، على أفراد ، بعينهم ، معزولين ، في تنظيمات سرية ، إلى اعتداء عام على المجتمع ، ويخرج الصراع الاجتماعي ، من دائرة السرية ، والشائعات ، والاتهامات المزيفة ، إلى صراع مكشوف ، أمام الرأي العام ، في المجتمع ، الذي ، لا يملك ، في مثل تلك الحالة ، إلا أن يدخل طرفاً ، في هذا الصراع ، وتعود قوى النهوض ، والتنوير ، إلى حاضنتها الاجتماعية ، ويفقد الاستبداد السلطوي ،والتخريب المتخلف ، أحد أهم ركائزه ، وهو إبعاد الرأي العام ، عن الشأن العام ، والسياسة ، وفي هذه الحالة أيضاً ، تغدو السجون ، والمحاكمات المكشوفة ، أداة ، من أدوات صنع الرأي العام ، عوضاً ، عن أن تكون ، مجرد فزاعة ، ورعب ، وقد تتحول الزنازين ، في هذه الحالة ، إلى خلوة شرعية ، بين مختلف التيارات ، والقوى السياسية ، لتعميق الحوار ، وتبادل الآراء ، والخبرات ... وبقدر ما ينحسر شبح الخوف ، عن المجتمع ، بقدر ما تصبح ، أدوات الاستبداد ، بغير جدوى ، وبقدر ما تتجه قوى النهضة إلى العلنية ، والشفافية ، والمواجهة المكشوفة ، والخروج من العزلة ، والانخراط المباشر ، بين الناس ، بقدر ما تغدو عملية القمع ، والإقصاء صعبة ، ومعقدة ، بالنسبة للمستبدين ، والمستعمرين ،والمتخلفين ،على السواء ...
( 30 )
باختصار شديد ، لقد أثبت التجارب الحية ، أن قوى الاستبداد ، وقوى الهيمنة الخارجية ،وقوى التخلف الاجتماعي ، لا تتمكن من تحقيق أهدافها ، وضرب قوى النهوض ، والتنوير ، إلا في الظلام ، وظروف السرية ، وتحقيق الصفقات ، في الخفاء ، وبالتالي ، فإن على قوى النهضة ، والتنوير ، أن تخرج إلى النور ، وتنخرط في رحم مجتمعها ، فالظروف تتغير في العالم ، والأساليب ، ليست مقدسة ، على أية حال ، فما كان يمكن ، تحقيقه ، بالثورة ، والعنف ، والنضال السري ، بات ، من الممكن تحقيقه ، بالعلنية ، والديمقراطية ، والشفافية ، فالمهم ، هو الوصول إلى الأهداف ، وهذا لا يعني ، على الإطلاق ، أن ، الحاجة إلى المواجهة ، والمقاومة ، قد انتفت ، فالأمة ، في أشد الحاجة ، إلى مقاومة إستراتيجية ، للغزاة ، ومخططاتهم ،للمستبدين ،وأجهزتهم ،للمتخلفين ،وقطيعيتهم ، لكن ،على تلك المقاومة ، أن تعتمد ، نواميسها ، التي تضعها ، في السياق العام ، لقوى النهضة ، والتنوير ، وللحديث عنها ، موضع آخر ، يتعلق ، بآليات عملها ، ونطاقه .
ما نقصده ، الآن ، هو الأخذ بعين الاعتبار ، تغير الأحوال ، والظروف ، فالأساليب ،والأدوات المناسبة ، هي التي تحسم الموقف ،فيما إذا كانت جماعة ،ما ،ستحقق أهدافها ،أم ،لا ، فاستخدام العنف ، في غير مكانه ، يذهب بالأهداف ، ويؤدي إلى عكس ما تهدف إليه قوى النهضة ، والتنوير ، فتستأسد ، أجهزة الاستبداد ، وتستند إلى تلك الممارسات الخاطئة ،من الطرف الآخر ، في أن تنفلت الوحشية ، من عقالها ، تنهش بالمجتمع ، لهذا ،فإن السؤال ، الذي لابد ، أن نجهد جميعاً ، في الإجابة عليه ، هو ، كيف يمكن تفكيك غول الاستبداد ...؟ كيف يمكن محاصرة أجهزته ، وأسلحته ، بحيث تصبح بلا فاعلية ...؟ ، كيف يمكن ، أن نواجه الغزاة ...؟ ، كيف يمكن ، أن نحرر المجتمع ، من غول التخلف ،لينطلق إلى الحرية....؟ ، كيف يمكن ، أن نحدد الأساليب ،والأدوات المناسبة ،في مكان معين ،في زمان محدد ،وأن نمتلك المرونة المناسبة ،لتغيير تلك الأساليب ،والأدوات ،وتعديلها ،وتطويرها ،وإبداع أساليب ، وأدوات جديدة ، حسب الحاجة ،والظروف المتغيرة...؟ ،فالأساليب ،والأدوات ،غير ثابتة ،وهي بالتأكيد ،ليست مقدسة....
( 31 )
لقد أجهدت نظم الاستبداد نفسها ، وسخرت ثروات المجتمع ، كلها ، لبناء أجهزة أمنية ، متشعبة ، أخطبوطية ، تسمع ، تتنصت ، تتجسس ، تلاحق ، بصاصين ، ومخبرين ، على كافة المستويات ، لكشف ، أي تحرك ، وقمع ، أي نشاط ، في المجتمع ... السؤال ، ماذا تفيد تلك الأجهزة ، كلها ، في مواجهة نشاط ، يعلن عن نفسه ، بكل الوسائل ، وينشر ، على الملأ ، ما يريد ، وإلى أين يتجه ، وخط تحركه ..؟ ، لهذا قلنا ،ونقول ،إن ، زمن الجهر بالدعوة ، قد آن ، أوانه ،بل ، ربما تكون قوى النهوض ،والتنوير ،قد تأخرت في إدراك ذلك ..
فمثلاً ، والكلام ، هنا ، على لسان ، مناضل عربي ، من أجل الحرية ، والنهضة ، والتنوير، ألتقي معه ، بين الفينة ، والأخرى ، قال ،لي ، بالحرف الواحد ، تقريبا ، ما يلي : إذا ، كنت قد كتبت ، وقلت ،كل ، ما أريد ... ، حتى ،عندما كنت محشورا في الزنزانة ، وبين أيديهم .....؟ ، قلت ، وكتبت ، كل ، ما أريد قوله ، فعلاً ، وها ، أنا أكتب الآن ، ما أعتقد ، أنه ضروري ،كنداء للحرية ، وللنهضة ، وسأكتب في المستقبل ، وسأقول ، وسأتحرك ، بالاتجاه الذي يخدم الأهداف التي عشت من أجلها ... في هذه الحالة ،والحديث مازال له ، ما قيمة تلك الجيوش ، من المخبرين ، التي تلاحقني ، وتتجسس على تحركاتي ، وتتنصت على مكالماتي الهاتفية ..؟ أقول لك ، ببساطة ، تلك القوى ، الهائلة ،كلها ، باتت بلا فاعلية ، وتابع : إذا رأوا ، فيما أقوله ، قيمة ، ما ، ويصلح للحوار ، فأهلاً ، بالحوار ، وإذا رأوا ، أن ، ما أكتبه ، لا قيمة له ، فليهملوه ....، وإذا رأوا ، أنه يشكل خطراً عليهم ، فليكن ، السجون ، لم تعد تخيفني ..! كما ، أن غرف التعذيب ، وفرق الجلد ،لم يعد ، من مبرر ، لها ، ولا داع ، لانتزاع الاعترافات ، فليس ، هناك ، ما أسعى إلى إخفائه ، على العكس ، سأسعى لإقناع ، حتى المحقق ، بوجهة نظري ...،فهو في قرارة نفسه ، يتمنى أن يكون مواطنا ،يتمتع بحقوق المواطنة ، وتابع صاحبي ، قائلا :
بهذا ، وبهذا فقط ، تتحول السجون ، إلى مولدات ، لنماذج ، مفولذة ، من المناضلين من اجل الحرية ، أما ، إذا توحش ، المستبدون ، إلى حد ، اتخاذ القرار ، بالقتل ، أو ، بالتصفية الجسدية ،والكلام مازال له ، ففي هذه الحالة ، أيضاً ، تكون العلنية ، إضافة ، إلى رصيد القتيل ،وليست انتقاصا من مشروعه النهضوي ، بينما الظلام ، والسرية ، إضافة ، إلى رصيد القاتل ، ومشروعه الإجرامي ، بترسيخ الخوف ، والرعب ، أكثر ، داخل المجتمع .واختتم صاحبي حديثه ، الملحمي ، بالقول :
على ، أي ، حال ، فإنني ، والكثيرين، من أبناء جيلي ، وأنت منهم ، نعتقد ، أننا عشنا ، ربما أكثر مما ينبغي ، ولا نجد في هذا الواقع العربي ، ما يستحق أن نعيش من أجله ، سوى السعي ، والنضال ، من أجل تغييره ،إيجابيا ،باتجاه الحرية ، والنهوض ، والتنوير ، وأي ثمن على هذا الطريق ، أهلاً به .....! انتهى حديث صاحبي ، الذي يكثف زياراته ، إلي ، هذه الأيام ، وبات يحرمني متعة النوم ،ولم يعد يكتفي ، بأن ، أبصم ، له على ما يقول ، بل بات يلاحقني بالسؤال ،المؤرق ، وماذا بعد ...؟ ، فأنهيت الحديث ، وإن كان ذلك الطيف يلاحقني ، ولا سبيل للهرب منه ، لذلك قررت الهروب إليه ...........!
( يتبع ..."5"...البيان..... )
* حبيب عيسى

سليم حجار 12-01-2008 11:53

على بســــــــاط الثــــلاثاء 31
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

31

يكتبها : حبيب عيسى



البيان....."5":

أحزاب ، مقاومة ..... أين ، كيف ، ومتى ...؟



( تتمة .... "5"....البيان.... )

نتابع البحث في الضوابط ، التي يجب ، أن يعتمدها رواد النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، للخروج من المأزق ، الذي طال أكثر مما ينبغي ...

( 32 )

سابعاً ، سابع الضوابط ، التي لابد منها ، لاستئناف مسيرة النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، هو ، نبذ العنف داخل المجتمع العربي ، نبذه ، مطلقاً ، في قضايا الصراع الاجتماعي ، والثقافي ، والسياسي ، والفكري ، والديني ، ونحن ، لا نمل من تكرار هذا ، ذلك أن العنف داخل المجتمع العربي ، لا يمكن السيطرة عليه ، قد تعرف كيف تبدأه ، لكنك ، أبداً ، لا تعرف ، كيف يمكن أن ينتهي ، العنف بين قوى المجتمع ، هو ، تدمير للمجتمع ، للأطراف ، كلها ، دون استثناء ، وبالتالي ، لا بد من قرار ضمني ، لابد من عهد ، وميثاق ، بتحصين المجتمع العربي ، من أشكال العنف على مختلف أشكالها ،وأنواعها ، داخل المجتمع ، وهذا يتطلب جهوزية عالية ، لقوى النهضة ، والتنوير ، بأن ترفض الاستفزاز ، ترفض ، حتى مواجهة العنف ، بالعنف ، ترفض التصرف ، بردود الأفعال ،ذلك أنها ( أم الصبي ) في الأحوال كلها ، ولأن ، قوى الظلام ، والاستبداد ، غير متضررة من تدمير المجتمع ، وتهتك نسيجه ، بل ، إنها ، ساعية لذلك ، لهذا ، لابد ، من مواجهتها ، بمنعها ، من تحقيق ذلك ، بجميع الوسائل ، والسبل ، وذلك ، باعتماد الرأي ، بمواجهة الرأي ، ومقارعة الحجة ، بالحجة ، وفتح الأجواء ، لجميع الأفكار ، والآراء ، حتى ، الاستفزاز ، والعنف ، من قبل قوى الظلام ، والاستبداد ، يجب أن يواجه ، بالعقلانية ، والرأي الصائب ، والموقف الصحيح ، بمواجهة الخطأ ، والقمع ، والاستفزاز ، باختصار شديد ، لابد من تعرية أساليب قوى الاستبداد ، والظلام ، بمواقف حاسمة ، وفعالة ، بحيث يتم عزلها ، وتفكيكها ، وفضح جميع التبريرات لاستخدام العنف ، والقمع ، على المجتمع ، ذلك ، أن محاصرة العنف ، لا يمكن أن تتم ، إلا ، بحيث يبقى أحادي الحد ، لا يجد ، حده ، المقابل ، لأن ذلك ، يفقده مبررات حدوثه ،فيسقط ، ويسقط المحرضين عليه .

إن ، هذا ، لا يعني على الإطلاق ، الاستسلام ، لقوى الاستبداد ، والظلام ، أو الكف عن مقاومتها ، وإنما يعني ، على العكس تماماً ، الانتقال إلى الأساليب ، الأكثر مضاء ، وفعالية ، في مواجهة قوى الاستبداد ، والظلام ، من جهة ، وجيوش الغزاة ، والمحتلين ، من جهة أخرى .

فقط ، أردنا القول ، بكل تحديد ، أن نواميس العمل السياسي ، وقوانينه ، وأدواته ، وأساليبه ، تختلف ، اختلافاً جذرياً ، عن نواميس المقاومة العنيفة ، وقوانينها ، وأدواتها ، وأساليبها ، والخلط بينهما يؤدي إلى نتائج كارثية ... فالفصل ، هنا ، بالغ الأهمية :

- المقاومة ، للتحرير ، ومواجهة العدو الخارجي ، وتحرير الأرض من المحتل ، أياً كانت ، هويته ..

- بينما ، الممارسة السياسية ، الديمقراطية , السلمية , والحوارية ، تكون , لتنفيذ البرامج السياسية , والاجتماعية , والاقتصادية , والثقافية ، وكذلك ، لمواجهة أشكال الاستبداد ، والتفرد .

وإذا ، كان العمل قسمة ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، لا يتسع لسائر الإمكانيات ، والاختصاصات ، وحسب ، وإنما ، لابد من تضافر سائر تلك الإمكانيات ، والاختصاصات ، لإنجازه ، دون تعارض ، أو تناقض ، ولكن بتناغم ، وانسجام ، وبالتالي ، فإن ، من يختار ، أن ينخرط في صفوف المقاومة ، عليه ، أن يلبس لبوسها ، ويخلع على عتبتها ، ما اقتضته الممارسة السياسية ، المدنية ، من أساليب ، وعندما يقرر ، أن يعود ، للعمل السياسي ، المدني ، سواء ، لأنه ، أراد ذلك ، أو ، لأن المقاومة أنجزت مهامها ، عليه ، أن يخلع على عتبة الممارسة السياسية ، المدنية ، بزته العسكرية ، وينظف سلاحه ، ويسلمه ، ويمارس العمل السياسي ، وفق نواميسه ، وضوابطه ... وهذا يقودنا ، للحديث ، عن الضوابط ، التي تحكم عمل المقاومة ، وأساليب ممارستها .

( 33 )

ثامناً : ثامن ، هذه الضوابط ، إذن ، هو ، تحديد مفهوم المقاومة ، مكانها ، زمانها ، نواميسها ، حدود البداية ، وخط النهاية ، ذلك ، أن العمل السياسي مستمر ، ومتطور ، بينما المقاومة المسلحة ، نضال ، مؤقت ، محكوم بظروف العدوان ، والاحتلال ، تبدأ معه ، وتنتهي بهزيمته ، أي ، أن المقاومة المسلحة ، أسلوب عنيف ، من أساليب العمل السياسي ،يتم اللجوء إليه ، عند الضرورة ، لتحقيق غاية محددة ، بدون إفراط ، أو تفريط .....

وهنا ، لابد من وقفة نوضح ، من خلالها ، ما نريد قوله ، دفعاً لأي التباس ، نعم ، نحن ، ندعو إلى نبذ العنف تماماً داخل المجتمع العربي ، وإلى العلنية ، والشفافية ، والاحتكام لصندوق الاقتراع ، وتكافؤ الفرص ، والمساواة التامة بين المواطنين ، والاحتكام للعدالة ، والانضواء تحت سقف القانون ... وإلى آخره ... لكن ، هذا لا يعني ، على الإطلاق ، أن الحاجة ، إلى المقاومة ، قد انتفت ، أو ، أن الحاجة إلى حمل السلاح ، قد باتت من الماضي ، أو ، أن مواجهة الغزاة ، والطامعين ، وقوى الهيمنة ، وأساطيل العدوان ، يمكن مواجهتها بالزهور ، والرياحين ، على العكس من ذلك ، تماماً ، إننا ندعو ، للحرية ، والديمقراطية ، والمساواة ، والعدالة ، داخل المجتمع العربي ، لغايات ، وأهداف متعددة ، ومتشعبة ، لعل ، أولها ، وحجر الأساس فيها ، هو تحصين المجتمع العربي ، وتحرير كل شبر من أراضيه المحتلة ، واستثمار ثروات الوطن ، المادية ، والبشرية ، لبناء نموذج إنساني ، يحتذى به ، على صعيد الإنسانية جمعاء ، وهذا يقتضي بناء قوة ، فاعلة ، مقتدرة ، ترهب القراصنة ، وترد العدوان ، وتشكل سياجاً يحمي المجتمع ، ويدفع عنه التوحش ، من أي مصدر أتى ، بل ، نحن ، نقول أكثر من ذلك ، فنؤكد ، أن الحرية شرط الديمقراطية ، المسألة ، إذن ، لا تتعلق ، بضرورة بناء المقاومة ،عندما تتحقق شروطها ، وعندما تكون مواجهة العدوان فوق كل اعتبار ، وتحتل الأولوية على ماعداها ، فقد أثبتت تجارب البشرية ، البعيدة ، منها ، والقريبة ، إن المجتمعات التي تنعم ، بالحرية ، والديمقراطية ، والعدالة ، تكتسب بذلك مناعة ، تحصّنها ، وتجعل العدوان ، عليها ، باهظ التكاليف ، وبقدر ما يترسخ شعور المواطن ، بمواطنيته ، بقدر ما يدافع عن وطنه ، وبقدر ، ما يفتقد المواطن ، هذا ، الشعور بالمواطنة ، ويتحول إلى ، رقم ، من رعايا ديكتاتورية ، ما ، بقدر ، ما يفتقد الحماسة ، لمواجهة ، أي ، عدوان خارجي، طالما ،أن ، الديكتاتور ، يعتبر نفسه ، صاحب الوطن ... وله الحق ، وحده ، في اتخاذ القرار ، وله الحق ، وحده ، في المنح ، والمنع ، حتى حق الحياة ، محصور فيه ، وبأجهزته ، فإذا كان الأمر ، كذلك ، فليدافع ، هو ، وأجهزته ، أولئك ، الذين يستأثرون بكل شيء ، وكم ، من الديكتاتوريات ، سقطت بضربة واحدة ، وكم ، من الإمبراطوريات ، انهارت من تلقاء نفسها ، لأنها لم تجد من يدافع عنها ، وبما ، يخص أمتنا ، دعونا نعترف ، أن العدوان ، الذي تتعرض له أمتنا العربية ، في مختلف مناطقها ، وأقاليمها ،وأقطارها ، في الظرف الراهن ، ليس عدواناً ، مسلحاً ، وحسب ، وإنما ، تتعرض لأشكال متعددة ، ومتنوعة ، من العدوان ، تستهدف البنية الاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ، والسياسية ، ويتم ذلك كله بأساليب ، متنوعة ، أيضاً ، العدوان العسكري ، هو ، واحد منها ،لا أكثر ، وبالتالي ، فإن مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، يجب ، أن ، تتنوع ، أساليبه ، وأدواته ، ومقاومته ، بتنوع ، ما تتعرض له ،الأمة ، ومن ، تلك ، الأساليب : المقاومة المسلحة ... في مواجهة العدوان الخارجي ، المتمثل بالجيوش المعتدية ، أو ذلك العدوان المتمثل بالمستعمرات الأستيطانية .....

لكن كيف ...؟ وأين ...؟ ومتى ...؟ هذا هو السؤال ....

( 34 )

نعترف ، ابتداء ، أن الإجابة ، لم ، ولن تكون ببساطة السؤال ، خاصة ، بعد التجارب المريرة ، في هذا المجال ، فالواقع العربي ، شديد التعقيد ، وبالتالي ، لابد ، من التحميص ، والتدقيق ، وتحديد المفاهيم ، ذلك ، أن هذه الأمة ، قدمت ، من الشهداء ، والضحايا ، ما يكفي ، لتحرير الأمة ، عشرات المرات ، لو ، أن تلك الدماء ، بذلت على الطريق ، الصحيح ، للحرية ، لكن ، ما جرى ، كان بمثابة مأساة ، للذين ضحوا ، وفي الوقت ذاته ، جلب المزيد ، من المآسي ، للذين تمت التضحية من أجلهم ، ولن نستغرق في ضرب الأمثلة ، فلهذا ملفه الخاص ، الذي لا يتسع المجال له ، هنا ، ما يعنينا ، الآن ، هو الحاضر ، والمستقبل ، وبالتالي ، فإن حديثنا ، لن يكون عن حروب الأنظمة ، وهزائمها ، كما ، لن يتطرق إلى ما آلت إليه ، أقلمة المقاومة ، وخصصتها ، ومذهبتها ، وسنتجاوز عن الانقلابات العسكرية ، والمآسي ، التي أدت إليها ، وإنما ، سيقتصر الحديث ، عن ، ما يجب أن تكون عليه ، المقاومة ، حاضراً ، ومستقبلاً .



( 35 )

1 - نبدأ ، بتحديد المفاهيم ، كما نراها ، فالمقاومة ، مشروع تضحية ، في سبيل الوطن ، دفاعاً ، وهجوماً ، وتحريراً ، بدون أي مقابل ، والمقاومون شهداء ، أو مشاريع شهداء ، بمجرد ، أن يقدموا ، طوعا ،ً للانخراط في صفوف المقاومة ، بهذا المعنى ، فإن ، المقاومين ، شهداء الوطن ، كل الوطن ، شهداء الشعب ، كل الشعب ، بمختلف أطيافه ، وأحزابه ، لأنهم ، لا يحررون ، أرض حزب معين ، أو مزرعة شخص بعينه ، أو،أملاك جماعة بذاتها ، وإنما ، يحررون ، أرض ، تحمل هوية الوطن ، كل الوطن ، وبالتالي ، فإنهم ، رموز الوطن ، والشعب ، معاً .

2 - استناداً ، على ، ما تقدم ، وبناء عليه ، فإن المقاومة ، ليست حكراً ، على حزب معين ، أو جماعة ، بعينها ، أياً كانت ، كما ، أنها ، ليست مغلقة ، لحساب أحد ، أنها مفتوحة ، لكل من ينبري لها ، بغض النظر ، عن ، الجنس ، والدين ،واللون ، والعقائد ، والإيديولوجيات ، والإثنيات ،....، إنها ، حق ، وواجب ، وتضحية ،وشرف نبيل ، وسمو ، وشهادة ، في الوقت ذاته .

3 - استناداً ، على ما تقدم ، فإن المقاومة ، لا يمكن ، أن تكون ذراع ، لحركة سياسية معينة ، أو ،أداة ، لجماعة دينية ، أو طائفية ، أو أثنية ، أو مناطقية ، وإنما ، يجب ، أن تكون من نسيج الأمة ، دون تمييز ، لتكون ، ذراع الأمة ، كل الأمة . وبمقتضى هذا ، فإنه ، لا بد من الفصل ، بين النشاط السياسي ، على مختلف درجاته ، وبين النشاط المقاوم ، على تنوع أدواته ، فلكل ، من النشاطين ، مكانه ، وزمانه ، وأي خلط ، يؤدي إلى مأساة ، وإن كان ، لابد من التكامل بينهما ، بمعنى ، أن التناقض يؤدي إلى كارثة ، أيضاً . بمعنى ، أدق ، فإن النضال السياسي ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، يتم عبر مؤسسات ، وأحزاب ، وجمعيات ، ومنتديات ، لها توجهاتها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، الخاصة بها ، استنادا إلى منظومات فكرية محددة تختلف ، بين ، هذا ،وذاك ، أما المقاومة المسلحة ، والفدائية ، دفاعا عن الوطن ، فإنها تتضمن بذاتها ، كل ، هذا الطيف الوطني بمختلف ألوانه ، وبالتالي ، ليس لأحد ، أيا كان ، أن يدعي ملكية المقاومة ، أو ، أن يقول ، انه ، على ، من ، يريد أن يقاوم ، أن يقاوم "تحت أمرتي" ، وبالطريقة التي أحددها ،وللحد الذي أقرره ، لأن ذلك ، إضافة إلى الخلل البنيوي ، قد ينتهي إلى كارثة وطنية ، تعبث بالمقاومة ، وبدماء الشهداء ، معا ... والتجارب ، المرة ، مازالت حية ، وماثلة في الأذهان ....

( 36 )

قد يقال ، أن ، هذا الكلام ، نظري ، وأن المقاومة ، في التجارب الإنسانية ، كانت تابعة لتيارات سياسية ، أو ، كانت جزء منها ، في أغلب الأحيان ، هذا ، إلى حد ، ما ، صحيح ، لكنه جزء من الحقيقة ، ذلك ، أنه ، عندما يتعرض الوطن للاحتلال ، فإن المقاومة تكون ، في الغالب ، محصلة ائتلاف وطني ، أو جبهة ، أو تكتل واسع ، يضم كافة أبناء المجتمع ، هذا ، عندما يكون الواقع بسيطاً ، بمعنى ، وطن ، وشعب ، في مواجهة احتلال مباشر ، إلا ، أن الواقع العربي ، المعاصر ، أكثر تعقيداً من ذلك ، بكثير ، ذلك ، أن الوطن العربي ، يعاني من مشكلات ، لا حصر لها ، مشكلة الاستبداد ، مشكلة التخلف ، مشكلة الفساد ، مشكلة النهب الاقتصادي ، مشكلة نهب العقول العربية ، مشكلة التنمية ، مشكلة الديمقراطية ، مشكلة التجزئة ، مشاكل ، أثنية ، وطائفية ، ومذهبية ، ومناطقية ، وإقليمية ، وإلى آخره ... لكن ، الوطن العربي ، بالإضافة إلى ذلك ، يعاني مشكلة الاحتلال المباشر ، لبعض أجزائه ، سواء ، من بعض دول الجوار ، أو ، من قبل دول الهيمنة الدولية ...، أو بالعدوان الاستيطاني ، هذه ، المشكلات الأخيرة المتعلقة بالاحتلال ، هي المشكلات الوحيدة ، التي تستدعي المقاومة المسلحة ، وهي المشكلات الوحيدة ، التي ، يسمح فيها ، باستخدام السلاح ،أو ممارسة العنف ، أما ، المشاكل الأخرى ، فإنها تجد حلها ، بالعمل السياسي ، والفكري ، والثقافي ، والاجتماعي ، والعقائدي ، وبالحوار ، والتعددية ، والاحتكام لصندوق الاقتراع ... وبالتالي ، فإن الخلط ، بين المفاهيم ، غير مسموح به ، فأي عمل سياسي ، في الأراضي المحتلة ، لا يستند إلى ضغط المقاومة ، وأدواتها ، يؤدي إلى التفريط بالحقوق ، وأي ، إقحام ، للمقاومة ، والعنف ، في الصراع الاجتماعي ، أو إقحامها في الاختلاف السياسي ، أو ، العقائدي ، أو... داخل المجتمع ، يؤدي ، إلى الحروب الأهلية ، وإلى تدمير المجتمع ، من حيث النتيجة ، أو ، في أحسن الأحوال ، يمهد الطريق إلى الاستبداد ، والفساد ، والديكتاتورية ، والتفرد بالسلطة ،و.... ، ومن حيث النتيجة ، يؤدي ذلك ، إلى تدمير المجتمع ، أيضاً ... ، وإلى هزيمة مشروع التحرر ، والتحرير ، والحرية ، والنهضة ، والتنوير ، بفصائله ، السياسية ، والمقاومة ، في الوقت ذاته.........

( 37 )

نريد ، أن نقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، أن المقاومة يمكن أن تقيم تحالفات ، مؤقته ، مع هذه المجموعة ، أو تلك ، داخل المجتمع ، أو ، حتى ، خارجه ، بما يخدم مشروعها التحريري ، المقاوم ، لكن ذلك يجب أن يتم ، في ظل ضوابط صارمة ، وشروط ، لا تحتمل التأويل ، تحفظ للمقاومة ، حرية القرار ، والحركة ، من جهة ، ويحصن المقاومة ، في الوقت ذاته ، من الانجرار ، إلى الصراعات الداخلية ، أو الإقليمية ، لأن ذلك يفقدها مصداقيتها الوطنية ، الشاملة ، ويحولها إلى ورقة يلعب ، بها ، وفيها ، الآخرين ، وفق مصالحهم ، وتوجهاتهم ....

وبما ، يخص ، خصوصية الوضع العربي ، وتعقيداته المتشعبة ، والمزمنة ، فإن توريط المقاومة ، بالخندقة ، مع فريق ، ضد آخر ، تحت ، أي ، سبب ، أو مبرر ، يحول المقاومة إلى ، رقم ، في الصراع الداخلي ، أو الإقليمي ، ويزيل ، عنها الغطاء الوطني ، الذي يحققه الإجماع الشعبي ، عليها .......

ثم ، على المقاومة ، أن تدرك ، وتمتلك الرؤيا الشاملة لطبيعة الصراع ، والقوى المتدخلة ، والفاعلة ، فيه ، حتى لا تقع المقاومة ، فريسة الحسابات الخاطئة ، فلا تتحالف مع القوى الظالمة ، ضد القوى المظلومة ، في المجتمع العربي ، ولا تتحالف ، مع القوى الإقليمية ، أو الدولية ، الطامعة بالهيمنة على الوطن العربي ، فإطالة عمر المستبدين ، أو الطامعين ، يعني ، أن ، المقاومة فقدت البوصلة ، وأنها تعمل ضد هدف التحرير ، الذي هو مبرر وجودها ......

ثم على المقاومة أن تعي دروس التاريخ ، فالخارج ، أي خارج ، لا يدعم مقاومة ، أو غير مقاومة ، لتحقق أهدافها التحررية ، وإنما يدعم أو يحارب ، لتحقيق مصالحه ، وبما يخدم توجهاته ، وبالتالي على المقاومة ، وغير المقاومة ، من قوى ، وتجمعات سياسية ، أخرى ، أن تدرك ، ابتداء ، أن قوى الخارج ، لا تساهم ، بتحرير وطن ، أي وطن ، من قوى خارجية أخرى ، إلا لتحل محله في الاحتلال ، والهيمنة ، وقد ، يكون الاحتلال الجديد ، أشد خطرا ، على المجتمع من الاحتلال الراحل ....

( يتبع ... "6".... البيان ... )

• حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-05-2008 10:07

على بســــــــاط الثــــلاثاء32
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

32

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ..... " 6 " ...

"أيضا ..." أحزاب ، مقاومة ....

أين ، كيف ، ومتى ...؟



( تتمة : البيان ... " 6 " ... )

نتابع البحث ، في الضوابط ، التي يجب أن يعتمدها رواد النهضة ، والتنوير في الوطن العربي للخروج من المأزق ، الذي طال ، أكثر مما ينبغي ...

( 38 )

4 - لوضع ما تقدم ، في إطاره الواقعي ، لابد من تحديد الينابيع ، التي تضخ الحياة ، في المقاومة ، بشرياً ، ومادياً ، من جهة ، كما لابد ، من حل الإشكالية ، التي تتعلق ، بتحقيق مبدأ ، الفصل ، والوصل ، ومبدأ ، الاستقلالية ، والتكامل ، بين مؤسسات المجتمع ، السياسية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والمدنية ، من جهة ، وبين المقاومة ، من جهة أخرى ...

يقتضي الأمر ، للإحاطة بهذا الموضوع ، من جوانبه المختلفة ، توفر ، عناصر ثلاثة :

- العنصر الأول ، ويتعلق ، بالمكان ، بمعنى ، أن ، في الوطن العربي ، مناطق ، وأراض ، تحت الاحتلال المباشر ، من قبل الغير ، وبالتالي ، فإن هذه المناطق ، بالتحديد ، هي ، المجال الحيوي ، لنشاط المقاومة ، المباشر ، لا يتعداها إلى سواها ، ولا ينتقص منها ، شيئاً .

نقصد ، من ذلك ، تحديدا ، وحتى لا يساء فهم ، ما نقول ، أن ، الفعل المقاوم ، المسلح ، ينحصر ، في الأراضي العربية ، المحتلة ، بينما إمكانيات الأمة ، كلها ، المادية ، والمعنوية ، والبشرية ، تكون ، المنبع الذي يمد المقاومة ، بكل ، ما تحتاج إليه ، عبر مؤسساتها ، المدنية ، والسياسية ، والاجتماعية ....

_ العنصر الثاني : هو ، الزمان ، ونقصد ، زمن المقاومة ، من حيث البداية ، والنهاية ، فإذا ، كان زمن انتهاء المقاومة ، يحدد ، بانتفاء أسبابها ، أي بزوال الاحتلال ، والعدوان ، فإن ، بدايتها تعتمد على حسابات ، لابد من دراستها ، لتحديد ، الظروف المناسبة ، وإن ، كان لابد من الاتفاق على مبدأ ثابت ، وهو ، أن وجود الاحتلال ، يستدعي ولادة المقاومة ، لكن ، هناك ظروف موضوعية ، قد ، تقتضي تأجيل العمل المقاوم ، أو تحديد ، وانتظار الظروف المناسبة ، فهناك أراض عربية ، محتلة ، من الجوار ، أو ، هي مجال ، لنشاط معاد ، يستهدف العدوان على أراض وطنية ، بهدف احتلالها ، أو اقتطاعها ...أو ، إثارة الفتن فيها ، وهذا ، في مجمله ، خاضع لحسابات إقليمية ، ودولية من جهة ، وخاضع ، لحسابات داخلية ، وطنية ، قومية ، لا يمكن إغفالها ، ولابد من أخذها ، بعين الاعتبار .

- العنصر الثالث ، ويتعلق ، بالبنية البشرية ، للمقاومة ، هنا ، لابد من التحديد ، والتقرير ، بأن ، البنية البشرية ، للمقاومة ، ليست محصورة ، بسكان المناطق المحتلة ، وإنما شاملة ، للأمة بأسرها ، ذلك ، أن الجزء المحتل ، من الوطن ، ليس ملكاً ، خاصاً ، لسكانه ، وإنما ، هو ، جزء محتل من الوطن ، وبالتالي ، فإن تحريره ، واجب على ، كل ، مواطن ، مهما كانت عقيدته ، أو أثنيته ، أو إقليمه ، وبالتالي ، فإن ، على المقاومة ، أن تحمل هوية الأمة ، كلها ، وهذا لن يتحقق ، إلا ، بأن ، تكون البنية الداخلية ، للمقاومة ، معبرة ، عن ذلك ، بحيث ، تكون المقاومة ، متاحة ، لجميع ، أبناء الأمة ، على قدر المساواة ، ودون تمييز ، من أي نوع ، كان ، وإذا كان ، هذا ، صحيح ، من حيث المبدأ ، وهو صحيح ، من وجهة نظرنا ، يبقى السؤال ، مشروعا ، وهو ، كيف يمكن ، أن نطبق ، ذلك ، عملياً ...؟ للإجابة ، على ذلك ، يمكن ، أن ، نحدد أساليب ثلاثة :

( 39 )

- الأسلوب الأول : أن يشكل ، كل ، حزب سياسي ، أو حركة ، أو جماعة ، فصيلاً ، مقاوماً ، لمقاومة الاحتلال ، ولهذا الأسلوب محاذيره الكثيرة ، أقلها ، عدم التنسيق بين فصائل المقاومة ، مما يؤدي إلى التناقض ، والتضارب ، وأحياناً ، الصراع ، ابتداء ، أو انتهاء ...،والأخطر ، في هذا الأسلوب ، أن ، امتلاك القوة ، أو التفوق في امتلاكها ، أو السعي ، لذلك ، قد يؤدي ، إلى طلبها ، من قبل ، قوى داخلية ، أو توظيفها من قبل قوى خارجية ، فيخرج القرار بالتالي ، من يد ، ذلك ، الفصيل ، إلى القوى الداعمة ،ويتحول المقاومين ، إلى ، رهائن احتياجاتهم ، كما ، أن ، امتلاك فريق ، ما ، للقوة المرجحة ، على القوى الأخرى ، في المجتمع ، قد يغريها بالسيطرة ، والتفرد ، واستئصال القوى الأخرى ، مما يؤدي ، للفتن ، والاقتتال الداخلي ، فتكون النتيجة ، في هذه الحالة ، مأساوية على الجميع ، وتضيع دماء الشهداء ، هدرا ، بل ، أكثر من ذلك ، قد ، ينتقل المجتمع ، من ، مواجهة مشكلة جزء محتل ، من أراضيه ، إلى مواجهة مشكلة ، استلاب المجتمع ، كله ، وتهتك نسيجه الوطني ... ، لهذه الأسباب ، فإن ، هذا الأسلوب ، ليس ، بالأسلوب المناسب ، خاصة ، في الظروف المأساوية الراهنة ، التي تمر ، بها ، أمتنا العربية ...

- الأسلوب الثاني : أن يشكل ، كل ، حزب سياسي ، أو حركة ، أو جماعة ، فصيلاً مقاوماً ، لمقاومة الاحتلال ، ثم ، يتم تشكيل ائتلاف ، أو جبهة ، أو منظمة ، تجمع تلك الفصائل ، وتنسق فيما بينها ، وإذا ، كان ، هذا الأسلوب ، أكثر تقدماً ، من الأسلوب السابق ، إلا ، أنه ، من حيث النتيجة ، يؤدي ، إلى إحدى حالتين ، إما ، أن يتجه ، هذا ، الائتلاف ، بعد انتهاء المقاومة ، إلى مصادرة الحياة السياسية ، والاستيلاء على السلطة ، وإلغاء العمل السياسي ، المدني ، وبالتالي ، الوصول ، إلى الديكتاتورية ، والاستبداد ، وما يترتب عليه ، من فساد ، وإفساد ، وقمع ، وإما ، أن ، ينفرط الائتلاف ، وتتصارع الفصائل ، حتى ، استبداد ، أحداها ، أو ، إلى هزيمتها ، معا ، أو ، إلى حروب أهلية ، كارثية ، تدمر الجميع ، والمجتمع ، معا ...

- الأسلوب الثالث ، وهو الأسلوب ، الذي نقترحه ، حيث ، أن الأراضي العربية المحتلة ، متباعدة ، من المشرق ، إلى المغرب ، ومن الجنوب ، إلى الشمال ، وتختلف ، طبيعة الاحتلال ، وظروفه ، وطبيعة المحتل ، وأساليبه ، من أراض محتلة ، إلى أراض محتلة أخرى ، وهذا يستوجب ، تنوع المقاومة ، من بقعة ، إلى أخرى ، بحيث تتعامل المقاومة ، مع ، كل ظرف ، بما يناسبه ، مع ، ضرورة التنسيق ، والتكامل ، فالمقاومين ، الذين ينجزون مهامهم ، في مكان ما ، يمكن ، لهم ، أن يلتحقوا ، بجبهة أخرى ، تحتاج جهودهم ، ونضالهم ، كما ، أن تعرض ، جبهة ، ما ، إلى عدوان استثنائي ، غير متوقع ، يتطلب تضافر جهود ، الجميع ، للنجدة ، كما ، لابد من التنسيق ، لتبادل الخبرات ، والمعلومات ... ، وهذا يتطلب ، مرونة في حركة المقاومة ، واستقلالية ، لاشك فيها ، عن التيارات السياسية ، المتباينة ، في المجتمع العربي إن ، هذا ، يحقق المفهوم الشامل ، للمقاومة ، ويبرز هويتها الوطنية ، وفي الوقت ذاته ، يحقق ، التعامل الدقيق ، مع ، الظروف المتفاوتة ، في الوطن العربي ، و يتعزز ، هذا المفهوم ، بوضع أسس محددة ، وثابتة ، ودقيقة ، لطبيعة ، بنية المقاومة ، وكيانها المستقل ، وأنظمتها ، وشخصيتها الاعتبارية ، وعلاقاتها التكاملية ، مع ، الأحزاب ، والحركات ، والأنظمة السياسية ، السائدة ، في وطن العرب... فكيف يتم ذلك ...؟؟

( 40 )

من حيث المبدأ ، تتحدد ، نقطة الانطلاق ، بعقد ميثاقي ، بين مجمل أطياف ، الطيف السياسي ، والاجتماعي ، والثقافي ، والاقتصادي ، في الأجزاء ، وفي ، الكل ، العربي ، ينص ، على ، أن مؤسسة المقاومة ، في الوطن العربي ، أو ، مؤسسات المقاومة ، في الأجزاء ، هي مؤسسات اعتبارية ، مستقلة ، تماماً ، عن مؤسسات المجتمع المدني ، المشار إليها ، بمعنى ، أن المقاومة ، ليست طرفاً ، في ، أي ، صراع داخلي ، وأن سلاحها ، ودماء شهدائها ، أقدس ، من ، أن ، يدنس ، بالصراع ، بين القوى ، التي يتكون منها المجتمع العربي ، وهذا يقتضي ، أولاً ، عقد شفهي ، والأفضل ، أن يكون ، مكتوباً ، يصون المقاومة ، ويحصنها ، بأن ، لا تنتقل الخلافات السياسية ، إلى صفوف المقاومة ، وبأن ، لا يقبل تدخل المقاومة ، في أي خلاف سياسي ، داخلي ، تحت ، أي ، عنوان ، أو مبرر ... ، ويقتضي ، ثانياً ، الاعتراف ، باستقلال مؤسسات المقاومة ، موضوعياً ، وذلك بضخ المساهمات المادية ، إلى مؤسسات المقاومة ، دون ، أي ، شروط ، أو تبعات ، وفتح أبواب المساهمة ، لدعم المقاومة ، أمام جميع فئات المجتمع ، وجمعياته ، ومؤسساته الاقتصادية ، وبما ، أن الانخراط بالمقاومة ، بشرياً ، هو ، أمر تطوعي ، بحت ، فإن مؤسسات المجتمع ، السياسية ، وغير السياسية ، تفتح باب التطوع ، لكوادرها ، ومناصريها ، حسب الحال ، حيث ، يرتب الحزب السياسي ، حفلاً ، ليزف إلى المقاومة ، أحد كوادره ، ويجمد ، في الوقت ذاته ، النشاط السياسي ،لذلك الكادر ، منذ تلك اللحظة ، ليخضع ، على الفور ، لأنظمة ، ونواميس المقاومة ، وفي اللحظة ، التي ، ينتهي فيها دور ذلك الكادر في المقاومة ، بانتفاء الحاجة إليها ، أو بقرار منه ، لمعاودة نشاطه السياسي ، ترتب مؤسسة المقاومة ، التابع لها ، حفلاً ، لتزفه إلى العمل السياسي ، فيسلم سلاحه ، ويتم ترقين قيوده ، من سجلات المقاومة ، ويلتحق بالعمل السياسي ، وفق أنظمة ، ونواميس العمل السياسي ، وفي حال استشهاده ن فهو شهيد الأمة ، كلها ... ، وليس شهيد ، أي طرف ، بعينه ، بهذا ، وبهذا ، فقط ، نصون دماء الشهداء ، فلا يسمح ، لأحد ، أن يخوض فيها ، لانتهاز مكاسب سياسية ؟ ، سواء من الداخل ، أو من الخارج ، وفي الوقت ذاته ، تتقوى المقاومة ، وتتجذر ، كما ، أن المؤسسات السياسية ، من حزبية ، وغيرها ، تترسخ ، وتواصل مسيرتها النضالية ، والعقائدية ، وبهذا يتجنب المجتمع ، الآثار السلبية ، التي قد تنشأ ، عن التناقض ، أو التداخل ، بين ، مؤسسات المجتمع ، بجناحيه ، السياسي ، والمقاوم ...

( 41 )

إننا ، ندرك المدى ، الذي وصلت إليه حساسية موضوع المقاومة ، في الوطن العربي ، حيث ، تم ، العبث بدماء الشهداء ، فقد روت دماؤهم الطاهرة ، سهول ، وجبال ، وروابي ، وصحارى ، ووديان ، هذا الوطن العربي ، لكن ، هذا كله ، تم استغلاله ، لإقامة "دول فعلية" ، استبدادية ، وفق مخططات ، ومشاريع استعمارية ، لا علاقة ، للأمة ، بها ، ثم ، روت دماء الشهداء ، ربوع فلسطين ، وما يحيط ، بها ، شرقاً ، وشمالاً ، وجنوباً ، وحتى غربا من جهة البحر ، وتم استغلال ، ذلك ، ويتم ، حتى الآن ، لصالح صفقات ، مذلة ، مع العدو ، أو لصالح ، حسابات ، وصراعات ، لا علاقة لمشروع الأمة ، التحرري ، النهضوي ، والتنويري ، بها ، لهذا ، فإن هذا الموضوع ، يجب ، أن يتم وضعه ، في إطاره الصحيح ، ضمن مشروع النهضة ، باحترام رموز المقاومة ، واحترام دماء الشهداء ، الذكية ، على الدوام ، فلا يخوض ، فيها ، السفلة ، والمساومين ، لإبرام صفقات ، تضحي ، بالأهداف النبيلة ، التي ، بذلت الدماء الذكية ، من اجلها ، وبالتالي ، لابد ، أن يبقى هذا الموضوع ، حياً ، مفتوحاً ، للنقاش العام ، بكل شفافية ، ومصداقية ، بين سائر عناصر ، وقوى النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، بحيث ، يتم وضع حد نهائي ، للعبث ، بدماء الشهداء ، أو المساومة عليها ، تحت ، أي عنوان ، كان ، فالعمل قسمة ، وليأخذ ، كل ، مكانه في هذا المشروع ، الحيوي ، للأمة حاضراً ، ومستقبلاً .

إن ، النضال من أجل النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، وفي ظل الظروف الموضوعية ، الراهنة ، هو ، عمل مقاوم ، بطبيعته ، مهما اختلفت الميادين ، والساحات ، سواء كان ، بالسلاح ، أو بالعمل السياسي ، أو الاجتماعي ، أو الفكري ، أو الاقتصادي ، أو.... فللتكامل كافة الجهود للخروج من المأزق .....

( 42 )

عود على بدء ... ، كان ، ما تقدم ، محاولة ، من قبلنا ، للعثور على مدخل مناسب ، لموضوع ، استئناف مشروع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، ثم تطرقنا ، لما اعتقدنا ، أنها ، ضوابط ضرورية ، أو ، على الأصح ، عناوين عامة ، لضوابط ، وتفاصيل كثيرة ، يجب ، أن ، يلتزمها رواد النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، ويضعونها نصب أعينهم ، وهم يراجعون ، ويدققون ، ويضعون الأسس ، للخروج من المأزق ، الذي طال أكثر ، مما ، ينبغي ، وهذا يضعنا ، على عتبات مرحلة جديدة ، يقدم فيها ، كل ، فرد ، كل فئة ، كل جماعة ، أقصى ، ما يمكن ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير .

اسنتاداً ، على ذلك ، كله ، فإننا ، سنبدأ ، اعتباراً ، من هذه النقطة ، بطرح مشروع ، للنهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، نقول ، مشروع ، ونؤكد ، أنه ، مجرد مشروع ، بل ، مسودة مشروع ، قابلة للتعديل ، من جهة ، ونؤكد ، في الوقت ذاته ، من جهة ثانية ، أن ، صاحب هذا المشروع ، يطمح ، أن يكون ، مجرد ، مشروع ، من جملة مشاريع ، تجديدية ، تواكبه ، من مختلف الاتجاهات ، لتروي غليل الساحة العربية ، العطشى ، لها ، وانسجاماً ، مع ، كل ما تقدم ، فإن ، المشروع ، الذي نقدمه ، لا يحتكر ، مشاريع النهضة ، وليس بديلاً عنها ، ولا يدعّي ذلك ، ولا يقبل بذلك ، وإنما ، هو ، مجرد مشروع ، من جملة مشاريع متعددة ، ننتظر ، أن تطرح ، على الجيل العربي الجديد ، بشفافية ، ووضوح ، بحيث ، يختار ، ويعرف ، بدقة ، ماذا يختار ، بعد أن تتسع دائرة الحوار ، والنقاش ، لتشمل جميع أبناء الوطن ، بحيث ، يجد كل مواطن عربي ، مشروعاً ينخرط فيه ، ويجد ، فيه ، الوسيلة ، المناسبة ، للنضال على طريق الحرية ، والنهضة ، والتنوير ، انطلاقا من مبدأ ثابت ، بأن ، زهرة واحدة لا تصنع ربيعا .....

( 43 )

بتحديد أكثر ، وحتى ، لا يبقى ، أي ، مجال للبس ، فإن المشروع الذي سنقترحه ، والذي سنعطيه ما تبقى من أعمارنا ، هو ، مشروع خاص ، بالقوميين العرب ، الذين ينطلقون ، من مقولة ، أمة عربية مكتملة التكوين ، من حقها ، أن ، تقرر مصيرها ، بحرية ، وأن تقيم دولتها ، القومية الواحدة ، المشروعة ، على كامل ترابها ، وبشعبها ، ولشعبها كاملاً ، بتنوعه ، وخصائصه ، ومقوماته ، لكن هذا ، لا يعني ، أن هذا المشروع ، الذي سنعمل عليه ، ينكر على أي أحد ، أو مجموعة ، لها ، توجهات ، أو مبادىء ، تعارض المشروع القومي العربي ، أن ، تعلن ، مشاريعها ، وأن ، تناضل ، بحرية ، لتحقيق أهدافها... ، وحتى ، في ، نطاق التيار القومي العربي ، التوحيدي ، فإن ، مسودة هذا المشروع ، الذي نقترحه ، لا تنطلق من مبدأ ، أنها ، تحتكر النضال القومي العربي ، من اجل الوحدة العربية ، كما ، أن هذا المشروع ، ليس بديلاً ، عن الأحزاب ، والمشاريع القومية العربية ، القائمة ، وإنما ، هو ، رديف ، لها ، وحسب ، فمن يرى ، من أبناء هذه الأمة ، كائنا من كان ، أن ، هذه المسودة ، تلبي طموحه ، فأهلاً ، به ، كادرا من كوادر "الطليعة العربية" ، على الرحب ، والسعة ، ومن يريد ، أن يجدد نشاط حزبه ، أو حركته القومية العربية ، فأهلاً ، به ، أيضا ، سنتحاور ، ونتحالف ، في اغلب المراحل ، حول المشترك ، بيننا ... ، ومن يرى ، من القوميين العرب ، أن الحركات ، والأحزاب القومية القائمة ، وكذلك المشروع الذي نقترحه ، لا يلبي طموحه ، فليسعى إلى التأسيس ، للمشروع الذي يرى أنه ، يصل به ، إلى الغاية ، التي يحددها .... ، ونحن سنتعاون ، ونتحالف حول الكثير ، من القضايا ، والمسائل المشتركة ، وأهلاً ، به ، أيضا ، على الطريق ، الذي يتسع للجميع ، إلى الحرية ، والوحدة العربية ، والاشتراكية ، والعدالة الاجتماعية ، المهم ، أن نخرج جميعاً ، من ، لوثة الفردية ، التي ، لا تصل بأحد ، منا ، إلى أي مكان ، غير القاع ، والهزيمة ، التي نعيش ، والأهم ، أن نكف عن هجاء الآخر ، وأن ، نكف عن مجرد رفض ، ما لا نرضى عنه ، إلى بناء ما نرضى عنه ، المهم ، أن ننتقل ، جميعاً ، إلى المؤسساتية ، فبهذا ، وبهذا فقط ، يكون الحوار ، بين مؤسسات ، حقيقية ،وفعالة ، بين ، برامج محددة ، ليخرج ، بنا ، جميعاً ، من مستنقع الشخصانية ، والذاتية ، المدمرة ... إلى فضاء الجدل الاجتماعي ، الرحب .

( 44 )

وإذا كان ، هذا ، هو ، موقعنا داخل ، التيار القومي العربي ، فإن موقفنا ، هذا ، ينسحب على الموقف ، من كافة التيارات ، والقوى ، في الوطن العربي ، أياً ، كانت المنطلقات ، ومهما كانت الغايات .. نمد أيدينا ، للحوار ، مع الجميع ، ونتحالف ، معاً ، أو نختلف ، على طريق النهضة ، والتنوير ، في ، أي ، مرحلة ، وباتجاه ، أية ، قضية ، ونطرح جميع المسائل الخلافية ، على طاولة الحوار ، الهادئ ، والموضوعي ، والمنتج .

لتحقيق ، هذا ، وللخروج ، سريعاً ، من المأزق ، نرى ، أنه ، من الهام ، الكف ، عن الرفض المسبق ، أو الولاء المسبق ، وأن نتحرر ، قدر الإمكان ، من المواقف الجاهزة ، والمسبقة ، التي اتخذت ، بفعل ظروف ، استثنائية ، وشاذة ، لقد ، تبنىّ البعض ، في ظروف شاذة ، مواقف سلبية ، من التيار القومي العربي ، استنادا على ممارسات ، نسبت زوراً ، وبهتاناً ، إلى القومية العربية ، والقومية العربية ، كنهج ، ومنهج ، ومنطلق ، وغاية ، براء منها ، ومن الذين مارسوها ، وكذلك الأمر ، بالنسبة للحركات ، والقوى الأخرى ، على امتداد الساحة العربية ...

فلنرسم ، خطاً ، على الواقع ، وخطاً ، في الفكر ، والممارسة ، ولنعتبره ، جميعاً ، خطاً ، للبداية ، ننطلق منه ، جميعاً ، إلى النهضة ، والتنوير ، ولنحتكم ، في التقييم ، للذات ، والتقييم ، للآخر ، إلى المعطيات الموضوعية ، والمعرفة الحقيقية ، بالآخر ، وأن نكف عن الحكم ، على الآخر ، بناء على الشائعات ، والجهل ، وإنما ، بناء على الحقائق ، والعلم ، الدقيق ، بالآخر ...

شيء آخر ، لابد من توضيحه ، وهو ، أن ، هناك ، في الواقع العربي ، ما يتفق عليه ، الآن ، ويمكن التحالف عليه ، بين قوى مختلفة ، في مرحلة استعادة الوطن العربي ، المخطوف ، حالياً ، فليتنافس الجميع ، عن طريق برامجهم المختلفة ، في ، التحرير ، والبناء ، والتنمية ، وليتحالفوا ، حيثما ، يكون ذلك ممكنا ، فبذلك ، نستعيد الأرض ، ونستعيد الثروات ، ونحقق حياة آمنة ، للمواطنين ، وحرية واسعة ، وتشاركية واسعة ، ومساواة تامة ، فلا خلاف على ذلك . وإن تعددت الطرق ، للوصول .....

أريد ، أن ، أقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، أن ، أحد أهم الإشكاليات ، التي أدت ، إلى انتكاسة مشروع النهضة ، في الوطن العربي ، تمثلت ، في ، أن ، كل ، جماعة ، قررت ، أنها ، البديل عن الجميع ، وبالتالي قررت ، منفردة ، أن تلغي الآخر ، وتنفيه ، وإذا امتلكت الوسائل ، للتصفية ، فإنها ، لن تتردد ، لقد ، آن الأوان ، لأن ينتهي ، ذلك المنهج في التفكير ، وفي الممارسة ، وأن نتعلم ، مرة واحدة ، وأخيرة ، كيف ، نحتفل بالرأي الآخر ؟ ، وكيف ، نحترم الرأي الآخر ، المختلف ؟ ، وكيف ، نتعامل مع الأفكار ، التي نختلف معها ، بجدية ، ونرد عليها ، بجدية ، وتهذيب .... ؟

أرجو ، أن يشكل ، كل ، ما تقدم ، مدخلاً صحيحاً ، إلى المشروع ، الذي سنقترحه ، فليأخذ المكانة ، التي يستحق ، في وسط ، متحرك ، ومضطرب ، من القوى ، والمشاريع ، نرجو ، أن تتواكب ، وتتنافس، بموضوعية ، واحترام ، على الطريق العريض ،الذي يتسع للجميع ، بل ، وينتظر الخطوات الجادة ، من الجميع ، لعل ، عيوننا ، تلتقي على أفق عربي ، تشع عليه ، أنوار النهضة ، وأن المشروع ، الذي نقترحه ، ملكية عامة ، وهو ، ملك خالص ، لكل ، من يتبناه ، وإنني ، أتنازل ، له ، عن سائر الحقوق ، ذات الصلة ، وله ، أن يعتبر نفسه ، صاحبه ، وله ، أن يعتبر نفسه ، كاتبه ، وله ، سائر الحقوق ، المترتبة ، على ذلك .....

( يتبع ... "7" البيان .. )

* حبيب عيسى

سليم حجار 12-11-2008 10:52

على بســــــــاط الثــــلاثاء33
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

33

يكتبها : حبيب عيسى

...البيان.... "7".....

"الطليعة العربية"

( من التعارف ... إلى التعريف )

( تتمة..."7"... البيان... )

( 1 )



آن ، الأوان ، أن ننتقل ، من التعارف ، إلى التعريف بالمشروع القومي العربي ، الذي نقترح مسودته ، ولعل ، ما تقدم قد طال أكثر مما ينبغي ، لكنني لا أعتذر عنه ، فقد كان ، ضرورياً ، للوصول الآمن ، إلى هذه المحطة ، على الطريق ، الطويل ، المؤدي إلى الدولة القومية ، للأمة العربية ، أو ، إلى النهضة ، والتنوير ، لا فرق ، هنا ، مربط الفرس ، كما قال الأجداد ، وهنا ، نواجه أسئلة المصير الصعبة ، دون مواربة ، وهنا ، نختار الطريق ، الذي علينا ، أن نسلكه ، إلى غايات ، وهبناها أعمارنا ، فلا ، نتوه مرة أخرى ، في الزواريب ، والمسالك المزيفة ، والمضللة ، وهنا ، علينا ، أن نختار الوسائل ، والأدوات ، والعدد ، وأن ، تشخص عيوننا ، على البوصلة ، قبل ، أن نطلق ، صافرة الانطلاق ، من هذه المحطة ، التي طال انتظارنا ، على أرصفتها ، المحترقة ، والمدمرة ...

( 2 )



لقد ، قلنا في مكان ، ما ، من هذا الحديث ، أننا ، كقوميين عرب ، لا ننطلق من الصفر ، وإنما ، نكمل مسيرة بدأها الرواد القوميين العرب المعاصرين ، بكل ، ما ترتب عليها من انتصارات ، وانتكاسات ، وإخفاقات ، فقد ، بذل ، أولئك الرواد ، على طريقها ، تضحيات هائلة ، ودماء غزيرة ،وسّخروا ،كل ، معارفهم ، وطاقاتهم ، وإمكانياتهم المتاحة ، وأناروا في ربوعها منارات هامة ، من الأفكار ، والرؤى ، أما ، كونهم لم يصلوا إلى الغاية التي بشروا بها ، فهذا ، يتعلق ، بجملة ظروف معقدة ، حيث فاجأتهم في منعطفات عديدة ، أ فخاخ ، ومطبات ، لم تكن في الحسبان ، ولم يكونوا قد استعدوا ، لمواجهتها ، ونحن ، لا نقول ذلك ، في مجال التبرير ، ولكننا نقوله ، في مجال التوصيف ، ونعترف ، أنهم يتحملون المسؤولية كاملة ، في هذا الجانب ، ونحن ، الجيل التالي ، شركاء في المسؤولية ، ولكننا ، نحن ، وهم ، نتقاسم المسؤولية ، في مجالات متعددة ، مع القوى ، والاتجاهات ، والأحزاب ، غير القومية ، في الوطن العربي ، والتي وصلت ، بممارساتها ، إلى ذات الحائط المسدود ، على طريق أهدافها ، ولم تعرف ، حتى الآن ، كيف تتجاوزه ... كما ، لم نعرف ، نحن ... نقول هذا ، تحديداً ، منذ البداية ، للتعبير دون مواربة ، أننا ، لا نلقي مسؤولية الهزائم ، والفشل ، الذي عانت منه مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، على كاهل قوى الهيمنة الخارجية ، كما ، لا نلقيها على عاتق قوى ، التخلف ، والردة .... فتلك ، تسعى ، علناً ، إلى الهيمنة ، والسيطرة الإستراتيجية ، متعددة الوجوه ، على الوطن ، والأمة ، من الخارج ، بينما قوى التخلف ، والتفتيت ، تسعى ، علناً ، إلى تمزيق هوية الأمة ، من الداخل ، واصطناع ، هويات ، وانتماءات ، تتصارع حتى الموت ... وهذه تشرع الأبواب ، لتلك ، وتلك ، تمهد ، وتوفر الأسباب ، لهذه ... وهكذا ... في حلقة مغلقة ...!



( 3 )



ثم ، لعل ضرورات البحث ، كانت تقتضي ، أن نترك ، تعريف "الطليعة العربية" ، ليأتي ، في السياق ، بعد تحديد ، المنهج ، والمنطلقات ، والغايات ... ، لكن ، ضرورات الفرز ، وأهمية التعريف ، بملامح ، وهوية "الطليعة العربية" ، وتميزها ، أكثر إلحاحاً ، ذلك ، أنه ، من المهم ، بداية ، تثبيت الإدراك ، أننا ، لا نضيف رقماً ، ولا نكرر تجربة ، وإنما ، نقدم ، مشروع ، رؤية مكتملة الملامح ، لمؤسسة قومية ، تتعامل ، بعقلانية ، مع الظروف المتغيرة ، في الوطن العربي ، وسنبدأ ، ذلك ، برفع "القداسة" ، عن الأساليب ، والمسارات ، التي سلكها ، القوميين العرب ، في العقود المنصرمة ، فا لطليعيون العرب ، الجدد ، يعترفون ، بالأخطاء ، والخطايا ، ويبتعدون ، عن ، المنطق التبريري ، ويجددون أساليب نضالهم ، بما ، يتلاءم مع المتغيرات ، والظروف المستجدة ، ويهجرون الأساليب ، التي أدت ، بالقوميين العرب ، وبغيرهم ، من النهضويين ، الآخرين ... إلى ، ما هم عليه ، الآن ، والقوميون العرب ، الجدد ، يفتحون الأبواب ، مشرعة ، للتجديد ، والإبداع ، والابتكار ، والتغيير ، دون قيود ، مهما ، كان ، نوعها ، وأياً ، كان مصدرها ، ويسعون ، لتحقيق ، نقلة نوعية ، على ، صعيد ، تجاوز مرحلة ، قال ، فلان ، وتصرف ، عّلان ، إلى مرحلة ، ماذا ، يقولون ، الآن ، بالضبط ، الآن ... ؟ ، ثم ، كيف يتصرفون ، بأية أفكار ؟ ، وبأية وسيلة ؟ . وإذا كان العرب ، قد قالوا قديماً ، "المكتوب يقرأ من عنوانه" ، فمن ، الهام ، أن نبدأ ، بالتعريف ، دفعاً ، لأي التباس ، خاصة ، وأن العنوان ، ملتبس ، حيث كان ، عنواناً ، لتجارب متعددة ، فشل بعضها ، وتعثر بعضها الآخر ..، واندثر بعضها الأخير ..!



( 4 )



لكن ، قبل ذلك ، لابد ، من تحديد موقع المشروع القومي ، الجديد ، في السياق العام ، لتطور المشروع القومي العربي ، المعاصر ، فمع بداية القرن العشرين ، كان ، الوطن العربي ، إمارات ، عثمانية ، بعضها يخضع ، مباشرة ، للإدارة في ، الأستانة ، وبعضها ، الآخر ، كان ، يقرّ ، بأنه جزء من السلطنة العثمانية ، لكنه ، يتمتع ، بقدر ، من الإدارة المستقلة ، والحكم الذاتي ، وبعض ، ثالث ، كان ، إمارات ، وسلطنات ، تحكمها عائلات ، وسلاطين ، وبعض ، رابع ، كان خاضعا ، للاحتلال المباشر ، للاستعمار الغربي ، الذي ، اتخذ أسماء مختلفة ، من الوصاية ، إلى الحماية ، إلى الانتداب ، إلى الاستعمار ... لكن ، الوطن العربي ، في تلك المرحلة ، ومهما ، اختلفت التسميات ، لم يشهد ، ما يعرف ، الآن ، بالدول ، ذات الحدود المعروفة ، وإنما ، كانت تلك الحدود ، تتحرك بحسب قوة الإمارة ، أو ضعفها ، وبحسب ، تمدد القوى الاستعمارية ، أو تقلصها ... هذه الأوضاع ، بدأت ، بالتغير ، بعد الحرب العالمية الأولى ، حيث ، اندحرت الجيوش العثمانية ، أمام جيوش الغرب الاستعماري ، التي ، لم تقتصر ، مهماتها ، هذه المرة ، على الاحتلال ، والسيطرة ، وإنما ، تكفلت ، هذه المرة ، بتنفيذ خريطة جديدة ، تقسم العقار العربي الواحد ، إلى محاضر ، بموجب مخطط تنظيمي ، وضعه ، الساسة ، والجنرالات ، والاستراتيجيين ، في الغرب ،الليبرالي ، أوروبيا ، الاستعماري ، دوليا ، وأثقلوا ، تلك الخريطة ، بمعاهدات ، فيما ، بين ، بعضهم ، البعض ، بمعزل عن أصحاب الأرض ، وأهلها ، فأعطوا وعوداً ، لعائلات ، وقبائل، أقطعوها ، أجزاء ، من الأرض العربية ، وأعطوا ، وعداً للمنظمة الصهيونية ، العنصرية ، بإقامة دولة عنصرية ، من المستوطنين الأجانب ، في فلسطين ، ووضعوا أساطيلهم ، بتصرف الصهاينة ، في دول الغرب ، لترحيلهم ، وتهجيرهم ، إلى فلسطين ، ليستوطنوها ، بعد طرد أهلها العرب ، واقتطعوا ، بعض الأرض العربية ، ومنحوها ، لدول الجوار ، كجوائز ترضية ، بموجب معاهدات ثنائية ، وخطوّا ، خطوطاً ، على الرمال ، وفي الجبال ، والوديان ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، يقطعوّن الأوصال ، ويمنعون التواصل ، بين أبناء الأمة الواحدة ، ويقيمون ، سلطات متصارعة ، لنقل الصراع إلى الداخل ، فتدور المعارك داخل البيت العربي ، ذاته ، وباشروا ، بالفعل ، تأسيس البنية التحتية ، للدول "الفعلية" ، التي أطلقوا عليها ، دول ذات سيادة ، ثم ، باشروا ، بسحب جيوشهم ، بالتدريج ، وتسليم مقاليد الأمور ، إلى السلطات ، التي ، تم إعدادها ، بعناية فائقة ... وذلك ، فراراً ، من الثورات الشعبية ، والمقاومات ، التي اندلعت ، في ، سائر أرجاء الوطن العربي ...، والتي ، بدأت تنذر بقلب الطاولة ، على رؤوس الغزاة ... ، وبالفعل ، مع بداية الأربعينات ، بدأت ، تلك "الدول الفعلية" ، تصبح ، أمراً واقعاً ، تحت إشراف الدول ، التي كانت تستعمرها ، والتي ، أخذت بيدها ، إلى هيئة الأمم المتحدة ـ لتمنحها بطاقة عضوية ، ثم ، تم ، استكمال تلك الخطوة ، في الخمسينات ، والستينات ، من القرن المنصرم ، حيث بات الوطن العربي ، من محيطه إلى خليجه ، خاضعاً لسلطات تلك "الدول الفعلية" ... التي اتخذت ، أسماء متنوعة ، ملكية وجمهورية ، ... إمارات ، وسلطنات ... وأخيراً جماهيريات ...!!



( 5 )



لم نقصد ، مما ، تقدم ، استعراض عناوين ، تاريخية ، وإنما ، إيضاح البيئة ، والظروف ، التي نشأ ، وتطور فيها ، تيار القومية العربية ، وصولاً ، إلى الظروف الراهنة ، فقد ، تعددت أشكال ، وطرق النضال ، في الوطن العربي ، كما تعددت الرؤى ، والأفكار ، وتنوعت ، وتغيرت ، بتغير الظروف ... والحروب الباردة ، والساخنة .. لمقاومة أشكال معقدة من الهيمنة ، والتجزئة ، والاستلاب ، لم تتعرض ، لها ، أمة ، في التاريخ ، على حد علمنا .. من حيث ، تعدد الأساليب ، والوسائل ، وكان الهدف ، المتفق عليه ، هو ، ما أعلنه رئيس وزراء بريطانيا العظمى ، قبل حوالي قرنين ، من الزمن وهو : "يجب ألا يتحد العرب .." ، حيث تردد ، هذا الهدف ، وتقاطع مع أصوات عربية ، محلية ، وبات شعاراً ، لقوى ، وجماعات ، وأحزاب ، في الواقع العربي ، لكل ، منها ، منطلقات ، وغايات ، وأسباب ، وارتباطات ... ، لكنهم يتفقون ، في الداخل ، والخارج ، بموجب تعاقد ، أو بدونه ، على هدف واحد ، وهو اقتطاع أجزاء من الأرض العربية ، ولن يكون ذلك ، إلا ، بالسعي ، والعمل ، لتحقيق الهدف ، المعلن : ( يجب ألا يتحد العرب ...) ..

منذ ذلك التاريخ ، تنوعت ، وتعددت قوى العدوان على الأمة العربية ، وبالتالي ، تنوعت ، وتعددت أساليب المقاومة ، هناك ، نواميس ، لمقاومة الغزو الخارجي ، ونواميس ، أخرى ، لمقاومة الاستبداد الداخلي ، ونواميس ، ثالثة ، لمقاومة قوى التخلف الإستئصالية ، والتفتيتية ، في الداخل ، ونواميس ، رابعة ، لمقاومة الهيمنة الاقتصادية الخارجية ، وفرض تبعية الأمة ، إقتصادياً ، للخارج ، ونواميس ، خامسة ، لمقاومة تزوير الهوية الثقافية للأمة ، ومحاولات محوها .., ونواميس ، سادسة ، لمقاومة التخلف الاجتماعي ، ونواميس ، سابعة ، لمقاومة استغلال الإنسان ، للإنسان ، ونواميس ، ثامنة ، لمقاومة تجزئة الأمة ، وتفتيت مقوماتها ، ونواميس ، تاسعة ، لمقاومة التخريب الداخلي ، على صعيد التاريخ ، والجغرافيا ، والعقائد ، والأديان ، والثقافة ، والاجتماع ، ونواميس ، عاشرة ، لمقاومة التغريب ، والغربة ، عن الوطن ، بالكشف عن الجذور ، وسلامة التربة ، والتروية ، وتنظيف المناخ ، من كافة الملوثات ، أياً ، كان مصدرها ، ومهما ، كانت غاياتها ... إضافة ، إلى نواميس ، لا حصر لها ، ترافق أدق تفاصيل وجودنا ، ومستقبلنا ، ودورنا الحضاري ، في ، الأجزاء العربية ، ثم ، في الكل العربي ، ثم ، في الحياة الإنسانية ، على صعيد العالم كله ، لصياغة ، قانون دولي ، عادل ، يقطع دابر العدوان ، ليس على أمتنا ، وحسب ، وإنما ، قطع دابره ، عن ، مختلف شعوب الأرض ، واعتماد العدل ، كقانون أساسي ، للحياة الإنسانية ، والعلاقات الدولية ، بين الشعوب ، والأمم ، بحيث ، نصل إلى وضع القرار الدولي ، والتشريع الدولي ، والقوة الدولية ، بيد ، قوى العدل ، والمساواة ، والأنسنة ، وانتزاعه من قوى الهيمنة الدولية ، التي تعتمد ، على امتلاكها ، لأسلحة التدمير ، والفتك ، كمعيار ، يخولها تقرير ، ما تريد ... عن طريق احتكارها ، لعنصرية الفيتو المتوحشة ، ذلك ، أن أسلحة التدمير ، والقوة ، يمكن ، أن ، يمتلكها القراصنة ، مصاصي الدماء ، وناهبي ثروات الشعوب ... والتوحش ، الذي ، لا يمكن أن يفضي ، إلا ، إلى مزيد من التوحش ... وهذه المرة ، يتم ذلك ، تحت غطاء "الفيتو" ...



( 6 )



في ، هذا السياق ، الشامل ، للنهضة ، والتنوير ، وفي ظلال رايات الحرية ، للانعتاق ، من حالات اليأس ، والاستلاب ، والاستسلام ، لواقع عربي ، ممسوك ، بقوة ، من عصابات الداخل ، والخارج ، التي تمارس ، بتوحش ، لا مثيل له ، كافة أشكال ، القتل ، والنهب ، والإفساد ، والإقصاء ، والاستئصال ، والتخلف ...، نقدم هذا المشروع ، للنهضة ، والتنوير ، وفي هذا السياق ، يندرج التعريف الأساسي ، بمشروعنا عن "الطليعة العربية" ، فهي ، كما قلنا ، ونكرر ، لا تولد من الفراغ ، ولا تنطلق من الصفر ، وإنما تورق ، وتزهر ، وتعطي ثمارها ، من ، لدن ، جذور تذهب عميقاً في تربة هذا الوطن ، ليذهب ، كل ، هذا الزبد الذي يطفو على السطح العربي ، جفاء ...!

لقد ، تعددت مسارات النهضة ، والتنوير ، خلال القرنين المنصرمين .. في الوطن العربي ، وتنوعت ، بين ، مقاومة مسلحة ، وثقافة تنويرية ، ونهضة فكرية ، وأحزاب سياسية ، وتمرد عسكري ، ونهوض اجتماعي ، وهذا ، لا يعني ، على الإطلاق ، انفصال تلك المسارات ، عن بعضها البعض ، وإنما ، كانت ، ومازالت متداخلة ، ترضع من بعضها ، البعض ، حيث ، كان ، أي تقدم ، على أحد المسارات ، يستنهض التقدم ، على المسارات الأخرى ، كما ، أن الانتكاسة ، على أحد المسارات ، كانت تنعكس سلبياً ، على المسارات الأخرى ... مما يؤكد ، ترابط مواضيع ، النهضة ، والتنوير ، وشموليتها ، ويمكن ، على العموم ، رسم تلك المسارات ، عبر القرنين المنصرمين ، وفق ما يلي :



( 7 )



مقاومة عربية ، مسلحة ، في أرجاء الوطن العربي ، ففي المغرب العربي ، اندلعت ، بقيادة ، عبد الكريم الخطابي ، وعبد القادر الجزائري ، وعمر المختار ، ومن وادي النيل ، المهدي ، وابن النديم ، ثم ، من أرتيريا ، ومن جنوب اليمن ، ومن ظفار ، ومن بلاد ما بين النهرين ، ثم ، في بلاد الشام ، أو ما يعرف ، اليوم ، بدول : سورية ، ولبنان ، وفلسطين ، وشرق الأردن ، ثم تمثلت ، تلك المقاومة ، بحروب فدائية ، في قناة السويس ، والجزيرة العربية ، وهي ، ثورات ، قاومت السيطرة العثمانية ، ومن ، ثم ، قوى الاستعمار الأوروبي ، واختتمت تلك المرحلة ، بقيام "الدول الفعلية" الراهنة ، في الوطن العربي ، مع منتصف القرن العشرين ، ثم ، تجددت المقاومة المسلحة ، بعد ذلك ، إثر ، العدوان الثلاثي ، على بور سعيد ، ومن ، ثم ، ولادة المقاومة في فلسطين ، وامتدادها ، إلى ، لبنان ، والعراق ...



( 8 )



2 - مقاومة ، وتمرد ، من داخل الأجهزة الرسمية ، في الوطن العربي ، تمثلت ، بتمرد محمد علي باشا في مصر ، على الإدارة العثمانية ، وعلى الاستعمارية الغربية ، في الوقت ذاته ، ثم ، تمرد أحمد عرابي ، وفي العراق ، تمرد رشيد الكيلاني ، وامتد ذلك ...، إلى ثورة 23 تموز (يوليو ) في مصر ، بقيادة جمال عبد الناصر ، وما تبعها من انقلابات ، في أجزاء ، أخرى ، من الوطن العربي ، جاءت ، كلها ، تحت شعارات عالية النبرة ، وانتهت ، بإحباطات مريرة ...!



( 9 )



3 – مقاومة ، عقائدية ، لمواجهة التخريب ، والتغريب ، في الوقت ذاته ، من عبد الرحمن الكواكبي ، إلى محمد عبده ، وجمال الدين الأفغاني ، ومالك بن نبي ، وعشرات المبدعين ، في مشرق الوطن العربي ، ومغربه ، أولئك الرواد ، الذين حملوا راية النهضة ، والتنوير ، في مواجهة ، الردة ، والتخريب ، في الداخل ، ومواجهة الاستلاب ، والتبعية ، للخارج ، في الوقت ذاته ..



( 10 )



4 - مقاومة ، فكرية ، على الصعيد القومي ، من ، ساطع الحصري ، إلى عصمت سيف الدولة ، إلى اللحظة الراهنة ، مروراً ، بعشرات الرواد القوميين ، الذين ، صمدوا في مواجهة الإقليمية ، والتفتيت ، والتغريب ، على مختلف أشكاله ....



( 11 )



5 - مقاومة ، سياسية ، على الصعيد القومي ، بدأت بجمعيات ، ومنتديات ، انتشرت ، مع نهاية القرن التاسع عشر ، وتطورت إلى أحزاب قومية عربية ، من عصبة العمل القومي ، إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ، إلى حركة القوميين العرب ، إلى ، التنظيمات ، والحركات ، والأحزاب ، التي ولدت ، من رحم التجربة الناصرية ، بدءاً بالاتحاد الاشتراكي العربي ، في مصر ، إلى اتحادات اشتراكية عربية ، في أكثر من دولة عربية ، وانتهاء ، بالدعوات إلى حركة عربية واحدة ، وتنظيم طليعي ، وطليعة الاشتراكيين ، ... والطليعة الاشتراكية ، وإلى آخرها ...!



( 12 )



وفي هذا السياق ، لابد ، من الإشارة ، إلى إضافات ، هامة ، شكلت روافد هامة ، للتيار القومي العربي ، في مرحلة سيادة ، هذا التيار ، مع منتصف القرن المنصرم ، حيث حصلت ، انتفاضات ، داخل الأحزاب الشيوعية ، في الوطن العربي ، حول مفهوم الأمة العربية ، وظهرت دعوات ، إلى حزب شيوعي عربي ، وإلى يسار عربي ، وإلى أحزاب يسارية عربية ، وحصل الأمر ، ذاته ، داخل الأحزاب الإسلامية ، وظهرت دعوات ، إلى حركات إسلامية ، مركزها الأمة العربية ، وإلى انشقاقات حول مفهوم الأمة العربية ، وعلاقة العروبة ، بالإسلام ، وحتى ، الحركات ، التي كانت تدعو ، إلى قوميات داخل الأمة العربية ، شهدت مراجعات هامة ، فظهر ، تيار داخل الحزب القومي السوري ، يتحدث عن الدائرة السورية ، داخل الدائرة العربية ، وإلى الانخراط ، في حركة التحرر العربية ، وظهر الشيء ذاته على الصعيد ، الفكري ، والعقائدي ، داخل الدعوة الفرعونية ، في مصر ، حيث تعززت الدعوات ، إلى ، أن مصر ، هي ، مركز الثقل ، في الأمة العربية ، وكذلك الحال ، في المغرب العربي ، واليمن ، والخليج ، والجزيرة العربية ، ولبنان ، فحتى ، الكيانات ، التي أقاموها ، على أساس طائفي ، أو عنصري ، تحولت إلى أرض خصبة ، لفكرة القومية العربية ، والأحزاب ، ذات التوجه ، القومي العربي ...



( 13 )



في هذا السياق ، لابد من الاعتراف ، أن جميع هؤلاء ، جماعات ، وأفراد ، الذين ، تقاطروا ، على التيار القومي العربي ، يستظلون ، بمظلته ، جاءوا ، بأفكارهم ، وعقائدهم ، مطورة ، كما يقولون ، قد ، اصطدموا ، بواقع مرير تميز ، بسمتين بارزتين :

- السمة الأولى : أن ، التيار القومي العربي ، لم يكن قد نضج ، فكرياً ، وعقائدياً ، لاستيعاب تلك الجموع ، وتحويلها ، إلى قوة منظمة ، باتجاه الأهداف القومية ، لأن ، ذلك التيار ، هو ، ذاته ، كان ، يعاني ، من خطابية ، ذات نبرة عالية ، وشوفونية ، في بعض الأحيان ، وضبابية في الرؤى ، وهذا واضح ، تماماً ، من تجربة ، بعض فصائل التيار القومي العربي ، الذين ، وصلوا إلى السلطة ، في بعض الأقاليم ، فلم ، يعرفوا ، كيف يتعاملون مع السلطة ، التي سقطت ، بين أيديهم ، أولاً ، ثم حولوها ، إلى ، استبداديات ، مدمرة ، للأقاليم التي حكموها ، وللرؤى القومية العربية ، في الوقت ذاته .



- ( يتبع ... البيان..."8".... )



• حبيب عيسى

• Email:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-10-2009 11:18

على بســــــــاط الثــــلاثاء
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

34

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ..."8" ...

الطليعة العربية .....!

أيضا ...

( من التعارف ... إلى التعريف .....)



( تتمة ... "8" ...البيان...)

( 14 )

- السمة الثانية : أن ، التيار القومي العربي ، الذي اكتسح الشارع العربي ، بعد نكبة 1948 ، ما كاد يحقق بعض المكاسب عام 1956 في السويس ، وعام 1958 بقيام الجمهورية العربية المتحدة ، بين مصر ، وسورية ، حتى ، بدأ يتلقى ضربات ، قاتلة ، بفعل عوامل عديدة : العامل الأول ، يتعلق ببنيته الهشة ، وانخراطه ، بمستنقع ، بعض السلطات الإقليمية ، التي تورط ، بالوقوع ، في براثنها ، فاحتوته ، عوضا ، عن ، أن يحتويها ، والعامل الثاني ، يتعلق برؤيته الضبابية ، للمستقبل ، وعدم امتلاكه ، منهج استراتيجي ، واضح ، والعامل الثالث ، يتعلق ، بتهتك النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، بفعل عقود مديدة ، من غياب المؤسسات ، وسطوة الاستبداد ، والعامل الرابع ، يتعلق ، بمخططات خارجية ، ليست خافية ، على أحد ، تعمل ليل ، نهار ، حتى "لا يتحد العرب" ، وبالتالي ، فإن ، كل ، أولئك الذين هربوا ، من محدودية أحزابهم ، ومؤسساتهم الإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، والطبقية ، إلى رحابة الحشود القومية العربية ، الكاسحة ، ما كادوا يفعلون ، ذلك ، حتى بدأت المظلة القومية العربية ، المشرعة ، تتعرض ، لشروخ بليغة ، باتت معها ، عاجزة ، عن، أن تكون مظلة واحدة ، ثم ، فقدت مقومات ، أن تكون مظلة ، أصلا ، وتكاد ، هذه الحالة ، تشبه إلى حد التطابق ، حالة أولئك الذين تركوا معتقداتهم ، المتعددة ، في أنحاء العالم ، ودخلوا ساحة الإسلام ، حيث ، العدالة ، والتحرر ، والمساواة ، وحيث الوحدة ، والتوحيد ، وحيث ، لا يظلم أحد ، في ديارهم ، لكنهم ، ما أن دخلوا الإسلام ، حتى كان عليهم ، أن يختاروا ، حتى ، الموت ، بين شيعة ، وسنة ، ثم بين هاشميين ، وأمويين ، وعباسيين ، وفاطميين ، وقرامطة ، ومماليك ، ثم ، كان عليهم ، أن يختاروا ، بين ، أجزاء ، الأجزاء ، بين ، علويين ، وإسماعيليين ، وخوارج ، ودروز ، ومعتزلة ، ومتصوفة ، ثم ، بين ، أجزاء ، الأجزاء ، ثم ، بين ، صفويين ، ومغول ، وتتار ، وفرس ، ثم ....!!! ، المهم ، أن ، ما حصل ، في ذلك التاريخ ، الملحمي ، عاد ، ليحصل ، بهذه الطريقة ، أو تلك ، داخل صفوف التيار القومي العربي ، المعاصر ، وبالتالي بدأت ، هذه ، الحاضنة الجماهيرية ، الواسعة ، للتيار القومي العربي ، تتشرذم ، في الاتجاهات ، كافة ، يساراً ، ويميناً ... ، وهذا ، أدى ، فيما أدى إليه ، إلى الوضع المأساوي ، الذي نحن فيه ، الآن ... ، فلا الطريق إلى الوحدة العربية ، بات سالكاً ... ولا ، العودة إلى الأوضاع ، التي كانت سائدة ، قبل انتفاضة التيار القومي العربي ، باتت ممكنة ، فنتج ، عن هذا ، كله ، تحطم البنية الحزبية ، في الوطن العربي ، عموماً ، "القومية ، وغير القومية" ، وزاد في الطين ، بّلة ، فشل ، محاولات ، البحث عن البدائل ... ، حيث ، لا يوجد ، في الوطن العربي ، تيار سياسي ، أو عقائدي ، إلا ، وخرج ، من تحت عباءته ، تيار تجديدي ، أو انشقاقي ... انتهت جميعاً ، إلى تطرف ، ما ، ... فهي ، إما قاتلة ، وإما ، قتيلة ... وفي ، اللحظة الحاسمة ، تكتشف الفئة القاتلة ، أنها ، قتيلة ، أيضاً ، منذ اللحظة ، التي ، انجرت فيها ، إلى ساحة القتل ...!

( 15 )

من ، رحم ، هذا التيار القومي العربي ، بما ، له ، وما عليه ، ومن ، رحم الإفرازات الإيجابية ، الفردية ، والجماعية ، للتيار النهضوي ، والتنويري ، عموماً ، من كافة الاتجاهات في الوطن العربي .... ، وفي ، هذا الواقع العربي ، الذي تعصف به الحرائق ، والخرائب ، تولد "الطليعة العربية" ، من جديد ، أو ، هكذا ، نأمل ، لتكون ، أداة ، الجيل الخامس ، من النهضويين العرب ، القوميين ، التنويريين ، المعاصرين ، بحيث تمد جذورها ، عميقاً ، في تربة الوطن ، وتدفع أغصانها ، عالياً ، في أجوائه ...فهي ، على اتصال وثيق ، وحميم مع "النسغ" الإيجابي ، والأصيل الممتد ، من الماضي ، إلى الحاضر ، إلى المستقبل ، وهي ، في الوقت ذاته ، تقطع ، نهائياً ، مع السلب ، من الأفكار ، والممارسات ، في شتى المجالات ... ، وبالتالي ، فإن ، الأفق مفتوح ، أمام الجيل العربي الجديد ، وعليهم التحرر من القيود ، كافة ، ومن "التابوهات" ، التي ، قيدت تجربة العمل القومي ، وعصفت بها ... وإذا ، كان المجال لا يتسع ، لنقد ، وتقييم التجارب القومية العربية ، خلال القرن المنصرم ، على الأقل ، فإن ، هناك ، سبب إضافي ، يمنعنا ، من ذلك ، وهو ، أن الانقسامات ، التي ، عصفت بالتيار القومي العربي ، تجعل من ، أي ، نقد يوجه ، من ، جماعة قومية عربية ، إلى جماعة قومية عربية ، أخرى ، وكأنه تهجم شخصي ، على تلك المجموعة ، يستدعي ، التمترس ، للدفاع عن السلبيات ، قبل الإيجابيات ، لهذا ، وسداً للذرائع ، فإننا ، سنترك هذا الأمر ، لأصحاب الشأن ، داخل كل جماعة قومية عربية ، فنحن ، ننتظر مراجعة ، بعثية ، لتجربة "البعث العربي الاشتراكي" ، ومراجعة من الحركيين ، "لحركة القوميين العرب" .. ومراجعة ، من الجماعات ، والأحزاب ، "الناصرية" ، لتجاربهم ، وهكذا ... ، إلى ، آخر القوى ، والجماعات ، التي ظهرت على الساحة القومية العربية ، ما يهمنا ، الآن ، العمل ، قدر الإمكان ، على الحد ، من الآثار السلبية ، التي أفرزتها ، التجربة المرة ، التي عصفت ، بنا ، كجماعات قومية ، وكأفراد قوميين ، وبالتحديد ، الحد ، من تأثير ، تلك ، الآثار السلبية ، على الجيل العربي ، الجديد ، الذي يتحمل ، وحده ، مسؤولية استئناف المسيرة القومية العربية ، مسيرة التحرير ، ومسيرة النهوض ، والتنوير ، وهذا ، يقتضي التأكيد ، على مسألتين ، الأولى ، عامة ، والثانية ، خاصة .

( 16 )

 أما ، عن المسألة الأولى ، فهي تتعلق ، بمشاريع النهضة ، والتنوير القومية ، وغير القومية ، اليسارية ، واليمنية ، وتتمثل ، في أن ، من ، بقي على قيد الحياة ، من الجيل العربي ، الذي ولد في النصف الأول ، من القرن العشرين ، في مختلف أنحاء الوطن العربي ، والذي عاش ، الأحلام ، والأحزان ، وعاصر ، الانتصارات ، والهزائم ، والانهيارات ، والخرائب ، قد تحول ، بفعل ذلك ، كله ، إلى جيل إشكالي ، تعرض ، لرضوض "سيكولوجية" ، و"سيسيولوجية" حادة ، وافتقد ، بفعل الاستبداد المديد ، المؤسسات ، التي تتيح ، إنتاج العلاقات ، الاجتماعية ، والثقافية ، والسياسية ، المتوازنة ، عدلا ، ومساواة ... ، فتورمت "الشخصانية" ، للتعويض عن ذلك ، كله ، وتضخمت ، الأنا ، على حساب العمل الجماعي ، الذي لابد منه ، للنهوض ، وتم ، تعميم ، رفض الآخر ، وتجريم ، الرأي الآخر ، وتكفير ، الموقف المختلف ، وتحول ، كل اختلاف ثانوي ، إلى خلاف جرمي ، وإذا ، كان هذا ، كله ، مفهوماً ، بفعل الأهوال ، والعواصف ، التي تعرض ، لها ، جيلنا ، فإن ، ما لا يمكن فهمه ، ولا يمكن قبوله ، أن تتحول تلك الإشكاليات ، إلى إرث ثقيل ، نوّرثها ، للجيل العربي الجديد ... خاصة ، وأن المسائل الخلافية ، التي شهدها جيلنا ، أصبحت ، بمعظمها ، جزء من الماضي ، وقد تجاوزتها الأحداث ، والظروف ، وبالتالي ، فإن النداء ، إلى الجيل العربي ، الجديد ، يتمثل ، في عدم الالتفات ، إلى الاختلافات ، التي عصفت بجيلنا ، والتبصّر في الواقع ، وإبداع الوسائل ، المناسبة ، للتعامل ، مع هذا الواقع ، لتغييره ، باتجاه النهوض ، والتنوير ...، ابتداء من رفع الأنقاض ، التي خلفتها المرحلة السابقة ، ومن ، ثم ، التأسيس ، لمرحلة جديدة ، ندرك سلفا احتياجاتها ، ومخاطرها ...

( 17 )

إنني ، أقر ، للجيل العربي الجديد ، أننا ، كجيل ، راحل ، قد انتهت صلاحيتنا ، أو ، في أحسن الأحوال ، اقتربت ، من خط النهاية ، وإن ، جلّ ، ما يمكن ، أن نقدمه ، لكم ، هو ، أن نعرض ، عليكم ، خلاصة تجاربنا ، لا لتسيروا على خطانا ... ولكن ، لتختاروا ، بأنفسكم ، مواقع أقدامكم ...

قد ، تقولون ، إذا كان الأمر ، كذلك .. ؟ ، وهو ، كذلك فعلاً ، لماذا ، يا سيد حبيب عيسى ، تحاول ، أن تفرض على الجيل العربي الجديد ، برنامجاً ، تعتبره أنت ، للنهوض والتنوير ...؟ ولماذا تتدخل في شؤون ، هذا ، الجيل العربي الجديد ، المستقبلية ..؟ ، ومن أعطاك هذا الحق ...؟

في الإجابة ، اعترف ، أولاً ، أن هذا السؤال ، الاستنكاري ، مشروع ... لكن ، وبكل التصادق ، أقول ، أنني ، أرفض ، أن أفرض .... ، وأن ما أقدمه ، مجرد محاولة ، لتحريضكم ، على إبداع برامجكم ، وما أقدمه ، خاضع ، من الألف ، إلى الياء ، للتقييم ، من قبلكم ، وإنني ، أعتقد ، ومن باب تواصل الأجيال ، وعدم إمكانية القطع ، أن ، من حقكم علينا ، ومن ، واجب جيلنا ، أن نقدم ، لكم ، خلاصة تجاربنا ، ورؤيتنا ، لهذا ، فإنني ، أكدت ، منذ اللحظة الأولى ، أن ما أقدمه ، مجرد ، مشروع ، أو مسودة ، إذا ، رأى الجيل العربي الجديد ، فيه ، ما يمكن الاستفادة ، منه ، أو ، من بعضه ، فهذا يشكل خاتمة لحياتي ، تجعلني أغادر ، وأنا ، أقل حزناً ... وإذا ، كان ، ما أقدمه ، مجرد تحريض ، للجيل العربي الجديد ، ليبدع مشاريعه "النهضوية" ، ويلقي ، كل ، ما تقدم ، وراء ظهره ... فهذا ، شرف يعوضني ، عن الشعور السوداوي ، بالهزائم ، والإحباط ...

المهم ، أنني ، أريد القول ، بمنتهى الوضوح ، والصراحة ، والتصادق ، أن مسؤولية النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، تقع ، بالكامل ، على كاهل ، الجيل العربي الجديد ، الذي ، ولد في الربع الأخير ، من القرن العشرين ، وما بعد ، وبالتالي ، فإن ، حدود ، ما يمكن ، أن نقدمه ، كجيل راحل ، هو ، أن ، نكون ، مجرد مستشارين ، لدى ، جيل المستقبل العربي ، نضع ، بين أياديه ، أرشيف تجاربنا ، ليتبصّر، في أسباب الانتصارات ، فيحققها ، في ذاته ، وفي أسباب الهزائم ، فيتجنبها ، مع الاحتفاظ ، بشرط ، جوهري ، أرجو ، أن يتقيد ، فيه ، أبناء جيلي ، وهو ، أن ، لا ، نعيق حركة الجيل العربي الجديد ، بالسلبيات ، التي عصفت بجيلنا ... ، وأن ، لا نقحمه ، في الصراعات الداخلية ، التي عصفت بنا ...، وأن ، لا يهتم ، بأشخاصنا ، هجوماً ، أو دفاعاً ، حتى ، لا ينشغل ، بما جرى ، لنا ، وبيننا ، عما ، يجري أمامه ، له ، وعليه ...، تلك ، كانت ، المسألة الأولى ، وهي شاملة ، القوميين العرب ، وغير القوميين العرب ...

( 18 )

 المسألة الثانية ، وهي ، مسألة خاصة ، تتعلق ، بالمشروع القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، الجديد ، فالطليعة العربية ، التي ندعو ، لتأسيسها ، من قبل الجيل العربي الجديد ، قد حاولها جيلنا ، من قبل ، عبر تجربتين ، هامتين ، تم اللجوء إليهما ، لإنقاذ المشروع القومي العربي ، الذي انتكس ، بجريمة انفصال الإقليم الشمالي ، عن الجمهورية العربية المتحدة ، عام 1961 ، وقبيل الضربة القاصمة ، في عام 1967 .

- التجربة الأولى ، تمثلت ، بتجسيد الدعوة إلى الحركة العربية الواحدة 1963، عن طريق بناء تنظيم الطليعة العربية ، وكان مصدر الدعوة ، قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، في الإقليم الجنوبي ، الذي ، كان ، مازال يحمل ، اسم الجمهورية العربية المتحدة ، ودون الدخول في التفاصيل ، فإن الدعوة ، والمحاولة ، انتهت ، إلى ، ما انتهت إليه ، وأغلقت ، نهائياً ، دائرة الفشل ، في الأساليب المتكررة ، لبناء مؤسسة قومية ، قادرة على النهوض بالمشروع القومي العربي ، النهضوي ، والتنويري ، عن طريق أجهزة "الدول الفعلية" ، القائمة في الوطن العربي ، فالذين حاولوا بناء التنظيم القومي ، عن طريق جهاز الدولة في مصر العربية ، ومؤسساتها ، فوجئوا ، فيما ، بعد ، بأن ، تلك الأجهزة الإقليمية ، تلتهم المشروع القومي ، كما ، التهمت المشروع الإقليمي ، المحلي ، لبناء تنظيم جدي ، لتحصين الداخل ، تلك الأجهزة ، التي أفشلت ، بناء "الاتحاد الاشتراكي العربي" ، في داخل "الإقليم الجنوبي" ، هي ذاتها ، التي أفشلت بناء "الطليعة العربية" على الصعيد القومي ، ثم ، انقلبت ، تلك ، الأجهزة ، علناً ، فيما ، بعد ، على الداخل الوطني ، في الإقليم الجنوبي ، كما ، انقلبت ، على الامتداد القومي ، في "الطليعة العربية" ....

- على المقلب ، الآخر ، فإن ، الذين سيطروا ، على بعض السلطات الإقليمية ، في الوطن العربي ، بأحزابهم القومية العربية ، تحت راية ، الانقلابات العسكرية ، أو السيطرة الحزبية ، لاستخدام تلك ، السلطات ، في تحقيق أهداف الأمة العربية الواحدة ، انتهوا ، إلى ذات المصير ، والتجربة ، هنا ، انتهت ، إلى الفشل ، على الصعيد ، المحلي ، الإقليمي ، أيضاً ، وعلى الصعيد القومي العربي ، في الوقت ذاته ، فقد ، التهمت أجهزة الدول الإقليمية ، المشروع الاجتماعي ، الديمقراطي ، على صعيد الداخل الإقليمي ، وتحولت تلك المحاولات ، إلى نظم استبدادية ، يتندّر ، بممارساتها ، ومفاسدها ، الشارع العربي ، وتنسب ، إلى المشروع القومي العربي ، زورا ، وبهتانا ، كعلامة فارقة ، تدل على ، فشله ، ثم ، التهمت ، تلك ، الأجهزة الإقليمية ، المشروع القومي ، لتلك الأحزاب القومية العربية ، وتحول العمل القومي ، عندها ، إلى مجرد شعارات ، لا مضمون لها ، فقط ، لتبرير الاستبداد المحلي ... ودون الدخول في التفاصيل ، فإن نظرة فاحصة ، لما جرى ، في سورية ، والعراق ، حيث ... ، وحيث ... ، وحيث ... ، وأيضاً ، ما جرى ، في اليمن الجنوبي ، بعد سيطرة "حركة القوميين العرب" على السلطة ، في عدن ، حيث ، لم تتخلى "الحركة" ، هناك ، عن المشروع القومي العربي ، في ، الوحدة ، والتحرر ، والثأر ، وحسب ، وإنما قاومت ، حتى ، مشروع توحيد اليمن ، كدولة واحدة ، ثم ، لا ننسى ما جرى في الجزائر ، بعد ثورة المليون شهيد ، للتخلص من المشروع الاستعماري الفرنسي ، حيث لم تحتمل أجهزة الدولة الإقليمية ، في الجزائر ، طموحات ، أحمد بن بله ، العربية ، فأطيح ، به ، وكتب الدستور الجزائري ، الذي يتحدث عن "الأمة الجزائرية" ، ثم ، ها هو ، النظام الاستبدادي ، هناك ، يطيح بالنسيج الوطني ، لمجتمع الجزائر العربي ... ، ثم ، ما قامت ، به الفصائل ، المنبثقة عن "حركة القوميين العرب" ، عن طريق كوادرها ، الذين ، نشطوا على الساحة الفلسطينية ، حيث ، لم يساهموا في ، أقلمة ، المقاومة ، في فلسطين ، وحسب ، وإنما ، ساهموا في شرذمة الساحة الفلسطينية ، أيضاً ...

لهذا نقول ، أن ، المحاولة الإنقاذية ، لبناء "الطليعة العربية" ، عن طريق أجهزة الدولة ، في ، الإقليم الجنوبي ، قد ، انتهت ، إلى ما انتهت ، إليه ، محاولات ، الأحزاب ، والحركات القومية العربية ، الأخرى ، رغم حسن النوايا الحسنة ، التي نفترضها ، هنا ، وهناك ، ورغم الجهود الطيبة ...

( 19 )

- التجربة الثانية ، لإنقاذ المشروع القومي العربي ، وبناء "الطليعة العربية" ، برزت ، إلى الوجود ، في ذات المرحلة التاريخية ، ونقصد الفترة ، ما بين ، انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 ، وبين ، عدوان الخامس من حزيران 1967 ، وانطلقت ، المحاولة ، من منظومة فكرية ، قومية عربية ، مختلفة ، لبناء "الطليعة العربية" بدءاً ، من القاعدة الجماهيرية ، واعتماداً على الحاضنة الجماهيرية ، الكاسحة ، للمشروع القومي العربي ، في تلك المرحلة . وانطلاقا من الوثيقة الفكرية ، والسياسية ، لذلك المشروع ، التي تمثلت ، بالبيان التأسيسي ، الذي عرف ، فيما بعد ، ب"بيان طارق" ، والذي ، أعده ، قطبان قوميان ، واحد ، من الإقليم الجنوبي ، للجمهورية العربية المتحدة ، والثاني ، من إقليمها الشمالي ، تضمن تقييماً ، نقدياً ، ومن ، ثم ، أسلوباً ، لبناء "الطليعة العربية" ، على مرحلتين ، المرحلة الأولى ، هي ، مرحلة إعدادية ، تتمثل ، ب"أنصار الطليعة العربية" ، ومن ، ثم ، المرحلة الثانية ، ببناء "الطليعة العربية" ، ودون الدخول ، في التفاصيل ، فإن تلك المحاولة ، ورغم ، أنها ، حاولت تلافي الإشكالات ، التي عانت منها التجارب القومية العربية ، السابقة ، فإنها ، انتهت إلى ذات المصير ، المأساوي ، وذلك ، بفعل ، عاملين أساسيين :

- العامل الأول ، يتعلق ، ببنية المحاولة الإعدادية ، بمعنى ، أن ، الذين انخرطوا في المرحلة الإعدادية ، سرعان ، ما ووجهوا ، من قبل الأحزاب ، والحركات ، القومية العربية ، السائدة ، على الساحة العربية ، على أساس ، أنهم يشكلون خطرا ، على تلك الأحزاب ، والحركات ، وبذلك ، تحولوا ، من دعاة ، ومبشرين ، بمشروع ، إنقاذي ، يتحاورون ، بشفافية ، مع فصائل ، وكوادر الفصائل القومية العربية ، المنتشرة ، على طول الساحة العربية ، وعرضها ، إلى مجموعات سرية ، منغلقة ، يتعامل معها ، الآخر ، في الفصائل القومية العربية الأخرى ، بريبة ، وتوجس ، على ، أساس ، أن تلك الحركة الإعدادية ،تستهدف ، اختراقها ، والحلول ، مكانها ، وهذا ، حقيقة ، بعيد ، كل البعد ، عن جوهر "بيان طارق" ، الذي نص على مرحلة إعدادية ، انتقالية ، محددة ، من حيث الزمان ، أرادها ، أن تكون في حوار مفتوح ، مع كوادر الأحزاب ، والحركات القومية العربية ، وليس ، في مواجهتها ، لكن الرسالة ، لم تصل ، أو وصلت مشوهة ، دعونا نقول ، الآن ، وكنقد ذاتي ، أن ، حملة الرسالة ، فشلوا ، في إيصالها ، كما ، هي ، في الجوهر ، لكن ، لابد ، أن ، يقرّ ، الطرف المتلقي ، أنه ، لم يكن مستعدا لتلقي الرسالة ، أصلا ، على أية حال ، لابد من الاعتراف ، أن "السرية" ، التي فرضت على الإعداديين ، ولم تكن خيارهم ، أفقدتهم ، الشرط الديمقراطي ، الداخلي ، كما ، أفقدتهم المقدرة ، على التعبير ، عن أنفسهم ، كما هم ، فعلا ، للآخر ، ثم ، أن ظروف حرب عام 1967 ، ومن ، ثم ، أحداث عام 1970 ، وغياب قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، واحتلال قاعدة حركة التحرر العربي ، وتحويلها إلى قاعدة للعدوان على الأمة ، وما ترتب على ذلك ، من انحسار للمشروع القومي العربي ، هذا ، كله ، أدى ، إلى فقدان الحاضنة الجماهيرية الواسعة ، للمشروع القومي العربي ، ومن ، ثم ، فقد "الإعداديين" ، الاتجاه ، فلم ، يعرفوا كيف يتجاوزون المرحلة الإعدادية ، ولم ، يعرفوا ، كيف يصلون ، إلى "الطليعة العربية" ، فانطووا على أنفسهم ، يلوكون ، الأفكار ، التي وحدتهم ، ومنحتهم هويتهم المحددة ، لينفضوا ، عنها ، بعد ذلك ، يميناً ، ويساراً ، ولتفتك ، بهم ، الآفات ، التي فتكت ، بمجمل مشاريع النهضة ، في الوطن العربي ، فعادوا ، يبحثون ، عن أدوار ، على ، هامش الحركات ، والقوى ، القومية ، وغير القومية ، التي ، طرحوا أنفسهم ، في البداية ، كطليعة ، لها ، جميعاً ...

- العامل الثاني ، ويتعلق ، بالظروف ، الموضوعية ، التي أحاطت ، بالتجربة ، فقد ، كان الأساس ، الذي ، بني ، عليه البيان التأسيسي "بيان طارق" ، هو ، أن ، الجمهورية العربية المتحدة "الإقليم الجنوبي تحت قيادة جمال عبد الناصر" ، هي القاعدة الأساسية ، للمشروع ، القومي العربي ، وهي ، القاعدة الأساسية ، للمشروع الإنقاذي ، وأن ، المرحلة الإعدادية ، المتمثلة ، بأنصار الطليعة العربية ، لن ، تمتد ، إلا ، لسنوات قليلة ، تعلن ، بعدها "الطليعة العربية" ، عن ميلادها ، من قاعدتها ، في القاهرة ، لكن ، الظروف الموضوعية ، سرعان ما تغيرت بعد نكسة عام 1967 ، ثم ، تم ، الانقلاب النهائي ، على المشروع القومي العربي ، في مصر ، بعد غياب جمال عبد الناصر عام 1970 ، وكان هذا يقتضي ، أن يتداعى أصحاب المشروع ، الإنقاذي ، لتدارس ، ما جرى ، ومواجهة المرحلة التي استجّدت ، لكن ، الانقلابيين ، في القاهرة ، عاجلوا الخلايا التأسيسية ، للمشروع ، فأودعوها السجون ، وتغيرت الظروف الموضوعية ، تغيرا دراماتيكيا ، بعد ذلك... ولم يعرف ، الإعداديين ،كيف يتجاوزون عتبة الإعداد ، وتفرقت بهم السبل ......

( 20 )

على ، أية حال ، وباختصار شديد ، فإن ، الغاية ، من سرد ، تلك الأحداث ، هي ، تجنيب الجيل العربي الجديد ، الأساليب الفاشلة ، والصراعات المدمرة ، التي عصفت بجيلنا ، فيبني مشاريعه ، النهضوية ، التحررية ، التنويرية ، بالاعتماد على الجوهر ، والاهتمام ، بالقضايا المصيرية ، وعدم تضييع الوقت ، في التفاصيل ، والقضايا الثانوية ، وعدم الانخراط ، في الصراعات ، التي عصفت بجيلنا ، فيرفض ، الاصطفاف مع فلان ، أو ، ضد علان ...

لهذا ، كله ، فإنني أدرك ، تماماً ، أنني ، أكتب مشروع ، أو "مسودة" مشروع ، أنا ، شخصياً ، والكثير ، من أبناء جيلي ، انتهت صلاحيتنا ، ولم نعد نملك المؤهلات ، التي تؤهلنا ، لتحمل أعباء مشروع النهضة ، والتنوير ، وبالتالي ، فإن ، جلّ ، ما أهدف إليه ، من هذا المشروع ، هو ، أن ، ألقي عن كاهلي ، هذا العبء ، وليحمله ، الجيل العربي ، الجديد ، بأسلوبه ، بأدواته ، بمنهجه ، بإرادته الحرة ، ولينفض ، هذا الجيل العربي الجديد ، عن كاهله ، جميع القيود ، وليضع ، لنفسه ، هدف أساسي ، هو ، كيف ، ومتى ، وبمن ، وبماذا ، ينطلقون إلى المستقبل ...؟ ، للخروج من المأزق ، ثم ، كيف يتعامل ، الجيل العربي الجديد ، مع الظروف المستجدة ، بالأدوات ، والوسائل المناسبة ... ؟ ، فليبدأ ، كل ، من موقعه ، دون انتظار ، قائد ، أو ، ملهم ، أو ، زعيم ، وليراجع ، هذا الجيل العربي الجديد ، تجارب جيلنا ، بموضوعية ، بعيداً ، عن ، الذاتية ، وليبنوا ، على الإيجابي ، أياً كان ، مصدره ، وليستبعدوا ، السلب ، أياً ، كان مصدره ، أيضا ، وليتأكد الجيل العربي ، الجديد ، أن ، لكل ، من أبناء جيلنا الراحل ، إيجابه ، وسلبه ، وأن تجاربنا ، على تنوعها ، تتضمن ، إلى جانب الأخطاء ، والخطايا ، الكثير ، من ، الصواب ، والجدية ، وقديماً ، قال ، أحد أجدادكم العظام : ( ليس ، من ، طلب الحق فأخطأه ، كمن ، سعى إلى الباطل ، فأدركه ) ، المهم ، بالنسبة ، للجيل العربي الجديد ، ليس ، أن يعرف ، فقط ، لماذا فشل جيلنا القومي العربي ، في تحقيق أهدافه ، وحسب ، الأهم ، أن ، يعرف الجيل العربي ، الجديد ، كيف يحقق أهدافه ..؟ ، وكيف ، ينهض بأمته ، ووطنه ..؟

إذن ، فأنا ، أدعو ، إلى مشروع ، أدرك ، سلفاً ، أنه ، لا دور ، لي ، في إنجازه ، وإنني ، ألقي المسؤولية ، كاملة ، على عاتق الجيل العربي الجديد ، أقول ، ذلك ، حتى يتداعى ، هذا ، الجيل العربي الجديد ، إلى الكلمة السواء ، وحتى ، يناقش مستقبله بموضوعية ، بعيداً ، عن الذاتية ، فيقوم ، بعملية ، الوصل الضرورية ، مع الإيجابي ، والفصل ، القاطع ، مع السلبي ...

هكذا ، نكون ، قد ، حددنا أصحاب المشروع النهضوي ، القومي العربي ، التنويري ، ورواده الجدد ، فماذا ، يمّيز المشروع النهضوي العربي ، الجديد ، عن التجارب السابقة ..؟ ، وما هي ملامحه ..؟ ، ما هو منهجه ..؟ ، ما هي منطلقاته..؟ ، ما هي غاياته ...؟ ، ما هي أـساليبه ...؟ ، ما هي أدواته ..؟ ، ما هي الطليعة العربية ..؟ ، ومن ، هم ، "الطليعون العرب الجدد" ...؟

( يتبع ... "9" ...البيان ... )

• حبيب عيسى

سليم حجار 01-10-2009 11:20

على بســــــــاط الثــــلاثاء
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء


35


يكتبها : حبيب عيسى




"الطليعة العربية"
في الأســس .....


( تتمة ... "9" ... البيان )


( 1 )


بعد ، أن حددنا موقع " الطليعة العربية " في السياق التاريخي لتطور مشروع النهضة ، والتنوير في الوطن العربي ، عموماً ، ثم ، في السياق التاريخي لتطور المشروع القومي العربي ، بخاصة ، إضافة إلى الانتكاسات التي أصابت المشروع ، هنا ، وهناك ، سنحاول ، الآن ، أن نتفق على مسودة تعريف " للطليعة العربية " التي ننشد تأسيسها ، كأداة للنهوض ، والتنوير في القرن الواحد والعشرين ، أداة ، للتحرير ، والعدالة ، والمساواة ، والديمقراطية والتنمية ، والكفاية ، والاشتراكية ، والتحضر ، والأنسنة ، أداة ، لوضع مصادر الإنتاج ، والثروة ، في الوطن العربي ، بتصرف الأمة ، أداة ، للوصول إلى حق الأمة في تقرير مصيرها ، في المجالات كافة ، الحضارية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية ، ورفع يد الهيمنة ، والتسلط ، عن الأمة العربية ، من أية جهة ، كانت ... ، وذلك عن طريق ، وضع أسس ، واضحة ، لممارسة الديمقراطية ، في الأجزاء العربية ، بحيث ينتج عنها سلطات تمثيلية ، حقيقية ، للشعب العربي ، تنتخب ديمقراطياً ، ويتم تداول السلطة ، فيها ، ديمقراطياً ..بعد ، أن أثبتت التجارب المرة ، أن الشعب الذي يتمتع بحقوقه الأساسية ، وبالحريات العامة ، هو ، وحده ، الشعب القادر على مقاومة الهيمنة الخارجية ، والاستبداد الداخلي ، وهو ، وحده ، القادر على انتزاع حقه في تقرير مصيره ، وتحقيق وحدة ترابه القومي ........!


( 2 )


لكن ، قبل ذلك ، دعونا بداية نراجع تعريف " الطليعة العربية " ، كما ورد في المشروع الإنقاذي عام 1965، الذي أطلقه عصمت سيف الدولة ، نسرده ، هنا ، "بتصرف" ، بمعنى ، أننا ، سنقدمه مختصراً ، ثم ، نطرحه للنقاش العام ، فيتم البناء على الأسس التي مازالت صالحة ، والتي ، أثبتت المتغيرات ، والتحولات الخطيرة ، صوابيتها ، وفي الوقت ذاته ، التخلص من الأساليب ، التي جربت ، وفشلت ، أو ، تلك ، التي لم تعد صالحة ، بفعل التغير الذي حصل في الواقع ، كما ، لابد من ، الإضافة ، التي تفرضها الظروف المتغيرة ، ذلك ، كله ، في إطار ، من الوصل الإيجابي ، والفصل السلبي ، بحيث يتعزز النسغ الإيجابي ممتداً من الماضي إلى المستقبل ، وفي الوقت ذاته ، يتم وضع حد للسلب ، فلا يمتد للمستقبل ، وهذا ، هو التطور الذي تتوارثه الأجيال العربية ، المتلاحقة ...


( 3 )


جاء في الفصل الختامي ل"الأسس" التي وضعها عصمت سيف الدولة ، عام 1965 ، جواباً صريحاً على السؤال : من ، وممن ، الطليعة العربية .... ؟؟ ، ننقله ، هنا ، وكما قلنا ، بتصرف ، واختصار ، لا يغني عن العودة إلى الأصل ....
جاء في تلك الإجابة :
"1 - الإنسان وحده مبدع مستقبله ، وقائد مصيره ، وأن الزمان ، وحده ، لن يحل مشكلات الوطن العربي ، بل ، لابد من ، قوة إنسانية ، تتصدى لمواجهة تلك المشكلات ... من هنا يكون وجود "الطليعة العربية" ضرورة قومية ، إذ ، هي ، قائدة التطور إلى الحرية والوحدة والاشتراكية ...
2 - إن وعي "الطليعة العربية" ، بأن ، الحل الجدلي ، للمشكلات ، لا يتأتى إلا بالمعرفة الجماعية ، لها ، والتصميم الجماعي ، على الحل ، والتنفيذ الجماعي في المستقبل ، ذلك كله ، يحتم عليها ، أن تكون "تنظيماً جماعياً" ، يلتحم داخله ، كل التقدميين ، الثوريين ، في "حركة عربية واحدة" .
3 - "للطليعة العربية" منهجها العقائدي ، الواضح ، المحدد ، الذي يصلح ، لتقييم المشكلات ، ومعرفتها ... إن ، وحدة المنهج ، هي الرباط الذي يحفظ "للطليعة العربية" وحدتها ، وينسق نضالها ، ويحكم بين أعضائها ، ويساعدها ، على ، أن تضع لنفسها برنامجاً ، للتطبيق ، تحدد ، به ، مسؤولياتها ، أمام الجماهير العربية .
4 - يحدد وعي "الطليعة العربية" ، وجودها القومي ، ميدان نضالها ، فتنظمه ، وتديره ، على مستوى الأمة العربية ، كلها ، رفضاً للتجزئة ، وتحقيقاً ، للوحدة ، في ذاتها ، ليمتد إدراكها ، إلى منبت كل مشكلة في الوطن العربي ، فتعرفها على حقيقتها ، ولتقدم ، لها ، الحلول السليمة ، مستفيدة في هذا من إمكانيات الكل لحل مشكلات الأجزاء ، ومشكلات الكل جميعاً . غير أن "الطليعة العربية" تعرف عن طريق منهجها الفكري أن كل مشكلة تحل في حدود ماتقدمه الظروف من إمكانيات ... ، و "الطليعة العربية" ، تعرف ، أن تجزئة الوطن العربي ، قد تركت آثاراً متفاوتة ، على مستوى تطور الأجزاء ... لهذا ، فإن وحدة "الطليعة العربية" ، كحركة ، وتنظيم ، لا تمنع ، أن تكون الطليعة العربية ، في ، كل جزء ، متميزة ، عنها ، في باقي الأجزاء ، بعبء ، مضاف ، إلى رسالتها القومية ، ينعكس ، عليها ، تنظيماً فرعياً ، من التنظيم الواحد ... وقد ينعكس ، هذا ، على نوع التنظيم ، والنضال ، فهي ، مقاتلة ، حيث الاستعمار ، والرجعية الباغية ، مسالمة ، حيث الديمقراطية ، علنية ، حيث الحرية ، سرية ، حيث الاستبداد .
5 - يحتم وعي "الطليعة العربية" ، أن "الجدل الاجتماعي" ، هو ، الأسلوب العلمي الوحيد ، لمواجهة الظروف ، وحل مشكلاتها ، وتحقيق المستقبل ... فهي ، تنظيم حديدي ، على أسس ديمقراطية صلبة ، حرية الرأي ، للجميع ، وعمل الجميع ، تنفيذاً لرأي الأغلبية ، أياً ، كان نوع التنظيم ، الذي تسمح به الظروف ، في الأجزاء ، فإن ديمقراطية التنظيم في "الطليعة العربية" ، مميز ، لها ، كطليعة ، وحصانة ، لها ، ضد التخريب ، والانحراف ، والانتهازية ، والفاشية . لا تهاون في هذا ، ولا استنثاء ، مهما كانت الظروف ...
6 - ينطلق نضال "الطليعة العربية" ، على أساس ، أن الوجود القومي ، شرط التطور ... مدركة ، أن تحرير الوطن العربي ، من العدوان عليه ، أول خطوة على طريق تطويره ، لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، تعي ، وتخطط ، وتناضل ، على هدي وعيها ، لتحرير الوطن العربي ، من الاستعمار الظاهر ، ومن ، الاستعمار الخفي ، وتقتلع السرطان الصهيوني ، اقتلاعاً ، مدركة ، في هذا ، أن تحرير الوطن العربي ، من العدوان عليه ، أول خطوة ، إلى تطويره ، وأن تطويره ، الكامل ، لا يتم ، إلا بالوحدة السياسية ...
والوحدة السياسية ، عند "الطليعة العربية" ، حتمية ، لأنها ، التعبير السياسي ، عن الوجود القومي ، السابق عليها ...ولا تنتظر "الطليعة العربية" ، حتى تكون المشكلات ، في كل جزء ، قد حلت ، لكي تحقق الوحدة ، لأنها ، تعلم ، أن الوحدة العضوية ، للأمة العربية ، تعني ، ألا ، تحل مشكلات الأجزاء ، حلاً ، سليماً ، إلا في الكل الشامل ، بهذه الثورية ، ترفض "الطليعة العربية" ، تبرير الإبقاء على التجزئة ، بآثار التجزئة ... غير ، أن الأسلوب العلمي ، الذي تنتهجه "الطليعة العربية" لا يسمح ، للمثالية ، أن تضللها ، فتتجاهل ما تتطلبه المشكلات المحلية ، من ، إدارات محلية ، لأنها ، تعلم ، أن "الدولة القومية" ، لا تلغي الإدارات المحلية ، بل تدعمّها ، وتمدها بمزيد ، من المقدرة ، على مواجهة ما تطرحه الظروف المحلية ، من مشكلات ، كما ، أنها ، لا تتجاهل ، ما صنعته التجزئة ، التي ، امتد بها ، الزمن ...
7 - في سبيل الحرية ، وحرية الإنسان العربي ، وكل إنسان ، تناضل "الطليعة العربية" ، على أساس ، أن الحرية ، ليست مقدرة على الفوضى ، ولكنها ، مقدرة على التطور ... فحرية الوجود القومي ، شرط ، لحرية التطور ، وحرية المعرفة ، شرط ، لحرية الرأي ، وحرية الرأي ، شرط ، لحرية العمل .
وكما ، تلزم "الطليعة العربية" ، غيرها ، حدود الحرية ، تلتزم ، هي ، تلك الحدود .
فحيثما ، تتصدى "الطليعة العربية" ، للمشكلات ، لا تعرف ، غير الديمقراطية ، سبيلاً ، والشعب ، سنداً ... وفي ، هذا ، لا يمتاز الإنسان ، بمهنته ، ولا بثقافته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولكن ، بحدة ، المشكلة ، التي يعانيها ، كإنسان ، ولا تميز "الطليعة العربية" حدة المشكلة ، إلا بمدى اتساع ، جبهة الناس ، الذين ، تفسد حياتهم ، فهي ، "الطليعة العربية" ، ترفض التقسيم الطبقي ، كما ، ترفض التقسيم ، على أساس الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، وتحترم ، الإنسان ، كإنسان ، وتتخذه ، نقطة انطلاق ، وغاية ، ويعلمّها ، هذا ، الاحترام ، أن ترفع عن الإنسان العربي ، كل ، ما يضغط على إرادته ، وأن تحرره ، أولاً ، وقبل ، كل شيء ، من الخوف ... ولا تفرض "الطليعة العربية" على الشعب العربي ، إرادتها ، ولا تتهمه ، إذ ، أنها ، تعلم ، أن وجود المشكلة ، لا يغني ، عن إدراكها ، حتى تحل ، وأن عليها ، بحكم ، وعيها الشامل ، أن تفجّر وعي الناس ، لمشكلاتهم ، ولحلولها ... ، وبهذا تكون "طليعة عربية ديمقراطية" ، فالثقة ، التي لا حد ، لها ، بالشعب ، هي ، جوهر الديمقراطية ، وكل ، شكل ، لها ، ليس ، أكثر من تنظيم ، لإطار التعبير ، عن تلك الثقة ...
8 - بالوحدة ، وخلال النضال الديمقراطي ، تقود "الطليعة العربية" تطور الوطن العربي ، إلى الاشتراكية ، ففي ، أي مكان ، من الوطن العربي ، وأياً ، كانت درجة النمو الاقتصادي ، فيه ، تلغي "الطليعة العربية" الاستغلال ، أياً ، كانت أسبابه ، ولا تسمح "الطليعة العربية" ، بأن ، تتخذ حرية الملكية ، ذريعة ، ليمتلك ، نفر ، كل شيء ، تاركين الشعب العربي ، بدون ملكية على الإطلاق . أو ، أن تكون – الملكية – أداة للقهر الاقتصادي ، وحيثما ، قامت الملكية ، بدون استغلال ، فإن "الطليعة العربية" ، تدعمها ، حرية مكتسبة .. إذ ، الاشتراكية ، عند "الطليعة العربية" ، حرية كاملة ، وبهذا ، تلتحم الحرية ، بالاشتراكية ، لتصبح الاشتراكية ، حياة حرة ... ، ولا تقبل "الطليعة العربية" ، الاحتجاج ، بأي نظام متخلف ، في الملكية ، أو الإنتاج ، أو التوزيع ، ولا تنتظر "الطليعة العربية" ، حتى ، تعلمّها التجربة المرة ، ما تعلمته الشعوب ، من مرارة الحياة ، في ظل الاستغلال الرأسمالي ... ، غير ، أن "الطليعة العربية" ، لا تخلط ، بين الاشتراكية ، كغاية ، وبين ، وسائل تحقيقها ، ولا تتجاهل ، عدم استواء النمو الاقتصادي ، في الأجزاء ... لهذا ، لا تقبل "الطليعة العربية" ، أن ، يحّل مستبد ، محل مستبد ، أو ،أن يقوم مستغل ، مكان ، مستغل ، ولا تتذرع ، "الطليعة العربية" ، بالاشتراكية ، لفرض العبودية ، ولا تقبل ، الفاشية ، ولو ، خططتّ ، ولو ، أممّت ، وبهذا ، تبقى حرية الإنسان العربي ، غاية "الطليعة العربية" ، وحداً ، لا يتجاوزه التخطيط الاقتصادي ، بهذا الوعي ، تكشف "الطليعة العربية" الانتهازيين ، ولا تكون انتهازية ، وتسحق الفاشية ، ولا تكون فاشية ، وتبقى "طليعة عربية اشتراكية ديمقراطية .."
9 - إذ ، تكون المشكلات ، مشكلات الشعب ، والحلول ، حلول الشعب ، فلابد ، من ، أن يعرف الشعب ، مشكلاته ، ويقترح ، لها ، الحلول ، ويسهم ، في تنفيذها ، أي ، لابد من الديمقراطية ، وفي سبيل ، أن تتحقق ، للشعب العربي ، حريات ، ذات مضمون مادي ، وليس حريات شكلية ، لابد ، من ، أن ينظم اقتصاد الوطن العربي إنتاجاً ، وتوزيعاً ، واستهلاكاً ... ، ومن ، هنا ، لا تغني الوحدة ، عن الديمقراطية ، ولا تغني الديمقراطية ، عن الوحدة ، إذ ، الوحدة ، نقطة انطلاق ، والديمقراطية ، تنظيم لخطا هذا الانطلاق ، أما غاية الانطلاق ، فالاشتراكية ، الوحدة ، شرط ، لمعرفة المشكلة – معرفة صحيحة – ، والديمقراطية ، شرط ، لحلها ، حلاً سليماً ، والاشتراكية هي ، تنفيذ لهذا الحل ، وبذلك ، تتشكل ، معاً ، الحركة الجدلية ، للنضال العربي ، لا ينقص التقدميين العرب ، إلا الوعي الشامل ، ليعرفوا هذه الوحدة العضوية ، لغايات الشعب العربي . وبهذا الوعي ، الشامل ، تتجاوز "الطليعة العربية" ، التقدميين العرب ، لتكون ، به ، طليعة النضال العربي .
10 - تقود "الطليعة العربية" ، نضال الشعب العربي ، على أسس علمية ، لا مدعية ، ولا متمنية .. ويتحقق ، ذلك ، بالمواجهة الثورية ، للظروف ، وتطبيق الحلول العلمية ، الملائمة ، لمشكلاتها ، للقضاء ، في النهاية ، على التجزئة ، والتخلف ، والاستبداد ، مع احتفاظ "الطليعة العربية" ، دائماً ، وفي كل الظروف ، بالغايات القومية ، فتقود الظروف ، إلى تلك الغايات ، لا تنحرف ، ولا تتوه ، ولا تتراجع .
11 - إن عمق الوعي ، وشموله ، ووضوح ، المنهج الفكري ، يحدد ، الثورة ، أسلوباً ، لنضال "الطليعة العربية" ، تستمد المقدرة ، عليها ، من ثقتها ، بأمتها ، وبنفسها ، وأنها ، تناضل ، في سبيل غايات منتصرة . وفوق ، هذا ، تعرف "الطليعة العربية" ، ما الثورة ؟ ، وضد من تثور ؟ ، وتحدد ، على ضوء هذا ، موقفها من الظروف ، ومن الناس ، ولا ترفع شعار ، الثورة ، ادعاء ، وتضليلاً ، ولا تتخذه ذريعة ، إلى الإجرام الدامي ، فحيثما ، كان الشعب العربي ، قادراً ، مقدرة مشروعة ، قانوناً ، على الكفاح الديمقراطي ، في سبيل غاياته ، يكون ، أسلوب نضال "الطليعة العربية" توعية الجماهير ، وتنظيمها ، وقيادتها ، في نضال ديمقراطي ، لتحقيق غاياتها ، إذ ، حيث تقوم الديمقراطية ، لا يوجد مبرر ، للثورة ، إلا مجازاً ، ببذل الجهد المضاعف ، لبناء الحياة ، أما ، حيث ، تفرض على إرادة الجماهير ، قيود ، تسلبهم حريتهم ، ببطش المستعمر ، أو ، الاستبداد الفاشي ، أو ، القهر الاقتصادي ، أو ، القتال الباغي ، فإن ، "الطليعة العربية" ، تحطم النظم ، والقوانين ، والعلاقات ، التي يصوغها المستبدون ، قيوداً ، على إرادة الجماهير ، وحيث ، تبيح القوانين ، العنف ، ضد الشعب ، ترد "الطليعة العربية" ، العنف ، بمثله ، وتحطم القيود ، لتعود ، بالشعب إلى الحرية ، فتعود ، إلى توعيته ، وتنظيمه ، لا تقتل ، ولا تقهر ، ولا تستبد ، وعلى ، هذا ، تحدد "الطليعة العربية" ، موقفها من أعدائها ، فلا ، تطغى ، ولا تقبل ، الطغيان ، عندئذ ، فإن مسؤولية الدماء ، ستكون على رؤوس المعتدين ، ولن تتوقف الثورة ، احتراماً ، لإرادة المستعمرين ، والمستبدين ، والرجعيين ، أما ، التقدميون ، فإن "الطليعة العربية" ، مفتوحة الأبواب ، لكل ، طليعي ، منهم .
12 - لا يكفي الوعي الأكاديمي ، لأفكار "الطليعة العربية" ، وقبول مبادئها ، ولا يكفي الانضباط الديمقراطي ، داخل الطليعة ، ولا تكفي المقدرة ، على النضال الثوري ، ليكون التقدمي ، طليعياً ، فقد تعلمت "الطليعة العربية" ، من ، التجربة المرة ، كيف ينحرف من كانوا يبدون أكثر الناس وعيا ، وكيف يخون ، من كانوا ، يبدون أكثر الناس إخلاصا ، وكيف ينهزم ، من كانوا ، يبدون أكثر الناس مقدرة على النضال ، ورأت "الطليعة العربية" ، وتعلمت مما رأت ، خيانة فقهاء الوحدة ، للوحدة ، وخيانة فلاسفة الاشتراكية ، للاشتراكية ، وخيانة الديمقراطية ، من دعاة الديمقراطية .... لهذا ، لابد ، أن تكون الاستقامة الخلقية ، شرطاً ، في أعضاء "الطليعة العربية" ، وغاية ، من غاياتها ، وبذلك ، يكون للطليعة العربية ، بالإضافة ، إلى الضوابط الأخرى ، مفهوم أخلاقي ، تقيس عليه ، مدى صلاحية ، الإنسان الواعي ، المنظم ، المناضل ، ليكون ، طليعياً ...
13 - إن ضرورة المضمون الأخلاقي ، في أية حركة سياسية ، لا تعني اصطناع نماذج أخلاقية ، لا جذور لها في المجتمعات ، التي تعيش فيها ... ولكن ، تعني أن تكون شاملة ، لقضايا الإنسان ، تأكيداً لأصالتها ... ففي ، كل مجتمع ، حصيلة غنية من القيم ، التي كانت وليدة تاريخها الخاص ... إن كل ما يسهم في التطور ، ويساعده ، فضيلة ، وكل ما يقف في سبيل التطور ، ويعرقله ، رذيلة ، وبذلك ، يكون ، للفضيلة ، وللرذيلة ، أساس علمي ، فلا تختلطان ... ، ومن ، هنا ، لا يصح ، ما يقال ، له ، الخير المطلق ، أو الشر المطلق ، إن أسمى الفضائل ، في عصر ، من العصور ، قد تكون ، أحط الرذائل في عصر ، سابق ، أو لاحق ، لأن الفضيلة ، والرذيلة ، إذ ، هما مرتبطان ، بالتطور ، لا يمكن أن تتخطياه ، فكما ، أن حاجة المجتمعات متغيرة ، فإن ، القيم المعبرة عنها ، متغيرة معها .
14 - على ضوء الوحدة ، بين الوعي ، والتنظيم ، والأخلاق ، يتحدد موقف الطليعي ، حيال سلوك غيره ، ويتحدد سلوكه ، هو ، "الطليعي العربي" ، يعرف ، أن معرفة التاريخ ، علم ، ومحاولة إعادته ، انحراف جاهل ، لهذا ، يطهّر نفسه ، من كل القيم ، والتقاليد ، والأخلاق ، التي كانت حصيلة الأطوار التاريخية ، التي انتهت ، إلى غير رجعة ، لقد ، ولى العهد القبلي ، فحتمّ ، أن يكون "الطليعي العربي" ، مطهراً ، من التعصب القبلي ، وانقضت ، المجتمعات الدينية ، فحتم ، على "الطليعي العربي" ، أن يكون ، مطهراً ، من التعصب الديني ، إن "الطليعي العربي" ، لا يتحيز للماضي ، ولا يعطل المستقبل ... ، ويدين "الطليعي العربي" ، بشدة ، أي ، احتقار للإنسان ، أو ، حط من مقدرته ... لهذا ، فإن "الطليعي العربي" ، يدين الاستبداد ، ولا يكون مستبداً ، ويدين العنصرية ، والكراهية ، والحقد ، ولا يتعصب ، هو ، ولا يكره ، ولا يحقد ... إن "الطليعي العربي" ، لا يكذب ، لأنه ، لا يزيّف الظروف ، وهو ، لا ينافق ، ولا يضلل ، ولا يغش ، ولا يغدر ، ولا يخون ... وهو، يعتبر ، الاستبداد بالرأي ، والتبرم بالناس ، والضيق بآرائهم ، انحرافات أخلاقية ، سلبية ، لهذا ، يبرأ "الطليعي العربي" ، من النزوع الديكتاتوري ، والتسلط . إن الديمقراطية ، عنده ، فضيلة أخلاقية ، ونظام سياسي ، معاً ، والديكتاتورية ، انحطاط خلقي .. يتميز "الطليعي العربي" ، بالشعور الجماعي ، والتعاون ، ويعتبرهما ، قاعدتين أخلاقيتين ، يلتزمهما ، ويدين ، على هديهما ، الفردية ، والاستغلال ، والانتهازية .. فمع الوعي ، العقائدي ، والمقدرة على النضال السياسي ، والانضباط الديمقراطي ، تمثل ، الاستقامة الخلقية ، في الحياة الخاصة ، والعامة ، كلتيهما ، شرطاً لازماً ، ليكون التقدمي العربي ، "طليعياً عربياً" ...
15 – إذ ، تعرف "الطليعة العربية" ، أن ، القيم الخلقية ، مرتبطة ، بالوعي العقائدي ، فإن ، أول مراحل الانتماء إلى "الطليعة العربية" ، يكون ، باعتبارها ، مدرسة للوعي ، لا يدان فيها أحد ، ولا يحّقر ، ولا تسّخف آراؤه ، ولا يتهم ، بل ، يؤخذ بيده ، في تسامح ، وحب ، ورغبة صادقة ، في التعاون ، ليعي بنفسه ، عقيدة "الطليعة العربية" ، كما ، هي ، بدون ادعاء ، أو مبالغة ... وبهذا ، تكون "الطليعة العربية" ، مدرسة للوعي ، وتربية للخلق ، وقائدة للنضال ، معاً ..."


( 4 )


تلك ، كانت ، "الطليعة العربية" ، كما تمت الدعوة إليها ، والتبشير بها ، قبل ، أكثر من أربعين عاماً ، من قبل مؤسسها عصمت سيف الدولة ، وها ، نحن ، الآن ، وبعد التجربة المرة ، نجري مراجعة ، لها ، نزولاً عند المبادئ ، التي حددناها ، وهي ، أن ، يقوم أصحاب مشاريع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، بمراجعة مشاريعهم ، وبرامجهم ، بأسلوب نقدي ، علمي ، لاستئناف مسيرة النهضة ، والتنوير ، وإذا ، كنا ، نبدأ ، بأنفسنا ، وبمراجعة المشروع ، الذي أعطيناه أعمارنا ، فإننا ، وكما قلنا ، ننتظر ، من أصحاب مشاريع النهضة ، والتنوير ، كافة ، مراجعات جدية ، ليس ، من مبدأ ، أن الطريق إلى النهضة ، والتنوير ، يتسع للجميع ، وحسب ، وإنما ، قبل ذلك ، وبعده ، لأن العقبات على الطريق ، تحتاج ، إلى تكاتف جهود الجميع ، وبذل أقصى الطاقات ، المتاحة ، لإزالتها ، والتقدم على الطريق ، باتجاه ، حلم الشعب العربي ، بحياة حرة كريمة ، حيث يسّخر ، كل ، ما يملك من طاقات ، وإمكانيات ، مادية ، ومعنوية ، وحضارية ، لإنتاج "نظام عام" ، ديمقراطي ، عادل ، يحقق التنمية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، في الداخل العربي ، ويكون ركيزة ، هامة ، لنظام دولي ، عادل ، ومتوازن ، يحدّ ، من القرصنة ، على الشعوب ، في مختلف أرجاء العالم ، سواء ، كانت تلك القرصنة ، بالاستبداد الداخلي ، أو بقوى الغزو ، المتعددة الوجوه ، من الخارج .
لكن ، وقبل المراجعة ، لابد ، من وضع الجيل العربي الجديد ، في أجواء ، تلك الأيام ، قبل ، أكثر من أربعين سنة ، فعند ، ظهور تلك الرؤى " للطليعة العربية " ، تم اعتبارها ، من قبل البعض ، على ، أنها ، أفكار إصلاحية ، تنقصها الثورية ، وأنها ، تعبر عن "البرجوازية الصغيرة" ، وأنها ، مسّت المحرمات ، عندما انتقدت النظم الشمولية ، ونادت ، بالربط ، بين ، الحرية ، والديمقراطية ، والوحدة العربية ، والاشتراكية... ، وأنها ... ، وأنها ...


( 5 )


إننا ، إذ ، نطل على تلك الرؤى ، بعد أكثر من أربعين عاماً ، نرى أن الأسس المنهجية ، والرؤى العامة ، والمنطلقات ، والغايات مازالت مطروحة ، بقوة ، على المشروع القومي العربي ، لكن ، تلك الرؤى ، التي ، حكمت ، بشكل ، أو بآخر " بيان طارق " ، الذي حاول من خلاله "أنصار الطليعة العربية" التمهيد ، للولوج إلى عالم "الطليعة العربية" ، لتحقيق الغايات ، المشار إليها ، طرحت عدة إشكاليات ، لا يمكن ، تجاهلها ، يكفي ، أن نقول ، أن "الأنصار" ، وأنا ، واحد ، منهم ، وأتحمل نصيبي من المسؤولية ، قد ، تهنا ، في هذه البرية العربية ، أكثر من أربعين عاماً ، فلم ، نصل إلى "الطليعة العربية" ، وبالتالي ، فقدنا ، حتى ، توازننا ، كأنصار ، لها ..
وإذا ، كان باستطاعتنا ، الآن ، أن نسّود العشرات ، بل ، مئات الصفحات ، لتبرير ما حصل ، بالحديث ، عن إشكاليات التطبيق ، والأشخاص ، أو ، عن ، وحشية ، وتعقيدات ، العدوان الإمبريالي ، الصهيوني ، على أمتنا ، أو ، عن الاستبداد ، وأساليبه المدمّرة ، أو ، عن الواقع المتخلف ، وإفرازات الفتن ، النائمة ، التي تستيقظ ، بكبسة زر .. ، فإننا ، نعلم ، أن مثل هذا التبرير ، لا يثمن ، ولا يغني .. ، وبالتالي ، لابد ، من مواجهة واقع ، مشروعنا النهضوي ، بمراجعة نقدية ، شجاعة ، لا مجاملة فيها ، ولا نفاق .. ثم ، بالبحث ، في مجمل مفاصل ، المشروع النهضوي ، التنويري ، عن الخلل الذي جعله عاجزاً عن الولادة ، والنمو ، ومواجهة ، كل ، تلك الإشكاليات ، والمشكلات ، التي يعاني منها الواقع العربي ، وإيجاد الحلول ، لها ، والتي ، تعيق ، نهوضه ، وانعتاقه ، مما هو فيه .. ، ذلك أن مرحلة المخاض ، محكومة ، بالبعد الرابع ، وهو الزمان ، فإذا تجاوزت حدها الزماني ، المسموح ، به ، فإن ، هذا يعني ، علمياً ، أن الجنين ، قد مات ، وأنه ، في أحسن الأحوال ، سيولد ميتاً ....


( 6 )


بداية ، لابد ، من القول ، أن ما جاء ، في تلك البنود الخمسة عشرة ، عام 1965 ، تعريفاً ، "بالطليعة العربية" ، كان ، ينسجم ، مع الاتجاه العام ، الذي كان سائداً ، في تلك المرحلة التاريخية ، حيث ، كان ، كل فريق ، يطرح نفسه ، بديلاً عن الجميع ، وبإلقاء نظرة فاحصة ، على تلك البنود ، والتي ، من خلالها ، نتفحص الموقف ، في تلك الأيام ، حيث ، كانت الأحزاب ، والفصائل القومية العربية ، والتي أشرنا إليها ، قد اصطدمت ، بالحائط المسدود ، من خلال ممارساتها ، وبالتالي كان من الطبيعي ، أن "الطليعة العربية" ، اعتبرت نفسها ، بديلا ، عن القوى ، والفصائل القومية العربية الأخرى ، الآن ، نسجل الملاحظات التالية :
1 – جاء ، في البند الأول ، من ذلك التعريف ، " أن "الطليعة العربية" ، هي قائدة التطور إلى .. كذا... " ، المطلوب ، الآن ، من الدعاة ، الجدد ، إلى "الطليعة العربية" ، في ، القرن الواحد والعشرين ، وانسجاماً مع الشرط الديمقراطي ، الذي جاء في التعريف ، ذاته ، أن يحددوا موقع "الطليعة العربية" ، كفصيل ، من فصائل ، عدة ، متعددة الرؤى ، والاتجاهات ، تتنافس فيما بينها ، إيجابياً ، على طريق النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي .
2 – جاء في الفقرة الثانية ، من ذلك التعريف : ( "الطليعة العربية" تنظيم جماعي ، يلتحم داخله ، كل ، التقدميين الثوريين ، في حركة عربية واحدة ..) ، الآن ، نقول ، أنه ، ثبت من خلال التجربة المرة ، أن ، التقدميين ، الثوريين ، لا يمكن اختزالهم ، في حركة واحدة ، أياً كانت ، ومهما كانت ، فالتعددية ، والحوار ، والجدل ، داخل "الطليعة العربية" ، وفيما بينها ، وبين القوى ، والفصائل الأخرى ، هو ، الذي يحصن التقدميين ، من الانحراف ، وينير ، لهم ، الطريق ، باتجاه التطور ، المستمر ..، وبالتالي ، فإن "الطليعة العربية" لاتدعيّ ، أنها تحتكر ، كل ، القوميين الثوريين ، أو أنه لا قوميين ثوريين ، خارجها ، الآن ، نقول تحديداً ، أن "الطليعة العربية" تلتزم الضوابط الضرورية ، لتكون كوادرها ، من القوميين العرب ، الثوريين ، التقدميين ، ونحن ، هنا ، نستخدم مصطلح ، ثوري ، مجازاً ، أيضاً .
3 – البند الثالث ، من ذلك التعريف ، يتحدث ، عن منهجية "الطليعة العربية" ، وهذا ، من الأسس ، الهامة ، التي لابد منها ، لطليعة القرن الواحد والعشرين . ونحن ، ما نزال ، نقترح منهج "جدل الإنسان" ، كمنهج للطليعة العربية ، لكن ، هذا ، خاضع ، لرأي ، وقرار ، المؤسسات الديمقراطية ، "للطليعة العربية" .....في المستقبل القريب ، كما نأمل ....
4 – يتحدث البند الرابع ، من ذلك التعريف ، عن التباين ، في المشكلات ، بين الأجزاء العربية ، والتي نتجت عن التجزئة ، وبالتالي ، عن ، تميز "الطليعة العربية" ، في كل جزء ، عنها ، في باقي الأجزاء العربية ، نقول ، أن ، هذا البند ، لم ، يلحظ ، ولم يعطى حقه ، في الممارسة العملية ، السابقة ، في "الأنصار" ، ولا ، حتى ، في البيان الناظم ، ونقصد به " بيان طارق " ما يعنينا ، الآن ، أن المشكلات الناتجة ، عن التجزئة ، قد تفاقمت ، وتضاعفت عشرات المرات ، وبالتالي ، لابد ، من الانتباه ، إليها ، في "الطليعة العربية" للقرن الواحد والعشرين ، ثم ، جاء في ذلك البند ، أن ، ( الطليعة العربية مقاتلة حيث الاستعمار والرجعية الباغية ، مسالمة حيث الديمقراطية ، علنية حيث الحرية ، سرية حيث الاستبداد ..)
من حيث المبدأ ، لابد ، من التحديد ، فمصطلح "الرجعية الباغية" كان مجازيا ، بمعنى أنه استخدم للدلالة على الذين يعيقون التطور ، وقد ، تبين ، من خلال التجربة ، أن الاتهام ، بالرجعية الباغية ، لقوى عربية محلية ، محفوف بالمخاطر ، ذلك ، أنه يفتح أبواباً ، على الفتنة ، لا يمكن إغلاقها ، فاختراق الضوابط ، ليس ، صعباً ، وبذلك ، فإن تبادل الاتهامات داخل المجتمع العربي ، يعطل المشروع النهضوي ، لهذا ، فإن "الطليعيون العرب" ، في القرن الواحد والعشرين ، لن يدخلوا في هذا النفق ، وإنما ، واستناداً ، إلى ذات "المنهج الإنساني" ، يحّرمون ، تحريماً ، باتاً ، العنف ، والاقتتال ، داخل المجتمع العربي ، فالاختلاف ، يعالج ، بالحوار ، بالدعوة ، إلى الكلمة السواء ، بالاحتكام ، إلى الرأي العام ، وإلى صندوق الاقتراح ، حيثما ، يكون ذلك ممكناً .. أما القتال ضد الاستعمار ، والاستيطان الصهيوني ، فهذه ، مسؤولية عامة ، تتحمل مسؤوليتها ، فصائل النهوض ، والتنوير ، والتحرير ، كافة ، وبالتالي ، من غير الجائز ، احتكارها ، من قبل فصيل واحد ، حتى ، ولو كان "الطليعة العربية" ، وهذا يعني ، أن على "الطليعة العربية" ، أن تكون جزء من تحالف عريض ، مفتوح لكل من يعنيهم تحرير الأراضي العربية المحتلة ، يتحمل مسؤولية "المقاومة المسلحة" ، حيث كان ذلك ، ضرورياً ، بين المحيط والخليج ...
ثم ، أن تكون "الطليعة العربية" ، مسالمة ، حيث الديمقراطية ، علنية ، حيث الحرية ، فهذا ، ما يجب أن يكون ، لكن : أن ، تكون سرية ، حيث الاستبداد .. فهذا ، ما لابد من إعادة بحثه ، ذلك ، أن الوطن العربي ، محكوم ، بنظم الاستبداد ، تحت أسماء ، ونظم متعددة ، تخلفتّ ، وفرضت التخلف ، على المجتمع العربي ، فتخّلفت مؤسساتها ، ومؤسساته ، فقط ، أجهزتها الأمنية ، والقمعية ، تطورت ، تطورا هائلا ، وبات من المستحيل ، تقريبا ، مواجهتها في ساحة العمل السري ، وبالتالي ، فإن ، تلك السرية ، كانت الآفة ، التي عطلت الأسس المنهجية ، في ديمقراطية ، المرحلة الإعدادية ، للطليعة العربية ، وقد ، قلنا ، في السرية ، ومخاطرها ، ما فيه الكفاية .. أما ، كيف نواجه الاستبداد ، بالعلنية ، فهذا ، سيأتي ، أوانه ...
5 – لقد عطلت السرية ، في تجربة "الأنصار" ، ما جاء في البند الخامس عن شرط الديمقراطية ، وكذلك ، ما جاء ، في البنود ، السادس ، والسابع ، والثامن ، والتاسع ، التي تؤكد ، دون مواربة ، عن "شرط الديمقراطية" ، وأنه ، لا تهاون ، في ذلك ، ولا استثناء ..
6 – في البند العاشر ، من ذلك التعريف ، حديث ، عن قيادة "الطليعة العربية" ، لنضال الشعب العربي ، بالمواجهة الثورية ، وفي البند الحادي عشر ، تحديد ، للثورة ، كأسلوب ، لنضال "الطليعة العربية" ، ورغم التوضيح ، الذي جاء ، عن مفهوم "الثورة" ، في ذلك التعريف ، فإن التجربة ، لم ترتبّ ، عليه ، ما يجب ، لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، في القرن الواحد والعشرين ، ستعتمد الأسلوب الديمقراطي ، في الوصول إلى الغايات ، داخل المجتمع العربي ، وذلك ، في ظل الظروف المستجدة ، خاصة ، وأن ، مصطلح "ثورة" ، أو "ثوري" ، يستخدم ، الآن ، في الاتجاهات المضادة ، فجميع المستبدين ، الذين جاءوا ، عن طريق الانقلابات العسكرية ، أطلقوا على انقلاباتهم ، لقب "ثورة" ، وهكذا .. ، لهذا ، فإن ، "الطليعة العربية" ، تنطلق من الواقع ، كما هو ، لتغييره ، إلى حيث تحدد الغايات ، عن طريق النضال السلمي الديمقراطي ، في جميع المراحل ، دون التخلي عن الأسلوب الثوري في التغيير ، بمعنى ، التمسك بالمباديء ، وعدم المساومة على الحقوق ، والأهداف ..، أي بالمعنى المجازي ,
7 – في البنود ، الثاني عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، حديث مسهب ، عن ، أخلاقية "الطليعيين العرب" ، وهذا ، لا خلاف عليه ... ، وتلك ، أسس ، مطروحة ، للتأسيس عليها ، من قبل "الطليعيون العرب" ، الجدد .....


( 7 )


إن ، ما تقدم ، لم يكن تقييماً ، لتجربة السنوات الأربعين المنصرمة ، ففي ، هذه ، التجربة ، من الغنى ، والمحن ، والآمال، والأحلام ، والأحزان ، والفتن ، والتقدم ، والنكوص ، ما لا يمكن ، أن يحتمله هذا الحديث ، عن ، المستقبل العربي ، لقد ، اجتزأنا ، بعض المواقف ، التي تتعلق ، بالمستقبل ، لا أكثر من ذلك ، أما ، التقييم ، الذي لابد أن يأتي أوانه ، في وقت ، ما ، وفي مكان آخر ، فلابد ، منه ، للإحاطة ، بما ، جرى ...
فقط ، أردنا ، أن نواجه ، ما يجري ، الآن ، أن ، لا نهرب منه ، أن ، لا نختبئ وراء أخطاءنا ، وخطايانا ، وأن لا نبررها ، بل نواجهها ، ونتخطاها ، وأن ، نخرج من مواقف وضعتنا ، رغم إرادتنا ، في مواجهة آخرين ، نتيجة ، سوء فهم ، من قبلنا ، أومن قبلهم ، على حد سواء ... ، لقد ، كان ، الهدف مشروعاً ، ونبيلاً ، وهو ، الآن ، أكثر مشروعية ، وأكثر إلحاحاً ، وإذا كانت ، بعض الممارسات ، التي أؤكد ، أنها ، لم تكن مقصودة ، أو ، أن ، تفسيرها ، لم يكن ، في محله الحقيقي ، من قبل ، البعض ، سواء ، بحسن نية ، أو بسوء نية ....، قد وضعتنا ، بمواجهة ، مع بعض ، رفاق الدرب ، على طريق النهوض ، والتنوير ، فإنني أعتذر ، عن ذلك ، دون ، أن أطلب ، أو أنتظر ، الاعتذار من أحد ... فنحن ، جميعاً ، أمام واقع ، شديد الإيلام ، والتعقيد ، يتطلب ، منا ، التسامح ، إلى أقصى حد .. والخروج ، مرة واحدة ، من الفتن ، والصراعات الثانوية ، والشكليات الزائفة ، إلى خوض غمار نضال مرير ، بمواجهة الاستبداد الداخلي ، والغزو الخارجي ، سنحاول ، أن نكون "فصيلاً" ، على هذا الطريق ، الطويل ، إلى النهوض ، والتنوير .. ، جنباً ، إلى جنب ، مع كل القوى الحية في المجتمع العربي ، نتحالف حيث يكون ذلك ممكناً ونتنافس في العطاء والتضحية والفداء إذا تعذر التحالف ، فطوبى ، لكل ، الذين يأخذون مواقعهم على هذا الطريق ، إلى التحرير ، والنهوض ، والتنوير ، وطوبى ، لمن ، يسبقنا ، ولمن يتوازى معنا ، ولمن ، يحث الخطى ، للحاق بنا ، وتجاوزنا ...... ، أمّا ، ما هي ، "الطليعة العربية" ، للقرن الواحد والعشرين ، ومن ، هم ، "الطليعيون العرب الجدد" ...؟!
فهذا ، هو ، السؤال .. وما سيأتي ، من حديث ، سيحاول ، أن يقدم ، مشروع ، جواب ..


( يتبع ... البيان .."10"...)


* حبيب عيسى


e-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-10-2009 11:21

على بســــــــاط الثــــلاثاء
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

36

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ..... "10" ..

"الطليعة العربية" ..

الأسس ، والمعالم ...؟!



( تتمة ... "10" ... البيان... )

( 8 )



أولاً : الطليعة العربية ، تنظيم ، قومي عربي ، ينطلق ، من أسس تاريخية ، وحضارية ، وجغرافية ، وثقافية ، تؤكد ، إلى درجة اليقين ، هوية الأرض ، الممتدة ، بين المحيط الأطلسي ، والخليج العربي ، وهوية ، مياهها الإقليمية ، وهوية ، أجوائها .. بأنها ، أرض ، ومياه ، وأجواء ، عربية ، وأنها ، موطن ، ثم وطن ، لجماعة بشرية ، اختصت ، بتلك الأرض ، وتفاعلت ، فيما ، بينها ، شعوباً ، وقبائل ، وجماعات ، وحضارات ، وشكلت ، أمة واحدة ، هي ، الأمة العربية ... ، ورغم ، أن هذه الأمة ، كانت حاضنة ، لحضارات عريقة ، تجاوزت ، حدود ، موطن أبنائها ، وتعرضت ، لغزوات ، اجتاحتها ، واستوطنتها ، لعقود عديدة ، ثم ، كانت ، مهداً ، لديانات سماوية ، تعتنقها ، أغلب شعوب ، وأمم ، هذا الكوكب ، في مغارب الأرض ، ومشارقها ، رغم ، هذا كله ، فإن ، الأمة العربية ، وبعد ، اكتمال تكوينها ، تميزت ، وطناً ، وشعباً ، بحدود موضوعية ، سبقت ، بقرون طويلة ، الحدود السياسية الحالية ، التي تحدّها ، مع الحضارات المجاورة ، في الشرق ، والشمال ، والجنوب ، تلك الحضارات ، التي تميزت ، عن الحضارة العربية ، بأنها فارسية ، أو مغولية ، أو أوروبية ، على تنوعها ، أو أفريقية ، على تعددها .. وإن ، كان ، هناك تداخل ، في بعض المواقع الحدودية ، بين الأمة العربية ، وبعض الأمم المجاورة ، فهذا من طبيعة الأمور ...



( 9 )



أما ، الحدود ، التي تقسّم الأمة العربية ، شعباً ، وأرضاً ، فهي حدود ، طارئة ، رسمت ، ورسّخت ، بتواطؤ ، بين ، طغاة محليين ، من جهة ، ونتيجة ، لمعاهدات ، واتفاقيات ، حكمتها مصالح الدول ، التي ، كانت تضع يدها ، مباشرة ، على وطن الأمة العربية ، وثرواتها ، من جهة أخرى ... ، وبالتالي ، فإن ، الدول "الفعلية" ، القائمة ، على ، الوطن العربي ، والتي ، تقتسم الأرض ، والشعب ، والثروات ، هي ، دول " فعلية " ، من ، الناحية القانونية ، أي ، أنها ، تفتقد ، شرعية الأساس ، ومشروعية التأسيس ، يترتب ، على ذلك ، أن " الطليعة العربية " ، تهدف ، إلى إقامة ، الدولة القومية ، للأمة العربية ، التي ، تتطابق حدودها ، تماماً ، مع حدود الوطن العربي ، أرضاً ، ومع حدود الأمة العربية ، شعباً ، فالفقه القانوني ، على تنوع مدارسه ، وتعددها ، في العالم ، يجمع ، على "ثلاثية" ، أركان الدولة المشروعة :

1 – الأرض ، وهي ، بالمفهوم القانوني ، وطن ، محدد ، لجماعة بشرية ، اختصت ، به ، تقسيمه إلى دول ، غير مشروع ، لأنه اعتداء ، على الوطن ، ومد ، حدود الدولة ، خارج الوطن ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على الغير ..

2 – الشعب ، وهو ، بالمفهوم القانوني ، جماعة بشرية ، اختصت ، بأرض معينة ، "وطن" ، وتفاعلت ، فيما ، بين ، مكوناتها ، الإثنية ، والدينية ، والحضارية ، والثقافية ، فشكلت ، أمة واحدة ، تقسيمها إلى دول ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على الأمة ، وانتقاص من سيادتها على كامل وطنها ، كما ، أن امتداد دولتها ، إلى خارج وطنها ، غير مشروع ، لأنه ، اعتداء ، على حقوق ، الغير ، وعدوان ، على سيادة الأمم المجاورة ، على أراضيها ..

إن ، تطابق ، حدود الدولة ، مع حدود الأمة ، أرضاً ، وشعباً ، هو ، معيار الشرعية ، للدولة ، وهو ، في الوقت ذاته ، معيار مشروعيتها ، على الصعيد الدولي ، ذلك ، أن ، الهيئة الناظمة ، للشرعية الدولية ، هي ، هيئة الأمم المتحدة ، ونضع ، أكثر من خط ، تحت مصطلح " الأمم " ، ذلك ، أن ، الدول ، هي ، التي تنال الاعتراف الدولي ، وبالتالي ، تحمل بطاقة عضوية ، هيئة "الأمم" المتحدة ، يترتب ، على ذلك ، أن ، الدولة ، بالمفهوم القانوني ، هي المؤسسة الاعتبارية ، التي تمثل ، "أمة" ، وهذا ، هو ، الشرط الأساس ، المفترض ، قانوناً ، توافره ، لعضوية الدولة ، أية ، دولة ، في ، هيئة "الأمم" المتحدة .

3 – السلطة ، وهي ، الركن الثالث ، من ، أركان الدولة ، وتستمد ، السلطة ، شرعيتها ، من شرعية ، الركنين السابقين ، من جهة ، ومن صحة تمثيلها ، كمؤسسة اعتبارية ، للركنين السابقين ، ونقصد ، بهما ، الوطن ، والشعب .

هنا ، نلاحظ ، اختلافاً ، بيّناً ، بين ، المدارس الفقهية ، القانونية ، والدستورية ، والوطنية ، والدولية ، حول ، مشروعية السلطة ، حيث ، سادت ، في القرن الماضي ، ثلاث مدارس رئيسية ، مع الاعتراف ، بالتباين ، داخل كل مدرسة ..

o المدرسة الأولى ، انبثقت ، من المفهوم الليبرالي ، للحرية الفردية .. ، التي ، انبثقت ، بدورها من عصر الأنوار ، في أوروبا... ، لكن ، التوحش الرأسمالي ، ألتهم ، الحرية الفردية ، والحرية المجتمعية ، معاً ، إنما ، منهج الحرية ، أتاح ، رغم ذلك ، تداولاً للسلطة ، وبالتالي ، عصم المجتمعات ، التي حافظت ، على النهج الديمقراطي ، من استبداد فئة ، ما ، أو ، اتجاه سياسي ، ما ، بالسلطة ، لفترات مديدة ، وبالتالي ، تمكنت ، تلك النظم ، من البقاء ، على طريق التطور ، وتمكنت ، قوى الأنسنة ، والعدالة الاجتماعية ، أن تجد مكاناًً ، ما ، يحقق ، بعض التوازن ، وامتلكت ، تلك ، النظم ، مقدرة متصاعدة ، لمواجهة ، الأزمات المستجدة ، حتى الآن ، ولكن ، إلى حين .

o المدرسة الثانية : انبثقت ، من نهج اجتماعي ، ثوري ، لمواجهة ديكتاتورية الرأسمالية ، حيث الدولة ، ومؤسساتها ، وفق رؤيتها ، هي ، مجرد ، أدوات فوقية ، بيد البرجوازية ، ومواجهة ، ذلك كله ، بسلطة ، دولة ديكتاتورية البروليتاريا ، ورغم الهدف الاجتماعي ، النبيل ، لإلغاء ، استغلال الإنسان ، للإنسان ، إلا أن ، الاستبداد ، بالسلطة ، لفترة مديدة ، وضع المجتمعات ، التي ، تم ، الاستبداد ، بها ، أمام ، آفاق مسدودة ، فانهارت ، تلك السلطات ، من ، تلقاء نفسها ...

o المدرسة الثالثة : برزت ، بين ، المدرستين السابقتين ، ورفعت شعارات التحرر ، والتميّز ، وعدم التبعية ، ومواجهة الهيمنة ، واقتراح أنظمة بديلة ، للدولة ، لكن ، ورغم النبل ، والضرورة ، للتحرر ، والتنمية ، والعدالة ، فإن ، فقدان النهج الواضح ، المتميز ، في ، إدارة السلطة ، على الصعيد الوطني ، بما يتناسب مع الشعارات المرفوعة ، أدى ، إلى سيادة ، نهج ، النفاق ، والتلفيق ، والانتهازية ، واقتناص الفرص ، وطنياً ، ودولياً ، وبالتالي ، أدى إلى " براغماتية " مطلقة ، تسّخر ، جميع العلاقات ، الوطنية ، والدولية ، لهدف ، وحيد ، هو استدامة النظم الديكتاتورية ، في الحكم ، وبالتالي ، فإن ، هذه المدرسة ، أخذت ، من ، المدرستين السابقتين ، أسوأ ، ما فيهما ، الاستبداد بالسلطة ، من الشرق ، والاستئثار بمصادر الثروة ، من الغرب ، فانسدت ، الآفاق ، أمام التطور ، في المجتمعات ، التي تحكمّت ، بها ، تلك النظم ، بينما ، انطلق ، ما يسمى ، العالم الأول ، بعيداً ، ولحق ، به ، العالم الثاني ، وتراجع ، العالم الثالث ، إلى ، العالم "الثلاثين" .. وباتت ، الهوة واسعة .. وبات ، الهروب ، من ، ذلك ، العالم الأخير ، هو ، الجائزة ، التي يسعى ، إليها ، حتى ، أولئك الذين ضحوا ، وقاوموا ، ونظرّوا ، ونظموا ، وجيّشوا ، للتحرر ، و ...



( 10 )



ما يعنينا ، أن ، الصراع ، على السلطة ، عبر التاريخ ، تميز في الأطوار البشرية ، المعروفة ، من الأسرة ، إلى العشيرة ، إلى القبلية ، إلى المدينة ، إلى الإمبراطورية ، إلى الدولة الحديثة ، بالصراع ، بين مفهومين ، مفهوم ، القوة ، كمصدر ، للحق في السلطة ، أو ، مفهوم ، الحق ، والعدالة ، والاختيار الديمقراطي ، من قبل الشعب ، كمصدر ، للحق ، في السلطة .. بمعنى آخر ، هل ، على السلطة ، أن ، تركع تحت سطوة القوة ..؟ ، أم ، أن ، القوة ، أداة ، في متناول ، مؤسسات السلطة ، التي ، يختارها ، الشعب ، ديمقراطيا ..؟

إن هذا الأمر ، لم يحسم ، بعد ، لكن التطور البشري ، يتجه إلى وضع القوة ، بمصادرها ، المادية ، والمعنوية ، وكذلك ، السلطة ، ومؤسساتها ، وأيضاً ، المجتمع ، وتكويناته ، تحت مظلة ، نظام عام ، وقواعد دستورية ، وقانونية صارمة ، تعتمد ، أسس ، العدالة ، والمساواة ، والمواطنة ، لكن ، التوحش ، واستخدام القوة ، والسطو ، والسيطرة ، على المجتمعات ، لم يتوقف ، بعد ... ومازالت ، له ، اليد ، الطولى ، في العالم ...

نحن ، هنا ، نبحث ، عن شرعية السلطة ، على الصعيد الوطني ، للدولة ، وعن ، مشروعية السلطة ، في تمثيل الدولة ، على الصعيد العالمي ، وقوننة ، هذا ، على صعيد الفقه الدستوري ، الوطني ، من جهة ، وعلى صعيد ، فقه ، القانون الدولي ، من جهة أخرى ، ونعتقد ، أن ، الإنسانية ، قد وصلت إلى ، طور ، يسمح لها ، بتحقيق هذا الطموح ، إلى العدالة ، لوضع حد نهائي ، للقرصنة ، التي يقوم ، بها ، المستبدون ، على المجتمعات ، من جهة ، ولوضع ، حد ، نهائي ، في الوقت ذاته ، لتشريع ، هذه القرصنة ، على الصعيد الدولي ، بحيث ، يتم ، وضع ، دستور دولي ، قويم ، بناء على مواده الصريحة ، تمنح السلطة ، بطاقة تمثيل ، دولة ، ما ، في هيئة الأمم المتحدة ، أو ، ترفع ، بوجهها ، البطاقة الحمراء ، ويعلن ، عدم شرعيتها ، محلياً ، ودولياً ...

إن ، الدولة ، هي ، الشخص الاعتباري ، في ، القانون الدولي ، والسلطة ، هي ، التي تمثل الدولة ، وصحة التمثيل ، من ، النظام العام ، على ، الصعيد المحلي ، ولابد ، من ، قوننة ذلك ، على الصعيد الدولي ، بحيث ، يكون ، صحة ، تمثيل السلطة ، للمجتمع ، والدولة ، من ، النظام الدولي ، العام ، أيضاً ، إن ، هذا ، شرط أساسي ، لابد ، من اعتماده ، للوصول ، إلى ، هيئة ، للأمم المتحدة ، شرعية ، ذلك ، أن ، هيئة الأمم المتحدة ، تستمد شرعيتها ، من شرعية ، سلطات ، الدول المنضوية ، في عضويتها ، ومن صحة تمثيل السلطات ، للدول ، والمجتمعات ، التي تنطق باسمها ، ومن المساواة التامة ، بين ، أشخاص القانون الدولي ، وأشخاص القانون الدولي ، هي ، الدول ، حيث ، يتم إلغاء "الفيتو" ، الذي ، يعبّر عن التمييز العنصري ، بين الدول ..



( 11 )



باختصار ، شديد ، نقول : أن ، دولاً ، تمثلها ، سلطات ، غير مشروعة ، أو ، تفتقد الشرعية ، في أحد أركانها الأخرى ، تنتج على الصعيد الدولي ، مؤسسات دولية ، غير مشروعة ، وتلك اللامشروعية ، هي ، بالضبط ، التي ، تسللت إلى مؤسسات هيئة الأمم المتحدة ، ذلك أن ، معيار القوة ، فرض نفسه ، حيث ، سمح المنتصرين ، في الحرب الأوربية الثانية ، لأنفسهم ، أن يشرّعوا ، للمؤسسات الدولية ، واتفقوا ، على اختلاف شرائعهم ، من ، أول الشيوعية ، إلى آخر الرأسمالية ، على ، تشريع حق الدول "القوية" ، في القرار ، والاعتراض ، وتهميش ، دور ، دول العالم ، الأخرى ، بحيث تتلقى القرارات ، فتنفذها ، وحسب .. إن ، هذا ، لم يقتصر على حق النقض " الفيتو " ، للأقوياء ، وإنما ، امتد ، لتشريع الديكتاتوريات ، والقرصنة ، على السلطات ، في دول العالم ، وبالتالي ، أضحت ، أغلب "مقاعد" هيئة الأمم المتحدة ، مشغولة ، بمغتصبين ، للسلطات ، في دولهم ، وبالتالي ، لم نعد أمام "أمم" متحدة ، ولا يحزنون ...، وإنما ، أمام متسلطين ، على الأمم ، متحدين ، فيما ، بينهم ، ضد مشروع "الأنسنة" ، في مختلف أرجاء العالم ، وانعكس ، هذا كله ، على وطننا العربي ، فبات ، من الممكن ، أن تمنح ، هيئة الأمم المتحدة ، بعض المستوطنين ، الذين ، نقلوا من بلاد العالم ، إلى قلب الوطن العربي ، في فلسطين ، مقعد "دولة" ، تحميها ، ما يسمى "الشرعية الدولية" ، وبات ، من الممكن ، أن تضفى ، صفة ، "الشرعية الدولية" ، على ، دول ، تم رسم حدودها ، في مشرق الوطن العربي ، بموجب ، معاهدات ، بين ، وزيري ، خارجية ، دولتين ، من غرب العالم ، وتم ، رسم حدود ، دول أخرى ، في مغرب الوطن العربي ، بموجب معاهدات ، بين ، دول أوروبية ، لا صفة لها ، وبغياب أهل البلاد ، أصحاب الحق "الحصريين" ، في تقرير مصيرهم ، ومصير دولتهم ..ونطاق سيادتها ، وتشريع دستورها ، ومواطنية أبنائها ، وتقنين مؤسساتها ، وتحديد صلاحياتها ، وإلى آخره .. ، ولم ، يختلف الأمر ، في الخليج العربي ،وفي ظل ، هذا ، النظام العالمي ، القديم ، الجديد ، بات ، من الممكن ، أن يختطف ، أي ، قرصان ، وطن ، ما ، ويستبد بشعبه ، ويعتدي على الحقوق الأساسية ، للمواطنين ، ورغم ، ذلك ، يحتفى ، به ، في المحافل الدولية ، ويحتل مقعد ذلك الوطن ، في هيئة الأمم المتحدة ، وبهذا ، تتحول تلك الهيئة ، من هيئة للأمم المتحدة ، إلى هيئة للقراصنة ، المتحدين ، لاغتصاب حقوق الأمم .... ، وهذا ، ما ستسعى ، "الطليعة العربية" ، لتغييره ، على ، الصعيد الإنساني ، الشامل ....



( 12 )



إن ، "الطليعة العربية" ، إذ ، تقرأ المستقبل ، الذي تسعى إلى تحقيقه ، على صعيد أجزاء الأمة ، ثم ، على صعيد الأمة ، موحدة ، ثم ، على صعيد الإنسانية ، جمعاء ، لا تغمض ، عينيها ، عن الواقع ، وبالتالي ، فهي ، تقرأه ، كما ، هو ، بالضبط ، كما هو ، لتحديد ، خط البداية ، موضوعياً ، والانطلاق ، منه ، إلى غاياتها ، التي تريد ، بالوسائل ، والإمكانيات ، والأدوات المناسبة ..

إن ، "الطليعة العربية" ، في ، العقد الأول ، من ، القرن الواحد والعشرين ، تنطلق ، من ذات المبادئ ، والرؤى ، التي انطلق منها رواد التيار القومي العربي ، الأوائل ، في ، العقد الأول ، من القرن العشرين ، و"الطليعيون العرب الجدد" ، يضيفون ، إليها ، ما أفرزته التجربة ، المرة ، خلال قرن من الزمان ...، لكن ، وإنصافاً ، للتاريخ ، وللرجال ، الرجال ، لابد ، من الكتابة ، على اللوحة ، التي ، سينصبها "الطليعيون العرب الجدد" ، على ، بوابات ، خط البداية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، القومي العربي ، إن ، الأجداد ، كانوا ، على حق ، عندما ، نظرّوا ، للتيار القومي العربي ، بنهج ، تجريدي ، مطهر ، من عقابيل التجزئة ، لأن ، الأرض العربية ، كانت نظيفة ، من الحدود التقسيمية ، لتجزئة ، الوطن العربي ، كانوا ، يواجهون مخططات خفية ، قيد التنفيذ ، وأن ، الجيل العربي القومي الثاني ، كان ، على حق ، في رفض ، اتفاقيات ، أنفضح أمرها ، بين ، الدول الاستعمارية ، لتقسيم الوطن العربي ، إلى دول ، بدءاً ، من اتفاقية "سايكس بيكو" في المشرق العربي ، إلى ، الخطط الإنكليزية في الخليج العربي ، والجزيرة العربية ، تجزئة ، وتقسيماً ، إلى وعد بلفور ، للصهاينة ، إلى الاتفاقيات ، بين ، الدول الأوروبية ، لتجزئة المغرب العربي ، وتجزئة وادي النيل ، إلى ، الاتفاقيات ، بالتنازل عن الأرض العربية ، اسكندرون ، وعربستان ، وكيليكيا ، وأراض عربية أخرى ، في ، مشرق الوطن العربي ، ومغربه ، إلى دول الجوار ..



( 13 )



كما ، أن ، الجيل القومي العربي ، الثالث ، كان على حق ، في مقاومة مخططات ، قوى الهيمنة الدولية ، ورفض الاعتراف بشرعية "الدول" ، التي ، قامت على أساسها ، سواء ، بالمقاومة المسلحة من المحيط إلى الخليج ، أو بتأسيس ، مؤسسات حزبية قومية عربية ترفض ، وجود "الدول الإقليمية" ، وتدعو ، للثورة ، عليها ، أو الانقلاب ، على الذين ساهموا ، بتأسيسها ، وقد حظي ، ذلك ، الجيل ، باحتضان جماهيري عربي ، واسع ، لم يسبق له مثيل ، أما ، كونه ، لم يتمكن ، من ، الإمساك باللحظة التاريخية ، والانطلاق ، إلى الأهداف النبيلة ، فهذا ، ارتبط ، بقصور ذاتي ، وتعقيدات موضوعية ، لا حد ، لها ...

( يتبع ... البيان ..."11" ... )



• حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 01-10-2009 11:23

على بســــــــاط الثــــلاثاء

37



يكتبها : حبيب عيسى



البيان .... "11" ...



"الطليعيون العرب ..."

من هم ...؟!



( تتمة ... البيان ..."11" ... )



( 14 )



أما ، الجيل القومي العربي الرابع ، الذي ، شهد انحسار التيار القومي العربي ، وترسيخ سلطات النظم الإقليمية ، حيث ، برزت إلى السطح ، كافة القوى ، التي ، حشرها التيار القومي العربي ، في الزاوية ، رغم المعارك ، التي ، فرضت عليه ، قبل أن يشتد عوده ، ويجسّد مشروعه ، بمؤسسات محصنة ، فكرياً ، وديمقراطياً .. هذا الجيل القومي العربي ، ورغم ، مرارة الهزائم ، التي تعرض ، لها ، والتي انعكست ، سلباً ، على البنية المجتمعية عموماً في الوطن العربي ، حيث ، فتح الباب ، واسعاً ، للانتماءات العصبوية ، والإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، والقبلية ، أو ، حتى ، العائلية ، وصولاً ، إلى الفردية المتورمة ، في أغلب الأحيان ... ، نقول ، رغم هذا الواقع ، المر ، فإن ، الامتحان كان شاملاً ، ليحدد هذا الجيل القومي العربي خياراته ، ويبحث ، عن ، مواقع ، القوة ، والضعف ، وخلاصة التجربة ، وهذا ، أدى ، إلى فرز موضوعي ، وذاتي ، بالغ الدلالة ، حيث ، ثبت بالتجربة المرة ، أن ، الشعارات ، والأشعار ، والحماسة ، والعواطف ، والنوايا الطيبة ، أو غير الطيبة ... ، كل ، هذا ، لا يثمن ، ولا يغني ، ذلك ، أن المشروع القومي العربي ، بالغ الحساسية ، بالغ الأثر ، بالغ التأثر ، بالغ التأثير ، يتوقف ، على نجاحه ، أو فشله ، تحقيق معادلات ، محلية ، وإقليمية ، ودولية ، بعيدة الأثر ، لهذا ، يستنفر ، بمواجهة المشروع العربي ، كل ، أولئك ، الذين ، ارتبطت مصالحهم ، ووضعوا خططهم ، ومخططاتهم ، واستراتيجياتهم ، على أساس ، أن الشعب العربي ، بلا إرادة ، بلا فاعلية ، بلا مؤسسات قوية ، تدافع عن وجوده ، يكفي ، أن نقرأ ، أو نسمع ، ما يقوله الذين يتحكمون بمصير العالم ، هذه الأيام ، حيث يعتبرون ، أن معاركهم ، في ، الوطن العربي ، هي ، معارك ، للدفاع عن الأمن القومي في بلدانهم ، التي ، تبعد عن وطننا ، آلاف الأميال ... هذا ، كله ، وضع الجيل الرابع ، من التيار القومي العربي ، أمام الأسئلة الصعبة ، الانتماء ، والهوية ، والتناقضات ، والخيارات ، فالاستسهال ، لم يعد مجدياً ، وهذا ، كله ، أدى إلى فرز حاد .. ما يعنيننا ، الآن ، أن الذين مازالوا يقبضون على خيارهم القومي العربي ، من ذلك الجيل ، باتوا ، أكثر صلابة ، وتبصّر ، وعقلانية ، رغم حالة الحصار ، التي ، فرضت عليهم ، أو فرضوها ، هم ، على أنفسهم ...



( 15 )



نصل ، الآن ، إلى المحطة الحاسمة ، إلى الجيل العربي الجديد ، إلى الجيل العربي الخامس ، من ، القوميين العرب ، المعاصرين ، وهو الجيل ، الذي عليه ، أن يتعامل ، مع ، هذه ، التركة الثقيلة ، لأنه ، الجيل ، الذي يعّول عليه ، في ، أن يستأنف مسيرة النهوض ، والتنوير ، على مختلف الأصعدة ، في الوطن العربي ، حيث يشكل "الطليعيون العرب الجدد" ، فصيل ، من ، فصائل هذه المسيرة ... فيكونون ، في ، "الطليعة" ، تضحية ، وعطاء ، وعلماً ، ونضالاً ، وفداء ، ويكونون ، في ، آخر ، الصفوف ، أخذاً .... ، فلا ، يأكلون ، وفي ، وطنهم جائع .... ، ولا يسكنون ، وفي وطنهم مشرد ، ولا يلبسون ، وفي وطنهم عار ، إذا ، كان لديهم إلى ذلك سبيلا ......

إن ، المبدأ ، الذي ننطلق منه ، هو ، قراءة الواقع العربي ، كما هو ، الآن ، في ، هذه اللحظة التاريخية ، ذلك ، أن ، الانطلاق من رؤية تزيّف الواقع ، وتتعامى ، عن الحقائق الموضوعية ، على الأرض ، بحيث تتوهم ، أنها ، ترى ما ليس فيه ، أو تتجاهل ، ما هو واقع ، وموضوعي ، فيه .. لن يؤدي ، إلا ، إلى إجهاض محاولة النهوض ، والتنوير ، قبل ، أن تبدأ ... ، فما ، يبنى على الزيف ، والأوهام ، لن يكون ، إلا زيفاً ، وأوهاماً ...

إن ، الظروف الموضوعية ، التي ، ينشأ فيها الجيل القومي العربي ، الخامس ، تختلف ، اختلافاً جذرياً ، عن الظروف الموضوعية ، والذاتية ، التي نشأت ، فيها ، الأجيال العربية ، السابقة ، والمشار إليها ...

o فالمسألة ، الآن ، لا تتعلق ، بإثبات الانتماء ، للأمة العربية ، وحقها ، في الوجود ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل القومي العربي ، المعاصر ، الأول ، وانتهاء ، بجيلنا ، الرابع ، الراحل ، وإن كان هذا مهماً ، وسيبقى ، لكنها ، ليست المسألة الوحيدة ، كما ، كانت ، حيث ، لم يكن الوطن العربي مقسّماً إلى دول ...، فهناك ، فروق جوهرية ، بين ، مقاومة تقسيم أمة ، وبين توحيد أمة مقسّمة ، فعلا ، وعدوانا ....

o والمسألة ، ليست ، مواجهة المخططات ، والمعاهدات الاستعمارية ، لتقسيم ، الوطن العربي ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل العربي ، الثاني ، بعد انفضاحها ، فالوطن العربي ، بات مقسماً ، فعلاً .. إلى ، أكثر ، من ، عشرين دولة ، مرشحة للتوالد ، ووعد بلفور ، للصهاينة ، لم يعد ، مجرد وعد ، وإنما باتت ، "المستوطنات الصهيونية" ، "دولة" ، عضو ، في هيئة الأمم المتحدة ...، والأراضي العربية ، التي ، اقتطعت ، من الوطن العربي ، لمنحها ، لدول الجوار ، باتت ، تحت احتلال تلك الدول ، فعلا ، وتم ، تغيير طبيعتها ، الديموغرافية .....

o والمسألة ، ليست صراع ، بين نظم تقدمية ، من جهة ، ونظم رجعية ، من جهة أخرى ، كما ، كانت مطروحة ، على الجيل القومي العربي ، الثالث ، فالوطن العربي ، من محيطه ، إلى خليجه ، محكوم ، بنظم استبدادية متشابهة ، موضوعياً ، على بعض الفروق ، الشكلية .. وبالتالي ، لم يعد ، مجدياً ، رفض أنظمة ، والتهليل ، لأنظمة أخرى ، وإثارة الحماسة ، بالجماهير المحتشدة ، لأنه ، ببساطة شديدة ، لم تعد تلك الجماهير ، محتشدة ، كما ، أن الاستبداد المديد ، في الوطن العربي ، يهدد أكثر ، فأكثر ، النسيج الاجتماعي ، حتى ، داخل "الدول الفعلية" القائمة ، مما يهددها ، بمزيد من التفتيت ، إضافة ، إلى الهرولة ، للتطبيع ، والتعاون ، بين ، الأنظمة الإقليمية في الوطن العربي ، وبين ، دولة " إسرائيل " ..!

o والمسألة ، بعد ، كل تلك الانتكاسات ، والهزائم ، والخرائب ، والحرائق ، التي ، تعم أرجاء الوطن العربي ، لم تعد كما كانت مطروحة على الجيل القومي العربي ، الرابع .. فلم ، يعد مجدياً البكاء ، على الأطلال ، ولم ، يعد المنطق التبريري ، مقبولاً ، ولم ، يعد توجيه الشتائم ، إلى ، الإمبريالية ، والصهيونية ، كافياً ...ولم ، يعد كافياً ، التلاعن ، بين ، القوى ، والأحزاب السياسية ، والعقائد المختلفة ، بحيث ، يلقي كل فريق ، المسؤولية ، على الغير ...



( 16 )



الجيل القومي العربي ، الخامس ، عليه ، أن يشق طريقه إلى النهوض ، والتنوير ، عبر هذه الخرائب ، والحرائق ، إلى جانب ، المكونات النهضوية ، والتنويرية ، للفصائل ، والقوى الأخرى ، وبالتحالف معها ، رغم ، الاختلافات ، الإيديولوجية ، والعقائدية ، داخل هذا الجيل العربي ، الشاب ، الراهن ، باتجاهاته كافة ، و"الطليعة العربية" ، ستسعى ، أن ، تكون فصيلاً ، يمارس دوره ، بفاعلية ، وإيجابية ، يتنافس مع الفصائل الأخرى ، في الوطن ، إيجاباً ، ولا يتصارع معها ، يبني تحالفاته ، ويحدد خياراته ، ويضع برامجه ، ويجددها ، لتتناسب مع ، كل ، مرحلة ، وفي مواجهة الظروف ، بما يناسبها ، من أدوات ، وأفكار ، لا يحيد عن الطريق إلى الهدف ، لكنه، لا يتقوقع ، على ، موقف ، انتهت صلاحيته ، ولا يرى ، بأساً ، في ، التراجع عن الخطأ .. ، والخطايا ...!



(17 )



ثانياً : " الطليعة العربية " ، أسم علم ، يدل ، على جماعة بشرية "عربية" ، توافقت ، فيما بينها ، على ، تأسيس مؤسسة سياسية ، اجتماعية ثقافية ، وفق ، أسس متفق عليها ، ووفق ، آلية محددة داخل المؤسسات التأسيسية " للطليعة العربية " ، والاسم ، هنا ، لا يدل على جماعة ، تعتبر نفسها ممتازة ، فهذه ، فوقية ، ترفضها " الطليعة العربية " ، والاسم ، هنا ، لا يدل على جماعة تعتبر نفسها أحادية ، أو متفردة ، فتلك شمولية ، تمهد ، للديكتاتورية ، والاستبداد ، وهذا ، ما تتأسس " الطليعة العربية " ، لمواجهته ، في الوطن العربي ..

و " الطليعة العربية " ، كمصطلح سياسي ، تدل ، على جماعة سياسية ، تشكل فصيلاً ، من ، فصائل متعددة ، في الوطن العربي ، تتميز ، عن بعضها ، البعض ، ببرامجها ، وأهدافها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، تنّظم ، الاختلاف ، فيما بينها ، وتضع ضوابط محددة ، للحوار ، والتفاعل ، والتحالف ، بأسلوب ديمقراطي ، يعترف ، كل فريق ، بالآخر ، و" الطليعة العربية " ، بهذا المعنى ، لا تمتاز ، على الغير ، ولكنها ، تتميز ، بنهجها ، ومنهجها ، وبرامجها ، ومنطلقاتها ، وغاياتها ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ، وهي ، بهذا المعنى ، أيضاً ، تنحني أمام إرادة الناس ، الذين يحددون ، بإرادتهم الحرة ، موقع "الطليعة العربية" ، بين، القوى الأخرى ، في المجتمع ، وإذا ، كانت قد أطلقت على نفسها ، لقب " الطليعة العربية " ، فهذا من حقها ، ذلك ، أن ، كل جماعة بشرية ، من حقها ، أن ، تحمل اللقب ، الذي ، تسعى إلى تحقيقه ، أن تحمل ، الاسم ، الذي يعبر عن الحلم ، الذي تسعى إليه ، " فالطليعة العربية " ، كمؤسسة ، والطليعيون العرب ، ككوادر ، تشخص عيونهم ، على أفق ، تكون فيه ، الأمة العربية ، متحررة ، موحدة ، ثرواتها ، تحت أيادي أبناءها ، الذين يتمتعون ، بالمواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، والحرية ، والديمقراطية ، ينعمون ، بنظام عام ، تطبّقه ، وترعاه ، دولة عادلة ، عن طريق سلطة ، من اختيارهم ، يتم التداول ، على مقاعدها ، بحسب إرادة الشعب ، ويتساوى ، فيها ، الجميع ، أمام القانون ، دون محاباة ، أو تمييز .. وبالتالي ، من حق ، هذه الجماعة ، أو كوادر هذه المؤسسة ، أن يطلقوا على أنفسهم ، الاسم ، الذي ، يحمل حلمهم ، بأن ، يكونوا في طليعة ، الذين ، يجّدون السير ، على الطريق الطويل ، والصعب ، تضحية ، وإيثاراً ، وتصميماً .. لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل ..



( 18 )



و " الطليعة العربية " ، مؤسسة ، تمتلك رؤى واضحة ، وشاملة ، جميع المجالات ، للنهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، و"الطليعة العربية" ، تناضل ، للتغيير الإيجابي ، وتنطلق من الواقع ، كما هو ، إلى المستقبل ، الذي ، ترسم صورته في الأفق ، و" الطليعة العربية " تدرك ، ابتداء ، أن ، إطلاق الأهداف ، والمبادئ ، والشعارات ، دون ، وضع البرامج ، والمخططات ، واعتماد الأساليب ، والوسائل ، والإمكانيات ، للوصول ، إليها ، هو مجرد ، لغو ، لا طائل ، من ورائه .. و"الطليعة العربية" ، تعترف بالآخر ، وتقدر الاختلاف ، وتعتمد الحوار ، أولاً .. والحوار ، أخيراً ، مع سائر ، قوى المجتمع العربي ، وأحزابه ، ومكوناته ، لا تسّفه رأياً ، ولا تستخف بموقف ، لا تتهم ، ولا تخوّن ، وتدرك ، أن ، المجتمع العربي ، يعاني من ظروف ، بالغة القسوة ، وأن ، العقل العربي ، أصيب ، برضوض ، بالغة الخطورة ، وأن ، الرؤيا ، ليست واضحة ، وأن الظروف الصعبة ، والجرائم ، التي ، ارتكبت بحق الإنسان العربي ، ومازالت ترتكب ، ومحاولات ، تشييئه ، وتهشيمه ، وتهميشه ، واستلاب إرادته ، ومنعه ، من ممارسة ، أبسط حقوقه ، مجمل تلك الظروف المعقدة ، دفعت ، بالكثيرين ، في الوطن العربي ، آحاد ، وجماعات ، إلى مواقف ، لم يختاروها ، بعقلهم السليم ، وإلى ، مواقع ، لا يرتضونها ، في الظروف العادية ...، ولهذا ، فإن " الطليعة العربية " ، تلتمس الأعذار ، للجميع ، وتدعو إلى الكلمة السواء ، وتجهد النفس ، تنقيباً ، وتفتيشاً ، عن نقاط اللقاء ، لتعزيزها ، وطرح ، نقاط الاختلاف ، على بساط البحث الدائم ، بموضوعية ، ومصداقية ، ودون تشنج ، أو ، جري ، وراء تسجيل النقاط ، والتحدي ...، و " الطليعة العربية " تدرك ، منذ لحظة انطلاقتها ، صعوبة الطريق ، إلى النهضة ، والتنوير ، وتدرك خطورة ، الأفخاخ ، والكمائن ، وقطاع الطرق ، وبالتالي ، فإنها تقدر ، عالياً ، جهود ونضالات ، كافة ، القوى ، والفصائل ، والأحزاب ، والمؤسسات ، على اختلافها ، التي تستهدف ، مشاريع ديمقراطية ، وتنويرية ، ونهضوية ، مهما كانت الأهداف ، ومهما اتسعت زاوية الاختلاف .. ، واستناداً على ذلك ، وبناء عليه ، فإن " الطليعة العربية " تدرك ، أن مشروع النهضة ، والتنوير ، لا يمكن ، أن ، يناط تحقيقه ، بفصيل واحد ، أو بقوة واحدة ، أو بحزب واحد ، أو بشخص ، أو بجماعة بشرية ، أياً كانت ، وبالتالي ، فإن " الطليعة العربية " تدرك ، دون مواربة ، أن المهام المطروحة ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، لا يمكن ، أن تلقى ، على كاهل فصيل واحد ، أو جماعة بشرية واحدة ، أياً كانت ، وإنما ، لابد من تضافر جهود فصائل النهوض ، والتنوير ، على تنوعها ، " فالطليعة العربية " تسعى ، لبناء مجتمع التحرير ، والمقاومة ، في الأجزاء المحتلة ، من الوطن العربي ، وهي ، "الطليعة العربية" ، تدرك ، أن ذلك ، لن يكون ، مهمة ، فصيل واحد ، ولو ، كان " الطليعة العربية " ، وإنما ، حصيلة تحالف واسع ، بين ، سائر فصائل المجتمع ، الحية ، وبالتالي ، فإن "الطليعة العربية" لا تسعى إلى إضعاف قوى المجتمع الحية ، وإنما تسعى إلى التعاضد معها ...



( 19 )



و " الطليعة العربية " تسعى ، لبناء مؤسسات ديمقراطية ، في الأجزاء العربية ، وهي تدرك أن ، هذا ، يتطلب ، تضافر جهود سائر فصائل القوى الديمقراطية ، في المجتمع ، على تنوعها ... وبالتالي ، لابد من الوصول إلى أوسع تحالف ، ممكن ، في هذا المجال .. و"الطليعة العربية" ، ستسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ، والمساواة ، وتحقيق حياة كريمة ، للمواطن العربي ، وهذا يقتضي تحالفات واسعة ، في هذا المجال ، أيضاً ، و"الطليعة العربية" ، ستسعى ، لبناء ، مؤسسات مجتمع ريفي ، متطور ، ومؤسسات مجتمع مدني ، متحضر ، ومؤسسات مجتمع صناعي ، تقني ، ومؤسسات مجتمع ثقافي ، أبداعي ، ومؤسسات مجتمع فني ، أصيل ، ومؤسسات مجتمع أدبي ، ملحمي ، ومؤسسات مجتمع تاريخي ، صادق ، وحضاري ، ومؤسسات مجتمع علمي ، سباق إلى المعرفة ، ومؤسسات مجتمع رياضي ، مجلل بالذهب ، وستسعى " الطليعة العربية " ، إلى ، إعادة الاحترام ، للنقابات ، والاتحادات المهنية ، وكذلك ، إعادة الهيبة ، للموظف العام ، وللمؤسسات العامة ، وللمرافق العامة .. وهذا ، كله ، يتطلب إجراء أوسع التحالفات ، لتحقيقه ...

و"الطليعة العربية" ، ستسعى ، لإعادة الحياة ، إلى المؤسسات القومية العربية ، من ، نقابات ، واتحادات ، كاتحاد العمال العرب ، واتحاد المحامين العرب ، واتحاد المهندسين العرب ، واتحاد الأدباء العرب ، واتحاد الصحفيين العرب ، وإلى آخرها .. وهذا ، لن يكون ، إلا بتحالفات واسعة ، بين ، مختلف الاتجاهات ، في ، تلك المجالات ، كافة ..

إن ، "الطليعة العربية" ، إذ ، تحدد ، الحوار ، والتحالف ، في شتى المجالات ، بين ، سائر مكونات المجتمع ، أسلوباً ، فإنها ، تنطلق من ، مبدأ ثابت ، لديها ، وهو ، أن ، الجدل الاجتماعي ، والحوار الديمقراطي ، في ، سائر المؤسسات ، وبين ، سائر المؤسسات ، وفي ، شتى المجالات ، هو ، الطريق الوحيد ، للتطور ، وأن ، الأحادية ، في السيطرة ، على ، أية ، مؤسسة ، سواء كانت ، مؤسسة دولة ، أو مؤسسة ، من مؤسسات المجتمع ، يعني ، الموات ، وبالتالي ، فإن "الطليعة العربية" ، لا تطرح الحوار ، والتعددية ، والدعوة ، إلى الكلمة السواء ، كمسألة شكلية ، أو ، هامشية ، وإنما ، تطرحها ، كقضية أساسية ، ومركزية ، لا يمكن الانطلاق ، إلى النهوض والتنوير ، والتطور ، بدونها ..

فهل ، يكفي ما تقدم ، لتوضيح ، ما نقصده " بالطليعة العربية " كاسم ، وكمصطلح ، كمنطلق ، وكغاية ..؟!

( يتبع ... البيان ... "12" ...)



* حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-05-2009 04:20

على بســــــــاط الثــــلاثاء38
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

38

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ... "12"....

الطليعة العربية ...

من المجتمع الواحد ... إلى تعدد الدول ...!

إلى المجتمع العربي الواحد



( تتمة ... "12" ...البيان ... )

( 20 )

بعد ، كل ما تقدم ، ندخل في آلية عمل " الطليعة العربية " ، وتأسيسها في القرن الواحد والعشرين ، في الوطن العربي .. ، وهذا ، ما يقودنا إلى البند الثالث ...

ثالثاً : "الطليعة العربية" ، تنظيم قومي عربي ، لا مركزي ، بمعنى ، أن مؤسسات "الطليعة العربية" ، يتم تأسيسها من القاعدة ، أي ، من الأرياف ، والمدن ، والدول القائمة ، في الوطن العربي ، ثم ، إلى القمة على صعيد بناء المؤسسات القومية الشاملة ، للأمة العربية ، وطناً ، وشعباً ، ويتم ذلك ، على ثلاث مراحل :

o المرحلة الأولى ، تأسيس المؤسسات الحزبية "للطليعة العربية" ، من الأرياف ، والأحياء في المدن ، من قبل الذين يتبنون المشروع ، ذو الصلة ، المتعلق بتأسيس "الطليعة العربية" ، بمعنى ، أن يبادر ، كل ، من موقعه ، دون انتظار دعوة ، من أحد ، ودون وصاية ، من أحد ، "فالطليعة العربية" ، مشروع قومي ، عام ، يجب أن يولد ، وينمو ، ويستمر ، محصناً ، ضد كل أشكال الخصخصة ، ثم ، وبعد ذلك ، يتم ، التنسيق ، بين ، البنى التحتية ، "للطليعة العربية" ، في المحافظات ، والولايات ، ثم ، التنسيق على صعيد ، كل دولة عربية ، على حدة ، بحيث تكون ، المؤسسة الحزبية ، في تلك الدولة ، "ذات شخصية اعتبارية" ، تتمتع ، بالاستقلال الذاتي ، بدءاً ، من بيانها التأسيسي ، ونظامها الداخلي ، وبرامج عملها ، والأساليب ، التي تضبط حركتها ، وصياغة تحالفاتها ، كل ذلك ، بما ، يتناسب مع الظروف الداخلية ، في كل دولة عربية ، على حدة ، لاستعادة الحيوية ، لمؤسسات المجتمع ، على تنوعها ، والارتقاء ، بها ، إلى مستوى المواطنة ، الحقة ، مساواة ، وعدالة ، وحرية ، وديمقراطية ، وفتح آفاق التطور ، بالعمل ، والنضال ، على إزالة كافة العوائق ، عن طريق ، تفعيل قانون "الجدل الاجتماعي" ، والانخراط ، في مختلف نواحي ، العمل العام ، الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والثقافي ، والمشاركة ، في مختلف النشاطات ، والمؤسسات المجتمعية ، والمدنية ، ومؤسسات الدولة ، حيثما ، يكون ذلك ممكناً ، وصولاً ، إلى تنظيف مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، من الفساد ... ، عن طريق اعتماد النهج الديمقراطي ، لبناء المؤسسات ، في المجتمع ، والدولة ، على حد سواء ، بهذا ، وبهذا فقط ، تتحول ، مؤسسات المجتمع العربي ، في الدول القائمة ، بل ، ومؤسسات تلك الدول ، ذاتها ، في الوطن العربي ، إلى ، عناصر إيجابية ، في بناء المؤسسات القومية العربية ، عوضاً ، من ، أن تكون ، عوائق ، أو ، في حالة تصادم ، مع المشروع القومي العربي ، عندما ينخر ، الفساد ، والتخلف ، والمحسوبية في تلك المؤسسات ، وتسّخر ، لخدمة المستبدين ، والغزاة ، في مواجهة ، المشروع ، القومي العربي .

o في ، تلك ، المرحلة التأسيسية ، الهامة ، سيكون على "الطليعيون العرب الجدد" ، مواجهة العديد ، من الأسئلة الهامة ، ومواجهة أرث خطير ، من الممارسات الخاطئة ، والتصدي ، للأفكار ، التي انحطت ، بالمواطن العربي ، إلى ما قبل المواطنة ، التي استوطنت الوطن العربي ، في عقود انحسار المشروع النهضوي ، التنويري ، وسيكون ، عليهم ، الصبر على التفاصيل ، بل ، وتفاصيل ، التفاصيل ... وسيتوقف ، على ، مقدرة ، وحكمة ، وصلابة ، وإصرار ، وتسامح ، وشجاعة ، ومصداقية .....، "الطليعيون العرب الجدد" في اجتياز ، تلك المرحلة ، بنجاح ، مصير مشروعهم ، في النهضة ، والتنوير....، ومستقبله ...

( 21 )

o المرحلة الثانية ، تترافق مع المرحلة الأولى ، وتتمثل ، في الدعوة ، لانعقاد "مؤتمر تحضيري" ، لمؤتمر قومي " للطليعة العربية " ، يتداعى لانعقاده ، نفر ، ممن بقي على قيد الحياة من شيوخ القوميين العرب ، الذين انتهت صلاحيتهم ، للعمل النضالي ، المباشر ، .... ، يختارون أنفسهم ، ويختارون بعضهم ، البعض ، لهذه المهمة الصعبة ، وتنحصر مهمتهم ، بتسليم الراية إلى الجيل القومي العربي الجديد ، عبر ، إعداد ، الوثائق التحضيرية ، وجدول الأعمال ، يبعثون ، بها ، إلى المؤسسات الحزبية "للطليعة العربية" ، في الأقطار العربية ، ويتلقون منها المقترحات ، والمشاريع ، والوثائق ، ثم ، يقومون بالإعداد ، خلال فترة زمنية ، يحددونها ، حسب الظروف ، ومقترحات تنظيمات الطليعة العربية في الأقطار ، لانعقاد ، "مؤتمر قومي تأسيسي ، " للطليعة العربية " ، ينبثق ، عن المؤسسات الطليعية ، في الأقطار ، ديمقراطياً ، ثم ، تنبثق ، عن المؤتمر القومي الأول ، مؤسسات قومية ، في المجالات كافة ، لتنفيذ مقررات المؤتمر القومي ، في شتى المجالات ، والمساهمة ، في تعزيز دور المؤسسات القومية ، الثقافية ، والاقتصادية ، والمهنية ، وفي شتى المجالات الأخرى ، كما ، تقوم المؤسسات القومية المنبثقة ، عن ، المؤتمر القومي " للطليعة العربية " بقراءة الوثائق الصادرة ، عن المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، والتنسيق ، فيما ، بينها ، وإزالة التناقض ، مع الاحتفاظ بالتنوع ، في المعالجة ، حسب الظروف المتنوعة ، في الأجزاء ، وتشرف "المؤسسات القومية" ، على ، تبادل الوثائق ، بين المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الدول القائمة ، ويتم ، ذلك كله ، وفق لوائح تنظيمية ، دقيقة ، بما يحقق ، الفصل التام ، بين الصلاحيات ، والمهام ، المناطة ، بالمؤسسات الحزبية ، في الدول العربية ، وبين ، المؤسسات القومية ، بحيث ، تحتفظ "المؤسسات القومية للطليعة العربية" ، باستقلاليتها التامة ، فيبقى لها حق التنسيق ، والاقتراح ، وتقوم بدور ، الحكم ، بين سائر المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الوطن العربي ، وتبقى ، على مسافة واحدة ، من سائر تلك المؤسسات ، والمعادلة ، هنا ، في غاية الدقة ، فلا ، بد ، من تحصين المؤسسات القومية للطليعة العربية ، بحيث ، لا يمكن ، لأي مؤسسة حزبية للطليعة العربية ، في دولة عربية ، ما ، أن ، تهيمن على المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، أو تجعلها تابعاً لها .. ، أو تحتويها ، ففي هذا مقتل ، للأجزاء ، وللكل ، معاً .. ، على العكس من ذلك ، تبقى المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، في الأحوال كلها ، مستقلة ، سيدة قرارها ، وإذا ، كانت المؤسسات الحزبية " للطليعة العربية " في الدول العربية ، تستكمل ، صفتها الاعتبارية ، وبناء مؤسساتها ، وتمارس مهامها وفق قواعد ، وأسس تنظيمية محددة ، بما يضمن لها ممارسة العمل السياسي اليومي ، في الدول العربية ، فإن ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، تبقى ، ذات صفة ، تنسيقية ، وفكرية ، وتشريعية ، تتمتع بالمرونة ؟، وتبقى ، قيد الإعداد ، والتطوير ، إلى أن تقوم "دولة الأمة العربية الواحدة" ،عندها، وعندها ، فقط ، يتحول المؤتمر القومي الإعدادي ، " للطليعة العربية " ، إلى مجلس شيوخ " للطليعة العربية " له نظامه الداخلي ، واللوائح ، التي تنظم عمله ، وعضويته . ثم ، وبعد قيام الدولة العربية الواحدة ، ينبثق ، عن ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، في الدولة العربية الواحدة ، "مؤتمر قومي" ، وفق ، لوائح ، ونظام داخلي ، ومهام تنفيذية ، وتشريعية ، شاملة ، وملزمة ، يتم إقرارها ، في حينه ، بما يتناسب ، مع الظروف الجديدة ....

لكن ، وعلى الطريق ، الذي ، قد يطول ، أو يقصر ، للوصول إلى دولة العرب الواحدة ، ولضرورة الفصل ، في السلطات ، والمهام ، بين المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول القائمة ، حالياً ، وبين ، المؤسسات القومية ، المنبثقة عن المؤتمر القومي ، للطليعة العربية ، يحظر الجمع ، في العضوية ، بين ، المؤسسات القومية ، وبين ، المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، وإذا ، اقتضت الضرورة ترشيح عضو قيادي ، من مؤسسة حزبية ، في دولة عربية ، ما ، إلى المؤتمر القومي ، أو إلى إحدى المؤسسات ، المنبثقة عنه ، يرقن قيده من المرتبة القيادية التي يشغلها وينتخب بديلاً عنه ، في المؤسسة الحزبية ، تلك ، إلى ، أن تنتهي مهامه في المؤسسة القومية .. ، ذلك ، أنه ، بمجرد عضويته ، في ، مؤسسة قومية يفقد صفته التمثيلية ، للمؤسسة الحزبية ، التي كان عضواً ، فيها ، ويصبح ، ذا ، صفة تمثيلية ، للمؤسسة القومية ، التي ، اكتسب عضويتها .

( 22 )

باختصار شديد ، فإن ، المؤتمر التحضيري ، تنتهي مهامه ، بمجرد انعقاد المؤتمر القومي التأسيسي ، وأن المؤتمر القومي ، الأول ، " للطليعة العربية " ، والمؤسسات المنبثقة ، عنه ، والمؤتمرات القومية ، التي ستلي ذلك ، إلى ، أن تقوم دولة الوحدة العربية ، تختص ، بالتشريع ، والتصويب الفكري ، والعقائدي ، وبوضع الإستراتيجية القومية ، العامة ، للطليعة العربية ، وإعداد الوثائق ، والمقترحات ، وتبادلها ، بين ، مؤسسات الأجزاء ، بينما ، تختص ، المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، بالسلطات التنفيذية ، وبإعداد الوثائق ، والبرامج ، للمارسة ، في الأجزاء ، بما ، لا يتناقض ، مع التوجهات القومية ، التي تحددها ، المؤسسات القومية ، وكذلك ، بإعداد الوثائق ، التي تتعلق بالخصوصية ، في كل جزء ، ويبقى ، للمؤسسات الحزبية في ، الأجزاء ، أن ، لا تنفذ من المقترحات ، والقرارات الصادرة ، على الصعيد القومي ، إلا ، ما توافق عليه ، تلك المؤسسات ، ديمقراطياً ... ، كل ذلك ، إلى ، أن ، تقوم الدولة العربية الواحدة ... ، حيث ، تفرز مؤسسات "الطليعة العربية" ، مؤتمرا قوميا ، وفق لوائح ، ومهام ، وسلطات جديدة .....

( 23 )

المرحلة الثالثة : وتبدأ ، عندما تقوم "دولة العرب الديمقراطية الواحدة" ، عندها ، يتم ، استكمال البناء التنظيمي ، " للطليعة العربية " ، ديمقراطياً ، بمعنى ، أن المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، بدءاً ، من ، المؤسسات الحزبية ، في القرى ، والبلدات ، والمدن ، والولايات ، والدول ، ومؤتمراتها ، والتي ، ينبثق ، عنها ، "المؤتمر القومي" ، ووصولاً ، إلى ، المؤسسات المنبثقة ، عنه ، تكون ، جزء ، لا يتجزأ ، من البنى التنظيمية ، للمؤسسات الحزبية ، لأنه ، وفي ظل قيام الدولة القومية الواحدة ، للأمة العربية ، فإن ، على ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، أن تمارس ، عملاً تشريعيا ، ملزما ، على صعيد مؤسسات "الطليعة العربية" ، في سائر ، إرجاء دولة الوحدة ، بحيث تضع البرامج ، والخطط ، والاستراتيجيات ، وتخوض الانتخابات الديمقراطية ، وفقاً لذلك ، لشغل ، مقاعد ، مؤسسات دولة الوحدة ، وتمارس دورها ، كاملاً ، سواء ، في مقاعد السلطة ، أو ، في ، مقاعد المعارضة .. كل ذلك ، مع الاحتفاظ ، باللامركزية ، بمعنى ، أن ، المؤسسات الحزبية ، في أقاليم دولة الوحدة ، وولاياتها ، يبقى ، لها ، القرار ، بما يتعلق ، بالنشاطات المحلية ، والممارسات ، على مختلف الصعد ..

( 24 )

قبل اختتام الحديث ، عن " الطليعة العربية " ، كتنظيم ، لا مركزي ، لابد من الإشارة ، إلى ، أن الخطوط العامة التنظيمية ، التي أشرنا إليها ، في الفقرات السابقة ، لابد ، من قوننتها ، بلوائح تفصيلية ، تنفيذية ، تصدر ، في الوقت المناسب ، عن مؤسسات الطليعة العربية ، سواء ، على الصعيد المحلي ، أو ، على الصعيد القومي ، تشمل ، أدق التفاصيل ... وأن ، كل ، ما تقدم ، كان مجرد مقترحات عامة ، وأن الولاية في ، ذلك كله ، يعود لمؤسسات "الطليعة العربية" ، في الأجزاء ، وفي الكل العربي ، القومي ، ثم ، في دولة العرب القومية الواحدة ، وأن ، ذلك كله ، رهن ، بالظروف ، والمتغيرات ، والمستجدات ، فالطليعيون العرب ، مع ، استنادهم على منطلقات ثابتة ، باتجاه ، غايات إستراتيجية ، واضحة ، إلا ، أنهم ، يطورون أساليبهم ، وأدواتهم ، بما يتلاءم ، مع ، الظروف المستجدة ...

( 25 )

رابعاً : "الطليعة العربية" ، بالاستناد إلى الفقرة السابقة ، من ، أنها ، تنظيم قومي ، لا مركزي ، تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، لتغييره باتجاه الحرية والوحدة والاشتراكية ، وتتعامل ، مع المؤسسات القائمة على الأرض ، وكذلك ، مع الواقع الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي ، بموضوعية ، سواء كان ، هذا الواقع يعجبها ، أم ، لا ... ، وتتعامل معه ، بمنهجية البحث العلمي ، والمعرفي ، والتخصصي ، في المجالات المختلفة ، ويرسم الطليعيون العرب الجدد ، خط البداية ، من الواقع كما هو .. ، إلى الأهداف التي يسعون ، لتحقيقها ...، ويتم ذلك ، برسم خطوط ، عبر مسارات مختلفة ، بين ، الواقع الموضوعي ، وبين ، الأهداف المنشودة ، لتوفير بدائل ، في الحالات الطارئة ، ثم ، إعداد الملفات ، بعدد ، القضايا المطروحة ، والتي ، تشمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والعقائدية ، والاقتصادية ، ومصادر الثروة ، البشرية ، والمادية ، والبحث في ، العلوم ، والتنمية ، والفنون ، والرياضة ، وتوزع السكان .. ، وإلى آخره .. ، ومن ، ثم ، البحث في إمكانية الانتقال من الواقع ، كما هو ، في كل قطاع من القطاعات ، باتجاه الأهداف المنشودة ، ثم ، اعتماد الخطط المناسبة ، وترتيبها من حيث الجدوى ، بعد دراسة الواقع ، والإمكانيات المكنة ، والمطلوبة ، ووسائل توفيرها ، والعقبات ، وطرق تذليلها ، والمدد الزمنية ، وإلى آخر ، أدق التفاصيل .. إن "الطليعة العربية" ، إذ ، تتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، مع مشكلاته ، مع ، ما فيه من إيجابيات ، وما ، راكمته السنون العجاف ، من سلبيات ، إذ ، تتلاحم ،مع مختلف فئات الجماهير العربية ، بدون تعال ، بدون أستذة ، إنما ، بتفاعل ، وتناغم ، تتعلم من المخزون ، الهائل ، لشعبنا ، على سجيته ، وتقدم ما تعلمته ، لرسم مسارات الخروج ، من المحنة ، إنما تعود إلى رحم حاضنتها الشعبية ، لاستئناف مسيرة النهوض ، والتنوير .. فقد أثبتت العقود المنصرمة ، بما ، لا يقبل الشك ، أن ، الواقع العربي أكثر تعقيداً ، مما توقعت الأجيال القومية العربية النهضوية ، الرائدة ، التي أشرنا إليها .. ، وأن ، تغيير هذا الواقع ، الذي تتداخل فيه المشكلات الداخلية ، بتدخلات خارجية ، كثيفة ، لم تتعرض لها أمة أخرى في التاريخ .. ، لا يتم بالحماسة ، فقط ، ولا تكفي النوايا الحسنة ، وإنما ، لابد من عمل جماهيري واسع ، دقيق التنظيم ، واع ، لما حوله ، مسلح ، بالعلم ، والمعرفة ، في أدق المسائل ، قادر ، على نزع الألغام ، أو تحاشيها على الأقل .. البوصلة أمامه ، لا يضل الطريق ، مهما ، تعددت ، المفارق ، أمامه ، ولا يضلل ، ولا تحرفه التفاصيل عن الأهداف .. وهذا ، كله ، لا يمكن تحقيقه ، إلا بتوفر عاملين :

الأول : مؤسسة ، حزبية ، سياسية ، تمتلك جميع مواصفات المؤسسة ، ديمقراطية ، من الألف ، إلى الياء .. لا تعتمد ، على فرد ، ولا تنساق ، وراء جماعة ، ولا تستغرقها التفاصيل ، تحدد ، ما تريد ، من أهداف ، وتحشد ، كل ، الإمكانيات الضرورية ، للوصول ، إليها ....

الثاني : حاضنة جماهيرية واسعة ، لا يمكن اختراقها ، في حالة الدفاع ، كما ، لا يمكن الصمود أمامها ، في حالة الهجوم ، وهذه الحاضنة ، لا يمكن توفيرها ، إلا ، بانخراط المؤسسة ، المشار إليها ، في أدق تفاصيل الواقع ، الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي .... ، وإلى آخره ، بحيث ، تصبح ممارسات ، تلك المؤسسة ، كالخبز اليومي ، في ، حياة الناس ، يجدون كوادرها ، وآثار أعمالها ، حيث يتوجهون ، لا تتقدم عنهم ، فلا يرونها ، ولا تتخلف عنهم ، فلا يتحسسون وجودها .. وإنما ، تتقدم بهم ، ويتقدمون ، بها ..في حركة ، تكاملية ، مستمرة في الاندفاع ، إلى الأمام ....

وخط البداية ، كما قلنا ، هو التعامل مع الواقع ، كما هو ، والواقع ، كما هو ، في الوطن العربي ، أنه ، أرضاً ، وشعباً ، مجزأ ، بموجب حدود معترف ، بها دولياً ، تقسمه ، إلى 24 دولة "ذات سيادة" ، معترف ، بها ، دولياً ، إضافة ، إلى أجزاء ، تحتلها دول الجوار .. والدول ، هي /13/ جمهورية ، /4/ ممالك ،/3/ إمارات ، سلطنة واحدة ، جماهيرية واحدة ، سلطة واحدة ( مرشحة إلى سلطتين ) ، مستوطنة صهيونية واحدة ، حتى الآن ..

هذا ، هو ، الواقع الذي لا يعجبنا ، كقوميين عرب ، لكنه ، هذا ، هو الواقع الموضوعي ، الذي ، علينا ، أن نتعامل معه ، كما هو ، وخط البداية ، يبدأ منه ، كما هو ، فعلاً ...

( 26 )

"الطليعيون العرب الجدد" ، يتجاوزون الشكوى ، إلى الفعل ، فقد ، بات من التاريخ ، القول ، أن ، هذا ما صنعه الاستعمار ، بنا ، وبات من التاريخ ، أيضاً ، الحديث ، عن المعاهدات ، والأسماء ، والمؤامرات ، والحروب ، والمجازر ، وحروب الإبادة ، التي أوصلتنا إلى هذا الواقع .... ، هذا ، لا يعني أن ، هذا كله ، سيتعرض للنسيان ، فكيف ننسى جريمة مازالت مستمرة ، الفصول ...، في الواقع ...؟ ، فأركان الجرائم موجودة ، وتصدمنا ، في كل مكان ، بين المحيط ، والخليج ، والمجرمين ، وإن كانوا ، كأشخاص ، قد ، رحل ، بعضهم ...، لكنهم ، جميعاً ، كمؤسسات اعتبارية ، وكدول ، مازالوا ، ينهلون ، من آثار الجرائم ، والضحايا ، مازالت شواهد قبورها ، حية ، كشهداء ، ومازال الأحياء ، من الشعب العربي ، شهوداً .. ما نقصده ، أن الأجيال العربية ، التي عاصرت القرن العشرين ، وأحداثه ، أشبعت هذا الموضوع ، بحثاً ، ومواقف ، وشكوى ، وشتائم ، ولطم ... ، لكن ، هذا كله ، لم يغير من الواقع شيئاً ، بل ، أوصله ، إلى ما هو عليه ، الآن .. وإذا ، كانت ، الدعوة "للثورة العربية" ، رفضاً لمخططات التجزئة ، دعوة مشروعة ، مع ، النصف الأول ، من ، القرن العشرين ، لمواجهة ، مشاريع التجزئة ، والمعاهدات ، وإقامة دول التجزئة ، إلا ، أن ، الثوار العرب ، لم ينجحوا ، لأسباب ذاتية ، وموضوعية .. ثم ، إذا ، كانت الدعوة ، للانقلاب بالوثوب على سلطات ، دول التجزئة ، مشروعة ، مع النصف الثاني ، من القرن العشرين ، إلا ، أن الانقلابيين ، أضافوا ، على المشكلات القائمة ، مشكلات جديدة ... ، أكثر تعقيدا ....، فإن ، الجيل العربي الراهن ، ليس ، بمواجهة الاستعمار المباشر ومخططاته لتكوين دول ، قيد التكوين ، كما ، كانت في النصف الأول ، من القرن العشرين ، حيث كانت ، عملية الثورة ، عليها ، ميسورة ، بمواجهة الاستعمار المباشر ، والجيل العربي الجديد ، ليس ، بمواجهة ، دول ، في مرحلة التأسيس ، كما ، كانت في النصف الثاني ، من القرن العشرين ، كان ، من الميسور ، الانقلاب عليها .. كما ، أن الظروف الدولية ، بانت أكثر تعقيداً ، بعد ، انهيار القطب السوفيتي ، في الحرب الباردة ، وانفلات جيوش الهيمنة الأمريكية ، وما ، سيلي ذلك ، من فوضى ، في النظام العالمي ، ذلك ، أن ، هذا التوحش الرأسمالي ، قد وصل ، إلى الحائط المسدود ، ولا مفر ، من التغيير ، بالإضافة ، إلى ، الانعكاسات السلبية ، على الواقع ، الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي ، والاقتصادي ، في الوطن العربي ، في ظل ، نظم ، مؤبدة ، استبدادية ، وسلطات قمعية ، غيبّت ، الحريات العامة ، ودمرّت مؤسسات المجتمع ، من أول الأحزاب ، إلى آخر ، المؤسسات الأخرى .. في الدولة ، والمجتمع .. ، على حد سواء ، فبات النسيج الاجتماعي ، هشاً ، وبات ، التلويح ، بالحروب الأهلية ، والمذهبية ، والدينية ، والإثنية ، سيفاً مسلطاً ، على رؤوس الناس ... ، أن ، ألزموا الصمت ... ، وإلا ...! ، فإما الفتن الداخلية ، وإما ، الاستكانة ، للاستبداد ، وإما ، الغزو الخارجي ..، والنماذج ، حية ، على ، كل ، شبر من أرض الوطن العربي ....

"الطليعيون العرب" ، ليسوا ، أمام تلك الخيارات ، الثلاثة ، وإنما ، في مواجهتها ، معاً ، ذلك ، أنهم ، يدركون ، بوعيهم ، وعمق تجاربهم ، أن ، الفتن ، والاستبداد ، والغزو الخارجي ، هي ، خط هجوم ، واحد ، موحد ، على الأمة العربية ، ومكوناتها ، ومقومات وجودها ، لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل .. وبالتالي ، فهم ، لا يختارون ، بينها ، وإنما ، يرفضونها ، على الاتحاد ، ويرفضونها ، على الانفراد ، من ناحية أولى ، ويعدون العدة لمقاومتها ، على الاتحاد ، والانفراد ، من ناحية ثانية ...

( يتبع ... البيان ... " 13 " .... )

* حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-05-2009 04:23

على بســــــــاط الثــــلاثاء39
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

39

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ... "13" ...



" الطليعة العربية "

من تعدد الدول ...

إلى الدولة القومية



( تتمة ... "13" ... البيان ... )

( 27 )

إن ، إلقاء نظرة موضوعية على الواقع العربي ، الراهن ، تنبئ ، أن السلطات ، في الدول العربية ، قد ، تشعبت أجهزتها ، وتوسعت ، واستقرت ، وباتت ، تطبق بقوة ، على مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، معاً ، وتمعن فيهما تخريباً وإفساداً ...، وبالتالي ، فإن ، الخطوة الأولى ، تبدأ ، باستعادة بناء مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة .. ، وذلك ، بالتعامل الإيجابي ، مع الواقع ، لهذا كله ، نقول ، أن "الطليعة العربية" ، تنظيماً قومياً ، لا مركزياً ، ولهذا ، قلنا ، أن المؤسسات الحزبية ، "للطليعة العربية" ، في الأقطار العربية ، سيتم تأسيسها ، وبنائها ، وفق الظروف الموضوعية ، في ، كل دولة عربية ، على حدة ، حيث ، ستناضل "الطليعة العربية" ، مع قوى النهضة ، والتنوير الأخرى ، بالتحالف ، أو بالتنسيق ، أو بالتنافس ، لصيانة ، النسيج الاجتماعي ، في ، "الدولة المعنية" ، وكذلك ، بالمشاركة ، الفاعلة ، والإيجابية ، لبناء ، النقابات ، والاتحادات المهنية ، وسائر مؤسسات المجتمع المدني ، ديمقراطياً ، ثم ، المساهمة ، إيجابياً ، في سائر النشاطات ، لإعادة ، الحيوية ، والاحترام ، والمصداقية ، لمؤسسات الدولة ، والنضال ، مع سائر القوى الحية ، في المجتمع ، لتحقيق ، قيام ، سلطات ديمقراطية ، والعمل ، لتطوير الدساتير ، والقوانين ، والأنظمة ، واللوائح ، ديمقراطياً ، بحيث ، يتم ، بناء الدولة ، العادلة ، دولة ، المواطنة ، والمساواة ، بهذا ، تتحول مؤسسات الدول القائمة ، في الوطن العربي ، من ، حواجز شائكة ، على طريق الوحدة العربية ، إلى ركائز متينة ، لبناء ، الدولة القومية ، الواحدة ، للأمة العربية ، التي ، لن ، تقوم إلا بالاختيار الديمقراطي ، الحر ، والنزيه . فالوحدة العربية ، في الظروف الراهنة ، وبعد التجارب المرة ، لن تتحقق بالضم ، ولا بالاحتلال ، ولا بالانقلابات ، ولا بالقوة ، ولا بالاستبداد ، وإنما ، للوحدة العربية ، في الظروف الراهنة ، طريق وحيدة ، تتمثل برفع القيود ، والعوائق ، عن المجتمع العربي ، ليستعيد حريته ، وإرادته الحرة ، عندها ، وعندها فقط ، لن ، تستطيع قوة ، في الأرض ، من ، الحيلولة ، بينه ، وبين ، تحقيق ، وبناء ، دولة الوحدة العربية .....

( 28 )

هكذا ، تنطلق "الطليعة العربية" ، من ، مبدأ الديمقراطية ، في الأجزاء ، إلى الديمقراطية ، على ، الصعيد القومي . ولهذا ، فإن التعامل ، مع الواقع ، لتحقيق الغايات ، المشار إليها ، اقتضى ، أن ، تؤسس ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، في الأقطار العربية ، ضمن الحدود ، القائمة ، "للدول العربية" ، وأن ، تمارس "الطليعة العربية" ، مهامها ، ونضالها ، وترسم خططها ، وتحالفاتها ، وفق الظروف الموضوعية ، المحلية ، في كل دولة عربية ، على حدة ، بينما تبقى ، "المؤسسات القومية" ، للطليعة العربية بدءاً ، من المؤتمر التحضيري ، إلى المؤتمرات القومية ، في مرحلة التجزئة ، وانتهاء ، بالمؤسسات ، التي ، تنتج عنها ، مؤسسات ، إعدادية ، تنسيقية ، ذات ، طابع فكري ، وثقافي ، وتقني ، إلى ، أن ، تقوم ، دولة الوحدة العربية ، عندها ، وعندها فقط ، تفرز ، مؤسسات الطليعة العربية ، مؤسساتها القومية ، التشريعية ، والتنفيذية ، التي ، يناط بها ، التعامل ، مع ، المؤسسات القومية ، للدولة العربية الواحدة ، ترشيحاً ، وانتخاباً ، وخططاً وبرامج ... ، ورؤى مستقبلية ......

هذا ، ليس تراجعاً ، كما ، قد يتصور البعض ، عن النهج القومي ، إلى الاعتراف بالدول القائمة ، وإنما ، هو ، تعامل إيجابي ، مع الواقع الموضوعي ، كما هو ، الآن ، في الوطن العربي ، للانطلاق ، مما هو ، كائن ، وبما ، هو ، متاح ، إلى ، الغايات الكبرى .. وهذا ، حصيلة تجارب مرة ، رسّخت في الواقع العربي ، أوضاعا مستجدة ، تختلف ، اختلافا ، بيّنا ، عن الظروف الموضوعية ، التي واجهت الأجيال السابقة ، من ، القوميين العرب ، الرواد ، فالانقلاب على مؤسسات ، بعض ، الدول العربية ، والاستئثار ، بها ، من قبل ، بعض القوى القومية العربية ، لم يؤدي ، إلا ، إلى ، استنقاع ، تلك القوى ، في السلطات ، التي ابتلعتهم ، فتشوهوا ، كقوميين عرب ، ولوثوا ، المبادئ ، التي حملوها ، ودمروا ، مؤسسات الدول ، التي سيطروا عليها ..، ليس ، لمصلحة دولة الوحدة العربية ، وإنما ، لمصلحة تدمير النسيج الاجتماعي ، المجزأ ، أصلا ، المطلوب ، الآن ، البدء ، من المجتمع العربي ، المجزأ ، كما هو ، بإعادته إلى المواطنة ، إلى مؤسسات الدول ، بتنظيفها من التسلط ، والفساد ، ثم ، إلى مؤسسات دولة الأمة ، الواحدة .. ، وذلك ، عن طريق ، مجتمع ، مواطنة ، ديمقراطي ، ثم ، مؤسسات دول ، ديمقراطية ، ثم ، مؤسسات دولة عربية واحدة ، ديمقراطية .. ، حيث ، لا قهر ، ولا استبداد ، ولا استئثار ، ولا إقصاء ، ولا استئصال ، ولا تفرد ..

( 29 )

لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، ستنطلق ، ببرنامج شامل ، لشتى مجالات الحياة ، يتضمن برامج تفصيلية ، في مختلف الفروع ، تسعى لتحقيقها ، من موقع الإدارة ، إذا ، تم اختيارها ديمقراطياً ، لها ، وتسعى ، بذات القوة ، والحماس ، من مواقع المعارضة ، إذا ، كانت هذه ، إرادة المواطنين .. ، ذلك ، أن "الطليعة العربية" ، لا تكتفي ، بالإشارة إلى الأخطاء ، والخطايا ، وتوجيه الانتقاد للآخرين ، وإنما ، قبل ذلك ، ومعه ، وبعده ، تقدم ، الحلول الصحيحة ، للمشكلات ، وتسعى لتنفيذها ، بالعمل ، وتصفق لمن ينفذها ، ولو كان من الخصوم ، وتساهم في البناء المادي ، والمعنوي ، بحيث ، يتم تصويب أداء مؤسسات الدول في الأجزاء ، لتكون ركائز ، قوية ، تقوم عليها ، مؤسسات ، دولة الوحدة العربية ، فتوفر ، بذلك ، الكثير من الجهد ، والإمكانيات ......

لقد ، أثبتت التجربة المرة ، بما لا يدع ، مجالاً للشك ، أن ، إهمال الواقع المحلي ، في الأجزاء ، والعزوف ، عن المشاركة ، فيه ، بحجة ، التطهر من الواقع الإقليمي ، ورفع الشعارات القومية ، لمحاربة الإمبريالية ، والصهيونية ، لن ، يؤدي ، إلا ، إلى ، أن ، ذلك الواقع ، يصبح ، مستباحا ، مفتوحاً ، لشتى ضروب الفساد ، والإفساد ، والاستبداد ، والتخلف ، وبالتالي ، مفتوحاً ، لكل ، ما تريده الإمبريالية ، والصهيونية .

"الطليعيون العرب الجدد" ، يحددون خط البداية ، من الواقع ، المر ، إلى الأمة في دولتها القومية ، إلى الإنسانية ، متمثلة بمؤسسات دولية ، عادلة .. ، وليس العكس ..

هكذا ، سيكون ميلاد "الطليعة العربية" ، علامة فارقة ، في التاريخ العربي المعاصر ، وإذا ، كان "الطليعيون العرب الجدد" ، سينطلقون إلى أهدافهم ، في وقت واحد ، إلا ، أنهم ، سيتقدمون ، باتجاه أهدافهم ، بتفاوت ، يتعلق ، بإمكانياتهم الذاتية في الأجزاء ، وبالواقع الموضوعي ، في ، كل جزء .. ، هنا ، سيكون على الأجزاء ، التي تتقدم ، أن تتحول إلى رافعة للأجزاء المتعثرة ، وليس العكس ، بمعنى الابتعاد عن محاولات الإلحاق والضم ، والانتقال إلى مبدأ المساواة تحت مظلة النظام العام في دولة الوحدة العربية ، وطوبى ، لمن ، يتقدم الصفوف ..

( 30 )

باختصار شديد ، سيتم ، الميلاد ، بتأسيس ، مؤسسات "الطليعة العربية" في "الدول العربية" ، وفق ، الأسس القانونية ، والدستورية ، في ، كل دولة عربية على حدة ، حيث ، ستعتمد مؤسسات الأجزاء ، الوثيقة التأسيسية القومية ، وستطرحها للنقاش ، والتعديل ، لكن ، إضافة إلى ذلك ، وبالتزامن مع ذلك ، ستعتمد مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء ، وثيقة تأسيسية ، خاصة ، بكل جزء ، تعالج ظروفه ، ومشكلاته الخاصة ، وستأخذ المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الأجزاء ، من المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، كل ، ما تستطيع ، تلك المؤسسات القومية ، تقديمه ، وستعطي ، تلك المؤسسات ، في الأجزاء ، مقترحاتها الفكرية ، وكل ما يفيض عن حاجتها المحلية .. وفي المجالات كافة .. للمؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، وسيتم ، ذلك كله ، وفق ، لوائح محكمة ، وواضحة ، ومحددة ..

إن "الطليعة العربية" ، وبعد دراسة ، وتقييم الواقع الموضوعي ، في الوطن العربي ، وبعد استقرار مؤسسات دول التجزئة ، فإن "الطليعة العربية" ، لن تتعامل ، مع تلك المؤسسات ، بمنطق العنف ، أو الثورة ، أو الانقلاب ، أو التدمير ، وإنما ستتعامل ، معها ، على أنها مؤسسات أمر واقع ، من مصلحة الأجزاء ، ومن مصلحة الأمة ، المساهمة ، في ، بناء تلك المؤسسات ، بناء سليماً ، لتكون ركائز البناء ، على الصعيد المحلي ، وعلى الصعيد القومي ، وبالتالي ، فإن "الطليعة العربية" ، ستساهم في شتى النشاطات ، والنضالات الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والاقتصادية ، لبناء مؤسسات فاعلة ، وعادلة ، على صعيد المجتمع ، والدولة ، في الأجزاء ، وهي ، ذاتها ، ستكون الركائز الصلبة ، لدولة الأمة الواحدة .. ، إن ، "الطليعة العربية" ، بذلك ، تسد كافة الذرائع ، أمام الفتن الداخلية ، وتزيل مبررات العنف ، المدمر ، فتزول ، مبررات العنف المضاد ، وتبدأ "الطليعة العربية" ، بترسيخ الانتماء القومي ، للأمة العربية ، بمكوناتها المتنوعة ، على أسس ، ومبادئ ، ومرتكزات ، جذورها ثابتة في الأرض ، وقادرة ، على حمل جذوع ، وأغصان ، تصمد في وجه ، أعتى ، العواصف ، فالمواطنة ، في الأجزاء ، التي ، تنتج مؤسسات ، في المجتمع ، وفي الدولة ، تحقق العدالة ، والمساواة ، والديمقراطية ، والتكافل الاجتماعي ، وحدها القادرة على شق الطريق إلى الوحدة العربية ، فالحرية ، وحدها ، يمكن ، أن تفتح الباب ، واسعا ، أمام الجماهير العربية ، كي ، تصل بذلك ، وديمقراطياً ، إلى مؤسسات الدولة الواحدة ، للأمة العربية ، وهذا ، يقتضي ، ترسيخ مبدأين أساسيين ، لا تحيد ، عنهما ، "الطليعة العربية" .

( 31 )

المبدأ الأول : إن ، الانتقال من الدولة ، في جزء ، ما ، من الوطن العربي ، إلى الأسمى ، في الدولة القومية عن طريق الوحدة بين قطرين أو أكثر وصولاً إلى الوحدة العربية الشاملة ، لا يتم قهراً ، ولا قسراً ، مهما ، كانت الظروف ، وإنما ، يتم ، بالديمقراطية ، وبالاختيار الحر المباشر من الشعب ، في ذلك الجزء ، وأن ، إنابة ، الشعب العربي ، للطليعة العربية ، في ، أن ، تتحمل مسؤولية إدارة السلطات ، في ، دولة ، ما ، من الوطن العربي ، لا يعطيها الحق ، في ، أن توحد تلك الدولة ، مع ، دولة عربية أخرى ، أو ، مع عدة دول عربية ، إلا بعد العودة إلى الشعب ، في ، ذلك الجزء ، لأنه ، وحده صاحب القرار .. ونحن ، إذ ، نؤكد على هذا المبدأ ، نؤكد ، في الوقت ذاته ، أن ، هذا الاختيار ، من قبل هذا الجزء ، من الشعب العربي ، ليس اختياراً ، بين ، انتمائه للأمة العربية ، أم ، لا .. ، فالانتماء للأمة ، ليس اختياراً .. ليستفتى الناس ، حوله .. ، وإنما ، الاستفتاء ، هنا ، على شكل الدولة ، وطريقة الحكم ... وإلى آخره ، وحسب ....

( 32 )

المبدأ الثاني : أن ، "الطليعة العربية" ، بهذه المساهمة الفاعلة في الأجزاء ، تعيد الحيوية ، والقوة ، للنسيج الاجتماعي ، وتعيد للمواطنة ، الحقة ، ألقها ، وبالتالي ، يتم تحصين مجتمعات الأجزاء ، من الصراعات المدمرة ، والفتن القذرة ، ومؤامرات تحطيم الأجزاء ، إلى الأدنى ...، وهذه شروط أساسية لتفعيل "قانون الجدل الاجتماعي" ، وبدون تحقيق ذلك ، سنكون أمام عقم ، وعجز تام عن إنجاب التطور ، وفي مثل تلك الحالة ، لن ، تتحقق "دول وطنية" ، في الأجزاء ، كما يسعى البعض ، ولن ، نحقق "الدولة القومية" ، كما نحلم ، نحن ، وإذا ، كانت "الطليعة العربية" ، قد ، حددت الديمقراطية ، أسلوباً ، وممارسة ، للسمو ، بمؤسسات ، "دول الأجزاء" ، والمساهمة مع كافة القوى الحية ، في الأجزاء ، لتنظيف تلك المؤسسات ، من ، لوثة التسلط ، والفساد ، وبالتالي ، تجهيزها ، كنواة ، لمؤسسات "الدولة القومية" ، لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، في الأجزاء ، ستتحالف ، مع سائر قوى النهضة ، والتنوير ، في المجتمع ، وفي أجزائه ، اعتماداً على احترام القوانين ، والنظام العام ، لمواجهة جميع أشكال التخريب الداخلي ، والفتن المحلية ، وصراعات التخلف ، والانحلال ، والفوضى ، من ، أول الصراعات المذهبية ، والطائفية ، والدينية ، إلى آخر الفتن ، الإثنية ، والمناطقية .. ، مرورا ، بمواجهة توحش رأس المال ، الطفيلي ، والمسروق ، والمافوي ، الذي أنتج ، مليونيرات ، الصدفة ، والفساد ، والفهلوة ، وإلى آخرهم ...

( 33 )

خامساً : "الطليعة العربية" ، في ، كل جزء ، من أجزاء الوطن العربي ، هي ، حزب سياسي ، مشروع ، أو ، تحت التأسيس ، يسعى للحصول على المشروعية ، يتم تأسيسه استناداً إلى المنظومة الدستورية ، والقانونية ، والتشريعية ، في الأجزاء ، ويمارس نشاطاته ، السياسية ، تحت سقف القانون ، ويقوم ، بصياغة وثائقه التأسيسية ، والتنظيمية ، والحركية ، بما يتلاءم ، مع القوانين ، والأنظمة النافذة ، وهو ، مشروع ، وشرعي ، بمعنى :

1 - في ، "الدول العربية" ، التي ، تتيح قوانينها ، وأنظمتها النافذة ، تأسيس الأحزاب ، تتقدم " الطليعة العربية " ، بوثائق التأسيس ، وفق الشروط ، والتعليمات النافذة ، حتى ، ولو كانت مجحفة ، ذلك ، أن "الطليعة العربية" تستمد مشروعيتها ، من ، التعامل مع القوانين ، والأنظمة النافذة ، كما هي ، ثم تعمل ، بكافة الوسائل ، والسبل المشروعة ، على تغييرها ، وإزالة ، ما فيها ، من حيف ، وخلل ، و"الطليعة العربية" ، بذلك ، تكون تنظيماً ، شرعيا ، ومشروعاً .

2 - في "الدول العربية" ، التي ، تقيد تأسيس الأحزاب ، فيها ، بموجب قوانين استثنائية ، أو قوانين طوارئ ، أو غير ذلك .. يتم ، تأسيس "الطليعة العربية" ، وتعلم السلطات المختصة ، في ذلك الجزء ، بذلك ، وتبقى قيد التأسيس إلى ، أن تسمح القوانين ، بمنح الترخيص القانوني ، اللازم ، و"الطليعة العربية" في هذه الحالة ، حتى ، وهي ، في مرحلة التأسيس ، تكون حزباً ، شرعيا ، ومشروعاً .

3 - في "الدول العربية" التي ، لا تتيح الأنظمة ، فيها ، قيام مؤسسات حزبية ، فإن "الطليعة العربية" ، تعلن عن بدء نشاطها ، وأنها ، تحت التأسيس ، وتعلم السلطات المختصة ، بذلك ، وتودعها صورة عن وثائقها ، وأهدافها ، وتبقى تناضل ، مع سائر قوى النهوض ، والتنوير ، في ذلك الجزء ، لتشريع الممارسة السياسية ، للأحزاب ، و"الطليعة العربية" ، بذلك ، بدءا ،ً من مرحلة التأسيس ، وحتى الحصول ، على الترخيص القانوني ، تكون حزباً ، شرعيا ، ومشروعاً ..

4 - في ، الأجزاء العربية ، المحتلة بغزو خارجي ، أياً ، كان مصدره ، فإن "الطليعة العربية" ، تمارس نشاطها ، على مستويين :

المستوى الأول : يتم تأسيس "الطليعة العربية" ، كحزب سياسي ، يمارس شتى ضروب النضال السياسي ، والثقافي ، والاجتماعي ، والجماهيري . وفق التشريعات ، التي ، تحكم العمل السياسي ، تحت الاحتلال ....

المستوى الثاني : يقوم حزب "الطليعة العربية" ، بتغذية المقاومة ، ضد الاحتلال ، التي تضم مقاومين ، من كافة ، عناصر المجتمع ، وفصائله ، وأحزابه ، بما في ذلك ، بل ، في المقدمة ، منها ، "الطليعة العربية" ، التي تمد المقاومة ، بالكوادر المقاومة ، الشهيدة ، وبالإمكانيات المادية ، وعندما تنجز عملية التحرير ، ويزول الاحتلال ، تعود كوادر "الطليعة العربية" ، إلى ، أطرها الحزبية ، الديمقراطية ، المدنية ..لتناضل ، وفق نواميسها ........

قد ، يقول البعض ، وهل ، ستسمح الأوضاع المعقدة القائمة ، في الوطن العربي "للطليعيين العرب" ، بهذه البساطة ، أن ، يمارسوا نضالهم ، باتجاه أهدافهم ...؟ ، وكم ، من القوى ، ستتأذى من ذلك ، وبالتأكيد ، لن ، تقف مكتوفة الأيدي ....؟؟؟ ، نقول ، أن ، ذلك ، التساؤل ، محق ، لكننا ، نقول في الوقت ذاته ، أن "الطليعيون العرب الجدد" ، لا ينتظرون السماح ، من أحد ، ولا يخشون مواجهة الظروف المعقدة ، وأنهم ، يدركون ابتداء ، أن ، طريقهم إلى الحرية ، بمعناها الشامل ، ليست مفروشة بالورود ، ولهذا ، فقد أعدوا أنفسهم ، لتقديم التضحيات في شتى المجالات ، والحرية ، والأهداف النبيلة ، أثمن من أي ثمن ....

( 34 )

سادساً : "الطليعة العربية" ، تنظيم علني ، في المراحل كلها ، وفي شتى الظروف ، يعتمد ، الشفافية الكاملة ، في ، بناء مؤسساته الحزبية ، وفي تعامله مع الغير ، أياًُ كان ، فليس ، "للطليعة العربية" ، أفكاراً تخجل من إعلانها ، أو تخاف عليها من الإعلان ، "فالطليعيون العرب" ، يمتلكون الشجاعة الكافية ، لإعلان أفكارهم ، ورؤاهم ، وممارستها ، والدفاع عنها .. وبالتالي ، "فالطليعة العربية" ، مؤسسة حزبية ، علنية ، في "دول الأجزاء الديمقراطية" ، علنية ، في "دول الأجزاء المحكومة بالاستبداد" ، علنية ،في "دول الأجزاء المحكومة بالأجهزة الاستثنائية" ، حتى ، في الأجزاء العربية المحتلة ، فإن "الطليعة العربية" ، كمؤسسات حزبية تتسم ، بالشفافية ، والعلانية ، فقط ، كوادر الطليعة العربية ، في الأجزاء المحتلة ، الذين يلتحقون بالمقاومة ، فإنهم ، وابتداء من ذلك ، يخضعون ، لنواميس المقاومة ، وقوانينها ، وعندما ، ينجز التحرير ، ويزول الاحتلال ، تعود كوادر "الطليعة العربية" ، إلى مؤسساتها ، المدنية ، الحزبية الديمقراطية ، العلنية ، وفق لوائحها ..

إن ، هذا ، يرتب على "الطليعة العربية" ، مسؤوليات إضافية ، إلا ، أن التجارب المرة ، التي مرت ، على مؤسسات النهوض والتنوير ، في الوطن العربي ، أثبتت ، أن ، العلنية ، شرط للديمقراطية ، في المؤسسات الحزبية الديمقراطية ، وأن ، العلنية ، هي السلاح الأمضى ، حتى ، في مواجهة ، الاستبداد وأجهزته .. وهذا ، يحتم ، على "الطليعة العربية" ، أن تدفع ثمن النضال ، من أجل الأهداف السامية ، التي تعلنها ، وأن ، تقدم التضحيات الجسام ، على الطريق ، باتجاه تلك الأهداف .. ولهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، تواجه ، حتى ، سجانيها ، بأفكارها ، ومبادئها ، وتحاورهم ، بما ، تؤمن ، به ، وتدعوهم إلى الكلمة السواء ، دون مواربة ، فبقدر ، ما يظهر "الطليعيون العرب" من ثبات ، وإصرار ، وعقائدية ، وإيماناً ، بالمبادئ ، والأهداف ، بقدر ، ما ينالون الاحترام ، من جميع القوى ، وربما ، يفتحون ، بذلك ، أبواباً ، للنجاة ، من الفتن ، والتخلف ، والتسلط ، وممارسة الظلم ، بدعوة الجميع ، للسير في الطريق ، القويم ، والكف عن التوحش ، والقمع .. ، ذلك ، أن الأسلوب الأمثل ، لمواجهة أجهزة القمع ، في الوطن العربي ، يكون بتفكيكها ، فالطليعة العربية ، ترى ، في ، كل مواطن عربي ، مشروع طليعي عربي ، حتى ، ولو كان ، بحكم وظيفته ، سجاناً، فالطليعي العربي ، أولا ، وقبل كل شيء آخر ، داعية ، لأفكاره ، ومبادئه ، وتوجهاته ، في ، أي ، موقع كان ، سواء ، في مؤسسات المجتمع ، أو في مؤسسات "الدولة" ، أو حتى في السجون ، .. ويمارس ، هذا كله ، بشفافية ، ومصداقية ، فيحقق من خلال ذلك الانسجام الإيجابي ، بين ، سلوكه ، وممارسته ، بين ، مبادئه ، وأهدافه ..

( 35 )

سابعاً : "الطليعة العربية" ، حزب سياسي ، يعتمد الوسائل السلمية ، حصراً ، في مجمل نشاطاته ، وممارساته ، فالطليعة العربية ، تدرك ، من خلال التجربة المرة ، هشاشة النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، بفعل ، تداول أحكام السيطرة على الوطن العربي ، بين الغزاة ، والمستبدين ، ولفترات زمنية مديدة ، وهذا يعني ، أن العنف ، في حال اللجوء إليه ، مهما ، كانت الأهداف نبيلة ، فإنه ، قد يفجّر ، سلسلة متوالية ، من ، العمليات العنيفة ، وفي ، اتجاهات مختلفة ، لا يمكن حصرها ، قد تؤدي ، إلى شتى أنواع الفتن ، والتخريب الاجتماعي .. وهذا ، يعني أن "الطليعة العربية" ترفض العنف ، انطلاقاً من أسس ، ومباديء ، واستراتيجية واضحة، لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، لا تلجأ إلى العنف ، كخيار ، ولا تلجأ ، إلى العنف ، حتى ، كرد فعل ، مهما ، تعرضت للقمع ، والاضطهاد ، والاستهداف ، فالطليعة العربية ، سترد على العنف ، بالدعوة إلى الحوار ، وبمحاولة ، سد الذرائع ، لمنع استعمال العنف ، في المجتمع ، وبالترجمة العملية ، لهذا المبدأ ، فإن "الطليعة العربية" ضد العنف المادي ، والمعنوي ، بين ، مؤسسات المجتمع الحزبية ، وغير الحزبية ، وهي ، تواجه العنف ، الذي ، قد تمارسه عليها ، سلطات القمع ، بالدعوة ، إلى الإصلاح ، والحوار ، والاحتكام إلى القواعد القانونية ، والدستورية ، وبالدعوة ، إلى الكلمة السواء ... وكوادر "الطليعة العربية" ، يملكون الشجاعة الكافية ، بدون خوف ، وبدون تهور، للجهر بالحق ، على رؤوس الأشهاد ، ويملكون الإرادة ، للتضحية ، والاستعداد ، ليكونوا دائماً ، رموزاً ، يقتدى ، بها .. في سائر المواقف ، والمواقع ... ، ونؤكد ، في هذا المجال ، أن ، الشجاعة ، مع ، الضوابط ، السلمية ، والموضوعية ، والعلنية ، والعقلانية ، أكثر مضاء ، من "شجاعة" ، العنف ، والتهور ، ومن القتل المجاني ، ومن التضحية المجانية ، إن ، هذه الشجاعة النبيلة ، التي ندعو إليها ، لا تتحقق ، إلا بشروط إنسانية ، بالغة السمو ، والصلابة .. ، والوعي ، وهذا ، ما يميزها ، وهذا ، ما تسعى "الطليعة العربية" ، لتحقيقه ، في ذاتها ، أولا ، ومن ، ثم ، تحاول ، أن تكون رافعة ، للنهوض ، بالمجتمع العربي ، إلى ، حيث يستحق ....

غني ، عن القول ، أن هذا المبدأ عن ، سلمية ، ممارسات أنشطة "الطليعة العربية" ، يندرج ، على الممارسة السياسية ، في "الدول العربية" ، أما ، في حالة الأجزاء العربية الرازحة تحت الاحتلال ، فإن ، المقاومة ، لا تكون حقا للمواطنين ، وحسب ، وإنما ، واجب مقدس ، أيضاً ، و"الطليعة العربية" ، كما أسلفنا ، تساهم مع فصائل ، وقوى المجتمع الحية ، في ، تأسيس ، وبناء المقاومة ، ومن أساليب المقاومة ، العنف ، العنيف ، لكن ، هذا ، وكما قلنا ، يخضع لنواميس ، وقوانين ، وضوابط ، المقاومة ، ومؤسساتها ، وبالتالي ، فإن كوادر "الطليعة العربية" ، الذين ينتسبون ، للمقاومة ، يخضعون ، لضوابطها ، ويمارسون ما تقتضيه ظروف مقاومة العدوان ، لكن ، هذا الوضع ، ينتهي ، بمجرد التحرير ، ورحيل العدوان ، فتعود كوادر "الطليعة العربية" ، إلى ، حزبها ، السياسي ، السلمي ، العلني ، والانضباط ، بنواميسه ، ومنها ، احترام مبدأ السلمية ، في ، الممارسة السياسية ....

( يتبع ... البيان ... "14" ... )

* حبيب عيسى

Email:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-05-2009 04:26

على بســــــــاط الثــــلاثاء40
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

40

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ... "14" ...



" الطليعة العربية ..."

من ديمقراطية البنية الحزبية

إلى الديمقراطية على مستوى الأمة...



( تتمة ... "14" ... البيان ...)

( 36 )

ثامناً : "الطليعة العربية" ، حزب ديمقراطي ، من مرحلة التأسيس ، وإلى اكتمال المؤسسات الحزبية ، في "الدول العربية" ، ثم ، من خلال الممارسة ، باتجاه الأهداف ، وصولاً إلى ديمقراطية المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، يترتب على هذا ، أن تضع المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في كل دولة عربية ، لوائح تنظيمية ، تنفيذية ، صارمة ، تحدد شروط الانتساب إلى "الطليعة العربية" ، ثم ، ضوابط العضوية ، ثم ، قواعد ، وأسس بناء المراتب الحزبية ، وضوابط الترشيح ، والانتخاب لشغلها ، والتداول في جميع مراتب "الطليعة العربية" ، من القاعدة ، وإلى المراتب العليا ، بحيث ، يتم الحفاظ على دورة الحياة في تلك المراتب ، وبحيث ، يتم التغيير دورياً في شتى المراتب الحزبية ، فالطليعة العربية ، لا تعتمد على فرد ، ولا على جماعة ، بعينها ، وبالتالي ، فإن الاستثناءات ، والاحتجاج بالظروف الموضوعية ، والاستثنائية ، غير مسموح ، به ، في هذا الشأن ، فلا يوجد في "الطليعة العربية" كادر ، لا بديل له ، أو ، لا يمكن الاستغناء عنه ، أو يجب الاحتفاظ ، به ، في موقع معين ، خارج المدة المحددة في اللوائح التنظيمية ، والتي ، يجب أن تحدد الفترة الزمنية المحددة ، في كل مرتبة تنظيمية ، وأن يمنع التجديد ، أو التمديد ، لأي سبب ، من الأسباب ... ، وفي أي موقع ، من مواقع "الطليعة العربية" ، إن هذا المبدأ ، في غاية الأهمية ، لإعادة الاحترام ، للمؤسسات الحزبية ، في الوطن العربي ، والتي تحولت ، بفعل عوامل عديدة ، أشرنا إليها في فقرات سابقة ، إلى شلل تتشرنق حول شخص معين ، تكنىّ باسمه ، ويحّركها حيث يشاء ، أكثر منها ، مؤسسات حزبية ، تتخذ قراراتها ، وفق أسس تنظيمية ، وديمقراطية دقيقة ، ومحترمة ...

( 37 )

إن "الطليعة العربية" ، إذ ، تلح على الديمقراطية ، كنهج في التأسيس ، والممارسة ، والعلاقة الداخلية ، في شتى المراتب التنظيمية ، فإنها ، ولضرورة التعامل مع الواقع ، فإن المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، ستعتمد النهج الديمقراطي ، تأسيساً ، وممارسة في الدول العربية ، وفي المهاجر ، والمغتربات ، على السواء . أما ، المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، فقد أشرنا ، إلى ، أنها ، ستبقى في مرحلة الإعداد ، والتحضير ، والتأسيس ، لفترة زمنية ، تمتد إلى أن تقوم دولة الوحدة العربية ، ولهذا ، فإن المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، بدءاً من "المؤتمر القومي" ، الذي ، هو ، الأساس في البنية القومية ، للطليعة العربية ، يخضع لمعايير خاصة ، في مرحلة التحضير ، والتأسيس ، ويمكن ، وضع اللوائح ، لتشكيل ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر التأسيسي ، ثم ، المؤتمر التأسيسي للمؤتمر القومي الأول ، وهذا يقتضي أن يتم التشكيل ، بسبب الظروف ، بالغة التعقيد ، المتعلقة بالتجزئة ، والتي ، لا تسمح بالاختيار ، ديمقراطيا ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر التأسيسي ، لهذا ، فإن اجتياز مرحلة التأسيس ، تتم على مراحل أربع :

المرحلة الأولى : مرحلة ، المؤتمر التحضيري ، وتبدأ ، بالتزامن مع تأسيس المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في "الدول العربية" ، ويتم تشكيله ، من ، الطليعيين العرب ، الذين يواجهون ظروفاً موضوعية ، وذاتية ، تحول بينهم ، وبين ممارسة العمل السياسي ، التأسيسي في المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في دولهم ، سواء ، بسبب تقدمهم في السن ، أو ، لأسباب موضوعية أخرى ، تحول بينهم ، وبين ممارسة العمل السياسي ، اليومي ، في بلدانهم ، تنظيماً ، وحركة ... ، وتكون البداية ، بتأسيس "لجنة تنسيق قومية" ، من هؤلاء الشيوخ القوميين ، الذين سينذرون أنفسهم لهذه المهمة ، وسيختارون ، بعضهم ، البعض ، فتعّد ، تلك اللجنة ، الوثائق ، وتضع برنامجاً زمنياً ، لإنجاز مهامها ، وتتلقى الترشيحات ، والمقترحات ، من سائر أرجاء الوطن العربي ، وتقوم اللجنة ، بالتنسيق بين "مؤسسات الطليعة العربية" في الأجزاء ، وتضع مشروع جدول أعمال للمؤتمر التحضيري ، توزعه على مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء وتتلقى الردود والتعديلات المقترحة ، ثم ، وبناء على ذلك كله ، تحدد اللجنة ، مكان ، وزمان انعقاد ، المؤتمر التحضيري ، للمؤتمر القومي ، التأسيسي ، للطليعة العربية .

المرحلة الثانية : وتبدأ ، بانعقاد المؤتمر التحضيري ، من ، الذين رشحتهم مؤسسات "الطليعة العربية" في الأجزاء ، وهي مؤسسات ديمقراطية كما أسلفنا ، وبالتالي فإن المعيار الديمقراطي اعتباراً من المؤتمر التحضيري هو الواجب الإتباع في المؤسسات القومية للطليعة العربية ، حيث كان ذلك ممكناً ، وحيث ، يسلم الشيوخ الراية إلى الجيل العربي الجديد ، وحيث يضعون أنفسهم بتصرف المؤتمر التحضيري ، والجيل الشاب ، وليس العكس ، وحيث ، النهج الديمقراطي ، هو ، الذي يحكم اجتماعات "المؤتمر التحضيري" بدءاً ، من إقرار الوثائق ، واتخاذ القرارات ، إلى انتخاب "لجنة تنسيق قومية" جديدة ، يتم تفويضها ، لفترة زمنية محددة ، في تنفيذ جدول أعمال ، يتم إقراره ، في المؤتمر التحضيري ، يحدد فترة زمنية ، لا تتجاوز السنتين ، للإعداد ، وانعقاد المؤتمر التأسيسي القومي الأول للطليعة العربية ، إضافة إلى مهام تأسيس ، مؤسسات قومية تخصصية ، في المجالات كافة ، وتسمية أعضاء المؤتمر التأسيسي القومي الأول ، بعد إقرار ذلك كله من المؤتمر التحضيري ، الذي يجتمع كل ستة أشهر ، على الأكثر ، لمراجعة ، ما تم تنفيذه ، ومواجهة المستجدات .

المرحلة الثالثة : وتبدأ ، بانعقاد المؤتمر التأسيسي القومي الأول ، الذي ينجز جدول الأعمال ، المعّد ، من قبل المؤتمر التحضيري ، وينتخب ، ديمقراطياً ، لجنة تنسيق قومية ، تكون مسؤولة أمام المؤتمر التأسيسي ، الذي يجتمع دورياً ، والمؤتمر التأسيسي القومي ، سيد نفسه ، بحيث يضع اللوائح ، لتداول العضوية فيه ، دورياً ، وإعادة انتخاب لجنة التنسيق القومية ، دورياً ، المرة ، تلو المرة ، حتى اختتام مرحلة التأسيس ، وتقييم ، ومتابعة تنفيذ المقررات الصادرة عنه ، وذلك ، إلى أن تقوم ، دولة الوحدة العربية .

المرحلة الرابعة : وتبدأ ، بعد إقامة دولة الوحدة العربية ، حيث يكلف المؤتمر القومي التأسيسي ، لجنة التنسيق القومية ، بإعداد اللوائح ، والأنظمة اللازمة ، لانتخاب "المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية" من قبل المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في الأجزاء ، ديمقراطياً ، حيث ، المؤتمر القومي ، منذ تلك اللحظة ، هو الهيئة التشريعية العليا ، للطليعة العربية ، المسؤولة ، تشريعياً ، عن التعامل إيجاباً مع مؤسسات دولة الوحدة العربية ، من أول الترشيح ، والانتخاب ، لمؤسساتها التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية ، وكذلك ، وضع البرامج القومية ، ورسم الاستراتيجيات ، واعتماد ، وثائق "الطليعة العربية" ، التي تم إعدادها ، خلال فترة التحضير ، والتأسيس ، وتحقيق الضبط ، والربط ، والتوفيق ، والتنسيق ، بين مؤسسات "الطليعة العربية" ، وبين ، المؤسسات في دولة واحدة ، ووفق نظام دستوري ، وقانوني واحد ، مع الاحتفاظ ، باللامركزية المدروسة ، بين التقسيمات الإدارية ، للواقع الجغرافي ، والديموغرافي ، لمجتمع ، ووطن ، دولة الوحدة العربية ، وبحيث ، تتطور المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، بما ، يتلاءم مع التقسيمات الإدارية ، لدولة الوحدة العربية ...

( 38 )

هناك ، ملاحظة على هذا المشروع ، وهي ، أن المرحلة التحضيرية ، للمؤتمر التأسيسي القومي ، وكذلك ، مرحلة المؤتمر التأسيسي القومي ، وهي المرحلة ، التي ، قد تطول زمنياً ، تكون بنية المؤتمر التحضيري القومي ، معيبة ديمقراطياً ، إلى حد ، ما ، لأن ، أعضاء المؤتمر ، لا يتم انتخابهم ديمقراطياً ، ومباشرة ، من المؤسسات الحزبية ، للطليعة العربية ، في الدول القائمة ، وإن كانت تلك المؤسسات هي التي تختار الغالبية منهم ، لكن الظروف المعقدة التي قد تعيق قيام مؤسسات الطليعة العربية في بعض الأجزاء تفرض تمثيل تلك الأجزاء في المؤتمر التحضيري

وهذا ، يتناقض ، شكلاً ، وموضوعا ، مع المبدأ الأساسي ، الذي نعتمده ، في بناء مؤسسات "الطليعة العربية" ، وهو ، النهج الديمقراطي ، دون استثناءات ، أو تبريرات ، ولتوضيح هذه النقطة ، نورد ، النقاط التالية :

1 - إن ، هذا الأسلوب ، يمارس ، حصراً ، في مرحلة تأسيس ، المؤسسات القومية ، قبل قيام مؤسسات دولة الوحدة العربية ، حصراً ، وأن المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول القائمة يتم تأسيسها ديمقراطياً من الألف إلى الياء ... حيث يكون القرار التنفيذي في تلك المرحلة ، طالت ، أو قصرت ، لمؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء ، وهي مؤسسات منتخبة ديمقراطيا ... بينما يقتصر دور المؤسسات القومية قبل قيام دولة الوحدة العربية على التنسيق أساساً بين مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء .

2 - إن ، بناء المؤسسات القومية ، يخضع ، لظروف متنوعة ، متعددة ، بعدد الدول ، والأوضاع المأساوية القائمة ، في الوطن العربي ، وهذا يطرح مسائل ، وتعقيدات ، قد تمنع ، أو تؤخر عمل المؤسسات القومية ، إذا تعذر انتخاب أعضاء المؤسسات القومية ، ديمقراطيا ، في بعض الأجزاء . وهذا ما يجب التعامل معه إيجاباً .

3 - إن ، مرحلة التأسيس ، للطليعة العربية ، في الدول العربية ، لن تسير ، سيراً متوازياً ، في وقت واحد ، فقد ، تقوم ، تلك المؤسسات في دولة ، قبل أخرى ، وقد تتطور في دولة ، وتتعثر في أخرى ، وهكذا لابد من اعتماد أساليب مرنة في مرحلة التأسيس ، بحيث تشكل مؤسسات الطليعة العربية الناشطة في بعض الأجزاء رافعة للمؤسسات المتعثرة في أجزاء أخرى ، وهذا يفرض بناء المؤسسات القومية للطليعة العربية ، في مرحلة التأسيس ، بمن يحضر ، وأن لا نعّطل عمل المؤسسات القومية لأسباب تتعلق بتعثر بناء مؤسسات الطليعة العربية في بعض الأجزاء ، فبناء مؤسسات "الطليعة العربية" في الأجزاء يعتمد على عناصر القوة في المؤسسات القومية ، والعكس صحيح ، فلا ، التأخير ، ممكن انتظاراً للمتعثرين ، ولا تمثيل أجزاء ، دون أجزاء أخرى ، مقبول .

4 - أن ، طبيعة عمل ، ومهام المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، في مرحلة التحضير ، والتأسيس ، إلى أن تقوم مؤسسات دولة الوحدة العربية ، تنحصر ، في التشريع ، والتنسيق ، ويبقى القرار التنفيذي ، للمؤسسات الحزبية الديمقراطية ، للطليعة العربية ، في "الدول العربية".

5 - إن ، المرحلة التحضيرية ، والتأسيسية ، تقتضي ، أن يكون أعضاء المؤسسات القومية ، للطليعة العربية ، متحررين ، تماماً ، من ، أي ، التزامات تنظيمية ، أو حزبية ، في مؤسسات الأجزاء ، لأنها ، قد تعيق تحركاتهم ، إضافة ، إلى ، أن ، أعضاء المؤسسات القومية ، في فترات التحضير ، والتأسيس ، يتمتعون بمواصفات خاصة ، تتعلق ، بظروفهم الموضوعية ، إن ، من ناحية تقدمهم بالسن ، أو ، من ناحية صعوبة ممارستهم للعمل السياسي المباشر في بلدانهم .. ، وهذا يعني ، أن الأولوية ، في تلك المرحلة ، تكون ، لبناء المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، في الأجزاء ، فالكوادر ، القادرة على الممارسة السياسية ، المباشرة ، وتحّمل تبعاتها ، مكانهم ، حصرا ، في النضال ، للبناء التنظيمي ، لمؤسسات "الطليعة العربية" ، في الأجزاء ..

( 39 )

باختصار شديد ، إن "الطليعة العربية" ، وبعد التجارب المرة ، في العقود المنصرمة ، تأسيساً ، وبناء ، ستنطلق ، من قاعدة الهرم ، إلى قمته ، وأن قاعدة الهرم التنظيمي ، للطليعة العربية ، ستكون ثابتة ، على الأرض العربية ، متأصلة ، في الأرياف ، والأحياء ، والمدن ، والبلدان ، ومنها ، سينطلق البناء صعوداً ، حتى القمة ، على مستوى الأمة العربية ... وليس العكس ..!، وستطبق الطليعة العربية ، قاعدة ، أن العمل ، قسمة ، وأن هناك توازي في المسارات ، باتجاه النهضة ، فليتقدم ، كل ، على المسار ، الذي يتناسب ، مع إمكانياته ، وقدراته ، وهذا يقتضي ، وضع لوائح دقيقة ، لعدم تضارب المسارات ، ولمنع أشكال التعدي ، من مسار ، على آخر ، وإعلان طلاق النهج السابق ، الذي كان يقضي ، بإلغاء الخطوط الفاصلة ، بين المسارات ، وتخطيها ، للإمساك بالخطوط كلها ، عن طريق ، يد واحدة ، يدعي صاحبها ، وتقر ، له ، بطانة واسعة ، بأنه القادر على كل شيء ، وأنه ، وحده ، يفهم ، في كل شيء ، وأنه ، الأول في الاقتصاد ، والسياسة ، والثقافة ، والتاريخ ، والجغرافيا ، والقانون ، والاجتماع ، والفلسفة ، والفنون ، وإلى آخره .. وبالتالي ، فإن الخلل ، في تحديد المسارات ، والقوانين الناظمة ، للتحرك عليها ، هو ، أقصر الطرق إلى الديكتاتورية ، والاستبداد ، بالأحزاب ، وبالمجتمعات ، وبالسلطات ، وبالدول ، وبالجماعات ، وحتى ، بالأديان ، والمذاهب ، والفنون .. ، وإلى آخره..

لهذا كله ، فإن "الطليعة العربية" تحصّن نفسها ، بداية ، ضد جميع أشكال التفرد ، والاستبداد ، في مؤسساتها ، ومراتبها ، بالديمقراطية ، أولاً ، وبالفصل ، بين الممارسات ، والسلطات ، ثانياً ، وهذا يتطلب جهداً تأسيسياً ، مضاعفاً ، للانطلاق ، بحيث يعطي ، كل ، كادر أقصى ما يمكن ، في مجاله ، من جهة ، وبحيث ، لا تتضارب المسارات ، من جهة أخرى ، وإنما ، تتناغم جميعها ، باتجاه الهدف ، وفي هذه الحالة ، فإن التفاوت ، في التقدم على المسارات ، يمكن حله ، بالتكافل ، والتضامن ، بحيث ، تصب القوى الفائضة ، في المسارات المتقدمة ، لمواجهة التعثر ، في ، المسارات المتعثرة ..

( 40 )

إننا ، إذ ، نؤكد على البنية الديمقراطية للطليعة العربية ، فإننا نهدف إلى تثبيت مبدأين ، أساسيين :

- المبدأ الأول : أن "الطليعي العربي" عضو "الطليعة العربية" ، بمجرد اكتسابه ، للعضوية في مؤسسة ، من مؤسساتها ، يمتلك الحق ، كل الحق ، في التعبير ، عن آرائه ، ومواقفه ، من مختلف القضايا ، بحرية كاملة ، وأنه ، لا قيد ، على هذه الحرية ، من ، أي جهة كانت ، في "الطليعة العربية" ، أياً كان موقعها ، لكن ، مع احترام الآلية الديمقراطية ، بمعنى ، أن أي قضية ، أو رأي ، أو موقف ، بعد ، أن يشبع نقاشاً ، وحواراً ، داخل المؤسسة المعنية ، للطليعة العربية ، فإنه ، يعرض للتصويت ، والقرار ، هنا ، بعد إقراره ، ديمقراطيا ، يكون ملزما للمؤيدين ، له ، وللمعارضين ، على حد سواء ، بل ، إن الأخلاقية ، التي يتمتع ، بها ، "الطليعي العربي" ، تقتضي ، أن تتمسك الأقلية ، بتنفيذ القرار ، المتخذ ديمقراطيا ، قبل الأكثرية ، وأن تسارع ، إلى تبنيه ، وتنفيذه ، ذلك ، أنه ، بمجرد اتخاذه ديمقراطيا ، يصبح قرارا "للطليعة العربية" ، معبراً عنها ، من أول كوادرها ، إلى آخر مراتبها التنظيمية ، دون ، أن يعني هذا ، أن الأقلية ، قد غيرت مواقفها... فالمسار ، الذي سيتبع ، بعد ذلك ، هو ، الذي سيحدد الموقف الصحيح ، من الخطأ ، و"الطليعي العربي" ، حيوي ، ومنفتح ، لا يقيده التعصب لموقف ، أو الرفض لموقف ، فهو باحث ، أبداً ، عن الحقائق ، وعن الصراط المستقيم ، فإذا ، تبين خطأ القرار ، فإن الأكثرية ، التي سعت إليه ، لن ترى بأسا ، في التراجع ، وإذا تبين ، أن القرار صحيح ، فإن الأقلية ، التي عارضت ، ستسارع لتصحيح موقفها ...، ولن تجد ، بأسا ، في ذلك ...،

- نقول هذا ، تفصيلاً ، لمعالجة مشكلة باتت مستوطنة في المؤسسات الحزبية ، في الوطن العربي ، وهي مشكلة الانشقاقات ، والتمترس وراء مواقف بعينها ، وتصويرها على غير طبيعتها الموضوعية ، وتضخيم ، الطابع الذاتي ، للاختلاف ، فيتحول الاختلاف ، إلى خلاف ، والخلاف ، إلى صراع ، والصراع إلى انشقاقات ، والانشقاقات إلى مهاترات ... ، وإلى آخر الآثار السلبية ، وهذا كله ، لا يمكن معالجته ، إلا بإرساء أسس ممارسة ديمقراطية ، تعتمد الحوار ، والكلمة السواء ، واحترام الرأي الآخر ، ومن ، ثم ، الاحتكام إلى الممارسة الديمقراطية ، في اتخاذ القرارات ، وتنفيذ الأقلية ، للقرار ، الذي يتخذ ديمقراطيا ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل .....

- المبدأ الثاني : أن "الطليعة العربية" ، وبالاستناد على المبدأ الأول ، فإنها ، تعكس النهج الديمقراطي ، في بنيتها الداخلية ، إلى ، نهج ديمقراطي ، في التعامل مع الآخر ، وعلى صعيد الوطن ، والأمة ، فالطليعة العربية ، لا تكفرّ ، ولا تخوّن ، ولا تكون طرفاً في التلاعن ، والتشاتم ، ولا تسّخف ، ولا تستخف ، بأفكار ، ومواقف الآخر ، أياً ، كان ، ومهما ، كانت المواقف ، وإنما ، تعلن ، مبادئها ، وأهدافها ، وبرامجها ، وتحاور الآخر ، بما يحمل من آراء ، بموضوعية ، ومصداقية ، وتقدم ، أفكارها ، بشفافية ، ودون مواربة ، وتحتكم ، مع الآخر ، في الوطن ، إلى الممارسة الديمقراطية ، التي ، يعّبر عنها صندوق الاقتراع ، فتقبل "الطليعة العربية" ، النتائج ، بروح سمحة ، أيا كانت ، وتتقدم بالتهاني ، للفائزين ، ولو ، كانت ، أول الخاسرين ، وتتحمل المسؤولية ، في حال فوزها ، دون غرور ، وتترك الأبواب مفتوحة ، مع الآخر ، للحوار ، والتشاور ، إن "الطليعة العربية" ، تؤمن ، بما ، لا يدع مجالا للشك ، بالممارسة الديمقراطية ، وبالتالي ، فإنها تتحمل المسؤولية ، في مقاعد المعارضة ، بذات القدر ، من الجدية ، كما ، لو كانت في سدة المسؤولية ، وهكذا ...

- إن "الطليعة العربية" ، باعتمادها الممارسة الديمقراطية ، كمبدأ أساسي ، تبدأ ، بنفسها ، تربية ، وممارسة ، تقول ، كلمتها ، بموضوعية ، وهدوء ، لا ترفع الصوت ، بحيث ، لا يفهم ، ولا تخفضه ، إلى درجة ، أن لا يسمع ، تدعو ، دائما ، إلى الكلمة السواء ، بمفردات مهذبة ، لا تكون طرفا ، في ، أي ، صراع لا موضوعي ، أو عنف ، أو تلاعن ، أو تشاتم ، استناداً ، على موقف حاسم ، أنه ، لاشيء ، على الإطلاق ، يبرر ، مثل ذلك .... ، إن "الطليعة العربية" ، بذلك ، لا تهّذب نفسها ، وحسب ، وإنما ، تؤدي دورا أساسيا ، في الارتقاء ، بالخطاب السياسي ، والعقائدي ، إلى حيث ، يجب ، بعد ، الدرك ، الذي هبط إليه ، مؤخراً ...، وهذا ، بحد ذاته ، يستحق ، أن تبذل ، من أجله الجهود ، والتضحيات ......

( 41 )

تاسعا : "الطليعة العربية" ، مدرسة ، تعتمد في تثقيف كوادرها ، على أسس ، من القيم الأخلاقية ، المرتبطة ، بالوعي العقائدي ، والمتأصلة ، باستلهام ، القيم الحضارية ، الإيجابية ، للشخصية العربية ، التي تبنى ، على المصداقية ، والشهامة ، والمرؤوة ، والكرم ، والعطاء ، والغيرية ، والشجاعة ، والنبل ، والإيثار ، والتسامح ، والترفع عن الصغائر ، والعفو عند المقدرة ، "الطليعي العربي" ، لا يحقد ، ولا يعتدي ، ولا يخادع ، ولا يراوغ ، يسمو بإنسانيته ، على ، سائر أشكال التوحش ، من أول الغدر ، إلى آخر الخسة ، لا يظلم ، ولا يحابي الظالمين ، ولا يقبل الظلم ، لا لنفسه ، ولا للآخر ، بهذه المعاني ، فإن الطليعي العربي ، لا يعادي بالمطلق ، ولا يوالي بالمطلق ، ولا ينتقم ، ولا يتخذ مواقف جماعية ، من جماعة معينة ، فكل ، فرد ، مسؤول وحده ، عن خياراته ، الإنسان ، بالنسبة إليه ، قيمة إيجابية ، فالأصل ، أن يكون الإنسان ، سوياً ، إيجابياً ، أما ، إذا تعرض الإنسان إلى رضوض ، نفسية ، أو معنوية ، أو مادية ، أو أخلاقية ، أو سلوكية ، بفعل الظروف الموضوعية ، المحيطة ، فهو ، ليس محلاً ، للعداء ، أو الإدانة ، أو الاستهزاء ، وإنما ، هو ، مشكلة ، على الطليعي العربي ، أن يجد لها ، حلا ... ، ذلك ، أن ، كل مواطن عربي ، أياً ، كان موقعه ، أياً ، كان موقفه ، هو ، مشروع طليعي عربي، أو مشروع مواطن إيجابي ، على الأقل ...

ما يهم ، في هذا الموضوع ، هو ، أن "الطليعة العربية" تسعى ، في مختلف الظروف ، لتهيئة البيئة الاجتماعية ، المناسبة ، مادياً ، ومعنويا ،وتوفير أسس العلم ، والثقافة ، ومقومات الوعي الاجتماعي ، والقومي ، وعلى مختلف الأصعدة ،لاحتضان ، أجيال ، من العرب ، أصحاء ، نفسياً ، وعقلياً...، وفي هذه الحالة ، فإن الخيارات ، مهما اختلفت ، ستصب ، في ساحة "الجدل الاجتماعي" ، الذي يؤدي ، من حيث النتيجة ، إلى التطور والتقدم......

( يتبع ... البيان ... "15" ... )

• حبيب عيسى

• E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-05-2009 04:30

على بســــــــاط الثــــلاثاء41
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء

41

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ... "15" ...

" الطليعة العربية ..... "

... مبدأ المواطنة ....!

( تتمة ...البيان ... "15" ... )

( 42 )

عاشراً : "الطليعة العربية" ، تعتمد ، بمصداقية لا يشوبها شائبة ، مبدأ المواطنة ، كأساس ، ومنطلق ، وغاية ، لا يقبل أي شكل من أشكال الاستثناء ، وذلك ، لتأسيس ، وبناء "الطليعة العربية" ، فالمواطنة ، بكل ، ما يترتب لها ، وعليها ، من أسس ، وضوابط ، ومساواة ، وحقوق أساسية ، وواجبات ملزمة ، وحريات عامة ، بما ، يشمل مختلف نواحي النشاطات الاجتماعية ، والسياسية ، والعقائدية ، والاقتصادية ... هي المعيار الوحيد في بناء الطليعة العربية .....

المواطنة ، إذن ، هي الأساس ، في البناء السياسي ، وهي ، الأساس في بناء مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، وبالتالي ، فإن الإنسان ، المواطن ، لا يتميز عن مواطن آخر ، إلا بالوعي ، والمعرفة ، والرأي ، والكفاءة ، والموقف ، بمعنى ، أن الإنسان ، المواطن ، يتم ، تقييمه ، وتحديد الموقف ، منه ، وله ، وفق ما يختار من مواقف ، وسلوك ، ورأي ، وممارسة ، بإرادته الحرة ، وحريته في الاختيار الرشيد ، دون إكراه ، أو ضغط ، ودون ، أن يعطي هذا التميز ، أي ، امتياز ، لمواطن على آخر ، من حيث ، الحقوق الأساسية ، والواجبات الملزمة، فالمواطنون ، سواسية أمام القانون ، وفي الحقوق ، والواجبات .... ، أما ، الانتماءات ، البيولوجية ، للإنسان المواطن ، والانتماءات الأثنية ، والدينية ، والطائفية ، والمذهبية ، والمناطقية ، والإقليمية ، وغيرها ، من الانتماءات الفطرية ، التي ، لا يد ، للإنسان ، في اختيارها ، مثل ، اللون ، والجنس ، والدين ، والمذهب .... لإنها تولد معه ، فإن ، تلك الانتماءات ، على تنوعها ، هي ، من مكونات المجتمع الأساسية ، وأن ، ذلك التنوع ، هو مصدر غنى ، وتطور ، إذا نظر إليها ، وتم التعامل معها ، في سياق ، المواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، والنظام العام ، الذي يتساوى في ظله الجميع ، دون النظر ، إلى الانتماءات ، الأثنية ، أو الدينية ، أو الإقليمية ، أو الطائفية ، أو المذهبية ، وإلى آخره ..... ، يترتب على هذا :

1 - أن "الطليعة العربية" ، تتعامل مع الإنسان ، كإنسان ، كما هو ، وكما يحدد ، هو ، وكما يقرر ، هو ، خياراته ، بإرادته الحرة ، التي ، لا تشوبها ، شائبة ، دون إكراه ، أو ضغوط ، من أي نوع ....، ودون النظر ، إلى لون ، أو جنس ، ومهما كانت الانتماءات ، الأثنية ، أو الدينية ، أو الطائفية ، أو المذهبية ، أو المناطقية ، فالمساواة ، شرط المواطنة ، الحقة ، وبدون تحقق شرط المساواة ، لا مواطن ، ولا وطن ، وبالتالي ، لا درجات في المواطنة .. . ، يترتب على ذلك ، أنه ،لا درجات في العضوية ، والانتماء ، إلى "الطليعة العربية" ، فمؤسسات "الطليعة العربية" ، مشرعة أبوابها ، للمواطنين جميعاً ، على قدر من المساواة التامة ،وبمجرد الانتماء إلى إحدى مؤسسات "الطليعة العربية" ، يغدو ، الأعضاء ، متساويين تماماً ، أمام الأنظمة ، واللوائح .. لهم ، ذات الحقوق ، وعليهم ، ذات ، الواجبات .. يتميزون عن بعضهم ، البعض ، بالوعي ، والموقف ، والعطاء ، ويتساوون ، بالحقوق الأساسية ، وبالواجبات الملزمة .......

2 - إن ، "الطليعة العربية" ، تتجاوز ، بوعي كوادرها ، جميع أشكال ، العلاقات الجاهلة ، والجاهلية ، وتتعامل مع الإنسان ، كفرد ، إيجابياته ، تحسب له ، وسلبياته ، تحسب عليه ، وبالتالي ، فإن "الطليعة العربية" ، لا تنزلق ، تحت أي ظرف ، من الظروف ، إلى الأحكام الجماعية ، على جماعة ، بعينها ، أنها ، جماعة مجرمة ، تستحق الاستئصال ، أو ، أنها ، جماعة نقية ، تستحق التقديس ، والتمرغ على عتباتها .... فالمعيار ليس بما ولد عليه الإنسان ، أو ورثه ، وإنما بفهمه الواعي لذلك الانتماء ، وبتعامله الإيجابي مع الآخر ، واحترامه لخيارات الآخر أياً كانت ..

( 43 )

إن ، "الطليعة العربية" تلتزم ، قولاً ، وفعلاً ، وممارسة ، وأداء ، بالمبدأ الأساسي ، للعلاقات الإنسانية ، الذي ينبذ العنصرية في مختلف المجالات ، وأن الإنسان ، وحده ، مسئول ، عن تصرفاته ، الإيجابية ، أو السلبية ، التي يتخذها بإرادته الحرة ، الخير ، والإيجاب ، يحسب له ، حصراً ، والشر ، والسلب ، يحسب عليه ، حصراً ، ولا يتجاوزه ، إلى أصوله ، أو فروعه ، أو طائفته ، أو دينه ، أو مذهبه ، أو إقليمه .. ، إن ، اعتماد هذا المبدأ ، وتحويله إلى ممارسة ، وسلوك ، وموقف ، ينقذ المجتمع من سائر محاولات التخريب ، والتدمير ، والتفتيت ، والتخلف .. ، ولهذا ، قلنا ، ونكرر ، أنه ، لا توجد ، طائفية إيجابية ، وطائفية سلبية ، ولا توجد مذهبية إيجابية ، ومذهبية سلبية ، ولا يوجد ، تعصب ديني إيجابي ، وتعصب ديني سلبي ، ولا توجد ، إقليمية ، أو عائلية ، أو قبلية ، إيجابية ، وأخرى سلبية ... فالذين يستخدمون علاقات ما قبل المواطنة ، لضرب البنية الاجتماعية ، واختلاق الفتن ، والصراعات ، يتساوون جميعاً ، في السلب ، مهما ، كانت العناوين ، والأهداف ، والمبررات ..

( 44 )

إن ، "الطليعة العربية" ، إذ ، تحدد هذا الموقف المبدأي ، فإنها ، في الوقت ذاته ، تحترم جميع الانتماءات إلى ، الأثنيات ، أو الأديان ، أو الطوائف ، أو المذاهب ، أو الأقاليم ، أو القبائل ، أو العشائر ، أو العائلات .. ، وتعتبر ، هذه الانتماءات ، في أساس البنيان الاجتماعي للأمة العربية ، وفي إطار الانتماء الوطني ، الذي تحقق بالتفاعل ، وبالاختصاص ، بأرض الوطن ، وصولاً إلى المواطنة ، الحقة ، وهذا مشروط ، بأن ، لا تستخدم أي جهة ، في الداخل ، أو في الخارج ، في قاع المجتمع ، أو في قمة السلطات ، تلك الانتماءات ، كورقة مساومة ، لإعاقة ، تقدم المجتمع ، وتطوره ، عن طريق إشغاله ، باستخدام ، فئة ، ضد أخرى ، تسلطاً على حقوق الغير ، أو انتقاصاً من تلك الحقوق ، وبالتالي ، دفع المجتمع إلى صراعات ، وفتن ، لا يتنصر فيها أحد ، في الداخل ، وإنما يخسر المجتمع ، برمته ، وبمختلف الانتماءات ، فيه ، فتتابع المجتمعات الأخرى في العالم ، تطورها ، ويتوقف التطور في الوطن العربي ، أو ، يتم النكوص إلى الوراء .. ، وبهذا ، يتقدم الآخر ، ويتخلف المجتمع العربي ، كما هو ، الواقع الموضوعي ، الآن ...

ولكي ، تبقى الانتماءات ، على تعددها ، واختلاف مصادرها ، في إطار الانتماء الوطني ، وعلى سكة التطور الاجتماعي ، فتساهم في بنائه ، وتطويره ، وتحصينه ، وتتحصن ، هي ، في الوقت ذاته ، كخلايا سليمة ، فلا تتسرطن ، ولا تسرطن المجتمع .... ، لتحقيق ذلك ، لابد من اعتماد ، عقد ملزم ، لجميع مكونات المجتمع ، يتضمن أسس ، ومبادئ واضحة ، ينص ، على ، أنه ، من حق أي فرد ، أو جماعة ، أن يؤمن بما يشاء ، وأن تؤمن بما تشاء ، وأن ، من حق أي مواطن أن ينتمي إلى من يشاء ، بشرط ، أن يقر ، وبتزامن واحد ، قبل ذلك ، ومعه ، وبعده ، أن من حق الآخر – فرداً أو جماعة – أن يؤمن ، أيضاً ، بما يشاء ، وأن ينتمي ، إلى من يشاء ، فليس ، من حق أحد ، أن يعطي نفسه ، حقاً ، يحرمه على الآخرين ، في المجتمع ، مهما كانت الظروف ، فإذا كان من حقك ، كذا .. فهذا ، من حق الآخر ، أيضاً .. لا زيادة ، ولا نقصان ، بهذا ، يتحقق عنصر التوازن ، والمساواة ، موضوعياً ، في المجتمع .. غني عن القول ، أن العقد بين مكونات المجتمع ، يجب أن يتضمن عنصرين أساسيين ، الأول : هو رعاية ، وصيانة وحدة النسيج الاجتماعي ، في الوطن ، والثاني : أن الحق ، بالدعوة إلى ما يؤمن ، به ، كل فرد ، أو جماعة ، وإعلان الحجج ، والإيجابيات .. ، لا يمتد ، على الإطلاق ، إلى التهجم ، والقدح ، والذم لما يؤمن ، به ، الآخر .. ، فهذا ، جرم ، يعاقب عليه القانون ، بموجب جميع ، القوانين الوضعية ، على وجه الأرض ..

( 45 )

نقول ، هذا ، لسببين :

السبب الأول : أن مشاريع النهضة ، والتنوير ، التي انطلقت في الوطن العربي ، ومرت ، بتجارب مرة ، على مدى القرن العشرين ، المنصرم ، قد طرحت أفكاراً هامة ، على صعيد ، المواطنة ، والقومية ، والوحدة العربية ، و الديمقراطية ، والحرية ، والعدالة الاجتماعية ، والاشتراكية ، وحرية العقائد ، والمعتقدات ، وتجاوز علاقات ، ما قبل المواطنة ، مثل ، الطائفية ، والمذهبية ، والأثنية ، ورفعت شعارات ، أممية ، وقومية ، عابرة للقارات ، لا حدود لها .. لكن ، تبين في لحظات الامتحان الحاسمة ، والمصيرية ، أن هذه الأفكار ، كلها ، كانت ، مجرد قشرة رقيقة ، تخفي علاقات متخلفة ، قبلية ،عنصرية ، طائفية ، مذهبية ، تبيّن ، أنها ، هي ، التي تتحكم في المؤسسات الحزبية ، على الأرض العربية ، وفي المؤسسات السلطوية ، حيثما كان ذلك ممكناً ، وعلى حد سواء . وبالتالي ، أدت إلى إنشقاقات مدوية ، تم الفرز فيها ، على أسس ، لا علاقة لها ، على الإطلاق ، بالمبادئ المرفوعة ، والمعلنة .. ، و"الطليعة العربية" ، التي ، آلت على نفسها ، أن تكون ، من ، فصائل استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، قد حسمت أمرها ، بأنها ، لن تسمح ، لتلك ، الآفة الفتاكة ، أن تتسلل ، تحت أي ذريعة ، كانت ، إلى بنيتها الداخلية ، كما ، أن "الطليعة العربية" ستتعاون مع فصائل النهوض ، والتنوير الأخرى ، في أي جزء من وطن العرب ، وفي الوطن العربي كله ، على إفراز المضادات الحيوية اللازمة ، للقضاء على تلك الآفة .. التي ، يتوقف على القضاء عليها ، موضوعياً ، وذاتياً ، نجاح عملية الإقلاع ، باتجاه مستقبل مختلف ، إيجابياً .. لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، ستتعامل ، مع الآخر ، على قدم المساواة ، وستحدد موقفها ، منه ، وفق المبادئ المعلنة .. ترسيخاً ، للمصداقية ، في التعامل السياسي ، على صعيد الأجزاء ، والكل العربي ، في الوقت ذاته.

السبب الثاني : إن ، أي حديث ، عن ، عمل سياسي ، أو ، ممارسة سياسية ، مهما كان توجهها ، في ظل ، مواطنة منتهكة ، ومغيبة فعلياً ، بانتماءات أخرى ، من الباطن ، أياً كان شأنها ، هو حديث فارغ ، لا أثر ، له ، فهو ، تحرك طائفي ، أو مذهبي ، أو ديني ، أو عنصري .. .، حسب الحال ، لكن ، بالوكالة ، وبغطاء سياسي ، ضجيجه صارخ ، ومضمونه ، صفر .. ، لهذا ، فإن "الطليعة العربية" ، على أعتاب مرحلة استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، تؤكد على قضية الانتماء ، والهوية ، ووضع أسس للحوار الوطني العام ، في جو من التصادق ، والشفافية ، يتخلى فيه الجميع ، عن ، كل ، أشكال ، التكاذب ، والنفاق ، من جهة ، وعن ، كل أشكال التكفير ، والأحكام المطلقة ، من جهة أخرى ، ويسعون ، معاً ، إلى عقد شفهي ، أو مكتوب ، يؤكد على ، أن ، المواطنة ، تتضمن سائر الانتماءات الطبيعية ، والعقائدية ، للبشر ، ولكل منها ، نواميسه ، وأساليبه ، ووسائله ، وغاياته ، في إطار ، مواطنة حرة ، لا يعتدي طرف ، على آخر ، ويضمن ، كل طرف ، في الوقت ذاته ، حمايته من ، أي ، عدوان ... على ، هذه القاعدة ، وعلى هذه القاعدة فقط ، يتم بناء ، مؤسسات المجتمع ، ومؤسسات الدولة ، وتحريرها ، وصيانتها ، كي ، لا تقع في المحظور الطائفي ، أو المذهبي ، أو العنصري .. ، فتتحول ، من مؤسسات ، للمجتمع ، والدولة ، إلى مؤسسات ، لتدمير المجتمع ، والدولة ، واختطافها ، وتسخيرها ، لمصالح ، فرد ، أو عائلة ، أو جماعة ، بعينها ..

( 46 )

حادي عشر : "الطليعة العربية" ، حزب سياسي ، هذا صحيح ، لكن ، تأسيسه يتم في واقع مضطرب ، بالغ التعقيد ، حيث ، المجتمع العربي ، في الأجزاء ، وفي الكل ، معاً ، يتعرض ، لتهديد جدّي ، يشمل البنية ، والهوية ، والتاريخ ، والحاضر ، ويصادر المستقبل ، من جهة ، وحيث ، قوى النهوض ، والتنوير ، قد انحسرت ، أو هزمت ، لصالح الأوضاع المحزنة ، التي تمر بها الأمة ، على صعيد المجتمع ، وعلى ، صعيد السلطات الحاكمة ، من جهة أخرى ...، لهذا ، فإن المسألة ، لا تتعلق ، بمجرد ، نضال سياسي ، أو برامج سياسية ، أو اجتماعية ، وإنما ، تتعلق ، بنهج نهضوي ، تنويري شامل لمختلف نواحي الحياة .. ، وهذا ، يفرض على "الطليعة العربية" ، أن ، تنخرط في العمل العام ، وفي مختلف جوانب النشاطات ،السياسية ، والاجتماعية ، والنقابية ، والثقافية ، والاقتصادية ، بحيث ، تهتم ، بكل ، ما يهم الناس ، تشاركهم ، معالجة مشاكلهم ، وتتبادل معهم البحث ، بالأسباب ، والحلول ، والإمكانيات ، وتنهض ، معهم ، وبهم ، باتجاه الأحلام ، إن ، هذا ، في منتهى الأهمية ، ذلك ، أن "الطليعة العربية" تدرك ، مدى ، الاضطراب ، والغموض المتعمد ، والمعارك التي تنشب ، بين أطراف ، يلفهم الغموض ، ولأهداف غامضة .. ولعل ، كسب معركة النهوض ، والتنوير ، يعتمد ، أولاً ، وقبل ، كل شيء آخر ، على نشر الوعي العام ، لتحصين المجتمع ، من الانزلاق ، إلى معارك ، ليست معاركه ، لا يعرف من يشعلها ، ولا يعرف من يطفئها ، وقد ، تكون الغاية ، هي مجرد إلهاء المجتمع ، عن قضاياه الأساسية ، والمصيرية ، وإشغاله ، بفتن ، ومعارك تستهلك طاقاته ، وتحجب عنه الرؤيا ، فيفتقد الإرادة ، للنهوض ، والتنوير ، ويستكين ، إلى حالة سكونية ، استنقاعية ، قاتلة ، بحيث ، تجد نسبة كبيرة ، من الرأي العام على قناعة ، بالعجز ، وتوجيه السؤال التعجيزي ، ما الفائدة ؟ ماذا يمكن أن نفعل..؟ ، بل ، أن ، المواجهة ، والتصدي لقوى ، السيطرة ، والاستبداد ، قد ، تصبح ، برأي الكثيرين ، نوع من الجنون ، والمغامرة ، الذي لا طائل ، من ورائه .. وهذا ، يؤدي فيما يؤدي إليه ، إلى ، أن يتكور كل فرد على نفسه ، عله ، يحقق مكاسب شخصية ، عله ، يحمي نفسه ، وعلى الأكثر يحمي أفراد أسرته .. ، ويغيب الوعي العام ، بينما ، المجتمع ، يتجه إلى الكارثة ، وهم ، لا يدركون ، أنه ، لا مخرج فردي ، ولا نجاة فردية .. وأنهم ، بدون ، نهوض اجتماعي ، عام ، وشامل ، إنما ، يعدوّن أنفسهم ، ويعدوّن أولادهم ، للكارثة ، التي ، قد تأتي سريعاً ، أو تتأخر قليلاً ، لكنها ، لا شك ، آتية ..

( 47 )

هذا ، يعني ، أن ليس هناك نشاط ، أو مجال ، أو مسار ، أو تجمع بشري ، في الوطن العربي ، خارج اهتمام "الطليعة العربية" ، التي ، عليها ، أن تهتم بهموم الناس ، وأحلامهم السياسية ، والاجتماعية ، والحياتية ، والثقافية ، أن تهتم ، بالعدالة ، بالقوانين ، بالنقابات ، بالجمعيات ، بالمنتديات ، بالأديان ، بالطوائف ، بالمذاهب ، بالأثنيات ، بالقبائل ، بالعشائر ، بالعائلات ، بالعادات ، بالتقاليد ، بالفنون ، بالغناء ، بالموسيقى ، بالفنون التشكيلية ، بالنحت ، بالتاريخ ، بالحضارات ، بالجغرافيا ، بفرضيات بدء الكون ، وفرضيات نهايته ، بالتعليم ، بالنشاط الكشفي ، بالنشاط الرياضي ، بمناهج التعليم ، بالتعليم ، بالقضاء ، بالعمل ، بالعمال ، بالملكية العامة ، بالملكية الخاصة ،بالدخل ، بفرص العمل ، بتكافؤ الفرص ، بالمساواة ، بالبيئة ، بالزراعة ، بالمياه ، بالصحراء ، بالبادية ، بالجبال ، بالوديان ، بالغابات ، بالثروة الحيوانية ، بالثروات الباطنية ، بالعلوم عامة ، بالطب ، بالهندسة ، بالرياضيات ، بعلوم الفضاء ، بالفلسفة ، بسيكولوجيا البشر ، وسيسيولوجيا المجتمعات .. وإلى آخره ...

باختصار شديد ، في ، كل مكان ، من أرض الوطن ، تتواجد "الطليعة العربية" لا تغيب ، ولا تسمح ، بتغييبها ، في ، أي ، نشاط تتواجد "الطليعة العربية" ، وفي اقتراح الحلول، لأي ، مشكلة تكون "الطليعة العربية" ، ولكل قضية ، لها ، فيها ، رأي ، ولها ، منها ، موقف ، ليس هناك ، أمر ، خارج اختصاصها ، فلا تحّتج ، بالظروف ، تقتحم الصعاب ، وتضع الخطط التفصيلية ، في كل مجال ، على حدة ، وتشّكل ، المؤسسات التخصصية ، في كل مجال .. بهذا ، وبهذا فقط ، تكون "الطليعة العربية" مشروعاً ، نهضوياً ، بالناس ، وللناس ..

( 48 )

استكمالاً ، لما تقدم عن "الطليعة العربية" ، لابد أن نتوقف في محطة الانطلاق ، نحدد مواقع أقدامنا ، ونمد أبصارنا إلى الأفق البعيد ، ثم ، نخط على أرض الواقع ، وعلى الورق ، الأسس ، والمبادئ التأسيسية ، التي يعتمد عليها "الطليعيون العرب الجدد" ، ليحددوا ، بالدقة اللازمة ، الطريق القويم ، إلى النهوض ، والتنوير ، فلا تتوه "الطليعة العربية" ، ولا تضل الطريق ، ولا تقف عاجزة ، أمام المصاعب ، وتحصّن ، في الوقت ذاته ، كوادرها ، ومؤسساتها ، لتفادي الألغام ، والمطبات ، والمنزلقات ، تعرف ، بالضبط ، إلى أين تمضي ، وتعرف الطريق ، وتعرف ، كيف تمتلك الأدوات ، والموارد .. ونقصد ، بتلك المحطة ، "محطة المنهج" ، فما ، هو ، "منهج الطليعة العربية" ، لتحقيق ، تلك الأهداف ، الكبيرة ، الشاملة ، التي تتصدى ، لتحقيقها ..؟

قد ، يكون الجواب معقداً ، وصعباً ، لكن ، لا مهرب من التصدي ، لهذه القضية ، ذلك ، أن مسألة المنهج ، بعد التجارب المرة ، ليست مسألة شكلانية ، فلا ، يكفي أن يقال ، أن للطليعة العربية منهجاً ، يطلق عليه ، كوادرها ، الأوصاف ، التجميلية ، والتقديسية ، التي يريدون ، ثم ، لا يتحملون الأعباء ، التي يرتبها عليهم ، فلا يجد طريقة للتطبيق .. ، على العكس ، من ذلك تماماً ، فالطليعة العربية ، والطليعيون العرب الجدد ، سينطلقون ، من خط بداية ، واضح ، وصريح ، باتجاه أهداف ، وغايات ، واضحة ، وصريحة ، وسيشيدون بناء مؤسساتهم ، وفق أسس ، ومقاييس دقيقة ، فالمنهج ، بموجب ، ذلك ، هو نهج ، وطريق ، هو ، أساس ، وبناء مدروس ، مقاوم ، للزلازل ، والعواصف ، وفق مقاييس ، ومواصفات ، تستند ، إلى دفتر شروط ، شامل ، يؤشر ، دون مواربة ، على ، كل خلل ، أو خروج ، عن الخط القويم ، أو انحراف ، مهما كان مبهماً ، وبسيطاً ...

وبما ، أننا ، في مرحلة التحضير ، لمرحلة تأسيسية ، فإننا ، نجد أنفسنا ، في خضم إشكالية ، لا نملك الهروب من مواجهتها ، وتتمثل ، في ، أننا ، أكدنا على مبدأ الديمقراطية ، في تأسيس "الطليعة العربية" ، من الألف ، إلى الياء ، وهذا ، يرتب علينا ، الالتزام ، في أن مسألة المنهج ، وهي مسألة هامة ، ومركزية ، يجب ، أن تترك ، لمؤسسات "الطليعة العربية" ، لاعتماده ديمقراطياً ، بعد تمريره ، عبر ، دراسات تفصيلية ، من التحضير ، إلى التأسيس ، إلى المؤسسات ، النهائية التشكيل ، هذا ، من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن "الطليعة العربية" ، تولد ، وتنشأ ، في واقع مضطرب ، ومعقد ، وبالتالي ، فإن مراحل ، التحضير ، والتأسيس ، وصولاً إلى المؤسسات النهائية ، قد تطول ، وأن السير على هذا الطريق ، بدون منهج واضح يكون مقياساً ، وبوصلة ، سيعرّض "الطليعة العربية" ، إلى مزالق ، ومخاطر ، لا يمكن المجازفة بها ، وهذه ، مسألة هامة ، ومركزية ،أيضاً ، تفرض ، أن تنطلق "الطليعة العربية" ، من منهج محدد ، واستناداً ، على مقياس ، يمكن الرجوع ، إليه ، عند الحاجة ، وقبل ، أي خطوة ، وبعدها ...!

لقد أثبتت التجارب المرة ، أن الانغماس في الواقع ، بدون منهج محدد ، وواضح ، هو ، وقوع ، في مستنقعات الواقع ، وأثبتت التجارب ، أيضاً ، أن المماحكات النظرية ، حول المنهج ، التي ، لا تترافق مع النضال الدؤوب ، في الواقع ، هي ، مجرد لغو فارغ ، يستهلك أصحابه ، قبل ، أي ، أحد آخر......

( 49 )

حلاً ، لهذه الإشكالية ، فإننا ، سنقترح ، "مشروع منهج للطليعة العربية" ، مطروح ، للحوار العام ، بين صفوف المؤسسين ، وهم ، منهمكون في التحضير لتأسيس "الطليعة العربية" ، ولهم ، أن يعتمدوا مقاييسه ، لفترة زمنية محددة ، ثم يطرح هذا المشروع ، على المؤسسات التحضيرية ، فإذا تم اعتماده ، أو تعديله ، أو تلقت المؤسسات التحضيرية ، مشاريع ، منهجية ، أخرى .. فإن ، ذلك ، كله ، يرفع للمؤسسات التأسيسية ، ويبقى ، ذلك كله ، تحت النقاش ، على جميع مستويات ، مراتب ، "الطليعة العربية" ، إلى ، أن ، تنعقد المؤسسات النهائية ، للطليعة العربية ، وهي ، عندئذ ، صاحبة القرار النهائي ، في ، اعتماد "الوثائق النهائية" ، الملزمة ، للطليعة العربية ، وفي مقدمتها ، منهج ، "الطليعة العربية" ..

( يتبع ... البيان ... "16" ...)

حبيب عيسى

e-mail:habib.issa@yahoo.com

زهير 03-11-2009 09:27

تتمة ..."16" ...البيان
( 50 )

لعل ، الحديث عن "الطليعة العربية" ، دخل ، "نواة الخلية الأولى" ،
التي ، يتوقف على توازنها ، ونبضها بالحياة ، مصير "الطليعة العربية"
وجوداً ،وعدماً ...

فالمنهج ، هو ، الذي يبث الروح ، ويضع ضوابط الهوية ، والانتماء ،
للتنظيم السياسي ، ويحدد المسارات ، والأهداف ، وهو البوصلة ، التي تحدد
الاتجاه ....

لهذا ، ولأسباب عديدة أخرى ، فإنني ، على يقين ، أنه ، ليس من حقي ، ولا
من حق أحد ، غيري ، أياً كان ، أن يفرض ، على "الطليعة العربية" ، منهجاً
عقائدياً ، أو ، أن يضعه ، لها ... ، لكن ، من حقي ، ومن حق ، أي ، أحد
غيري ، أن يقترح على "الطليعة العربية" منهجاً للأخذ ، به ، خاصة ،
وأننا ، أوضحنا ، في الفقرة السابقة ، أن "الطليعة العربية" تولد ، وتنمو
في ظروف مضطربة ، بالغة التعقيد ، تقتضي ، أن تمتد فترة تأسيسها ، لمدد
زمنية ، غير منظورة ، وأن تجري عملية التأسيس ، في وطن عربي ، مجزأ ،
محطم ، مستلب ، من الداخل ، منتهك ، من الخارج .. ، وهذا يضع "الطليعيون
العرب الجدد" أمام مهمة ، للتأسيس ، لا تحتمل التأجيل ، والانتظار ، من
جهة ، كما ، أن السير ، فيها ، دون منهج محدد ، وواضح ، سيجعل العملية ،
برمتها ، محفوفة بالمخاطر ، ومعرّضة ، لما تعرضت له المشاريع النهضوية ،
العريقة السابقة ، خلال القرن المنصرم ، وحتى لا نضيف إلى الأشكال
الفاشلة رقماً جديداً ، لهذا قلنا ، أننا ، سنقترح منهجاً ، للحوار
حوله ، والأبواب مفتوحة ، للاقتراحات الأخرى ، من أي مصدر ، كان ، في
"الطليعة العربية" ، وأن القضية مطروحة ، وستبقى مطروحة ، للنقاش ،
والحوار ، إلى ، أن تبّت ، فيها ، المؤسسات الديمقراطية ، للطليعة
العربية ، في نهاية الأمر ، أو ، في بداية استعادة نبض الحياة ، لهذه
الأمة .. في دولة الأمة ، ومؤسسات الأمة ..! وقد ، قلنا ، ونعيد ، أن ،
هذه ، تتزامن مع ، تلك .. وهذا ، ما ننشده ..!

( 51 )

إنني ، أدرك ، بداية ، خطورة الاقتراح ، والاختيار ، لكن ، الضرورة تفرض
أن ، لا نتهرب من المسؤولية ، وكم ، كنت أحلم ، لعقود عديدة ، استهلكت
سنوات عمري ، أن ، يعقد "مؤتمر تأسيسي قومي" ، يتولى مسؤولية ، هذا ،
الاقتراح ، ويتحمل مسؤولية ، هذا ، الاختيار ، لكن ، السنون مضت ،
وبتنا ، ندنو ، من عتبة المغادرة ، دون ، أن ، يتحقق الحلم ، الذي ،
التزمنا ، بوعود ، ميثاقية ، وموثقة ، لجيل ، الشيوخ القوميين ،
الأساتذة ، الذي سبقنا ، أننا سننجز المهمة ، لكنهم رحلوا ، وفي قلوبهم
غصة ، لأننا ، فشلنا ، في الوفاء ، بالوعد .. ونخشى ، نحن ، الآن ، أن ،
نمضي ، قبل أن نرى الحلم ، قد ، تحقق .. أو قبل ، أن ، نرى الجيل
العربي ، الذي يلي ، وقد تسلمّ الراية ، ليشق الطريق إلى الحرية ، الذي ،
تعثرنا في ، منعطفاته ....

إن البحث ، في قضية المنهج ، لا يمكن حصره ، بجانب واحد ، أو ،
بمجال محدد ، ذلك ، أنه يتعلق ، بكل شيء ، بالضبط ، هكذا .. بكل شيء ،
والشيء ، هنا ، يتجاوز الأشياء المادية ، إلى ، كل ما يتعلق ، بالوجود ،
وما بعد الوجود ، وبنشوء الكون ، ومآله ، وبكل ، ما هب ، منه ، وبكل ، ما
دب عليه ... ، البحث ، في المنهج ، يتعلق ، بالفيزياء ، وما ، وراء ،
بالكيمياء ، ما عرفت معادلاته ، وما لم تعرف ، بعد ، بالروح ، والواقع ،
وبالأحلام ، وما ، في باطن الأرض ، وبما ، في أعماق البحار ، وبما ، في
الفضاء ، وما بعده .. ، بحركة الأشياء ، وتحولها ، وبوجود الإنسان ،
وتطوره ، وبنواميس الأجزاء ، والكليات ، وعلم النفس ، وعلوم الاجتماع ،
وبما ، هو ، ذاتي ، وبما ، هو ، موضوعي ، وبما ، هي ، عوامل التحول ، في
المادة ، وما ، هي ، عوامل التطور ، في الإنسان ، والمجتمعات ..

هكذا ، نرى ، أن الإحاطة ، بموضوع "المنهج" ، يقتضي الإحاطة ،
بمعارف البشرية ، وما اندثر منها ، وما تركته ، من آثار ، وأوابد ، وما
خطته من معارف ، ورسوم ، في المخطوطات ، والكتب ، وحتى عصرنا ، الراهن ،
ويقتضي ، أيضاً ، أن نبحث في ، الفرضيات ، حول ، المجاهيل ، في الكوكب ،
وفي الكون ، وأن ، ذلك كله ، يرتبط ، ارتباطاً وثيقاً ، بالبعد الرابع ،
وهو ، الزمان ، ذلك ، أن ، المناهج المتعاقبة ، التي أنتجتها البشرية ،
عبر ، الزمان ، والعصور ، كانت ، تتناسب مع العلوم ، والمعارف البشرية ،
في كل عصر ، من العصور ، مضافاً ، إليها ، أحلام المفكرين ، والفلاسفة ،
وأحياناً ، أوهامهم ، ورؤاهم ، لما ، لا يرى ، لتفسير ، ما تعجز العلوم
التطبيقية ، والمكتشفات العلمية ، في عصورهم ، عن تفسيره .. ذلك ، أن ،
الفلسفة ، ليست بديلاً عن العلم ، وإنما ، تكمل النقص ، الذي تشعر ،
فيه ، الذات البشرية ، التي تسعى دائماً ، إلى الكمال الذي لن يتحقق ،
وبالتالي ، فإن نسبة الحلم ، في المناهج الفلسفية ، تضيق ، وتتسع ، بحسب
المساحة ، التي ، يتركها العلم ، له .. لا أكثر ، من ذلك ، ولا أقل ..
وهذا ، ينطبق على التاريخ البشري ، برمته ، عبر هذا السباق الإيجابي ،
بين ، العلم ، بفروعه كلها ، وبين ، الفلسفة ، والماورائيات ، بمدارسها
جميعاً ، بحيث ، لا يلغي أحدهما ، الآخر ، على العكس ، تماماً ،
الفلسفة ، ترسم الأحلام ، والتصورات ، والفرضيات ، وبما ، في ذلك ،
"الخيال العلمي" ، والعلم ، بدوره ، يسعى ، للتفسير ، والإثبات ،
والتحقق ، والنفي ، فتجدد ، الفلسفة ، بث ، الأحلام ، بناء ، على ،
مكتشفات العلم ، فيتقدم العلم ، مرة أخرى ، لتفسير الأحلام ، والتحقق
منها ، إثباتاً ، أو نفياً .. ، وهكذا .. في سلسلة ، بدأت ، بدائية ، مع
وجود الإنسان ، على ، هذا الكوكب ، وتعقدت ، وتطورت ، مع تطور الإنسان ،
واتساع معارفه ، وعلومه ، وبالتالي ، كانت ، دائما ، تتناسب مع تطور
أحلامه .. وسترافق ، هذه السلسلة ، المتصلة الحلقات ، الإنسان ،
مشكلات ، ومجاهيل ، فحلول لها ، أو لبعضها ، ثم ، مشكلات ، ومجاهيل ،
متراكمة ، أو جديدة ، فحلول ..... ، وهكذا ، إلى ، ما لا نهاية ، إذا ،
كان ، هذا ، الكوكب ، لا نهائي الوجود ، أو ، إلى ، نهاية الكوكب ، وما
عليه ، إذا وصل ، إليها ، بفعل ، استنفاذ طاقته ، أو ، بفعل ، تخريب بعض
سكانه ، الجشعين ، أو بفعل ، عوامل ، خفية ، لم يدرك ، كنهها ،
الإنسان ...

( 52 )

إن ، أزمة المنهج ، رافقت ، التيار القومي العربي المعاصر ،
منذ إرهاصاته الأولى ، في القرن التاسع عشر ، وحتى الآن ، حيث تأثرت ،
تلك الأزمة ، بالظروف الموضوعية ، التي خضعت ، لتغييرات حادة ، فعندما ،
كان ، الوطن العربي ، برمته ، خاضعاً ، للسلطنة العثمانية ، تقريباً ،
كان ، "منهج الإصلاح الديني" ، هو ، السائد ، وعندما ، تقاسم الاستعمار
الأوروبي ، مع ، السلطنة العثمانية ، السيطرة ، على ، الوطن العربي ،
تداخلت مناهج الإصلاح الديني ، مع المناهج ، التي ، سادت بعد ، ما سمي
عصر النهضة ، والتنوير ، في أوروبا ، وما ، أنتجه ذلك العصر ، مما ، أطلق
عليه " العلمانية " ، و"فصل الدين عن الدولة" .. ، ثم ، تشعبت ، مناهج
الإصلاح الديني ، وتصادمت ، وتشعبت ، مناهج العلمانية ، وتصادمت بحدة ،
خاصة ، بعد ، استعار الحرب الباردة ، وانعكس ، ذلك كله ، على الواقع
العربي ، بولادة ، جمعيات ، وأحزاب جنينية .. ، ومقاومة ، متعددة
الاتجاهات ، تبدأ ، بمقاومة "التتريك" ، في ، المشرق العربي ، ولا
تنتهي ، بمقاومة الفرنسّة ، والفرانكفونية ، والكومنويلسية ، وجيوش
الاستعمار الغربي ، في ، المغرب العربي ، تلك ، الجيوش ، التي واصلت
زحفها ، مع بداية القرن العشرين ، حتى أطبقت ، على الوطن العربي ...من
المحيط إلى الخليج ، وبالتالي ، فإن ، لكل مقاومة في كل جزء ، هويتها ،
بحسب الزمان ، والمكان ، يتناسب عكساً ، وهوية القوى المعتدية .. ،
باختصار شديد ، فإن ، قوى التحرر العربي ، كانت منهمكة ، بمعارك
متلاحقة ، وصراعات ، لا تتوقف ، مع قوى محلية ، متخلفة ، ومع ، قوى
دولية ، غازية ، للتحرر ، من التخلف ، ومن الهيمنة الخارجية ، وللحفاظ ،
على الهوية العربية ، من جهة أخرى ، وبالتالي ، فإن ، الانخراط في
المواجهات ، المباشرة ، والمتلاحقة ، لم ، يتح ، لحركة التحرر العربي ،
فرصة ، وقفات طويلة ، للتأصيل الفكري ، والعقائدي ، والمؤسساتي ،
وبالأساس ، التحديد المنهجي ... ، حتى ، في الفترة الزمنية ، التي
رافقت ، وتلت ، ما عرف في التاريخ العربي ، بنكبة فلسطين 48 ، حيث ، بدا
"التيار القومي العربي" ، وكأنه ، طغى ، على ما سواه ، وبات ، قاب
قوسين ، أو أدنى ، من تحقيق أهداف التحرير ، والتوحيد ، حيث ، كان ،
الشعار المرفوع ، دعونا نحقق تحرير الأرض العربية ، ثم توحيدها ، في ،
دولة واحدة ، ثم ، هكذا كانوا يقولون ، فلتبدأ ، مسيرة البناء
المؤسساتي ، والعقائدي ، وإلى آخره ..أما ، ما قبل ذلك ، فإن ، أي حديث ،
عن المناهج ، والنظريات ، وطرق الحكم ، هو ، مجرد ترف ، ومضيعة للوقت .

( 53 )

هذا المنطق ، الذي ساد ، في خمسينات القرن المنصرم ، والتي ،
شهدت الصعود الشعبي الجارف ، للتيار القومي العربي ، في الوطن العربي ،
من المحيط إلى الخليج ، والذي ، عبّر عن نفسه ، بثورات شعبية ، بمقاومة
مسلحة ، بولادة أحزاب قومية عربية ، بنهوض ، المؤسسات القومية ،
السياسية ، والحزبية ، والفكرية ، والاجتماعية ، والعقائدية ،
والثقافية ..... ، هذا الواقع ، بمجمله ، بتداعياته ، أدى ، بهذا المد
الجماهيري ، العارم ، للتيار القومي العربي ، إلى ، حالة من النشوة ،
تجاوزت الحدود الطبيعية ، وتعّدتها ، إلى ما يشبه الوهم ، والعمى ، عن
مكونات الواقع الموضوعي ، عربياً ، ودولياً .. ، وفي حالة ، كهذه ،
يتراجع إلى حد التهميش ، دور المفكرّين ، والمنظريّن ، والمثقفين ،
وتعقد ، الراية ، لمن يمتلكون القوة ، على الأرض ، لتحقيق الانتصارات ،
باختصار شديد ، في مثل تلك الظروف ، يتم ، الالتفات عن ، المأسسة
القومية ، وشروطها ، ومعاييرها ، وتشخص الأبصار ، على ، الشخص ، الرمز ،
أو ، على ، القائد ، الذي يقود المعارك ، على الأرض .. ، وبالتالي ،
يتم ، تهميش المؤسسات القومية ، حزبية ، وغير حزبية ، ويغدو الحديث ، عن
النظريات ، والمناهج ، والعقائد ، تزيّد ، أو أنه ، في أحسن الأحوال ،
لزوم ، ما لا يلزم ...

( 54 )

لقد ، أفاق ، "الرواد الاستراتيجيون" ، في ، التيار القومي
العربي ، من أحلامهم ، على ، عزف الموسيقى العسكرية ، معلنة البيان رقم /
1/ بانفصال ، الإقليم الشمالي عن ، الجمهورية العربية المتحدة ، في ،
بداية عقد الستينات ، من القرن ، المنصرم ، وأدركوا ، بحسرة ، أن ، غياب
المعيار المنهجي ، يعرّض مسيرة النهوض ، والتنوير ، القومي العربي ، إلى
مخاطر جسيمة ، وسرعان ، ما صدقت ، تلك ، الرؤية الموضوعية ، وتبيّن ،
أنها ، ليست مجرد ، نبوءة ، فاستمر التخبط ، داخل التيار القومي العربي ،
وتفاقمت الصراعات ، وتهيأت جميع العوامل ، لتدخل الأمة ، نفق ، هزائم
الخامس من حزيران - يونيه 1967 ، والتي ، مازالت ، الأمة ، تتلمس
الطريق ، للانعتاق ، من ظلامها الدامس .. ، تلك الهزائم ، التي ، أدت ،
فيما ، أدت إليه ، إلى ، انحسار التيار ، النهضوي ، القومي العربي ،
والذي ، لم يعد يهابه ، أحد ، وبالتالي ، لم ، يعد هناك حاجة ، للصفقات
السرية ، مع المستوطنات الصهيونية ، أو ، مع ، قوى الهيمنة الخارجية ،
بل ، باتت ، تلك الصفقات ، تجري في العلن ، ووسط "كرنفالات تاريخية" ،
وحتى ، الذين ، ينكرون وجود الأمة العربية ، في الداخل العربي ، لم
يعودوا ، بحاجة ، للاختباء وراء إيديولوجيات ، وأفكار معينة ، وإنما ،
باتوا ، يعلنون مواقفهم ، جهاراً ، نهاراً ، ويعبرّون ، عن أحلامهم ،
حتى ، بتجزئة "الدول الواقعية" ، وبإقامة "كونتونات" ، بحجم ، ما
يدعون ، إليه ، سواء ، كانت ، طوائف ، أو مذاهب ،أو إثنيات ، أو حتى ،
عائلات ...!

( 55 )

لم يكن القصد ، مما تقدم ، مجرد السرد التاريخي ، وإنما ، بيان ، أهمية
مسألة المنهج الفكري ، وما يترتب عليه ، من ، البناء المؤسساتي ، ومخاطر
غيابه ، وأنه ليس ، مجرد ترف فكري ، يمكن تجاوزه ، وأن ، عملية البحث ،
في منهج ، نهضوي ، تنويري ، معاصر ، للقومية العربية ، أكثر إلحاحاً ،
وأكثر ، من حاجة ، وأبعد أثراً ، من ضرورة ، فمصير ، المشروع القومي
العربي ، وجوداً، أو عدماً ، يرتبط ، إيجابا ، أو سلبا ، بالمسألة
المنهجية ، وأن ، الإصرار ، على اعتماد ، منهج نظري ، يميّز ، القوميين
العرب النهضويين ، التنويريين ، لا يعني ، أنهم ، يبحثون عن الامتياز ،
بأنهم ، يبدعون منهجهم الفكري ، المختلف ، بدليل ، أن ، التيار القومي
العربي ، وفي أوج عنفوانه ، وانتشاره ، لم يكف ، عن اختبار ، مناهج ،
الذين ، وفدوا إليه ، بمناهجهم ، وبنظرياتهم ، المختلفة ، والمتناقضة ،
وإذا كان الهدف ، من اعتماد ، منهج محدد ، لجماعة بشرية محددة ، هو ،
توحيد الجهود ، والإمكانيات ، لتصب ، جميعها ، في اتجاه الهدف المحدد ،
فلا تضل ، تلك الجماعة ، الطريق ، فإن ، حصيلة عمل تلك المناهج ، وحصيلة
آثارها ، في التيار القومي العربي ، كان ، كارثياً ، على ، التيار القومي
العربي ، فأضافت إلى المشكلات القائمة ، مشكلات جديدة ، وتفرقت ، بهم ،
السبل ، وتعددوا ، بعدد ، تلك المناهج ، تفتيتاً ، وصراعات ، مما ، زاد
في الطين بلة ..

o فمنهم ، من اتجه ، إلى المناهج ، التي ، يطلقون عليها في
الغرب ، مناهج علمانية ... ففرقت بينهم ، قوميين ، وأمميين ، إقليميين ،
وليبراليين ، شموليين ، وديمقراطيين ، رأسماليين ، واشتراكيين ، ثم ،
فرقت ، داخل كل فرقة ، من أولئك ، إلى ، فرق ، بعدد المدارس ، والفرق ،
المنتشرة في العالم أجمع ، داخل ذات المنهج ..!

o ومنهم ، من اتجه إلى المناهج الدينية ،ففرّقت ، بينهم ، أولا ،
مؤمنين ، وغير مؤمنين ، ثم ، مسلمين ، وغير مسلمين ، ثم ، فرّقت بين
المسيحيين ، بعدد طوائفهم .. ، ثم ، فرّقت بين المسلمين ، بعدد مذاهبهم ،
ثم فرّقت بين المتنورين ، المعتدلين ، وبين المتشددين الإرهابيين ، داخل
كل مذهب ، وطائفة ..... ، وهكذا .....!

o ومنهم ، من اتجه ، للخروج ، من هذا المأزق ، برفض ، فكرة ،
المنهج ، والنظرية ، من الأساس ، تحت راية ، التعامل مع الواقع ، بدون ،
كل ، هذه التعقيدات ، لكن ، تلك الواقعية ، لم ، تعصمهم ، من التفرق ،
بعدد الواقعيات ، التي ، فرضت نفسها ، على ، الأرض العربية ، من أول
التجزئة ، إلى ، آخر عوامل التفتيت الأخرى...

o ومنهم ، من ، لاذ ، بأحد ، عناصر مكونات الأمة ، الحضارية ،
لحصر الانتماء ، والهوية ، بهذا الجزء ، أو ، ذاك ، فتفرقوا ، بعدد ،
تلك ، العناصر ، وما أكثرها ..!

وهكذا ، لم ، ينقض العقد السابع ، من ، القرن العشرين ، إلا ، والتيار
القومي العربي ، الذي ، كان تياراً جامعاً ، قد بدا ، وكأنه ، يتبدد ،
ويضيع ، في ، خضم تلك البرية العربية ، المضطربة ، والمخترقة ،
والمستهدفة ، من ، الداخل ، انقساماً ، واقتطاعاً ، واستبدادا ،
ومستهدفة ،من الخارج ، سطواً ، واعتداء ، واستنزافاً ...

هكذا ، تحول ، التيار القومي العربي ، من ، تيار متوحد ، موحد للأمة ،
بكل ، مكوناتها ، وعناصرها ، إلى ، تيارات متضاربة ، تغذي الاضطرابات
المشتعلة ، في الأمة ، فتناً ، واقتتالاً ، واستبداداًً ..!

( 56 )

الآن ، ونحن ، نتلمس الطريق ، للخروج ، من المأزق ، واستئناف مسيرة
النهوض ، والتنوير العربي ، لا يمكن ، أن ، نغفل ، عن تلك التجربة المرة
التي مررنا ، بها ، ولهذا ، قلنا ، أننا ، لا نعود إلى الصفر ، أو ، لا
نبدأ من الصفر ، وإنما ، نضع تلك التجربة ، تحت الدراسة المعمقة ،
ونخرج ، من دهاليزها ، وأنفاقها ، وصراعاتها ، ونحصّن ، البناء النهضوي ،
الجديد ، ضد عوامل الفشل ، والإحباط ، بدءاً ، بالتأسيس ، ولهذا ، نقول ،
أن المنهج الفكري ، ليس ، حجر الأساس ، وحسب ، وإنما ، يرافق مشروع
النهضة ، والتنوير ، في مسيرته ، ويدخل ، في مكونات التأسيس ، صعوداً ،
إلى حيث ، يجب ...

قلنا ، أنه ، في عقد الستينات ، من القرن المنصرم ، تحديداً ،
تنبه المفكرون العرب ، إلى الأخطار ، التي تتعرض لها المسيرة النهضوية
العربية ، دون منهج فكري ، محدد ، وواضح ، وأن ، ذلك ، المد الجماهيري
العربي ، الأفقي ، مهدد بالانفراط ، والهزيمة ، إذا ، لم ، يرافقه
تعمّق ، عمودي عقائدي ، يحصن المسيرة ، برمتها ، وفي تلك الفترة ،
بالتحديد ، بدأت ، تظهر محاولات ، نظرية ، ومنهجية ، بالغة الأهمية ،
تعتمد ، التراث الحضاري للأمة ، وتلحظ التراث الفكري ، الإنساني ،
وتطوره ، عبر الزمان ، وإذا ، كان هذا ، كله ، لم يلق ، الاهتمام ، الذي
يستحق ، في حينه ، وأنه ، ضاع ، تحت ، ركام ، الصراعات السياسية ، وغير
السياسية ، العنيفة ، والمستعرة .. فقد ، آن الأوان ، أن ، نكشف عليه ،
نتحاور ، فيه ، وحوله ، ونبني عليه

زهير 03-11-2009 09:34

على بســــــــاط الثــــلاثاء
43
يكتبها : حبيب عيسى

البيان ... "17" ...

"الطليعة العربية"
في المنهج ، أيضاً ...

( تتمة ... "17" ... البيان ... )

( 57 )

إننا ، إذ ، نقر ، بصعوبة المهمة ، التي نتصدى ، للبحث فيها ، ندرك ، في الوقت ذاته ، صعوبة الفرز ، والتقييم ، لما قدمه "المفكرون القوميون العرب" ، في تلك المرحلة ، "ستينات القرن الماضي" ، وما تلاها ، من أفكار ، ومشاريع ، ومقترحات ، لحل مشكلة "المنهج" ، في ، التيار القومي العربي ، ذلك ، أن ، هناك ، سمة أساسية ، للمنهج العلمي ، فهو ، إما صحيح ، وإما خاطئ ، وهذا يعني ، أن على "الطليعة العربية" ، أن ، تعتمد منهجاً محدداً ، بمواصفات الثبات ، في ، وحدته القياسية ، التي تحدد اتجاه النظرية ، في المسارات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ..
بحيث ، تضبط الحركة ، في ، المسارات المختلفة ، فلا تضل ، الكوادر ، ولا تنحرف ، ولا تتصادم ... وهذا يعني ، أن علينا ، أن نعتمد ، منهجاً محدداً ، دون إنكار الجهود الجادة ، التي ، بذلها مفكرون عرب آخرون ، في ، هذا الصدد ... ، فقد أوضحنا ، في "الفقرة السابقة" ، كيف ، أن ، مقولة "نأخذ من المناهج ما نريد ونترك ما نشاء" ، قد أوصلتنا إلى الكوارث ، التي نعيش ......

( 58 )

" جدل الإنسان " ، هو ، المنهج العلمي ، الذي ، نقترحه على مؤسسات "الطليعة العربية" ، التحضيرية ، والمؤقتة ، والتأسيسية ، والنهائية ، لدراسته ، ومن ، ثم ، اعتماده ديمقراطياً ، عبر ، تلك المؤسسات ، إذا ، رأت ذلك ، فهي ، وحدها ، كما قلنا ، سيدة قرارها ، بما يتعلق ، بالمنهج ، وبغير المنهج ، وبكل ، ما يتعلق ، بمسار "الطليعة العربية" ، وجوداً ، وممارسة ، تأسيساً ، ومآلاً ...!
يقول ، د. عصمت سيف الدولة ، صاحب "منهج جدل الإنسان" ، ومبدعه ، في تقديم منهجه ، أو منهجنا ، إذا شئتم : (( .. لقد بدأت البحث .. في تاريخ معاصر /1957/ .. استجابة تلقائية ، لحديث الوحدة المرتقبة ، في ذلك الحين ، ومنذ ذلك التاريخ ، أعطيته كل ما أمكنني ، من جهد ، واستطعت فيما اعتقد أن أوفر له ، من ضمانات البحث العلمي ما قدرت عليه ، من نفسي ، فجاء مجرداً ، من التحيز ، والتعصب ، والخوف ، أما المضمون ، فهو كل ما عندي من اجتهاد ، مهما كنت مقتنعاً به ، فإني مقتنع أيضاً ، بأن مناط الصواب ، والخطأ ، هو الحقيقة الموضوعية ، لا ما يدعيه المؤلفون .. لقد تعرضت ، لكل ما أعرفه من آراء ، ونظريات ، ومفاهيم مقارنة ، وحواراً ، كما تناولت .. معالم البناء الاجتماعي ، سياسة ، واجتماعاً ، وفناً ، وأدباً ، وأخلاقاً ، ولما رأيت ، أن تلك الفكرة الواحدة ، قد استطاعت ، أن تكون قاعدة ، لمفاهيم عديدة ، دون تناقض ، بينها ، توهمت أنني أتيت بشيء يستحق أن يخرج للناس ، وربطت بينه ، كقاعدة انطلاق ، وغايته ، كحياة مقبلة ...)) ، هذا ، ما قاله شيخنا ، منذ نصف قرن ، أما ، نحن ، فنعترف ، الآن ، بصعوبة انتزاع "منهج جدل الإنسان" ، من السياق ، الذي ، جاء فيه ، عبر أجزاء "نظرية الثورة العربية" ، السبعة ، للدكتور عصمت سيف الدولة ، والتي برزت ، علنا ، اعتباراً من عام 1965 ، حيث جاء " جدل الإنسان " ، ضمن سياق حوار معمق ، مع ما سبقه ، وما عاصره ، ثم ، في الرؤية ، للمستقبل .. ، لهذا ، فإننا ، هنا ، نلخصّ ، قدر الإمكان ، قوانينه ، وثوابته ، مع الاعتراف ، أن ، أمر التعمق ، والبحث ، والدراسة ، في "جدل الإنسان" ، يبقى مرهوناً ، بالعودة إلى ، المتن الأصلي ، للنص ، في ، مراجعه المشار إليها ...

( 59 )

ينطلق " جدل الإنسان " ، من ، القوانين الثلاثة ، المتفق عليها ، بين ، جدلية هيجل ، المثالية ، وجدلية ماركس ، المادية ، ويختلف معهما ، في ، القانون الرابع ، المتعلق ، بالجدل ، الذي افترضه ، هيجل ، في ، الفكر ، ثم ، افترضه ، ماركس ، في ، المادة ، ليكشف ، "منهج جدل الإنسان" ، عن ، أن ، "الجدل" ، يتم ، في الإنسان ، ذلك ، الكائن ، الذي ، يشكل وحدة من المادة ، والذكاء ، يمارسه الإنسان ، وفق ، قانونه النوعي .
نبدأ ، أولاً ، بالقوانين الثلاثة ، الأولى :
أولاً : يقول القانون الأول ، إن الطبيعة شيء واحد ، ترتبط فيه ، الأشياء ، والظواهر ، ارتباطاً عضوياً ، فيما بينها ، ويقوم بعضها ، على بعض ، ويكيّف بعضها ، بعضاً ، بالتبادل ، ويمكن تلخيص هذا القانون ، في ، أن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، مؤثر ، في غيره ... فقط ، يضاف إلى هذا القانون ، ما أضافته "النسبية" ، من ، حيث مدى ، التأثير ، والتأثر .
ثانياً : القانون الثاني ، يقول : أن ، كل شيء في حركة دائمة .. ، بعد ، أن ثبت ، فعلاً ، أن الذرة ، التي ، كانت تعتبر ، وحدة الأشياء ، عامرة ، بالحركة المستمرة ، التي ، لا تتوقف ...
ثالثاً : القانون الثالث ، يقول : أن ، التغيرات الكمية ، تؤدي إلى ، تغييرات كيفية ، وإذا ، كان ، الذين شرحوا ، هذا ، القانون الثالث ، قالوا ، أن ، التغيرات الكمية ، هي ، التي ، ( لا دلالة عليها ) ، وأن ، التغييرات الكيفية ، هي ( الظاهرة ، والجذرية ) ، فإن منهج ( جدل الإنسان ) ينبه ، إلى ، أن ، ما يقال عنه ، ( دلالة ) ، و ( ظهور ) ، و ( جذري ) و ( خصائص أخرى ) ، ليس أكثر ، من ( إدراك ) ، لمدى التغيير ، والمادة ( كما هي ) تشير إلى قوانين ، حتى ، لو لم ندرك ، نحن ، هذه القوانين ، أي ، أن قصور حواسنا ، أو حتى ، أدواتنا العلمية ، حالياً ، عن إدراك ( دلالة ) التغييرات ، لا يعني ، أنها تغييرات كمية ، وليست كيفية .. وذلك ، للتأكيد ، على ، أن تقسيم التغييرات ، إلى ، مرحلة ( كمية ) ، ثم ، مرحلة ( كيفية ) ، هو ، تقسيم فكري ، لمراحل التطور .. باختصار ، فإنه ، عندما ، تصل التغييرات الكمية ، إلى مرحلة ، أو ، إلى نقطة معينة ، تتغير ، فيها ، خصائص المادة ، نوعياً ، وبهذا تتحول الأشياء ، من ، شيء ، إلى ، شيء مختلف .. ، ولمعرفة ، حركة المادة ، لابد من ، إضافة ، تمنع الخلط ، بين الأنواع ، وهي ، أن ، كل نوع ، من الأشياء ، كالنبات ، أو الحيوان ، أو الجماد ، وكل ، نبات ، وحيوان ، وجماد ، على حدة ، وكل تركيب ، في ، أي نبات ، أو حيوان ، أو جماد ، له ، قوانينه الخاصة ، التي تحدد ، مدى تأثيره ، في غيره ، وتأثره ، بغيره ، من المواد ، والتي ، تقسم علمياً ، بالنسبة إلى ، كل ، نوع ، فيقال ، قوانين ، علم النبات ، أو الحيوان ، أو الجيولوجيا ، مثلاً ...

( 60 )

يمكن ، لنا ، بعد تلك اللمحة الموجزة ، صياغة القوانين الثلاثة ، السالفة ، فنقول : إن ، كل شيء ، متأثر بغيره ، ومؤثر ، في غيره ، وهو يمارس ، هذا التأثير ، والتأثر ، خلال حركته الدائمة المستمرة ، التي ، لا تتوقف ، والتي تؤدي ، أثناءها ، كمية ، التأثير ، أو التأثر ، إلى ، أن تتغير خصائص ، الشيء نفسه ، بحيث ، تتغير هذه الخصائص ، تدريجياً ، وإن ، كنا ، لا نستطيع ، أن نحسّ ، هذا التغيير التدريجي ، في الظاهر ، وعندما ، تصل ، كمية التأثير ، أو ، التأثر ، إلى درجة ، تختلف ، باختلاف القوانين ، التي تحكم الشيء ، المتأثر ، يفقد ، هذا الشيء ، خصائصه ، ومظهره الأولين ، وتصبح له ، خصائص ، ومظهر آخر ، بحيث ، يختلف ، نوعياً ، عن الشيء الأول ، أي ، تلحقه ، خصائصه الجديدة ( بنوع ) ، من الأشياء ، غير النوع ، الذي ، كان ينتمي إليه ، أولاً ... ، ثم ، وفي ، كل لحظة ، وما هو ، أقل ، من اللحظة ، وفي ، كل مكان معروف ، أو غير معروف ، تعمل هذه القوانين ( معاً ) ، فيكون الناتج ، تأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، فتأثيراً ، فتأثراً ، فتحولاً ، وهكذا ، في ، حركة دائمة ، وتحّول مستمر .. ، وإذا ، كان هذا ، كله ، ينطبق ، على الأشياء ، من ، أول ، الذرات ، إلى آخر ، المجرات ، ويتحول ، كل شيء ، وفق ، قانونه النوعي ، بالتأثر ، والتأثير ، والحركة الدائمة .. ، أما ، القانون الرابع ، وهو "الجدل" ، الذي ، لا يتم ، إلا ، بتقابل نقيضان ، في محتوى واحد .. ، والتناقض ، يؤدي ، إلى صراعهما ، الذي يستمر ، إلى ، أن يحل ، التناقض ، فيخرج ، منهما ، أي ، من باطن الشيء ، الذي اجتمعا ، فيه ، شيء ثالث ، مختلف ، عنهما ، وبالتالي ، يعتبر ، بالنسبة إليهما ، خطوة إلى الأمام ، أو تقدماً ، فجوهر ، العملية الجدلية ، أن ، يجتمع نقيضان ، وحيث ، لا يوجد تناقض ، لا تقوم عملية الجدل ، أو ، لا يوجد صراع ، وإن ، وجد التناقض ، فلابد ، من الصراع ، ولابد ، أن ينتهي هذا الصراع ، إلى ، خلق جديد .. ، فالجدل ، بهذا المعنى ، هو ، عملية ، خلق ، وتجاوز ، وإضافة ، إنه ، خطوة ، إلى الأمام ، تحل من خلالها ، مشكلة ، تصبح من الماضي ، ويتحقق ، بها ، جديد ، في المستقبل .. ، نطلق عليه ، مصطلح ، ( التطور ) ، وبهذا ، نحدد الفرق ، بين ، التحول ، وبين ، التطور ، فالتحول ، يتم ، وفق ، القوانين الثلاثة الأولى ، ويطلق ، على الحركة ، دون إضافة ، أما ، التطور ، فيطلق ، على الإضافة ، خلال ، الحركة الجدلية ، والتي تتأتى ، من ، إعمال ، القانون الرابع .. ومؤدى ، الجدل ، أيضاً ، أن ، التناقض ، والصراع ، لا ينتهي ، بإلغاء أحد النقيضين ، والإبقاء على الآخر .. ، وإنما يستمر التناقض ، ومعه الصراع ، إلى ، أن ، ينتهي إلى حل جديد ، يزول ، به ، التناقض ، ويتجاوز ، به ، التطور ، وجود النقيضين ...، وهكذا ...إلى تناقض جديد ....
فأين ، يتقابل النقيضان ...؟ ، وأين، يجتمعان في محتوى واحد ..؟ الجواب : في "الإنسان" ... ، فالمادة ، تتحول ، دون جدل ، والفكر ، الذي ، يخرج عن قواعد المنطق ، يعتبر ، هذياناً ، فلا يبقى ، إلا ، أن نبحث ، عن ، الجدل الخلاق ، في تلك الوحدة ، التي ، يجتمع فيها الفكر ، والمادة ، لا ينفصلان ، ولا يختلطان ، إنه ، الإنسان ، فأسميناه " جدل الإنسان " .

( 61 )

فالإنسان ، كما ، أنه ، كائن عضوي ، يتكوّن ، من لحم ، ودم ، وعظم ، وآلاف المركبات الكيميائية ، فهو ، بالإضافة إلى ذلك ، كائن ذكي ، أيضاً ، فهو ، وحدة نوعية ، من ، الذكاء والمادة ، وقد ، استطاع أن يكتشف ، كثيراً من القوانين ، التي تنظم نشاط الإنسان ، وأن ، يثبتها ، بالاختيار ، والتجربة ...، وللإنسان ، قدرة على التذكر ، والإدراك ، والتصور ، والعمل .. والتذكر ، واسترجاع الماضي ، فالماضي ، الذي لا تدركه سائر الكائنات ، لا ينقضي ، بالنسبة ، للإنسان ، بل يحتفظ ، به ، ويسترجعه ، في ذاكرته ، ويستطيع ، الإنسان ، أن ، يدرك الروابط ، التي حكمته ، ويعلل وقوعه ، ثم ، يستطيع ، أن يتصور المستقبل مستخدما ذات العناصر التي استرجعها من الماضي ، وأن يعيد تركيبها ، على أساس القوانين ، التي أدركها ، وبتلك القدرة ، على ، استرجاع الماضي ، وإدراكه ، وتصور المستقبل ، يتحدد ، أي ، نمط ، من سلوك الإنسان ...
ثم ، أن ، كون "الحركة الجدلية" ، تتضمن ( التذكر ، فالإدراك ، فالتصور ) ، لا يعني ، أنها ، حركة فكرية ، أو ، أن ، الجدل ، "جدل فكري" ، فالتذكر ، هو ، تذكر ، يشمل المادة ، والإدراك ، يشمل إدراك ، قوانين المادة ، والتصور ، تركيب ذهني ، للمادة ، فالمادة ، هي ، محتوى الفكر ، والفكر ، محيطها ، الذي يتحدد ، بها ، وتتحدد ، به ، وتكون ، معه ، وحدة ، لا يمكن انفصامها ، ولذلك ، قلنا ، إنه "جدل الإنسان" ، ولم ، نقل ، إنه "جدل الفكر" ، فالفكر ، ليس إلا خاصة ، من خصائص ، ذلك الكائن ، المتكون ، من ، مادة وذكاء ، الذي يسمي "الإنسان" ، ..والعمل ، هو ، الحركة الأخيرة ، في الجدل ، فالحركة الجدلية ، إذ ، تبدأ من مشكلة ، تسهم ، فيها المادة ، تنتهي ، إلى ، حل مادي ، يسهم فيه ، الفكر ...

( 62 )

لو ، كانت هذه ، الحركة ، التي يقوم ، بها ، الإنسان ، والتي ، تضبط ، أي ، نمط من سلوكه ، وبالتالي ، تعتبر ، بالنسبة إليه ، قانوناً نوعياً ، "حركة جدلية" ، لكان ، حتماً ، أن ، تكون منطوية ، على نقيضين ، في محتوى واحد ، وأن ، يكون النقيضان ، في صراع دائم ، وأن يخرج ، من الصراع ، شيء ثالث ، أكثر تقدماً ، من النقيضين .
النقيضان ، في ، "جدل الإنسان" ، هما ، الماضي ، والمستقبل ، اللذان ، يتبع أحدهما ، الآخر ، ولا يلغيه ، ولا يلتقي ، به ، قط ، ومع ، هذا ، يجمعهما الإنسان ، ويضعهما ، وجهاً ، إلى ، وجه ، في ، ذاته .
والماضي – بالنسبة إلى الإنسان – مادي جامد ، غير متوقف ، عليه ، وغير قابل ، للتغيير ، وبمجرد وقوعه ، يفلت ، من ، إمكانية الإلغاء ، ولكن ، الإنسان ، إذ ، يعرف ، عن طريق استرجاعه ، للماضي ، كيف وقع ، يدرك امتداده التلقائي ، في المستقبل ، والمستقبل ، بالنسبة إلى الإنسان ، تصور ، لا يحّده ، قيد من الزمان ، أو المكان ، وأقصى مستقبل ، لأي إنسان ، أن ، تتحقق جميع احتياجاته ، وفي ، الإنسان ، يجتمع النقيضان ، وتثور المشكلة ، بالصراع ، بين ، الماضي ، ممتد ، تلقائياً ، في ، المستقبل ، وبين ، المستقبل ، الذي ، يريده الإنسان .. وتكون المشكلة ، التي تعبر ، عن الصراع ، كامنة ، في ذلك الفرق ، بين ، الواقع المسترجع ، من الماضي ، وبين ، المستقبل ، الذي يريده الإنسان ، ويعبر ، عنه ، تعبيراً سلبياً ، بالحاجة .. ، ويتم ، الصراع ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، حيث ، يلتقيان في الإنسان ، ولا نقول الحاضر ، إذ ، لا وجود ، لما ، يسمى ، الحاضر ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، إلا ، إذا ، ألغينا الزمان ، عند ، نقطة الالتقاء تلك – في الإنسان – يكون الصراع ، ويكون الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، متضمناً إضافة جديدة .. فالإنسان ، في ، كل لحظة ، وفي ، كل مكان ، يخلق مستقبلاً ، متفقاً ، مع ، حاجة الإنسان ، وظروفه ، أي ، خالياً ، من جمود الماضي ، ومن خيال المستقبل ، أما ، أداة الخلق فهي ، العمل ، الذي يحل التناقض ، وتتم ، به ، الحركة الجدلية ، التي تتسق ، بفعل الماضي ، والمستقبل ، ذاتهما . إذ ، أن ، الحل ، الذي يتحقق ، بالعمل ، إضافة ، ينتهي إلى ، تناقض جديد ، لأن ، ما يتحقق ، فعلاً ، يلحق ، فور تحققه ، بالماضي ، فالزمان ، لا يتوقف ، وبذلك ، تنشأ ، نقطة التقاء جديدة ، بين ، الماضي ، والمستقبل ، في الإنسان مرة أخرى ، أيّ ، صراع جديد ، ومشكلة جديدة ، ويسهم الحل الذي ، كان ، مستقبلاً ، ثم ، أصبح ، ماضياً ، بتحققه ، في ، إغناء الماضي ، الذي ، يسترجعه الإنسان ، وهو ، يواجه مستقبله الجديد .. فينشأ ، صراع جديد ، ثم ، يحل ، وهكذا ... ، وفي ، تاريخ الإنسان ، انتقل هذا ، الجدل ، من البسيط ، إلى المركب ، ومن المحدود ، إلى ، الأكثر شمولاً ، وكلما ، زادت تجارب الإنسان ، اغتنت ذاكرته ، فاتسعت تصوراته ، وزادت حاجاته ، فزادت مشكلاته ، فأبدع ، لها ، مزيداً من الحلول ، ولهذا ، لم ، يستو تقدم الإنسان ، على ، نسبة واحدة ، وأصبح ، يحل ، في شهور ، ما كان ، يحله ، في قرون ، مع ، أن مشكلاته ، قد ، تضاعفت ..

( 63 )

وإذا ، كان ، الجدل ، قانوناً خاصاً ، بنوع الإنسان ، فإن ، الإنسان ، لا يفلت من القوانين الكلية ، التي ، تحكم الطبيعة ، وهو ، جزء ، منها ، يتأثر ، ويؤثر ، في حركة دائمة ، وتغير مستمر ، وتحكمه ، تلك القوانين ، كوحدة ، من ، الذكاء ، والمادة ، فهو ، لا يستطيع ، مهما كان ، ذكياً ، أن ، ينفصل ، عن الظروف ، التي تحيط به ، ولا يستطيع ، أن ، لا يتأثر ، بها ، أو ، أن يتوقف ، عن التأثير ، فيها ، ولا يستطيع الإنسان ، مهما ، كانت إرادته ، أن ، يجمّد ، نفسه ، فلا ، يتغير ، عضوياً ، وفكرياً .. لهذا ، فإن "جدل الإنسان" ، كقانون ، يتعطل ، إذا ، لم يكن الجدل ، في حركته ، مستنداً ، إلى ، المعرفة العلمية ، للطبيعة ، وقوانينها ، واستعمال ، تلك القوانين ، استعمالاً ، صحيحاً .. لهذا ، نقول ، أن ، المعرفة العلمية ، بقوانين الطبيعة ، هي ، شرط ، قانون الجدل ...، ومن ، هنا ، يختلف "جدل الإنسان" ، عن ، "الجدلية المثالية" ، لأن ، التناقض ، لا يقوم ، بين ، أفكار ، ولا يحل ، بأفكار ، بعيداً عن المادة ، ولكنه ، تناقض ، بين ، ماض مادي ، وتصور مستقبلي ، للمادة ، يحل ، بتشكيل ، ذكي ، للمادة .. كذلك ، يختلف ، "جدل الإنسان" ، عن ، "الجدلية المادية" ، لأن ، "الجدل" ، لا يتم ، إلا ، في ، الإنسان ، فهو ، الجدلي الوحيد ، والمادة ، غير ، جدلية .. وعن ، طريق "جدل الإنسان" ، يقود الإنسان مصيره ، ويبدع مستقبله ، وقد استطاع ، فعلاً ، أن ، يحقق هذا ، في المجالات ، التي ، أحاطت ، بها ، المعرفة العلمية .. وبهذا ، يختلف "جدل الإنسان" ، عن ، المذاهب الميتافيزيقية ، من ، أول ، ثنائية ديكارت ، التي ، تفصل الفكرة ، عن ، المادة ، وتقيم ، منهما ، أسا سين ، للعالم ، مختلفين ، ومنفصلين ، إلى ، المثالية الشخصية ، التي قال ، بها ، بيركلي ، وأنكر ، فيها ، وجود ، قوانين طبيعية ، إلى ، المثالية الموضوعية ، التي ، قال فيها هيجل ، وأوجد ، فيها ، القوانين في عالم الفكر ، دون عالم المادة ، إلى ، الوضعية ، التي ، لا تعرف ، إلا ، المعامل منهجاً للمعرفة ، في ، حين ، أنها ، لا تستطيع ، أن ، تدخل ، الظواهر ، في معاملها التجريبية ، إلا ، إذا ، فصلتها ، عن تاريخها ، وعن ، علاقتها ، بالكون ، الذي ، تعيش ، فيه ، وهي ، لا تستطيع ، على أي حال ، أن ، تجري تجربة اجتماعية .. ، إلى ، آخر الوجودية ، التي ، لا تعرف شيئاً ، غير ، وجود الإنسان ، وتلغي الكون ، كله ، بإسقاطه ، بالعدم ...
إن ، "جدل الإنسان" ، يفترق ، عن ، تلك المناهج المختلفة ، والمتباينة ، بأن ، الإنسان ، سيد قراره ، وبالتالي ، فإن ، حرية الإنسان ، شرط لازم ، ليعمل قانون الجدل ، فيتطور ، ويطور مجتمعه ، هو ، الذي يتعامل مع مختلف عناصر الطبيعة ، والكوكب ، والكون ، ويوظفها ، ويحولها ، ويكتشف قوانينها النوعية ، ويبدع هذا التطور الذي نشهده في العالم ، وليس ، الإنسان ، كما ادعّت المناهج المشار إليها ، مجرد ، أداة ، لهذا ، العنصر ، أو ، ذاك ، سواء كان ، ماديا ، أو ، غير مادي ....

( 64 )

دعونا بعد ، كل ، ما تقدم ، أن نضع "منهج جدل الإنسان" ، في ، صيغ قانونية ، للتطور الاجتماعي ، فنقول : 1 – في الكل الشامل للطبيعة ، والإنسان ، 2 – كل شيء ، مؤثر في غيره ، متأثر ، به ، 3 – كل شيء في حركة دائمة ، 4 – كل شيء في تغير مستمر ، 5 – في إطار هذه القوانين الكلية الثلاثية يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي ، 6 – وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره ، 7 – في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ، 8 – ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل ، 9- إضافة فيها من الماضي ومن المستقبل ، 10 – ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد .
فكيف يمارس الناس ، أفراداً ، وجماعات بشرية ، الجدل ؟ ، ما هي العوامل ، التي تفعّل ، قانون "جدل الإنسان" ، وبالتالي ، يتسق ، التطور ..؟ وما هي المعوقات ، التي ، تعطل أعمال قانون "جدل الإنسان" ، وبالتالي ، تضطرب مسيرة التطور ، والإبداع الإنساني ...؟؟
( يتـــــــبع ... "18" ... البيان ... )
حبيب عيسى
Email:habib.issa@yahoo.com

زهير 03-11-2009 09:38

على بســــــــاط الثــــلاثاء

44



يكتبها : حبيب عيسى



البيان ..."18" ...





"الطليعة العربية"

جدل الإنسان



( تتمة ... "18" ... البيان ... )



( 65 )



في ، الفقرات السابقة ، نقلنا "منهج جدل الإنسان" ، باختصار شديد ، قدر الإمكان ، "بتصرف" ، عن مصدره ، في الأجزاء السبعة "لنظرية الثورة العربية" ، مؤكدين ، مرة أخرى ، أن هذا النقل ، لا يغني ، عن العودة إلى الأصل ، الذي ، أبدعه ، عصمت سيف الدولة ، والذي ، أغناه ، بالدراسة ، والحوار ، مع المناهج ، والنظريات ، التي سبقته ، والتي عاصرته ...

وإذا ، كنت ، أقترح "منهج جدل الإنسان" ، ليكون ، منهجاً "للطليعة العربية" في العقد الأول ، من القرن الواحد والعشرين ، فإن ، من حقي ، أولاً ، ومن واجبي ، قبل ذلك ، أن أعلل هذا الاقتراح ، وأن أوضح ، قدر الإمكان ، الأسباب الموجبة ، وراء هذا الاقتراح ... ، فأقول :

أولاً : إن ، مشكلة المنهج ، في الوطن العربي ، كانت ، تزداد إلحاحاً ، مع تطور التيار القومي العربي ، وبلغت ذروتها ، مع خمسينات القرن المنصرم ، عندما ، امتد التيار القومي العربي ، أفقياً ، إلى درجة كاسحة ، كان ، أكثر من كاف ، كان ، فائضاً عن حاجة التيار القومي العربي ، لتحقيق أهدافه ، في تقرير المصير ، لو ، امتلك ، ذلك التيار ، منهجاً ، يوحد الطاقات ، ويستثمر ، ذلك ، المد الجماهيري الجارف ، وأن ، تلك المشكلة ، مشكلة "المنهج" ، باتت ، الآن ، وفي هذا الزمن الصعب ، أكثر إلحاحاً ، لا يوازي التهرّب من حلها ، إلا ، تفاقم هذا النكوص العربي عن التطور ، والإبداع ، والتقدم ..



( 66 )



ثانياً : إن ، مشكلة المنهج ، بالإضافة إلى أنها ، مشكلة عربية ، هي ، في الوقت ذاته ، مشكلة إنسانية ، شاملة البشرية ، جمعاء ، ذلك ، أن ، هذا النظام الدولي السائد ، قام على أفكار تبلورت ، في القرن التاسع عشر ، فنشأ ، "الحلف المقدس المسيحي" ، ثم ، "عصبة الأمم المتحدة" ، في الربع الأول من القرن العشرين ، ثم ، "هيئة الأمم المتحدة" ، في منتصفه ، وتبلور الصراع ، بعد الحرب العالمية "الأوربية، الثانية ، بعالم اشتراكي ، وعالم رأسمالي ، وعالم هجين ، بينهما ، ومع تفاقم ، المشكلة المنهجية ، في الوطن العربي ، مع عقد الخمسينات ، وما ، بعد ، من القرن الماضي ، تفاقمت الأزمة المنهجية ، في ، كلا النظامين الدوليين الرئيسين ، حيث تفاقمت الأزمة المنهجية داخل المعسكر الاشتراكي ، فدمر الاستبداد المنهجي ، أنبل الأفكار الإنسانية ، لإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، بينما ، تمكنت الرأسمالية المتوحشة في المعسكر المقابل ، من ، التهام ، أفكار التنوير والأنسنة ،والحرية ، والمساواة ، وإذا ، كانت ، الديمقراطية ، مع ، ما تتعرض له من انتقادات ، وتشوهات ، قد ، أخرّت ، حتى الآن ، انهيار النظام الرأسمالي ، الذي يصّدر أزماته ، إلى ما يسمونه ، العالم الثالث ، عبر ، النهب المنظم ، لثرواته ، وإشباع حاجات المجتمعات ، في ، أنظمتهم الرأسمالية ، على ، حساب شعوب العالم الأخرى ، فإن ، هذا ، لن يدوم طويلا ... ، ولعل بوادر انهيار النظام الرأسمالي بدأت تلوح في الأفق ..



( 67 )



ثالثاً : إن ، أزمة النظام العالمي ، والأزمات المنهجية ، التي تفجرت ، بخاصة ، داخل المعسكرين ، الاشتراكي ، والرأسمالي ، انعكست على الأزمة المنهجية ، في الوطن العربي ، وتداخلت ، مع ، الموروث الحضاري ، والفكري ، للأمة العربية ، إضافة ، إلى إشكالات الواقع العربي ، المضطرب ، في القرن العشرين .. هذا ، بمجمله جاء ، إضافة إلى الأساطيل العسكرية ، التي ، تتنزه في المياه الإقليمية العربية ، من مختلف أرجاء العالم ، وإضافة ، للقواعد العسكرية الأجنبية ، المنتشرة على الأراضي العربية ، تحت أعلام مختلفة ، وإضافة ، للشركات محددة الجنسية ، وللشركات متعددة الجنسيات ، التي ، تستثمر ، وتسمسر ، على ، الثروة العربية ، بين المحيط والخليج ، وإضافة ، إلى ، "الدول الفعلية" ، من ، إمارات ، ومستوطنات ، وسلطنات ، وممالك ، وجمهوريات نشأت ، وأخرى ، قيد الإنشاء ، والتي تقاسمت الأرض العربية ، شبراً ، شبراً .. فبات ، المشهد العربي ، بالغ الدلالة .. ، وبات النتاج الفكري ، والمنهجي ، والنظري ، للبشرية ، كلها ، من ، أقصى الشرق ، إلى ، أقصى الغرب ، مكدّسا ، في السوق العربية ، إضافة ، إلى، نتاج التجارب الحية ، لتلك الأفكار ، نجاحاً ، وفشلاً ، أبطالاً ، ورموزاً ، متوحشين ، ومجرمين .. وهذا كله ، كان يمكن ، أن ، يكون مصدر غنى ، لو ، تمكنت الأمة ، أن تتمثل هذا النتاج الفكري الهائل ، للإنسانية ، وأن ، تدخله في عملية "الجدل الاجتماعي" ، لينتج ، منه ، منهج التطور ، والتقدم ، والخلق ، والإبداع ، لكن ، واقع الأمة ، المتمثل ، بحالة من الاستلاب ، الحاد ، لقرون عديدة ، لم ، يسمح ، لها ، أن تتمّثل ، هذا ، كله ، فتم التعامل ، مع ، تلك الأفكار ، والمناهج ، والتجارب ، بإحدى طريقتين ، إما ، بالانبهار ، بها ، لدرجة التقديس المطلق ، وإما ، الرفض ، لها ، لدرجة التجريم ، والتكفير المطلق ..وهذا ، انعكس بدوره ، حتى ، على طريقة التعامل ، مع التراث الحضاري ، للأمة ، حيث ، تم ، تعليبه على مقاسات الجماعات ، والعصبيات الدينية ، والمذهبية ، والأثنية ، والسياسية ، البعض ، يدعّي ، أنه ، يمثل الله على الأرض ، وكل الآخرين ، إلى الجحيم ، والبعض الآخر ، ادعى ، أن الطريق ، إلى التحضر ، يمر ، عبر ، الانعتاق ، من ، ذلك التراث ، نهائياً ، ورميه جانبا ، والالتحاق ، بذلك النموذج ، شرقاً ، أو غرباً .. ، حتى ، بات ، هذا الوطن العربي ، "عالم عربي، ، كما سموه ، بعد ذلك ، وهو حقيقة "لا عربي ولا يحزنون" ، بمعنى ، أنه لم يعد وطنا ، وبمعنى ، أنه ، لم ، تعد مدرسة فكرية ، أو منهجية ، أو فنية ، أو أدبية ، أو اجتماعية ، أو اقتصادية ، أو دينية ، أو أثنية ، في العالم ، إلا ، ولها ، أتباع ، أو مظاهرين ، أو مناوئين ، في ، هذا ، الذي أسموه ، "عالماً عربياً" ، كما ، لم ، توجد تجربة ، في العالم ، إلا ، ولها ، وعليها .... من هو معها ، ومن هو ، ضدها ، كما ، لم ، يوجد زعيم ، أو قائد ، أو مفكر ، أو فيلسوف ، في العالم ، إلا ، وله ، أتباع ، وأنصار ، أو مناهضين ، ورافضين ، في هذا "العالم" ، الذي ، أسموه ، عربياً ، أولاً .. ثم ، بدأ التشكيك ، بعد هذا كله ، بإثارة السؤال ، بجدية ، عن ، الهوية ، هل ، هو ، عربياً ، فعلاً ، أم ، "شرق أوسطي"...؟ ، وبغض النظر ، عن ، الإجابات الفكرية ، والمنهجية ، التي ، تفاوتت بين الإقرار ، بوجود الأمة العربية ، وبين اعتبارها ، قيد التكوين ، وبين ، إنكار وجودها ، أصلاً ، ومآلا ... ، فإن ، الواقع العربي ، بفعل ، عوامل داخلية ، وإقليمية ، ودولية ، بات ، ساحة ، للصراع ، هناك ، من يريده "شرق أوسط قديم" ، وهناك من يريده "شرق أوسط جديد" .. ، باختصار ، وبعد انحسار التيار القومي العربي ، لم يعد ، هناك ، من يريده ، عربياً ، بأي حال ، من الأحوال .. هذا ، كله ، وبمجمله ، انعكس سلباً ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وبات حلها ، لا يحتمل التأجيل ، إذا ، أردنا الخروج ، من ، التغريب ، والتشريق ، والتخريب ، والتخريف ... ، فالذين ، وحدهمّ ، التيار القومي العربي ، في فترة ، المد القومي ، عادوا ، في ، مرحلة ، الجزر الإقليمي ، يتناحرون ، بين ، الأصالة ، والحداثة ، وما قبل الأصالة ، ثم ، داخل الأصالة ، ذاتها ، ومن ثم ، داخل الحداثة ، ثم في ، ما بعد الحداثة .. وبات ، الواقع العربي يعج ، بالأصوليين ، في ، شتى المجالات ، وبالفرق ، وبالمذاهب ، وبعلمانيين ، من مختلف الألوان ، فغلبت العصبية ، على ، الموضوعية ، وبات ، النسيج الاجتماعي ، في الوطن العربي ، مهدداً ، تهديداً مباشراً ..



( 68 )



رابعاً : إن ، السجالات ، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، على ، صعيد العالم ، بين ، الماركسيين ، وبين الليبراليين ، وبين ، دعاة الخط الثالث ، وبين ، التيارات الدينية ، والأصولية .... ، كشفت ، ضعف البنية المنهجية ، لدى ، تلك ، الاتجاهات الأربعة ، فتحولت ، تلك التجارب ، إلى محاولات تجريبية ، في الواقع ، تتلطى ، وراء مناهج ، لا تفعلهّا ، ولا ترجع ، إليها ، في الممارسة .

1 – فالماركسيون ، باتوا ، في الواقع ، لينينيين ، أو ستالينيين ، وصولاً ، إلى بروتسترويكا غرباتشوف ، وانفتاح يلتسن ، وتروتسكيين ، وماويين ، وإلى سنغ ، ومن ، الخمير الحمر ، إلى ، التوباماروس ، إلى ، كيم أيل سونغ ، وتيتو ، وكاسترو ، وحتى ، جيفارا ، وصولاً ، إلى أحزاب شيوعية ، في أوربا ، وأمريكا اللاتينية ، وأفريقيا ، وآسيا ، لا حصر لها ، فأين "المادية الجدلية" ، من ذلك ، كله ..؟

2 – والليبراليون ، الذين تفرقوّا ، مدارس شتى ، بين ، اليمين ، ويمين الوسط ، ويسار الوسط ، وبين ، الأحزاب الدينية ، والأحزاب العلمانية ، وبين الأحزاب الاشتراكية ، والأحزاب الرأسمالية ، والأحزاب العمالية ، وبين ، الاستعمار ، والإمبريالية ، وصولاً إلى ، ما يعرف اليوم ، بالليبرالية المتوحشة .. ، كل ، هؤلاء ، أين هم اليوم ، من ، منهج الليبرالية التنويرية ، الذي ، يقوم أساساً ، على العقد الاجتماعي ، وعلى الحرية ،والمساواة ، بمعناها الواسع ، الاجتماعي ، والسياسي ، معاً ..

3 – ودعاة ، الخط الثالث ، الذين ، حاولوا التلفيق ، بين ، مناهج التيارين السابقين ، تحت شعار ، نأخذ ، ما يفيدنا من أي مصدر ، كان ، ونترك ما لا يعجبنا .. ، فانتهت ، بهم ، محاولات التلفيق ، إلى ، ما انتهوا ، إليه .. وباتوا نماذج رديئة ، للتوحش الاستبدادي ، في التاريخ البشري ...فاخذوا من تلك المناهج أسوأ ما فيها ، ومن تجاربها ، ما يناسب توحش المستبدين لا أكثر ..

4 – أما ، التيارات الدينية ، والأصولية ، فقد فاتها ، أن ، نموذج الدول الدينية ، بات ، من الماضي ، وقد تجاوزها التطور البشري ... ، وبذلك ، جردوا تلك الديانات ، من جوهرها الإنساني ، والإيماني ، وتنافسوا ، في تعليبها ، بقائمة ، لا تنتهي ، من الطقوس ، حيث ، بات الاختلاف حولها ، بديلاً عن الحوار ، والجدل ، حول القضايا الإستراتيجية ، والحيوية .. وتفاقمت الأزمة ، عندما ادعى كل فريق ، أنه ، يملك الحقيقة المطلقة ، للسر الإلهي ، وأن من يخالفه الرأي ، يرجم ، بالكفر ، والزندقة ..

تلك ، السجالات ، ألقت بظلالها ، على ، أزمة المنهج ، في الوطن العربي ، وأدت إلى تشويش الرؤيا ، والكثير ، من التداخل بين القوى ، بحيث بات الفرز ، بالغ الصعوبة ، وبالتالي ، اضطرب مشروع النهوض ، والتنوير ، والأزمة ازدادت ، وتفاقمت ، مع انحسار ، المد الجماهيري ، للتيار القومي العربي ..



( 69 )



خامساً : إن ، البشرية راكمت خلال تاريخها الممتد ، من حيث لا نعرف بداياته ، رغم تقدم العلوم والمكتشفات ، إلى ، مآل ، لم ندرك كنهه ، رغم ، أن المراكب الفضائية ، الآلية ، والمأهولة ، قد اخترقت الغلاف الجوي ، لهذا الكوكب ، وذهبت بعيداً ، في اتجاهات مختلفة ...، نقول ، أن البشرية راكمت أفكاراً ، ومبادئ هامة ، ووضعت فرضيات ، ثبت ، صحة بعضها ، وخطأ بعضها الآخر ، وصاغ المبدعون ، مناهج ، لا ينقصها الحلم ، ولا تجنح بعيداً ، عن ، القوانين النوعية ، للأشياء ، والأحياء .. ، ما يعنينا ، هنا ، هو تلك النظرة المنهجية ، للإنسان ، التي تعاقب الفلاسفة ، والعلماء ، كل ، على حدة ، ثم ، الفلاسفة العلماء ، على الاتحاد ، في تحديد الدوافع ، لهذا ، الكائن ، شديد التعقيد ، وما هو ، الأساسي ، وما هو ، غير الأساسي ، في تحديد ، ما يعرف ، بالسلوك البشري ، كفعل ، أو ، كرد فعل ...؟

باختصار شديد ، نقول ، أن التيار القومي العربي ، مع منتصف القرن العشرين ، تمتع بقوة جذب ، وإغراء ، لا حدود ، لها ، لأصحاب المناهج ، والنظريات ، التي ، كانت سائدة ، في العالم ، فهو ، هكذا كان ، تيار واسع ، ومؤثر في الساحة العربية ، وفي ، الوقت ذاته ، فإن ، التيار القومي العربي ، يتعامل مع الواقع ، بأسلوب تجريبي ، تفرضه الظروف الضاغطة ، والمعارك المتلاحقة ، وبالتالي ، فإن ، من حق أصحاب المناهج ، والنظريات ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار ، وما بينهما ، أن يعرضوا بضاعتهم ، في هذا السوق الواسع ، والمتعطش ، وقد ، قابل القوميون العرب ، هذا ، كله ، بمواقف مختلفة ، بل ، ومتناقضة ، أحياناً ، تباينت ، بين الرفض المطلق ، والتبني المطلق ، ما يعنينا ، هنا ، أن الأثر الإيجابي الوحيد ، لهذا الحراك الفكري ، أنجب مناخاً ، من الحوار ، والجدل الحيوي ، بين مناهج ، ونظريات ، وأفكار ، وإيديولوجيات ، قلما ، تتواجه بهذه الكثافة ، في ، أي مكان من العالم ، وهكذا ، كان على القوميين العرب ، أن يجيبوا على السؤال الاستفزازي .. ما هو منهجكم ..؟ .. بسؤال استفهامي : ما هو المنهج الذي علينا اعتماده ..؟ ، هنا ، بدأ التدقيق ، في المناهج ، التي تم بالاستناد إليها ، بناء تجارب هامة ، على صعيد الإنسانية ، فأين تطابقت تلك التجارب مع المناهج التي قامت على أساسها ...؟ ، وأين تم الاختراق ...؟ ، وإلى أين وصلت أزمة المنهج على الصعيد الإنساني ..؟ ، هذه ، كلها أسئلة ملحة ، كان لابد من الإجابة عليها .. ، وهذا ، بالضبط ، ما تصدى ، له ، "منهج جدل الإنسان" ، بعد ، أن أصبح من الثابت ، أن المناهج التي حاولت ، أن تختصر الإنسان بدافع أحادي ، يحركه ، ويحدد سلوكه ، قد وصلت إلى الحائط المسدود ، فدوافع الإنسان ، أكثر ، من ، أن تعد وتحصى ، وكلها أساسية ، وبحسب الظروف الموضوعية ، في مكان محدد ، وفي زمان معين ، وبمواجهة ، ذات إنسانية ، في مرحلة محددة ، يتقدم ، أحد الدوافع ، على سواه ، ويتأخر دافع آخر .. هل يستطيع أحد أن ينكر للإنسان دوافع جنسية تؤثر في سلوكه ؟ ، أو أن له دوافع مادية ؟ ، أو أن له دوافع قد تدفعه للتضحية بحياته ، وهكذا ...، لكن هل يستطيع أحد في هذا العالم أن يختصر دوافع الإنسان بواحد فقط من تلك الدوافع ..؟ ، إن المحاولات الفاشلة لقسر الحقائق العلمية خدمة لأوهام الإنسان ذو البعد الواحد انفلتت من عقالها ، وكان لابد من التصدي لها ، وهكذا باتت ، هذه ، الساحة العربية ، تحمل قلق الإنسانية ، للانتقال خطوة إلى الأمام ، على صعيد ، حل مشكلة المنهج ، بتحرير المسارات ، للدوافع الإنسانية ، والتوازن ، والتوازي بينها ، بحيث لا يطغى دافع ، على آخر .. وهذا ، لا يكون ، إلا ، بالبحث في القانون النوعي للإنسان .. بإطلاق حريته ، والسعي الدائم ، لإشباع حاجاته المتعددة ، المتجددة أبداً ..



( 70 )



سادساً : أختتم ، الأسباب الموجبة ، لاقتراح ( جدل الإنسان ) ، منهجاً "للطليعة العربية" ، بسبب ذاتي ، ترددت كثيراً ، في ، أن أخطه ، على الورق .. ، لكن ، وبعد حوارات عديدة ، ومتشعبة ، ووجهت بالسؤال المباشر : لماذا " جدل الإنسان " ..؟ ، وبما ، أن ، التهرب من الأسئلة المباشرة ، لا يجدي ، فقد ، قررت مواجهة السؤال ، بإجابة مباشرة ، ومحددة .. ، فأقول : إن علاقتي ، بأزمة المنهج ، في التيار القومي العربي ، تجاوزت النصف قرن ، وأن علاقتي " بجدل الإنسان " ، تجاوزت الأربعين عاماً ، وبدون ، الدخول في التفاصيل ، فإن ، تلك السنوات الطويلة ، أتاحت ، لي ، حوارات هامة ، مع نخب ممتازة ، ماركسية ، وليبرالية ، ودينية ، وأثنية ، وتجريبية ، ومن مختلف الفرق ، والاتجاهات ، وأنني ، كنت ، في ذلك كله ، معنياً ، في ، وضع " جدل الإنسان " ، محلاً ، للحوار المفتوح .. ، وللجدل حول أدق التفاصيل .. ، وأدعي ، أنني ، لم ، أكن "عصبوياً" ، لكنني ، أعترف ، أن ، قناعتي ، بصحة "منهج جدل الإنسان" ، كانت تتعزز ، مع الأيام ، فحاولت أن أتمثله ، كسلوك ، وممارسة ، فصدق ... وعندما ، ارتضيته منهجا ، لشخصي ، ارتضيته لإقراني ، ولهذا ، فإنني ، أقترحه "منهجاً للطليعة العربية" ، أو ، أنني ، إذا امتد بي العمر ، إلى ، أن ، تتشكل مؤسسات "الطليعة العربية" ، وإذا ، كنت ، في أحد مراتبها ، وطرح موضوع ، اعتماد ، منهج للطليعة العربية ، فإنني ، سأكتب ، على بطاقة الاقتراع ، دون تردد ، ( منهج جدل الإنسان ) .



( 71 )



نعود ، بعد ذلك ، لملامسة الخطوط العريضة ، لمنهج "جدل الإنسان" ، بملاحظة ، حركة هذا الإنسان ، وكيف يمارس الجدل ، في المجتمع ، وإذا ، كان ، الجدل ، قانون نوعي ، للإنسان الفرد ، فإن "الجدل الاجتماعي" ، هو ، القانون النوعي ، لتطور المجتمعات ، يقول النص ، كما ورد ، في الأصل ، الذي خطه عصمت سيف الدولة : (( إن الناس ، في ، أي مجتمع ، بحكم أنهم بشر ، "بحكم قانونهم النوعي" ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن معاناة مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يعرفوا حقيقتها ، الاجتماعية ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن محاولات اكتشاف حلولها الصحيحة ، حتى ، لو ، كانوا عاجزين ، عن اكتشافها ، لا يكفون ، ولا يستطيعون ، أن يكفوا ، عن العمل الذهني ، أو المادي ، الإيجابي ، أو السلبي ، الذي ، يعتقدون ، أنه ، يحل مشكلاتهم ، حتى ، لو ، لم يكن ، هو ، العمل المناسب ، لحل ، تلك المشكلات ، اشتراك الناس ، إذن ، في محاولات تغيير الواقع الاجتماعي ، حتمية ، لا يستطيعون ، أن يكفوا أنفسهم ، عنها ، ولا يستطيع ، أحد ، أن يكفهم ، عنها ، وإنما ، المسألة ، هي ، ما إذا كان هذا النشاط ، الذي يقوم ، به ، الناس ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، أم ، أنه يبدد طاقاتهم ، في محاولات فاشلة ، لحلها .. إنه ، يؤدي إلى حل مشكلاتهم ، فعلاً ، بقدر ، ما يكون ، تنفيذاً ، لحلول صحيحة ، لمشكلات حقيقية ، فيتم التطور الاجتماعي ، وتطرد حركته التقدمية .. لهذا ، لا يكون "الجدل الاجتماعي" ، هو ، القانون الحتمي ، لتطور المجتمعات ، فحسب ، بل يكون – مع هذا وقبله – القانون الحتمي ، لتطور مقدرة الناس ، على تطوير مجتمعاتهم ، فلا ، يصح معه ، فرض الوصاية ، على الشعوب ، بحجة قصورها ، ولا يصح معه ، الاستغناء ، عن ، مشاركة الناس ، في تطوير مجتمعاتهم ، بما ، يستطيعه العلماء ، أو الزعماء ، ولو ، كانوا ، من العباقرة ، أو الملهمين .. إلخ .. ))



( 72 )



نتابع النقل ، عن الأصل ، كما ، صاغه مبدعه عصمت سيف الدولة ، "بتصرف" ، فجدل الإنسان ، كقانون نوعي ، خاص ، بالإنسان وحده ، تخضع فعاليته ، لقانون ، التأثر ، والتأثير ، المتبادل ، ولقوانين ، الحركة ، والتغيير ، وبالتالي ، نتعرف ، على ، شرط قانون " جدل الإنسان " ، في صيغته الفردية ، وعلى شرطه ، في صيغته الاجتماعية " الجدل الاجتماعي " ، فشرطه ، في ، الصيغة الأولى ، وجود الإنسان ، الحر ، وجود الإنسان ، بكل ، خصائصه ، كوحدة ، من المادة ، والذكاء ، متحرراً ، مما ، يؤثر فيه سلباً ، فيحول دون مقدرته ، على ، الجدل ، وعندما ، يتخلف هذا الشرط ، وبقدر ، ما يتخلف ، تضعف فعالية "جدل الإنسان" ، ولا يكف الإنسان ، عن ، الجدل ، إلا بالموت ، وشرطه في صيغته الاجتماعية ( الجدل الاجتماعي ) ، وجود المجتمع ، الحر ، أيضاً ، وجود جماعة ، من الناس ، يعيشون ، في واقع معين ، مشترك ، وعندما ، يتخلف ، هذا الشرط ، وبمقدار ، ما يتخلف ، تضعف فعالية "الجدل الاجتماعي" ، ولا يكون ، ثمة ، مجال للجدل الاجتماعي ، بين ، أفراد من الناس ، أو ، حتى ، جماعات ، لا يعيشون ، معاً ، في واقع معين ، مشترك ، أما ، عندما ، يكون ، ثمة ، مجتمع ، قد ، قام فيه ، ما يمس وجوده ، فإن ، مشكلة الناس ، فيه ، لا تكون تطويره ، بل استرداده ، لأنفسهم ، حتى ، يستطيعوا ، بعد هذا – وليس قبله – تطويره ...

( يتبع ..."19" ... البيان ... )

* حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

زهير 03-11-2009 09:42

البيان ..." 19" ...



"الطليعة العربية"

في ، جدل الإنسان



( تتمة ..."19"... البيان... )



( 73 )



الآن ، إذا أردنا ، أن نتعامل مع الواقع العربي ، على ضوء "جدل الإنسان" ، فإننا ، بداية ، نستخلص الدروس التالية :

الدرس الأول : الذي نستخلصه ، من ( جدل الإنسان ) ، بصيغته الفردية ، ثم ، من " الجدل الاجتماعي " ، في صيغته الاجتماعية ، يمكن اختصاره ، بأن التطور الاجتماعي ، يبدأ ، من الواقع الاجتماعي ، كما هو ، بالمجتمع ، كما هو ، بالبشر ، في واقعهم المعين المشترك ، كما هم ، ويكون علينا ، أول ، ما علينا ، ونحن نحاول معرفة واقعنا ، لنطوره ، أن نعرف ، معرفة صحيحة ، ونحدد بدقة ، واقعنا الاجتماعي ، وأن نجيب على أول الأسئلة ، التي يطرحها التطور الاجتماعي ، ما هو مجتمعنا ..؟ ، وأن ، نحتفظ ، به ، كما هو ، وأن ، نحافظ عليه ، كما هو ، وأن نتعامل معه ، كما هو ، سواء ، أعجبنا ، أو كان ، منا ، من يتمنى ، لو ، لم يكن منتمياً إليه ، وهكذا ينذرنا " جدل الإنسان " بالفشل ، الذي تستحقه ، أية حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة ، أو رافضة التعامل ، مع حقيقته الاجتماعية ، كما هي .



( 74 )



الدرس الثاني : أن ، التطور الاجتماعي ، ليس ، مجرد نمو ، خلال الإضافة ، بل ، أن كل إضافة ، ينمو ، بها ، المجتمع ، ويتطور ، هي ، حل ، لمشكلة اجتماعية ، واقعية ، فليس ، كل ، ما يحدث في الواقع الاجتماعي ، تطور ، ويكون علينا ، ونحن نحاول ، أن نفهم ، كيف تطور الواقع الاجتماعي ، مادياً ، أو فكرياً ، أو بشرياً .. إلخ ، حتى ، أصبح ، كما هو ، أن نضيف سؤالاً جديداً ، إلى الأسئلة ، التي عرفناها ، من قبل ، فبعد الجواب على ( ما هو ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، ماهية الحدث التاريخي ، وبعد ( أين ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، حده المكاني ، وبعد ( متى ..؟ ) ، الذي ، نعرف من الإجابة عليه ، حده الزماني ، نسال : لماذا ..؟ .. ، ومن الإجابة على السؤال الأخير ، نعرف ، المشكلة الاجتماعية ، التي ، نعمل ، على حلها ، فنعرف قيمة الحقيقة ، كإضافة ، في حركة التحرر الاجتماعي ، وذلك ، بمعرفة ما إذا كانت المشكلة ، قد ، حلت ، وعلى أي مدى ، ويفيدنا ، هذا ، في أن نفرق في واقعنا الاجتماعي ، بين ، ما كان ثمرة تطور تاريخي ، وبين آثار التحولات التلقائية ، أو ، ميراث الفشل السابق ، فنتمسك ، ونحافظ ، ونطور الأول ، ونصحح ، في المستقبل ، الأخطاء ، التي وقعت ، في الماضي ، وهكذا ، ينذرنا "جدل الإنسان" ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، متجاهلة ، أو جاهلة ، تطوره التاريخي ، أو ، غير قادرة ، على التعرف ، في الواقع ، على ، ما هو ، ثمرة تطويره ، وما هو ، من ، بقايا ، مراحل تخلفه ..



( 75 )

الدرس الثالث : أن ، التطور الاجتماعي ، هو ، حل مشكلات الناس ، في المجتمع ، لا أكثر ، ولا أقل .. ويكون علينا ، ونحن نحاول ، أن نعرف ، ما الذي يجب أن نفعله ، لنطور واقعنا الاجتماعي ، أن نعرف ، مشكلات الناس ، معرفة صحيحة ، مشكلات الناس ، بما فيهم ، نحن ، وليس مشكلاتنا ، نحن ، دون الناس ، ونحن ، نعرفها ، "المشكلات" ، بالمقارنة ، بين ، الواقع الاجتماعي ، كما هو ، وبين ، ما يريده الناس .. ، إن المشكلة ، هي ، الفرق بينهما ، في المضمون ، والمدى ، وبدون هذا ، لا يمكن ، أن نعرف المشكلات الاجتماعية ، فلا نستطيع ، أن نحلها ، وهكذا ، ينذرنا ، جدل الإنسان ، بالفشل ، الذي تستحقه أية حركة تستهدف تطوير الواقع .. ، متجاهلة ، مشكلات الناس ، أو جاهلة ، أو متجاهلة حقيقة الواقع الاجتماعي ، أو مدعية ، للناس مشكلات ، لا يشعرون ، بها ، في أنفسهم .



( 76 )



الدرس الرابع : إن ، التطور الاجتماعي ، لا يتم ، بمحاولة تحقيق ( كل ) ما يريده الناس ، بل ، بتحقيق ، ما يمكن تحقيقه ، فعلاً ، مما يريدونه ، في ، مجتمع معين ، وفي ، وقت معين ، وقمة النجاح ، هي ، تحقيق كل الممكن . ويكون ، علينا ، أن نكتشف ، هذا الممكن ، موضوعياً ، في كل وقت ، ونحن ، نحاول أن نعرف الحلول الصحيحة ، لمشكلات الناس ، في واقعنا الاجتماعي .

إن التخطيط ، لحل ، المشكلات الاجتماعية ، على مراحل واقعية ، يصبح لازماً ، لنجاحنا ، ومع هذا ، ففي ، كل الحالات ، يجب ، أن نكف أنفسنا ، عن محاولة تحقيق ، أي أمر ، في غير الوقت ، الذي يسمح الواقع الموضوعي ، تحقيقه ، ولا يجوز ، لنا ، مهما تكن الظروف ، أن ، نعد ، بأكثر مما يمكن تحقيقه ، ولا ينبغي ، لنا ، أبداً ، أن نخشى ، أن يرفض الناس ، وعودنا الواقعية ، فطال الزمن ، أو قصر ، سيتعلم الناس ، ولو من فشل الوعود الكاذبة ، كيف يقبلون ، ما هو صحيح ، وهكذا ، ينذرنا "جدل الإنسان" ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي ، حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة الحلول الصحيحة ، للمشكلات الاجتماعية ، كما ، هي ، محددة موضوعياً ، بالواقع الاجتماعي ، ذاته ، أو ، تنافق الناس ، فتعدهم ، بما ، لا تستطيع ، أن تحققه ..



( 77 )



الدرس الخامس : أن ، الناس ، أداة التطور الاجتماعي ، ولا يتم التطور الاجتماعي ، إلا ، إذا ، وبقدر ، ما ، شارك الناس ، في طرح ، المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة ، حلولها الصحيحة ، والمساهمة في العمل اللازم ، والمناسب ، لحلها ، ويكون علينا ، أن نشترك ، مع الناس ، ونشركهم معنا ، ونحقق ، لهم ، ولنا ، أوسع مجالات المشاركة ، في طرح ، المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة حلولها الصحيحة ، والعمل لحلها ، وعندما نرى الناس ، أو بعضهم عاجزين ، عن معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية ، أو ، عن اكتشاف ، حلولها الصحيحة ، أو ، نراهم ، مفتقدين المهارة اللازمة ، لتنفيذ ، تلك الحلول ، في الواقع ، فلا ، نعزلهم ، عنا ، ولا ننعزل عنهم ، ولا نستعلي عليهم ، بل ننتبه ، إلى أننا ، نواجه ، فيهم ، أخطر ، مشكلات التطور الاجتماعي ، التي ، يطرحها واقعنا .. فلا ، نهرب منها ، أو نستهين ، بها ، بل ، نضعها فوراً ، في المرتبة الأولى ، من ، المشكلات الاجتماعية الملحة ، التي يجب ، أن تحل ، التوعية مفيدة ، ولكنها ، لا تغني ، عن تنمية الوعي ، من ، خلال دراسة المشكلات الاجتماعية ، مهما ، اقتضت من جهد ، والإرشاد مفيد ، ولكنه ، لا يغني ، عن تنمية المعرفة ، عن طريق النشاط الفكري ، مهما صاحبها ، من أخطاء ، والرقابة مفيدة ، ولكنها ، لا تغني عن تنمية المهارة ، عن طريق الممارسة ، مهما ، تطلبت ، من وقت . وهكذا ، ينذرنا "جدل الإنسان" ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أية حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، جاهلة ، أو متجاهلة ، أن مشاركة الناس ، في تحقيق التطور ، لازمة ، فتعزل نفسها ، عن الناس ، أو تعزلهم عنها ، أو تستعلي ، على الناس ، في المجتمع ، فتفرض عليهم ، وصايتها ، بحجة أنهم ، لا يعرفون ( مصالحهم الحقيقية ) ..



( 78 )



الدرس السادس : عندما ، تقف مجموعة ، ما ، فتحول ، لأي سبب ، دون التطور الاجتماعي ، يصبح ، "الصراع الاجتماعي" ، حتمياً ، وتكون غايته ، مواجهة القوة المضادة ، للتطور ، ليستأنف ، "التطور الاجتماعي" ، مسيرته ، ويكون ، علينا ، ونحن ، نحاول أن نطور واقعنا ، أن نتمسك بقوة ، بالحلول الصحيحة ، لمشكلات التطور الاجتماعي ، وألا نتنازل عنها ، أو نساوم عليها ، مهما ، تكن القوى ، التي نواجهها ، وأن ، نحاول بكل وسيلة ممكنة ، الإقناع ، بصحة موقعنا ، وموقفنا ، ثم ، أن نكون مستعدين دائماً ، لدخول معركة ، الصراع الاجتماعي ، بكل أسلحته ، ضد كل القوى ، التي حتمّته ، بمواقفها المضادة ، للتطور الاجتماعي ، وأن ندخله ، بدون تردد ، في ، كل مجالاته .. واثقين ، من ، أنه مهما تكن موازين القوى ، في ، بداية الصراع ، أو ، في مراحله ، فإن النصر معقود لغايتنا ، في النهاية ، وهكذا ، ينذرنا "جدل الإنسان" ، بالفشل ، الذي تستحقه ، أي ، حركة ، تستهدف تطوير الواقع ، وتخشى أعداء تطوره ، فتتراجع ، أو تساوم ، أو ، لا تعدّ ، للصراع ، عدته ، فتشتري سلامتها الحاضرة ، بمستقبل الناس ، في المجتمع ..



( 79 )



الدرس السابع : أن ، الديمقراطية ، نظاماً للحياة ، وليست ، نظاماً للاستفتاء ، والانتخاب ، والحكم ، والديمقراطية ، نظاماً حتمياً ، للتطور ، لأن "جدل الإنسان" ، في المجتمع ، أو "الجدل الاجتماعي" ، قانون حتمي ، يضبط ، حركة تطور المجتمعات ، وعلى ضوء هذا المضمون الحي ، للديمقراطية ، يتحدد الشكل الديمقراطي ، وعلاقته ، بمضمونه ، فالمضمون الديمقراطي ، هو الأصل ، والشكل ، تعبير عنه ، لا يجوز ، أن يضغط عليه ، أو يلغيه ، وإذا ، كنا ، قد ، عرفنا الديمقراطية ، بأنها ، أسلوب المجتمعات في حل مشكلاتها ، فإن ، شكل الأسلوب ، يجب ، أن يكون مقيداً ، بحل المشكلات : أن يضمن ، حرية الرأي ، والمناقشة ، للجميع ، ويضمن ، حرية العمل ، للأغلبية ، غير ، أنه ، لا يمكن أن تكون ، ثمة ، ديمقراطية ، بدون شكل ، أو تنظيم ، لأن الشكل ، أي التعبير ، الظاهر ، المادي ، هو الدليل الوحيد ، على ، أن هناك ديمقراطية ، فبدون تنظيم ديمقراطي ، لا توجد ديمقراطية ، ولو ، كان الشعب ، كله ، من الفلاسفة الصالحين ، فإذا ، كان الأساس الأول ، للديمقراطية ، حرية تبادل المعرفة ، بالمشكلات ، فلا يمكن ، أن يتم تبادل تلك المعرفة ، أي التفاعل الجماعي ، للآراء الفردية ، إلا ، داخل نظام ، ييسر للناس ، أن يجتمعوا ، وأن يتبادلوا الرأي ، كتابة ، أو شفوياً ، وتعتبر التنظيمات الجماهيرية ، بكل ما تتضمنه ، من أجهزة ، في خدمة آراء أعضائها ، وبكل أنواعها ، واتساعها ، لكل الناس ، قمة ، الشكل الديمقراطي ، لحرية المعرفة ، كما ، تلعب ، وسائل التعبير ، والإعلام ، كالكتابة ، والخطابة ، والإذاعة ، والفنون ، دوراً أساسياً ، في ، الحياة الديمقراطية ، بقدر ما تكون ، في خدمة ، كل الآراء ، وبعد المعرفة ، بالمشكلات ، يأتي الحل ، كعنصر ، من عناصر ( أسلوب المجتمع في حل مشكلاته ) ، لهذا ، لا يمكن ، أن ، توجد ديمقراطية ، إلا ، إذا أعلنت الآراء ، والمبادئ ، وعرضت ، على الشعب ، ليتحدد الحل ، الذي ، يحل ، أغلب المشكلات ، ليتحدد ، حل الأغلبية ، لا يغني ، عن هذا ، الشكل ، أن ، يكون في جيب ، كل واحد ، منا ، برنامج كامل ، للعمل السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، ولا يغني عنه ، أن ، يتصدى فرد ، أو أفراد قلائل ، لتخطيط الحلول ، ادعاء ، بأنهم ، أقدر على هذا ، من الشعب ، ليس ، في هذا شيء ، من الديمقراطية ، وعلى ، من يعتقد ، أن لديه ، حلاً ، لمشكلات الشعب ، أن ، يقدم الدليل على صحة اعتقاده ، والدليل ، المقبول ديمقراطياً ، أن يكون ، الحل المقترح من قبله ، حلاً ، لمشكلات الناس ، كلهم ، أو ، أغلبهم ، ولا طريق إلى معرفة ، هذا ، إلا ، بالرجوع ، إلى الشعب نفسه ..



( 80 )



الدرس الثامن : أن ، الحرية ، للإنسان وحده ، ولكل إنسان ، والديمقراطية أسلوب المجتمعات ، في التطور ، وفي حل مشكلات الإنسان ، في المجتمع ، كل ، إنسان جدلي ، وكل ، مجتمع متطور ، حتماً ، لأن ، الإنسان الفرد ، أو الإنسان ، في المجتمع ، لا يفلت من قانونه النوعي .. ، وبعد هذا ، لا تستوي المشكلات ، في حدتها ، ولا تستوي الحلول ، في صحتها ، ولا تستوي المقدرة ، على العمل ، في ، كل مجتمع ، ..كذلك ، لا يستوي الناس ، في قدرتهم ، على ممارسة ، الجدل : لا يستوون ، في الوعي ، الذي ، يدركون من خلاله ، المشكلات ، إدراكاً علمياً ، على ضوء صلاتها ، بالماضي ، والمستقبل ، وعلاقتها بالظروف ، ولا يستوون ، في معرفة ، الحلول .. أي ، لا يستوي الناس ، في قدرتهم الجدلية ، ولو ، كانوا ، كلهم جدليون .. ولما ، كانت المقدرة الجدلية السليمة ، متوقفة ، على صحة المعرفة العلمية ، لتلك المشكلات ، والمقدرة على تنفيذ تلك الحلول ، بالعمل ، تنفيذاً كاملاً ، بما يتطلبه هذا من جهد بشري ، وأدوات صناعية ، وإمكانيات طبيعية ، فإن ، مدى تطور ، أي ، مجتمع ، يتوقف على مدى حرية الأفراد ، فيه ( حرية المعرفة ، ثم حرية الرأي ، ثم حرية العمل ) ، وشمول ، هذه الحرية ، كل المشكلات ، وكل الحلول ، وكل أنواع العمل .. تلك ، هي ، الحرية ، والديمقراطية ، في "جدل الإنسان" قد ، تكون متفقة ، في كثير من جوانبها ، مع ما تعلمته البشرية ، خلال دروس الصراع المرير ، ضد العبودية ، والاستبداد ، وأنها ، لمتفقة ، كما سنرى ، من تاريخ نضال الإنسان ، في سبيل الحرية ، ولكن مميزها ، أنها ، تطبيق لمقياس واضح ، ومحدد ، وليست استنتاجاً من ملاحظات تاريخية منتقاة على ما قد يهوى المؤرخون ، قد ، نستطيع ، على ضوئها ، أن نفهم التاريخ ، وأن نحكم على النظم ، ولكن ، استنادها إلى ، قانون علمي ، يجنبنا المغالطة ، في تفسير التاريخ ، والنظم ..



( 81 )



الدرس التاسع : إذا كانت الأمة ، تكوين اجتماعي ، من ، شعب معين ، وأداة معينة ، خاصة ، به ، ومشتركة فيما ، بين أفراده ، فإن ، هذا يضيف إلى مفهوم السيادة ، مضموناً جديداً ، هو ، المشاركة التاريخية ، فيما ، بين ، الأجيال المتعاقبة ، من الشعب ، وننتهي ، إلى عدم شرعية تنازل الشعب ، أي ، جيل من الشعب ، عن السيادة ، على الأرض ، وأن شرعية الدولة ذاتها ، منوطة ، باتفاق نطاقها البشري ، والإقليمي ، مع التكوين التاريخي ، للمجتمع .. فعندما ، نكون ، في مواجهة ، أمة ، فإن وحدة الوجود القومي ، تحتم وحدة الدولة ، فيها ، بمعنى ، أن "الدولة القومية" ، التي تشمل الشعب ، والوطن ، كما ، هما ، محددان تاريخياً ، هي وحدها ، التي تجسد سيادة الشعب ، على وطنه القومي ، ومشاركته التاريخية ، فيه ، وهي ، لابد ، أن تكون شاملة البشر ، والأرض ، جميعاً ، لتكون ، دولة قومية ، مكتملة السيادة ، إذ ، عندما ، يخرج عن نطاقها ، أي جزء من الشعب ، يكون هذا الجزء ، قد حرم ، من ممارسة سيادته ، على وطنه ، وعندما ، يخرج عن نطاقها ، أي ، جزء من الوطن ، يكون الشعب ، قد ، حرم من ممارسة سيادته ، على ذلك الجزء من الوطن .. ، إن وحدة المصير القومي ، تعني ، أن ثمة وحدة موضوعية ، قد نعرفها ، وقد لا نعرفها ، بين ، كل المشكلات ، التي يطرحها واقعنا القومي ، أياً كان مضمونها ، وأنها ، بهذا المعنى ، مشكلات قومية ، لا يمكن ، أن تجد حلها الصحيح ، إلا ، بإمكانيات قومية ، وقوى قومية ، في ، نطاق ، المصير القومي ، ومؤدى هذا ، أن وحدة الدولة القومية ، شرط لازم ، لإمكان ، معرفة حقيقة المشكلات الاجتماعية ، في المجتمع القومي ، ولإمكان معرفة حلولها الصحيحة المحددة موضوعياً ، بالواقع الاجتماعي ذاته ، وتنفيذ تلك الحلول ، في الواقع ، إن هذا ، لا يعني ، أن الناس في ، "الدولة القومية" ، سيعرفون ، حتماً ، حقيقة المشكلات الاجتماعية ، وحلولها الصحيحة ، أو أنهم ، سيحلونها فعلاً ، إنما ، يعني أن كل هذا ، سيكون متاحاً ، لهم ، في "الدولة القومية" ، أما ، الباقي فيكون متوقفاً ، على مقدرتهم ، على الانتفاع ، به ...



( 82 )



الدرس العاشر : أن الديمقراطية ، هي ، الحصانة ، ضد البيروقراطية ، إذ ، بإطلاق حرية الرأي ، وممارستها ، على أوسع نطاق ، وبدون خوف ، يعرّي المسروقين ، السارقين ، ولا يجد البيروقراطيون ، أحداً ، ينافقونه ، إلا الجماهير ، ذاتها ، وتلك ، أول الطريق ، لتدربيهم ، على احترام الذين يدفعون ، لهم ، أجورهم ، إن آخر شيء ، يمكن ، أن يكون مجتمعنا المتخلف ، وأي ، مجتمع متخلف ، في حاجة إليه ، هو ، حصانة موظفي الدولة ، لأن ، المشكلة في مجتمعنا المتخلف ، ليست ، كيف نحمي الموظفين من التطاول عليهم ، والمساس بهيبتهم ؟ ، ولكن ، كيف يتعلم الشعب العربي ، الجرأة ، في المطالبة ، بحقوقه ؟ ، وكيف يتعلم الموظفون ، أن يهابوا الناس ؟ ، وكيف يتعلم المثقفون احترام الشعب ؟ ، بدون هذا ، بدون ، هذا التدريب الديمقراطي الشاق ، على الممارسة الديمقراطية ، سيكون الشعب العربي معزولاً ، في دولته ، يخشى حكامه ، وينافقهم ، يتجمع ، إذا ، دعوه ، وينفض ، إذا ، أمروه ، ويدلي برأيه ، إذا طلبوا رأيه ، ولكن ، على ما يريدون ، وبما يريدون ، ويغيّر رأيه ، إذا أرادوا ، وإذا ، بدولة الوحدة ، ليست ، دولة الشعب العربي ، بل ، دولة الذين أقاموها ، ليحكموا ، بها ، وعندما ، تكون على هذا الوجه الرديء ، لا تكون ، دولة قومية ، ولو ، أسميت دولة عربية ، لأنها ، لا تكون دولة قومية ، أي ، دولة الأمة العربية ، إلا بقدر ، ما تكون أداة الشعب العربي ، في تطوير واقعه ، أي ، بقدر ما تكون ، دولة ديمقراطية ..



( 83 )



الدرس الحادي عشر : أن ، الديكتاتورية ، نظام ، غير مشروع ، لأنه فاشل ، لا في تحقيق غاية التطور الاجتماعي ، فحسب ، بل ، لأنه ، فوق هذا ، قبله ، وبعده ، فاشل ، في معرفة ، حقيقة غاية التطور ، كما هي محددة موضوعياً ، في مجتمع معين ، في مرحلة تاريخية معينة ، وفاشل في ، ما يجب أن يستهدفه النظام القانوني الوضعي ، في المجتمع ، حتى ، لا يكون القانون ، فيه ، مستهدفاً ، غاية الحاكمين ، وأول ، غاية الحاكمين ، وآخرها ، أن ، يبقوا في الحكم ..



( 84 )



نكتفي ، بما نقلناه ، عن الأصل ، كما ، صاغه عصمت سيف الدولة ، في العقد السادس ، من القرن العشرين ، وإن ، كان هذا لا يكفي ، لهذا ، فإننا نقترح ، أن يكون ، ذلك الأصل الفكري ، جزء ، لا يتجزأ ، من وثائق "الطليعة العربية" ، تأسيساً ، وبناء ...

على ، أية حال ، لابد ، ونحن نؤسس ، للطليعة العربية ، في القرن الواحد والعشرين ، أن نؤكد ، أننا ، نؤسس لمشروع نهضوي عربي ، وأننا ، في الوقت ذاته ، نؤسس لمشروع إنساني شامل ، الأمة العربية جزء منه ، تؤثر ، وتتأثر وتتفاعل ، لا تعتدي ، ولا ترضخ للعدوان ، وهذا ، يرتب على "الطليعة العربية" ، موقفاً ، ورؤيا ، للكون ، وللعالم ، ولكوكب الأرض ، وما يحيط بها ، ثم ، ماذا يرتبّ ، هذا كله ، على "الطليعة العربية" ، لتنهض بالأمة العربية ، وتؤدي دورها ، كأمة رسالات حضارية ، وإنسانية .. ، وإذا ، كنا ندرك ، أن ، تلك المهمة ، فوق طاقة أي فرد ، وأن ، تلك ، المهمة مفتوحة على الماضي ، ومواكبة المستقبل ، بمعنى ، أنها ، وإن كانت ، مهمة ، محددة ، بالمكان ، والزمان ، فإنها شاملة ، وممتدة ، تضيف ، على معارف البشرية ، ولا تكف عن الإضافة ، والتصويب ، وتأخذ من معارف البشرية ، ولا تكف عن الأخذ ، والتدقيق ، وتتحالف مع قوى الحرية ، في العالم ، لمواجهة التوحش ، والتلوث ، والعدوان ، من أي مصدر ، أتى ، وتساهم ببناء نظام عالمي ، يحقق العدل ، والمساواة ، بين ، بني البشر على مختلف مشاربهم ، من الآن ، وإلى ، ما لا نهاية ، أو ، إلى نهاية لا ندركها ، على أية حال .. ، لكن ، لابد ، للطليعة العربية ، أن تمتلك ، وابتداء من لحظة التحضير ، والتأسيس ، مشروع رؤية ، محددة ، متماسكة ، خاضعة ، للحوار ، والتدقيق ، والتمحيص ، من ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، التي ، ستتميز ، بمنهجها الديمقراطي ، والمفتوح ، بمعنى ، أن ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، ستضع ، بين أيادي الطليعيين العرب ، كل جديد ، ولن تحجب الآراء ، مهما كانت ، بل ، ستكون ، الآراء على تنوعها ، موضوع حوارات جدية ، على كافة المستويات ، وستحدد مراجعات دورية ، لبرامج "الطليعة العربية" ، وأسسها الفكرية .. لهذا ، كله ، وبناء عليه ، سنقدم مسودة ، أو مشروع موقف ـ من بعض القضايا الهامة ، التي ، تشكل محور الاختلاف ، والخلاف ، على الصعيد القومي ، للأمة العربية ، وعلى الصعيد الإنساني ، الشامل .. وذلك ، لأننا ، نعتقد ، أنه لابد أن يكون للطليعة العربية ، هوية ، تميزها ... ونقصد ، هوية تمييز ، لا هوية امتياز ...

1- فما هو موقف "الطليعة العربية" ، من ، التكوين ، وتحولاته ، ومن التاريخ البشري ، وجدليته ..؟

2- ما هو موقف "الطليعة العربية" ، من الأديان السماوية ، وغير السماوية ..؟

3- ما هو موقف "الطليعة العربية" من الوجود القومي " للأمة العربية" ، تكويناً ، ومآلاً ..؟ وموقفها ، مما ، يسمى أقليات في الوطن العربي ..؟

4- ما هو موقف "الطليعة العربية" ، من الواقع العربي الراهن ، وكيف تتعامل مع مؤسسات "الدول الفعلية" القائمة ، في الوطن العربي ..؟

5- ما هو موقف "الطليعة العربية" ، من الأوضاع الاجتماعية السائدة ، في الدول العربية ، وموقفها ، من مصادر الإنتاج ، ومن وسائل الإنتاج ..؟ ومفهومها ، لإلغاء استغلال الإنسان ، لأخيه الإنسان ؟

6- ما هو موقف "الطليعة العربية" ، من ، الأراضي العربية المحتلة ، من الغير ..؟

7- ما هو موقف "الطليعة العربية" من المؤسسات الدولية ، والنظام الدولي ، والقانون الدولي ..

أما بعد .. فإننا ندرك ، أن عشرات الأسئلة الملحة ، تتفرع عن الأسئلة المشار إليها ... ، فلنبدأ ، بمحاولة الإجابة ، قدر ما يطيق هذا المكان التأسيسي ، للطليعة العربية .......



( يتبع ..."20" ... البيان ... )

زهير 03-29-2009 08:46

على بســــــــاط الثــــلاثاء
 
على بســــــــاط الثــــلاثاء
46
يكتبها : حبيب عيسى
البيان ... "20" ...
"الطليعة العربيـــــــــة"
غياب المنهج
مشكلات ، وحلول مستحيلة ...
( تتمة... "20"... البيان ... )
(85)
إن ، البحث ، في ضرورة المنهج ، ومن ، ثم ، النظرية ، ليس ترفاً فكرياً ، أو ثقافياً ، وإنما ، هو حاجة ملحة ، كما ، أن المنحى ، الذي أتخذه عصمت سيف الدولة ، في إبداع منهج "جدل الإنسان" ، لم يكن نابعاً ، من الرغبة ، في خصوصية ، ما ، سواء ، كانت ، شخصية ، أو دينية ، أو أثنية ، أو قومية .......، والقضية ، لا تتعلق،أيضاً ، بأفكار محلية ، أو مستوردة ، فالفكر الإنساني ، الذي ، يتعلق بالعلوم الإنسانية الأساسية ، عن ، الوجود ، والجيولوجيا ، أو البيولوجيا ، أو الفيزياء ، أوالكيمياء ، والكون ، أو سيكولوجيا الإنسان ، أو سيسيولوجيا المجتمعات ، لا يمكن أن تحده أية حدود ، فالعلوم الأساسية ملك للبشرية جمعاء .. ، حتى ، في الزمان الغابر ، عندما كان الاتصال ، بين البشر ، متعذراً ، كانت تلك العلوم ، وحتى الأفكار ، والرؤى ، والعقائد ، تتسلل ، وتنتشر ، بين البشر .. فكيف ، يمكن أن يتم الحديث اليوم ، عن العزلة ، في زمن ، بات العالم ، كله ، بعلومه ، ومعارفه ، متوفر ، على ، شاشة صغيرة ، في ، كل بيت ، من القصور ، إلى الأكواخ ، على ، أرض هذا الكوكب ..
نعم ، هناك ، وفي كل علم اجتماعي ، وإنساني ، خصوصية ، ما ، لكل مجتمع ، لكن ، تلك الخصوصية تتعلق ، بالعلوم الفرعية ، وبخصوصية المشكلات ، في كل مجتمع ، فهي ، تتعلق بالتاريخ والجغرافيا ،لذلك المجتمع ، في الإطار الكوني الشامل ، لكن ، العلوم الأساسية ، المتعلقة ، بالعلوم الكلية ، حول الكون ، والكائنات ، والإنسان ، فهي شاملة ، لهذا الكوكب ، وتتجاوزه إلى حيث يمكن أن تصل الرؤى ، والخيال البشري ، وإلى ، حيث تصل المجسّات ، التي يرسلها الإنسان ، متجاوزاً الغلاف الجوي ، لكوكب الأرض ...
وبالتالي ، فإن الفكر البشري ، يأخذ طابعاً تراكمياً ، وهو نتاج ، لذلك الكائن النوعي ، الذي أسمه الإنسان ... وتلك العلوم ، ملك البشرية ، جمعاء ، لا يمكن ، حصرها ، بقوم ، أو أمة ، أو قارة ، قد ، يسبق البعض ، البعض الآخر ، في المعرفة ، لكن المعرفة ، فور تحققها ، لا يمكن ، زجها في ، الزنازين المنفردة ، لزمن طويل ، وبقراءة سريعة ، للمراحل التاريخية ، نجد ، دون عناء ، أن الإنسان ، في كل حقبة زمنية مّر فيها ، أنتج ، أفكاراً ، ورؤى ، وحضارة ، وترك آثاراً ، وأوابد ، على الأرض ، اعتقد معها ، أنه أمتلك الحقيقة المطلقة ، ثم ، وفي حقبة لاحقة ، تكتشف الأجيال التالية ، ما يتجاوز ذلك ، إلى معارف جديدة ، وهكذا ، في تجاوز مستمر ، ومتصاعد .. وهذا ما نطلق عليه ، التطور ، وهو ، خاص بالإنسان ، وحده ، يحققه في الواقع ، من خلال التعامل الإيجابي مع المشكلات ، معرفة ، ثم اختراعاً للأدوات ، والوسائل ، ثم تهيئة للظروف المناسبة ، ثم ، حشد الإمكانيات البشرية ، والمادية الضرورية ، ثم ، الإقدام على التنفيذ ، بالعمل ، ثم ، وقبل أن يحتفل الإنسان ، بحل المشكلات القائمة ، تظهر ، على الفور ، مشكلات جديدة ، فيبدأ الإنسان ، البحث لإيجاد الحلول ، لها ، وهكذا ، في متوالية هندسية ، تتابع فصولها ، طالما ، أن الإنسان ، موجود ..!
( 86 )
في ، منتصف القرن العشرين ، كان المشهد ، في العالم كله ، شديد الاضطراب ، الفوهرر ، أدولف هتلر ، نقض ، "الحلف المسيحي المقدس" ، الذي ، كان ، قد صاغه الأوروبيون ، المنفلتون ، من عصر الدوقيات ، والإقطاع ، في أوربا ، إلى السيطرة على ثروات العالم ، والتحكم فيها ، وذلك ، في القرن التاسع عشر ، ثم ، تطور ، ذلك الحلف ، مع الربع الأول من القرن العشرين إلى عصبة الأمم ، ذلك ، أن الفوهرر ، لم يرسل جيوشه إلى الهند ، أو إلى بلاد العرب ، أو إلى بلد ، مما يسمونه العالم الثالث ، ليتقاسم "الكعكة" ، مع المستعمرين الأوروبيين الآخرين ، في الغرب ، أو المتعطشين لنشر الشيوعية ، في الشرق ، أو ، مع الرأسمالية الجائعة ، والنشطة ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، الفتية ، وإنما ، وجّه مدافعه ، وحّرك مدرعاته ، وطائراته ، وبوارجه ، باتجاه تلك العواصم الأوربية ، مباشرة ، فتكاتفوا عليه ، وهزموه ، مع من تحالف معه ، من اليابان إلى إيطاليا .. ، دعونا نتجاوز التفاصيل .. لنقول ، أن تلك المحطة ، التي أعقبت عبور الحرب العالمية ، الأوربية ، الثانية ، هي ، التي أسست للنظام العالمي ، الذي تأثرت به أمتنا العربية ، من المحيط إلى الخليج ، ومن تلك المحطة ، انطلقت الأحداث ، والأفكار ، ومنها ، وبناء ، على ما دار داخلها ، وحولها ، تم ، بناء الحياة السياسية ، والاجتماعية ، وحتى الفكرية ، والعقائدية ، في العالم ، وفي الوطن العربي ، خاصة ، لأن الوطن العربي ، للأسف الشديد ، لم يكن في موقع التأثير ، بإحداث العالم ، وإنما ، كان موضعاً ، للتأثر ، بها ، وكان وجوده ، وثرواته ، وحريته ، وسيادته ، واستقلاله ، على الطاولة ، التي تحلقّ حولها ، المنتصرون ، في الحرب ، وفي أقبية أجهزة مخابراتهم ... ، الوطن العربي ، لم يكن مشاركاً ، في "يالطا" ، لكنه ، كان موضوعاً للصراع ، عليه ، وخرائط المواقع العربية بين المحيط والخليج ، كانت ، تتصدر جدران هيئات أركان جيوشهم ، ومواقع الثروات النفطية العربية ، المكتشفة ، والمحتملة ، تتصدر مكاتب الشركات الرأسمالية الكبرى.. أما الواقع ، على الأرض العربية ، فكان ، تراجيدياً ، إلى درجة كبيرة ، حيث ، تجاوزت الأحداث ، عتبة الاحتمال الإنساني ، ولم تكن نكبة 1948 ، إلا تعبيراً ، عن نكبات شملت أرض العرب ، وشّكلت كابوساً ثقيلاً ، على أبناء الأمة .. ، وهكذا ، جاءت ردة الفعل ، في عقد الخمسينات ، من القرن المنصرم ، بحجم الغضب ، والتحدي ، والمواجهة ، والمقاومة ، ورفع الصوت بــ لا ، قوية ، ومؤثرة ، صرخ بها جمال عبد الناصر فاحتضنته جماهير الأمة كلها متجاوزة كل الاعتبارات الأخرى ... ، لكن البنية التحتية ، وبفعل عوامل ، لا حصر لها ، راكمتها عصور من الاستبداد ، والتخلف ، والاحتلال المباشر ، والهيمنة غير المباشرة ، والتخلف على الأصعدة ، كافة ، اجتماعية ، واقتصادية ، وثقافية ، وحضارية ، كل هذا ، جعل من ردة الفعل الهائلة تلك ، مجرد ، ردود أفعال ، بدأت تخمد بالتدريج ، حتى ، عندما وصل المشروع القومي العربي النهضوي ، التنويري ، التحرري ، إلى أوج صعوده ، وحقق ، قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، لم يهتد ، إلى الطريق ، الذي يثمرّ ، ذلك ، ويفعّله ، ويحّوله ، من ، ردة فعل آنية ، إلى نهج يراكم ، ويتطور ، ويطور الواقع .. باتجاه أهداف استراتيجية ، بحّت حناجر الجماهير العربية ، بالمطالبة ، بها ، لكنهّا ، ضلت الطريق ، الموصل ، إليها ...!
( 87 )
هنا ، وجد التيار القومي النهضوي التنويري ، في الوطن العربي ، نفسه ، وجهاً لوجه أمام الأسئلة الصعبة ، لماذا ..؟ ، لماذا وقع الانفصال ..؟ ، لماذا لم نحصّن دولة الوحدة ، لتكون الدولة النموذج ..؟ لماذا ، تهزم الجماهير العربية ، العريضة ، من قبل قلة قليلة ...؟ .. ، لماذا ، ولماذا ، وما العمل ..؟ .. وعشرات الأسئلة المصيرية ، التي تحولت ، في تلك الأيام ، إلى ما يشبه جلد الذات .. وتعددت الإجابات ، من داخل التيار القومي العربي ، ومن خارجه ، فالانكسار بدأ يلقي بظلاله ، على الواقع العربي ، ومحاولات الإنكار ، والتبرير ، لم تعد تجدي ، وبينما كان القوميون العرب ، يلملمون جراحهم ، ويسألون ، لماذا ؟ ، كانت الإجابات ، تنهمر عليهم ، من كل حدب وصوب ، وكانت ، بمجملها ، تصب على رؤوسهم ، كالسهام ، وبما يشبه القصف المركز ، لقد انهزمتم أيها القوميون العرب ، لأنكم ، لا تملكون منهجاً فكرياً .. ، لأنكم بلا نظرية .. ، لأنكم بلا تنظيم سياسي يوحد صفوفكم .. ، لأنكم عاطفيون ..؟ ، لأنكم تنساقون وراء فرد ، لأنكم علمانيون لا تفهمون الواقع ، لأنكم لستم علمانيين كفاية .. ، لأنكم مؤمنون ، بالله ، أكثر ، مما ينبغي ، لأنكم ، لستم مسلمين ، كما يجب ، فالإسلام هو الحل ..، لأنكم إصلاحيين ، ولم تحسموا موقفكم ، من ، الدين ، والغيبيات ، فالدين أفيون الشعوب ، لأنكم اشتراكيون .. لا ، لأنكم ، برجوازيون صغار ، لأنكم مؤمنين .. ، لا ، لأنكم ملحدين .. ، لأنكم مثاليين ، غيبيين ، لا ، لأنكم ، ماديين ملاحدة ، لأنكم عرباً ، لا ، لأنكم ، لستم عرباً ، من الأساس .. ، لأنكم تستمعون إلى أم كلثوم ، لا ، لأنكم من جماعة فيروز ، لأنكم مع اقتصاد السوق ، لا ، لأنكم مع وحدة قوى الشعب العاملة ، لأنكم لستم مع ديكتاتورية البروليتاريا ، لأنكم لا تتبنون نهج الاشتراكية العلمية ، لا، لأنكم لستم مع الليبرالية ، والحرية الاقتصادية ، لأنكم لستم ديمقراطيين ، لا ، لأنكم لم تحسموا موقفكم مع الديمقراطية الشعبية .. ، لأنكم إقليميين ، لا ، لأنكم لستم إقليميين ، لأنكم طوائف ، لأنكم مذاهب ، لأنكم أثنيات ، لأنكم أديان ، لا ، لأنكم تجاوزتم ، مذاهبكم ، وطوائفكم ، وإثنياتكم ، وأديانكم ، لأنكم مع نظرية داروين ، لا ، لأنكم ترفضون نظرية داروين ، ولا تحترمون جدكم القرد .. ، لأنكم مجتمع ذكوري ، لأن النساء عندكم يرتدين الحجاب ، لا ، لأنهن يخرجن سافرات ، لأنكم ترتدون الجلباب ، لا ، لأنكم تغربتم ، وترتدون البنطال ، وربطة العنق .. لأنكم تأكلون الفول ، والطعمية .. ، لا ، لأنكم تنكرتم لتاريخكم ، وتأكلون الهمبرغر ، والبيتزا ، لأنكم حلقتم ذقونكم ، لا ، لأنكم أطلقتم لحاكم ، ولم تحلقوا شواربكم أو العكس ، لأنكم ابتدعتم فكرة دول عدم الانحياز ، ولم تنحازوا للمعسكر الاشتراكي ، أو للمعسكر الليبرالي الديمقراطي الغربي .... ، لأنكم لم تقيموا الدولة الإسلامية ، لا ، لأنكم لم تتحرروا من فكرة الدولة الدينية ، لأنكم تتغنون بحضاراتكم السالفة ، لا ، لأنكم تغربتم عن الواقع ، وتجاهلتم حضارة الأجداد .. لأنكم لم تتعاملوا بواقعية مع الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي ، لا ، لأنكم تتعاملون مع تلك الدول الإقليمية التي صنعها المستعمر ، لأنكم .. ولأنكم ..، حتى ، بات العربي ، فاقداً الرؤيا ، لأنه يتلفت إلى الوراء ، خائفاً من أتفه مخبر حقير يلاحقه ... ، وكان ، على جيلنا ، في خضمّ المعارك الساخنة ، أن يجيب على كل تلك الأسئلة ، وأن يصرف النظر ، عن الفعل ، في الواقع ، وأن يتركه فريسة ، للأعداء ، يستبيحونه .. ، بينما ، في ظل صعود التيار القومي العربي ، النهضوي ، كان البحث ، عن ، التوحد في الوطن ، ووسائل التحرير ، والأمة ، والمشروع الحضاري ، وأيهما ، أولا ..؟ ، الوحدة ، أم ، الاشتراكية ...؟ ، هل ، التحرير ، طريق الوحدة ، أم ، الوحدة طريق التحرير ...؟ ، ماذا نختار ، الشرعية الثورية ، أم ، الشرعية الدستورية ..؟ ، تلك كانت الهواجس ، أما ، في ظل فترات ، الانحسار ، والانكسار ، الممتدة ، فإن البحث ، بات ، عن عوامل الفرقة ، والتفتيّت ، ومن ، يكفرّ ، من ، ومن يمتلك وكالة عامة ، من الله سبحانه وتعالى ، لتمثيله ، وإخضاع الناس على الأرض ، وهكذا ، بات ، على المواطن العربي ، أن ، يخفض رأسه ، ويشيح ، ببصره ، عن الواقع ... ، فقط ، عليه ، أن يخضع ، لمن ، يمتلك القوة المادية ، وإذا أراد ، أن يتمرد ، فله ، أن يخضع ، لمن يدعي امتلاك القوة الألاهية ، وسد السبل أمام ، أي ، خيار ثالث ، ذلك ، هو الهاجس ، منذ انكسار مشروع النهضة العربية ، وحتى الآن ..
( 88 )
نقرّ ، بداية ، أن تلك الأسئلة ، والأجوبة ، والافتراضات ، لم تولد ، مع بداية فترة الانحسار ، والانكسار ، ولكن ، مع بداية الانحسار ، التي ترافقت ، مع انفصال الإقليم الشمالي ، عن ، الجمهورية العربية المتحدة ، انكشفت الأسئلة ، التي ، كانت ، قد تراجعت ، أمام حماسة ، واندفاع المشروع القومي العربي ، النهضوي ، ثم عادت ، تلك الأسئلة ، إلى الصف الأول ، مع بداية الانحسار ..
هكذا ، كان على جيلنا ، في خضم المعارك الساخنة ، حول الطريق إلى الوحدة العربية ، وتحرير فلسطين ، والعدالة الاجتماعية ، والتنمية ، وتحرير الأراضي العربية المحتلة ، بين ، المحيط ، والخليج ، أن يجيب ، على عشرات الأسئلة ، وأن يحدد موقفاً ، من عشرات القضايا ، التي أثيرت ، بحسن نية ، أحياناً ، وبسوء نية ، أكثر الأحيان .. ، وأعادت المشروع ، القومي العربي ، النهضوي ،التنويري ، إلى خط البداية ، باعتبار أنه ، لا يمكن ، أن يكون مشروعاً ، سياسياً ، نخبوياً ، حماسياً ، وإنما ، وبسبب من التعقيدات الكثيرة ، والمتشعّبة ، لا مفر ، من أن يكون مشروعاً ، جماهيريا ، نهضوياً ، شاملاً شتى مظاهر الحياة العربية ، ومدققا في عواملها ، وتفاصيلها ، ولا مهرب ، من الإجابة ، على جميع الأسئلة .. وقد تبرعت ، جميع القوى الفاعلة ، والمؤثرة ، في الوطن العربي ، بل ، وفي العالم ، كله ، بتقديم الإجابات ، البريئة أحيانا ، والمسمومة ، أكثر الأحيان ، إلى التيار القومي العربي ، الجماهيري ، الكاسح ، وكان عليه ، أن يختار ..
( 89 )
لكن ، وقبل الدخول ، في طبيعة الإجابات ، والاختيارات ، لابد من التوقف ، ولو للحظة واحدة ، وباختصار شديد ، أمام الظروف ، التي سادت ، بعد الحرب العالمية الثانية ، والتي انعكست ، بكل ، ثقلها ، وتبعاتها ، على الواقع العربي ، فكراً ، وممارسة ، ودولاً .. ونلخصّها ، بما ، يلي :
1 - نظام عالمي جديد ، في حينها ، بات "قديماً" ، الآن ، تمّثل ، في هيئة الأمم المتحدة ، أعطى المنتصرين ، في الحرب العالمية الثانية ، حق ( الفيتو ) ، وبالتالي ، نصّبهم ، قيمّين ، على ، المجتمع الدولي ، والقانون الدولي ، والعالم ، ببشره ، وأرضه ، وثرواته ..
2 – مؤتمر يالطا ، الذي وضع العالم ، كله ، تحت ، هيمنة ثنائية قطبية ، نظمّت العلاقة ، تعايشاً ، بين القطبين ، وتركت الصراع ، مفتوحاً ، بينهما ، على ، ما أسموه ، العالم الثالث ، الذي تحول إلى ساحة ، للصراع بين القطبين ..
3 - محاولة جنينية ، من قبل ، القادة الحقيقيين ، في العالم الثالث ، للتمرد ، على عنصرية المنتصرين ، في الحرب الثانية ، وتحرير ، وتحويل ، ما سمي ، العالم الثالث ، من ساحة ، للصراع ، بين القطبين ، إلى ، قوة ثالثة ، تأخذ بعين الاعتبار ، المصالح الوطنية ، والقومية ، لشعوب العالم الثالث ، تحت أسم ، دول عدم الانحياز ، أو ، دول الحياد الإيجابي ..
4 - تم اختراق مؤسسات ، دول عدم الانحياز ، من قبل القطبين السائدين ، وارتفعت نغمة الاستقطاب الدولي ، وتم ، تنظيم الحرب الباردة ، والتعايش السلمي ، بين القطبين ، وتصدير الحروب الساخنة ، بينهما ، إلى دول العالم الثالث ، بالتزامن مع انهيار المشروع ، النهضوي ، القومي العربي ..!
ما يعنينا ، هنا ، هو ، كيف انعكس ذلك ، كله ، على الحركات ، والتوجهات الفكرية ، والسياسية ، في الوطن العربي ..؟ وما هي ، الإيديولوجيات ، والعقائد ، التي أثرّت ، وتفاعلت ، مع الواقع العربي ، وكانت معنية ، بالأسئلة ، والإجابات ، والتحديات ، التي أشرنا ، إليها ..؟ ، والتي يمكن أن نصنفها ، لضرورة البحث ، في ملفات أربعة :
( 90 )
- الملف الأول : ويتضمن "الإيديولوجيا" ، التي اعتمدها ، ما سمي المعسكر الاشتراكي ، الذي يشكل القطب الشرقي ، في ، الحرب الباردة ، وبما ، كان يعنيه ذلك ، في حينه ، من إغراء ، بالمساواة ، والأممية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، إضافة ، إلى تجارب حية ، وفاعلة ، تمكنت ، من تشكيل قطب قوي ، ينافس على الفضاء ، وينافس ، في العالم الثالث .. لكن ، في العمق ، كانت هناك مشكلات معقدة ، تعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة تدعيّ كل منها ولاية الفقيه، في الماركسية ، تتناقض مواقفهم ، من ، تروتسكي ، إلى لينين ، إلى ستالين ، إلى ماوتسي تونغ ، إلى كيم أيل سونغ ، وكاسترو ، وجيفارا ، ثم إلى خروتشوف ، وبريخيف ، وحتى ، بروتوسترايكا غورباتشوف .. وقد تحولت ، تلك ، المذاهب ، والمدارس ، إلى مؤسسات حزبية سياسية ، في الوطن العربي ، بعدد ، الأئمة ، المشار إليهم ، والذين أغفلنا ذكرهم لضيق المساحة ..... ، تقدم أفكارها ، وخدماتها ... ، لحل ، مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، النهضويين ، من قبل ، أول التروتسكيين ، إلى آخر الماويين .. ، والغورباتشوفيين ...!

(91 )
- الملف الثاني : ويتضمن الأيديولوجية ، التي ، بني عليها ، ما سمي المعسكر الليبرالي ، الذي شّكل ، القطب الغربي ، في الحرب الباردة . بما ، كان يعنيه ، من تقدم ، وحضارة ، وحرية ، و ديمقراطية، وتجارب حية ، تشهد على تقدم المجتمعات ، في ذلك المعسكر. ينافس المعسكر الاشتراكي ، في الفضاء ، وينافس في العلم الثالث على الأرض ، لكن ، في العمق ، كانت ، هناك مشكلات معقدة ، بعد أن التهمت الرأسمالية ، أحلام الحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، وبدأت أصوات الاحتجاج ترتفع ، حتى في داخل ذلك المعسكر ، وباتت عشرات الأسئلة تطرح بإلحاح ، في ظل غياب إجابات مقنعة ، وتعددت الاجتهادات ، في مواجهتها ، وتشكلت ، على أثرها ، مذاهب ، وطوائف ، في ، الليبرالية ، خاصة بعد أن التهمت الرأسمالية ، الجوانب الإيجابية ، من ، منهج الليبرالية ، تتناقَض مواقفهم ، من ، أول الأحزاب المسيحية ، إلى الخضر، إلى الأحزاب الوجودية ، والبوهيمية ، و الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، والمحافظين ، والعمال ، ومن ، منهم ، مع تدخل الدولة ..؟ ، ومن ، منهم ، مع كف يدها ، تماما ...؟ ، المهم ، أنه ، تم استنساخ ، تلك ، المذاهب ، والأحزاب ، والمدارس ، في الوطن العربي ، أحزاباً ، وأفكاراً تقدم خدماتها، لحل مشكلة المنهج ، عند القوميين العرب ، في الواقع العربي...
(92)
- الملف الثالث : ويتضمن ، تلك الدعوة إلى الخصوصية ، والتمسك بالموروث ، الحضاري ، أو الديني ، أو الثقافي ، الذي أنتجته هذه الأرض العربية ، بكل ، ما يعنيه ذلك ، من أغراء ، لتحصين الأمة ، وهويتها ، بمواجهة الأفكار المستوردة ، وثقافة التغريب ، والتشريق ، وجيوش الاحتلال ، من أول المستوطنين ، إلى آخر الغزاة ، لكن ، المشكلات المعقدة ، في العمق ، أفرزت ، في مواجهتها ، مذاهب ، وطوائف ، وأئمة ، تتناقض مواقفهم ، من ، أول ، الذين رفعوا راية حضارات قديمة ، بهدف بعثها من جديد ، لأن ، التاريخ ، من وجهة نظرهم ، بدأ ، بها ، وانتهى عندها ، إلى ، آخر ، الذين رفعوا راية المؤسسات ، الدينية ، والقبلية ، والإقليمية ، والطائفية ، والمذهبية ، حيث تنافسوا ، فيما ، بين بعضهم ، البعض ، إضافة إلى التنافس الحاد ، مع مكونات الملفين السابقين ، في تقديم الخدمات ، والأفكار الجاهزة ، والحلول النهائية ، لحل مشكلة المنهج عند القوميين العرب ..!
- الملف الرابع : ويتضمن دعوة توافقية ، تلفيقية ، بين ، مكونات الملفات الثلاثة ، المشار إليها ، بمعنى ، أن تقدم تلك المكونات المتناقضة في طبق واحد ، ثم ، يقال للقوميين العرب ، ببساطة ، ليس هناك ضرورة للبحث ، والتدقيق ، حيث ، لا جديد تحت الشمس ، فكل ميمكن أن يقال في موضوع المنهج قد قيل ، وانتهى ، فخذوا من تلك المناهج ما يحلوا لكم ، وما يتوافق مع خصوصيتكم التي تتمسكون بها ، وارفضوا ، ما بعد ذلك ، فلماذا كل هذا العناء ... ؟ ، كفوّا عن البحث ، وسايروا العصر ، واختاروا من الوجبات الجاهزة ، والسريعة ، ففيها كل مالذ ، وطاب .
( 93 )

إن ، ما تقدم الإشارة إليه ، هو ، موضوع بحث طويل ، لا يحتمله هذا المقام ، فقط ، أشرنا إليه ، مجرد إشارة ، للدلالة ، على تأثيره ، في موضوع بحثنا ، هذا ، تحديداً ، لاعتماد ، قاعدة ثابتة ، ننطلق منها ، وهي ، أن التصدي ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، في التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، لم ، يكن مفتعلاً ، أو ترفاً ، أو بحثا ، عن تميّز ، أو امتياز ، وإنما ، كان ذلك ، ضرورة ، وحاجة ملحة ، لاستئناف مسيرة النهوض ، بعد الانكسار ، والانحسار ، والهزائم .. ، وتلك الضرورة ، وهذه الحاجة ، تزداد إلحاحا ، مع كل يوم يمّر ، دعونا ، الآن ، نحدد ، بدقة ، الموقف ، والخيارات ، في تلك المرحلة الحاسمة ، من التاريخ العربي المعاصر ، وهذا ، في منتهى الأهمية ، وجدير ، بأكبر قدر ، من الاهتمام ، فمع قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة ، وتعثرّ بناء دولة الوحدة ، كدولة ، نموذج ، وكقاعدة ، للانطلاق ، منها ، باتجاه المحيط ، والخليج ، ثم ، بداية الانكسار ، بانفصال ، الإقليم الشمالي ، عن ، العربية المتحدة ، وجد التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، نفسه ، في حالة ، من ، البلبلة الفكرية ، والمنهجية ، والنظرية ، فرغم ، كونه ، التيار الكاسح ، والعريض ، على صعيد الأمة بين المحيط والخليج ، وجد نفسه ينحسر ، ويتلقى الهزيمة ، إثر الهزيمة ، وفي حالة ، من العجز ، عن تحقيق أهدافه ، فبرزت الحاجة الملحة ، لحل المشكلة المنهجية ، والنظرية ، وتقدم أصحاب الملفات الأربعة ، السالفة الذكر ، يعرضون بضاعتهم ، وما لديهم ، فكرياً ، ونظرياً ، ومنهجياً ، وسّهل ذلك ، أن التيار القومي العربي العريض ، كان ، متنوعاً ، وشاملاً ، لمجموعات ، وأفراد ، ينتمون ، أصلاً ، لهذا المذهب ، أو ذاك ، في ذلك الملف ، أو في أي ملف آخر .. ، فقد التحقوا بالتيار القومي العربي ، في أوج صعوده ، قادمين ، إليه ، من ، أرومات مختلفة ، ومتباينة ، وعندما بدأ الانحسار ، بدأت معه ، حالة الانكفاء ، فرديا ، وجماعيا ، إلى الأوضاع ، السابقة ، على التوهج القومي ، فكانت النتيجة كارثية ، بمعنى ، أن التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، العريض ، والكاسح ، والمتنوع ، كان بحاجة إلى منظومة فكرية ، ومنهجية ، ونظرية ، تنظم صفوفه ، وتحدّد مساره ، وتحشد قواه ، باتجاه الهدف ، فلا يضل ، ولا ينحرف ، ولا يتوه ، في البرية .. ، وإذ ، بتلك الأفكار ، والمناهج ، والنظريات المنوه ، عنها ، تفعل ، فعلاً معاكساً ، بإعادته ، إلى حالة الشرذمة ، والتفتيت ، والتناحر ، الذي كان سائداً ، من قبل ، وتحول التيار القومي العربي ، النهضوي ، التنويري ، من قوة فاعلة مؤثرة ، لها هيبتها ، إلى ساحة ، يلعب فيها ، الإقليميين ، والطائفيين ، والمذهبيين ، والدينيين ، والعلمانيين ، والقبليين ، والمؤمنين ، والملاحدة ، وإذ ، بهذا التيار العريض ، والواسع ، الذي كان يبحث عن ، هوية ، ومنهج ، ومسار ، بات ، بلا ، هوية ، بلا ، منهج ، بلا ، مسار ، فنهشت منه ، القوى ، التي كان قد حشرها في الزاوية ، نهشت كوادره ، وأنصاره ، فحركة القوميين العرب ، باتت ( حركات ) ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، انتهى إلى أحزاب ، ثم إلى .. ، والناصريون ، تفرقوا أنصاراً ، لهذا الحاكم ، أو ذاك ، أو معارضة ، لتلك الجماعة ، أو لهذا الزعيم ، أو ذاك ...، ومع كل يوم كان يمضي ، على الانحسار ، كانت الصورة المأساوية تتظهّر أكثر .. ، فأكثر .. ، فالمقاومة العربية ، لتحرير فلسطين ، انتهت ، إلى فلسطينية ، ثم ، إلى ، غزاوية ، ورام الله ، ثم ، إلى مؤمنة ، وكافرة .. والمقاومة العربية ، في جنوب لبنان ، انتهت ، إلى مقاومة وطنية لبنانية ، ثم ، إلى مقاومة مذهبية ، ثم ، إلى مقاومة فصيل ، واحد ، من المذهب .. وهكذا ..!
( 94 )
هل ، يكفي ما تقدم ، لنقرر ، أن حل المشكلة المنهجية ، كان ضرورة ، وحاجة ملحّة ، للتيار القومي العربي ، النهضوي ، ثم ، لنقرر ، أن المناهج التي قدمت لحل المشكلة ، زادتها تعقيداً ، وأن المحاولات ، لما سمي ، تطوير تلك المناهج ، أو تعديلها ، أو للأخذ منها ، ما يناسبنا ، ورفض ما سواه ، أو ، التلفيق بين مناهج متناقضة .. ، هذا ، كله ، لم ، يجد ، نفعاً ، بل ، أدى إلى تشويه ذاتي ، وموضوعي ، وسيكولوجي ، وانتهى بنا ، إلى ما نحن عليه ..
لهذا ، فإن ، الذين تصدوا ، للمشكلة ، بإبداع منهج ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، في الوطن العربي ، كانوا يستجيبون ، لحاجة ملحة ، بهدف ، حل مشكلة منهجية ، ليس ، في الوطن العربي ، وحسب ، وإنما ، على الصعيد الإنساني الشامل ، فحلم ، الاشتراكية ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان ، التهمته النظم الاشتراكية ، في معسكرات الاستبداد ، والنفي ، والتفرد ، وحلم الحرية ، والديمقراطية ، الليبرالية ، والمساواة ، التهمته ، النظم ، الفردية ، والرأسمالية ، والاستعمارية ، وحلم عدالة الأرض ، وعدالة السماء ، في ، الأديان السماوية ، التهمته ، مذاهب التكفير ، والتلاعن ، والتخريب .. ، والإقصاء ، والاستئصال .. ، وهكذا ..
وإذا ، كنا ، قد اقترحنا " منهج جدل الإنسان " ، كما أبدعه عصمت سيف الدولة ، منهجاً ، لمشروع النهوض ، والتنوير ، من جديد ، في الوطن العربي ، وبالتحديد ، منهجاً ، للطليعة العربية ، فإننا ، لا نغفل ، في الوقت ذاته ، محاولات جادة ، وهامة ، أبدعها ، مفكرون أفذاذ ، نقدرّ ، ونحترم ، ونجلّ ، على هذا الصعيد ..، لكن ، لابد في النهاية ، من الاختيار ، وعلى ، أية حال ، سيبقى ذلك ، كله ، رهناً ، بالمؤسسات الديمقراطية ، للطليعة العربية ، المخولة ، وحدها ، بالتعمق ، والبحث في مختلف المناهج ، والإبداع حيث كان ذلك ممكناً .. ، ومن ، ثم ، تحدد ، منهجها ، الذي يغدو ، منهجاً ، ملزماً للطليعيين العرب ، اعتبارا من ذلك ، التحديد ...
لكننا ، ولضرورة البحث ، فإننا ، سنعتمد ، ذلك المنهج ، في الإجابة على سائر الأسئلة ، التي طرحت ، والتي ، يمكن أن تطرح ... ، ولكل ، أن يطرح ، ما يشاء ، نقول هذا ، كي نؤكد ، أن الطليعيين العرب ، الجدد ، لا يتهربون ، من الإجابة على الأسئلة المطروحة ، ولا يتوانون ، عن مواجهة المشكلات ، مهما كانت معقدة ، وأن ، ما تقدم من حديث ، كان ، لوضع قاعدة منهجية ، ننطلق منها ، في مواجهة التساؤلات ، والمشكلات ، معاً ...
( يتبع ... "21" ... البيان ... )
حبيب عيسى
للاطلاع على الحلقات السابقة
http://anssar.al-taleaa.net

زهير 04-07-2009 12:06

على بســــــــاط الثــــلاثاء
47

يكتبها : حبيب عيسى


البيان ..."21" ...

"الطليعة العربية"
التكوين ، وتحولاته ...
التاريخ البشري ، وجدليته



( تتمة ..."21" ... البيان ... )

( 95 )

كل ما نعرفه ، وما تعرفه البشرية ، حتى الآن ، أن ، الإنسان ، ومنذ أن ترك على هذه الأرض ، ما يعرّف ، عنه ، من مستحاثات ، ومخلفاتّ بشرية ، ثم ، منذ ، أن بدأ يعرفّ عن نفسه ، ويترك في الواقع ، آثارا ، وأوابد ، وأدوات ، ورسوم ، ومن ، ثم ، كتابة ، وعمراناً ..، وصولاً ، إلى هذه المرحلة التاريخية .. لم يكفّ ، قط ، عن البحث ، والاستقصاء ، يحاول ، أن يستقصي ، بخياله ، ما وراء الواقع ، الماثل أمامه ، بحثاً ، عن أصل هذا الوجود ، كيف ؟ ، ومتى ؟ ، وبماذا ؟ ، ومن أين ؟ ، وإلى أين ..؟!! ، ثم ، ما هي النواميس ، التي تحكم الظواهر ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ؟ ، ما هو المصدر ..؟ ، وإلى أين المآل ..؟
لقد طوّر الإنسان أدواته ، للإجابة على تلك الأسئلة الصعبة ، ابتداء ، من الأدوات البدائية ، واستخدام ، الحوّاس ، والمدارك ، والخيال ، إلى عبادة النجوم ، والكواكب ، والحيوانات ، والحجارة ، إلى التدخل في تصنيع الآلهة ، عن طريق التصوير ، والنحت ، والتشكيل ، أو ما سمّي ، بالأصنام ، إلى عبادة الإنسان ، للإنسان فظهر ، بعض المتألهين ، أو ، الوكلاء ، الذين تمدهم الآلهة بقدرات خارقة ، وتوكلهّم على الناس ، يعتصمون ، في المعابد المخصصة ، لذلك ، أو ، في قصور المستبدين ، وقلاعهم ، ثم ، وزّع الإنسان الاختصاصات ، على ، الآلهة ، إله ، للحرية ، وأخرى ، للجمال ، وآخر ، للعواصف ، وهكذا .. ، وأنثهمّ ، وذكرهّم ، وبالتزامن ، مع ذلك كله ، كان الإنسان ، يراكم العلوم ، والمعارف ، وتتوسع مقدرته ، على الاستكشاف ، فيضيء ، على الكثير ، من المجاهيل ، ويحولها إلى معارف ، ثم يبني عليها .. ، لاكتشاف ، كنه ، مجاهيل أخرى ، وهكذا .. ، ومع ، كل اكتشاف ، أو كشف ، كان العلماء ، والفلاسفة ، والمفكرين ، يبنون على ما اكتشف ، فرضيات ، عن الكوكب ، والكون ، والمصدر ، والمآل .. ، إلى ، أن تنهار ، تلك الفرضيات ، أمام ، اكتشافات جديدة ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. ثم ، وبقدر ما كان الإنسان يتقدم في العلوم ، والاكتشافات ، بقدر ، ما كانت مجاهيل جديدة ، تبرز أمام ناظريه ، فيمد خياله ، إلى البعيد ، مفسراً ، أو مفترضاً ، أنه ، يفسر ، ما يعجز عقله ، وأدواته المتاحة ، ومكتشفاته العلمية ، عن تفسيره ، أو إدراكه .. وعندما ، كان خيال الإنسان ، يصطدم ، بحائط مسدود ، لا يعرف ما ورائه ، ولا يعرف ما وراء ، الوراء .. ، وفي ، الوقت ذاته ، تخذله الآلهة ، التي عبدها ، أو اصطنعها ، عن تقديم إجابات ، كان يرفع يديه إلى السماء ملتمساً أن تمطر عليه المعرفة ، والنواميس ، والرسائل ، والوصايا ، والآيات .. ، ولم تكن السماء تبخل ، بذلك ... فتتابعت الرسائل السماوية ، إلى ، أن تلقى ، جدنا ، الرسول العربي ، محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه وسلم ، الرسالة الختامية ، من السماء ، إيذاناً ، وبلاغاً ، بانقطاع الخطاب الإلهي المباشر ، للإنسان ، من جهة ، وتوجيهاً ، له ، بأن على الإنسان ، بعد ذلك ، أن يعمل عقله ، ليكتشف النواميس ، التي تحكم الظواهر ، ويتصرف اجتماعياً ، وإنسانياً ، على مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .
وهكذا ، فإن الإنسان محكوم ، بالسعي إلى المعرفة ، محكوم ، بالسعي إلى الحرية ، بحكم قانونه النوعي " الجدل " ، يراكم المعرفة ، والعلوم ، جيلاً بعد جيل .. بخط بياني صاعد ، أبداً .. ، وهذا ، هو ، التطور الذي يبدعه الإنسان ، علماً ، ومعرفة ، في ذاته ، وتراكماً ، عبر الزمن ، في ، العلم ، وفي الواقع الموضوعي ، وفي الفضاء ، بالأدوات ، والوسائل ، والمعارف ، التي توفرت ، له ، عبر المراحل التاريخية المتعاقبة ، بدءاً ، من أغصان الشجر ، إلى العظام الحيوانية ، إلى الأدوات الحجرية ، إلى فرز المعادن .. ، وحتى المجسات الفضائية ، وعلوم ، الرياضيات ، والفيزياء ، والكيمياء ، والجيولوجيا ، وعلم الأحياء .. ومن المغائر ، والكهوف ، إلى ناطحات السحاب ...، ومن ، ركوب الحمير ، والجمال ، إلى ، ركوب المركبات الفضائية ...
( 96 )

وإذا ، كان تاريخ هذا الكوكب ، ما قبل الكائنات الحية ، ثم ، ما قبل البشر ، ثم ، التاريخ البشري ، على الكوكب ، سلسلة ، من الحلقات المترابطة ، متداخلة ، ومتصلة ، ونامية من مرحلة ، إلى أخرى ، بمعنى ، أن النسغ ، الذي يغذي ، كل ، مرحلة تاريخية ، ويعطيها هويتها ، وتميزها ، صاعد ، إليها ، من المرحلة التاريخية ، السابقة عليها ، التي ، نمت ، وتشكلت ، بدورها ، على النسغ الصاعد إليها ، من المرحلة التاريخية التي قبلها ، والممتدة ، رجوعاً ، إلى بداية نشوء هذا الكوكب ، في ذلك الكون .. ، تلك البداية ، التي ، يتساوى بني البشر ، حتى الآن ، علماء ، وجهلة ، مؤمنين ، وكفار ، في المعرفة العلمية ، لتلك البداية ، هناك فرضيات متعددة ، لذلك .. من فرضية الأرض ، التي تتربع ، بين قرني ثور .. إلى قصة الخلق في الديانات السماوية ، إلى آخر الفرضيات ، التي وضعها العلماء ، الذين مازالوا ، حتى هذه اللحظة ، ينفون فرضية سابقة ، لصالح فرضية جديدة ، ثم ينفون الفرضية الجديدة ، لصالح فرضية ، أكثر جدة .. وهكذا .. ، امتداداً ، إلى ، ما رتبه الفلاسفة على ذلك ، كله ، وبالتتابع عبر الزمان ...
وإذا كان ذلك ، هو ، حدّ ، المعرفة ، الذي وصل إليه العقل البشري ، بالعلم ، أو بالإيمان ، بالفرضيات ، أو بالخيال .. فإن ، تلك الصيرورة ، للكوكب ، في هذا الكون ، عبر الزمان ، من النشوء ، الذي لا نعرف (علمياً ) ... ، إلى ، المآل ، الذي ، لا ندري ( علمياً ) ، مرّكبة ، تركيباً ، معقدا ،ً عبر مراحل تاريخية ، متعاقبة ، لا يمكن تقسيمها ، تعسفياً ، إلى مراحل منفصلة ، بعضها ، عن البعض الآخر .. ، فإن ، العلماء ، والباحثين ، ولضرورات البحث ، تحدثوا عن عصور جيولوجية ، وأخرى مناخية ، وعصور بشرية ، تتعلق بتطور الإنسان ، ثم ، إلى عصور ، بحسب اكتشافات الإنسان ، عصر البرونز ، عصر الحديد ، عصر البخار ، عصر الذرة ، وعصر الفضاء ، وفيما يتعلق ، برؤية الإنسان ، لنشوء كوكب الأرض ، وللكون ، عموماً ، فإن القص ، عن ذلك ، النشوء ، لم يتوقف ، ولضرورة البحث ، أيضاً ، يمكن تصنيف ، ذلك ، في المصنفات التالية :
1 - عصر الكوكب المشتعل والرجم العظيم .
2 - عصر الشتاء الجليدي .
3 - عصر الكائنات الحية .
4 - عصر الإنسان البدائي .
5 - عصر الحضارات القديمة والديانات القديمة .
6 - عصر الديانات السماوية .
7 - عصر البحث العلمي .
( 97 )

تلك العصور ، كانت ، ومازالت متداخلة ، بمعنى ، أننا ، لا نتحدث عن تراتبية ، لتلك العصور ، فعصر البحث العلمي الذي صنفناه ( سابعاً ) ولد ، بدائياً ، مع الإنسان البدائي في حدوده الدنيا ، وطوّر الإنسان البحث العلمي ، بما يتناسب مع كل عصر ، من العصور التالية ، تمتد جذورها ، إلى ، لحظة التدخل الإنساني ، الواعي ، الأولى ، حيث ، تحول كل فعل إنساني ، في مرحلة زمنية ، ما ، إلى " لبنة " في صرح التاريخ البشري ، على هذا الكوكب ، الذي امتد عبر الزمن ، إلى هذا العصر ، الذي نعيش .. ، وبالتالي ، فإن تاريخ الكوكب ، الذي عرف البشر ، البعض اليسير ، منه ، لا ينفي ، بعضه ، البعض الآخر، وإنما ، هو ، عبارة عن عملية تراكم عمودي ، وامتداد أفقي ، فقصّ الإنسان البدائي ، ونتاج الحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والقص الديني السماوي .. ، وكذلك ، نتاج الإنسان ، من العلوم ، والعمران ، والفلسفة ، والفنون .. الخ ، تلك العصور ، جميعها ، بما فيها من إيجابيات ، وسلبيات .. ، من توحش ، وأنسنة .. ، من علم ، وجهل .. ، من إيمان ، وكفر .. مازالت متداخلة ، مع أحداث هذا العصر ، تتفاعل مع أحدث الاكتشافات العلمية الراهنة ، بحيث ، نجد هذا التنوع الشامل ، لمراحل التاريخ البشري .. جنباً إلى جنب ، على سطح ، هذا العصر ، الذي نعيش .. والذي ، سيرّحلها ، مع الإضافات ، الممكنة ، إلى العصور التالية ...

( 98 )

وإذا ، كان لكل مقام ، مقال ، فإن المقام ، هنا ، ليس ، للبحث في نشوء الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان .. ، والعلوم ، والديانات ، والفلسفات .. ، فقد ، عبرت البشرية ، بمختلف الوسائل ، بدءاً ، بالإشارات ، ثم ، بالنطق ، ثم ، بالرسوم على أوراق الشجر ، ثم بالنقش على الصخور ، ثم بالحرف ، ثم ، بكتابة مليارات الصفحات ، بمختلف اللغات ، التي تعلمها بني البشر .. ، عن آراء ، ونظريات ، وافتراضات ، لا يمكن حصرها .. ، وباعتقادنا ، أن البشرية ، ستضيف ، في كل ثانية .. إجابات جديدة .. ، وستتوالد ، أمامها ، أسئلة جديدة ، تطرحها مشكلات ، متجددة ، أبداً ، تبحث عن حلول لها ... ، وهكذا ...!
المقام ، هنا ، ليس لاعتماد فرضية ، دون أخرى ، من الفرضيات المطروحة ، وليس ، لنقض الفرضيات المطروحة ، لصالح فرضية جديدة ، عن نشوء الكوكب ، والكون ، أو الأكوان .. وإنما ، يقتصر الموضوع ، هنا ، حصراً على موقف " الطليعة العربية " ، من هذه المسألة الشائكة ، بالتداعي إلى الكلمة السواء فيما بين الطليعيين العرب ، أنفسهم ، ثم ، بينهم ، وبين سائر المكونات الثقافية ، والاجتماعية ، والدينية ، والعلمية .. في مجتمعهم العربي ، والعالم .. ، وذلك ، سداً ، لذرائع الخلاف ، وتجنباً ، للمعارك الوهمية ، حول مسائل ، يتساوى الأطراف ، في الجهل ، بمكنوناتها ، ولكل واحد ، الحق ، في أن يقتنع بفرضية " ما " مطروحة .. ، ولكل واحد ، الحق ، في ، أن يؤمن بما يشاء ، فهذا التنوع ، يشمل البشرية ، برمتها ، وليس لأحد أن يتباهى ، على ، أحد ، بهذا الشأن ، فإذا ، كان التسليم يؤدي إلى سكينة نفس المؤمن ، فإن الشك هو الذي يحفز العلماء لمزيد من البحث ، والتدقيق ، وإذا ، كان ادعاء علم الغيب ، كفر ، وتجديف .. ، في الخطاب الديني ، فإن ، إدعاء حتمية ، فرضية ، ما ، دون إثباتها ، علمياً ، يعتبر ضرباً من الجهل ، والخطأ ، الذي يصل إلى حد الخطيئة ، علمياً .. وإذا ، تجاوزنا القصّ ، الذي ، تداولته الشعوب ، عبر تطورها ، عن نشوء الكون ، مرورا ،ً بالحضارات القديمة ، والديانات القديمة ، والديانات السماوية ... لأن ، هذا ، كله ، لا يخضع للإثبات ، والتساؤل ، وإنما ، يخضع ، للإيمان ، والتسليم ، فقد ، حملت ، لنا ، الرسالة الختامية ، للرسائل السماوية ، هذا الخيار ، وألقته ، على كاهل الإنسان ، " فليؤمن من يؤمن ، وليكفر من يكفر " ، وعلى مسؤوليته ، في الدنيا ، والآخرة .. أما ، البحث العلمي ، فيستند ، على قواعد الإثبات العلمية ، البحتة ، فالقوانين ، إما ، صحيحة ، وإما ، خاطئة ، والفرضيات ، والنظريات ، التي تبنى على حلقة مفقودة ، أو على معطيات مجهولة ، لا ترقى إلى درجة العلمية ، والذين ، يبنون ، على تلك ، الفرضيات ، نظريات فلسفية ، أو ميتافيزيقية ، أو منهجية ، أو فكرية ، أو سياسية ، أو ما يسمونه "خيال علمي" .. ، لهم ذلك ، لكن ، ليس لهم ، أن يتباهوا ، بأنهم ، امتلكوا الحقيقة العلمية ، المطلقة ، وليس ، لهم ، اتهام الآخر ، المختلف ، بأنه متخلف ، ومجاف ، للعلم ، والتطور .. فما ، يسمى " الخيال العلمي " ، لا يعني أن ، الخيال علمياً .. ، وإنما ، يعني ، أن الإنسان ، وطبقاً ، لقانونه النوعي " الجدل " ، يبني على الحقائق العلمية ، المكتشفة ، تصوراً ، لما ، سيصل إليه علم الإنسان ، في المستقبل .. ، وهذا التصور ، قد يتحقق ، وقد لا يتحقق ، قد ، يكون علمياً ، وقد لا يكون ، قد يتحقق الإنسان ، من صحة تصوره ، وقد ، يتحقق من أنه كان على خطأ .. ، قد يتحقق من أن ، بعض ، تصوره ، كان صحيحاً ، وبعضه كان خاطئاً ... هذا كله مشروط ، بالكشف ، والاكتشاف العلمي ، على صعيد المعرفة ، والقوانين العلمية ، وبالتالي ، فإن ، معركة الإنسان ، من أجل الحرية ، وكشف المجاهيل ، مفتوحة ، منذ وجود الإنسان العاقل ، على هذه الأرض ، وحتى المآل الأخير ، لذلك الوجود الذي ، لا نعرف حدوده .

( 99 )

إن ، الإنسان ، دائماً ، يجد موقعاً جديداً ، بين واقعه الموضوعي ، كما هو ، وبين أحلامه ، للمستقبل ، كما يتصوره ، قد يكون هذا الموقع أقرب إلى الواقع الموضوعي ، أو أقرب إلى الحلم ، لكنه ، حتماً ، يقع بين الواقع الموضوعي ، وبين الحلم ، ولهذا ، نقول مع عصمت سيف الدولة ، أن الإنسان ، جدلي ، وأنه ، مصنع التطور ، بمعنى ، أن المعرفة الإنسانية ، والعلم ، والاكتشاف ، دائماً ، إلى تقدم ، باطراد ، قد يتم ذلك ، بتسارع ، بتباطؤ ، ربما .. ، لكنه ، أبداً ، لا يتوقف ، ولا يعود إلى الوراء .. وهذا ، هو الفارق ، الفصل ، بين التطور الذي يحدثه الإنسان ، وبين التحول الذي يجري في الواقع الموضوعي ، نتيجة التأثر ، والتأثير ، والتفاعل ، والتداخل ، والتباعد ، والتضاد ، بين القوانين ، والنواميس ، التي تحكم حركة الكواكب ، والنجوم ، والأشياء ، بما ، في ذلك كوكب الأرض ، الذي يستضيفنا ، في هذه المرحلة ، من كينونته ، والذي ، يهتز ، أحياناً ، بالزلازل ، وينفث الحمم ، بالبراكين ، وتثور في محيطاته ، وعلى يابسته ، العواصف ، والأعاصير .. ، ويزداد مخزونه الجليدي ، إلى حد الخطر ، أحياناً ، أو يتناقص ، إلى حد الخطر ، أيضاً .. هذا ، لا يعني ، أن الإنسان لا يقوم بتنفيذ أعمال ، غاية في السلبية ، والتدمير ، للإنسان ، وللكوكب ، على حد سواء .. فأسلحة الدمار الشامل ، والانبعاث ، الامتوازن ، للغازات ، الذي يدمر الغلاف الجوي للكوكب ، ويدمر طبقة الأوزون ، والاستنزاف غير المدروس للموارد الطبيعية ، الذي يؤدي ، إلى اختلال التوازن البيئي ، ونظم التوحش الفردي ، ونظم الاستغلال المادي .. ، كل ، هذا ، يؤدي إلى نتائج بالغة السلبية ، على مستقبل البشرية .. ، لكن ، هذا كله ، يأتي من خارج سياق الأنسنة الحضاري ، الذي يسعى إليه الإنسان ، الإنسان .. إن ، تلك الممارسات ، التي تتم على أيدي جماعات متوحشة ، أو أفراد متوحشين ، تعمل ، على إعاقة نزوع الإنسان ، إلى الحرية والأنسنة ... ، وهذا ، هو الصراع الأزلي بين الأنسنة ، والتوحش ، والذي يحل عن طريق "الصراع الاجتماعي" ، لكن ، المعارف الإنسانية ، والعلوم الإنسانية ، والاكتشافات الإنسانية ، للكوكب ، للفضاء ، للأكوان .. كل ، هذا ، يتراكم عن طريق الإنسان ، عبر الزمان .. ، بمعنى ، أن ، تلك المعارف ، والعلوم ، في ازدياد ، أبداً .. وهذا ، هو ، التطور ، الذي ينتجه الإنسان ، باضطراد ، وبفعل قانونه النوعي ، " الجدل" .

( 100 )

السؤال الملح ، الذي نحاول تقديم مشروع إجابة عليه ، هو : هل ، على الطليعيين العرب ، أن يتوحدوا ، ابتداء ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، والكوكب ، ومصدر الكائنات الحية ، وكيف ظهر الإنسان ، على هذا الكوكب ..؟ ، ثم ، هل عليهم ، أن يتوحدوا حول رؤية موحدة ، للمآل المستقبلي ، لهذا كله ..؟
دعونا ، نحاول تقديم إجابة ، افتراضية ، على السؤال ، ثم ، نحاول تعليلها .. ، فنقول ، بدون تردد : " لا " ، لأنه ، من غير الممكن ، واقعياً ، أن تتوحد الإنسانية ، أو يتوحد أبناء الأمة العربية ، حول رؤية موحدة ، لنشوء الكون ، ومآله ، وبما ، أن " الطليعة العربية " ، تطمح ، أن تكون " مؤسسة اعتبارية " ، تمثل الأمة العربية ، فإنها ، كمؤسسة اعتبارية ، تحمل في تكويناتها ، الداخلية ، تلك التعددية ، التي ، تتداخل معاً ، في تكوين النسيج الاجتماعي ، والوطني ، للأمة العربية ..
لكن ، هل يعني هذا ، أن " الطليعيون العرب " ، يقفون على الحياد ، من تلك المسائل الشائكة ، والبالغة التعقيد ..؟!
- نقول ، وبحسم أيضاً ، " لا " ، ذلك ، أن " الطليعيون العرب " ، لا يقفون على الحياد ، من المشكلات ، والقضايا المطروحة ، على الساحة العربية ، فكيف يتسق هذا ، مع ، ذاك ..؟!

( 101 )

إن ، هذا الاتساق ، يتحقق ، باعتماد المبادئ الأساسية ، التي تستند ، على ، أن باب العلم ، و المعرفة الإنسانية ، مفتوح على مصراعيه ، باتجاه الماضي السحيق ، وأيضاً ، باتجاه المستقبل البعيد ، وأن المعرفة الإنسانية ، في هذا المجال ، مازالت في الحدود المعروفة ، وأن ، موقف " الطليعة العربية " ، يتلخص ، في ، اعتماد الموقف الإنساني ، من ذلك ...، ويتمثل في :
أولاً : إن " الطليعة العربية " تعتمد العلم ، والنواميس ، التي تحكم الظواهر ، والأشياء ، والكائنات ، بما ، في ذلك الإنسان ، ويساهم ، العلماء ، الأعضاء في " الطليعة العربية " ، في الجهد العلمي الإنساني ، للاكتشاف ، وتوسيع المدارك الإنسانية ، باتجاه الماضي ، والمستقبل ، على حد سواء ..
ثانياً : فيما يتعلق ، بما ، وراء العلم ، وما وراء الحقائق العلمية الثابتة علمياً ، وما وراء القوانين ، والنواميس المحسومة ، علمياً ، والمتعلقة ، بالكوكب ، وما عليه ، والفضاء ، وما يحتوي .. ، إضافة ، إلى الرؤى ، والتصورات ، والعقائد ، التي ، جاءت ، بها ، الفرضيات ، والديانات ، والفلسفات .. ، ذلك متاح ، لمن ، يريد ، وبالطريقة ، التي يريد ، وبالطقوس ، التي يمارس . .، لا ولاية ، لأحد ، على أحد ، في ذلك .. ولا رقابة ، لأحد ، على أحد ، في شيء ، من هذا .. ، ولا إدعاء ، من أحد ، على أحد .. ، فالطليعة العربية ، مؤسسة اعتبارية ، تحتضن مؤسساتها ، التمثيلية ، وعلى قدم المساواة ، كافة مكونات المجتمع العربي ، في الكل ، وفي الأجزاء ، دون استثناء ، أو تجاهل ، أو إقصاء ، أو استئصال ، فالمواطنة ، والمساواة ، أمام القانون ، هي ، المعيار الوحيد .. هذا ، كله ، يقتضي ، أن ، مؤسسات "الطليعة العربية" ، التي تحتضن هذا التنوع ، تطلق ، طاقات كوادرها ، في مفاصل المجتمع ، لشد النسيج الاجتماعي ، وممارسة الاختلاف ، في جو ، من ، الحوار الديمقراطي ، المفتوح ، بين الرأي ، والرأي الآخر ، وتهذيب الخطاب ، من ، كل طرف ، باتجاه الأطراف الأخرى ، وصياغة ، عقد اجتماعي ، وسياسي ، وثقافي ، وعقائدي ، وإنساني ، بتحريم ، تحويل الاختلاف بالرأي ، والعقيدة ، إلى خلاف عنيف .. تحت ، أي ظرف ، من الظروف ...!
ثالثاً : إن ، هذا التنوع ، الذي ، لا يستثني أحداً ، داخل مؤسسات "الطليعة العربية" ، لا يمكن تحقيقه ، بالشعارات ، وإعلان المبادئ ، النظرية .. ، بل ، إن المعيار ، الذي ، لابد من تحقيقه ، ابتداء ، هو ، أن يكون ، هذا التنوع ، متحقق ، موضوعياً ، في مراتب "الطليعة العربية" ، منذ ، لحظات التأسيس الأولى ، فالمبادئ ، والشعارات ، حول التحرير ، والمساواة ، والعدالة ، والوحدة ، لا يمكن ، أن تستر ، عورة ، أي ، تشكيل طائفي ، أو مذهبي ، أو أثني ، أو مناطقي ، أو طبقي .. ، أو فئوي .. ، على العكس ، من ذلك ، تماماً .. ،فعند ، أول محك حقيقي ، ستفوح رائحة " العور " ، أياً ، كان مصدره ، ليغطي ، على ما عداه ، مهما ، كانت الأهداف ، والمبادئ ، والشعارات المرفوعة ، براقة..!! ، فكم ، من الأحزاب القومية ، انشقت ، أثنياً ، وطائفياً ، و...، وكم ، من الأحزاب الأممية ، تفسخت مذهبياً ، ومناطقياً ، وإثنياً ، و..
( يتبع ... "22" ... البيان ... )
* حبيب عيسى

زهير 04-07-2009 12:12

على بساط الثلاثاء
48

يكتبها حبيب عيسى

البيان ... " 22 " ...

" الطليعة العربية "
حدود الاختلاف ... ودواعي الخلاف ...

" تتمة ... " 22 " .. البيان .."

( 102 )

لعل الإنسان منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو منذ أن تكوّن في هذا الكوكب ، قد سأل نفسه عن سر الوجود ، وأسرار الكون من حوله ، ولعله ، منذ اللحظة الأولى وقف مشدوهاً أمام مشهد السماء ، والأرض ، والكواكب ، والنجوم ، والبراكين ، والبحار ، والرياح ، والعواصف ، والجبال الباسقة ، والوديان السحيقة ، والمواد ، والكائنات الحية المتنوعة ، ولعله ( من يدري ) منذ اللحظة الأولى قد استخدم خياله إلى أقصاه لتغطية عجزه عن المعرفة ، فأبدع أساطير لا حصر لها ، وركبّ ملاحم ، وقص ، وسير ، منح بطولتها ، لقوى خارقة المقدرة تتصارع فيما بين بعضها البعض ، أو تصارع قوى خفية لتتحكم بإدارة هذا الكون ، فتمنح ، وتمنع .. تهدأ ، وتثور .. تعاقب ، وتكافئ .. وإذا كان الإنسان قد جسد تلك الآلهة بكائنات تمتلك قوى فتاكة حيناً فإنه جسدها بكائنات جميلة مشعة في أطوار أخرى ، منها الخرافي ، ومنها الواقعي ، فتعددت الآلهة ، ولم يكتف الإنسان باختيارها ، بل منحها مقدرات خارقة ، باعتبارها تفوق الإنسان مقدرة ، وهي فوق الطبيعة ، بل هي التي تدير الطبيعة ، وتطلق الرياح والعواصف ، والبراكين ، والحب ، والكراهية ، والانتصارات ، والهزائم .. ، وبالتالي ما على الإنسان إلا عبادتها ، واسترضائها ، وتقديم القرابين إليها ، أو لمن يعتقد الإنسان أنها توكله بذلك من الكهنة ، والعرافيّن وكما كان الإنسان يتطور ، ويطور واقعه مع تقدم معارفه ، كان يطوّر آلهته ، من مرحلة تاريخية ، إلى أخرى ، عبر الزمان ، وصولاً إلى مرحلة الديانات السماوية .. والخيال " العلمي " ، والبحث العلمي ، وإلى ما نحن عليه في عالم اليوم ...

( 103 )

ما يعنينا الآن هو موقف " الطليعة العربية " من تلك المسألة ، كيف ولد هذا الكون ..؟ ، وما موقعه من الأكوان الأخرى ؟ ، ثم ما موقع كوكب الأرض فيه ؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين المصير ..؟ ، كيف ظهرت الكائنات الحية ، ما مصدرها .؟ ، ثم من هو الإنسان ..؟ ، من أين ..؟ ، وإلى أين ..؟ ، وما هي دوافعه ..؟ ، ما العلاقة بين الروح والمادة ..؟ ، ما الموقف من العلم ..؟ ، ما الموقف من الفلسفات ..؟ ، ما الموقف من الأديان .. ؟ ، وما لا يحصى من الأسئلة ...
لعل تلك الأسئلة ، إضافة إلى أسئلة لا حصر لها ، رافقت الإنسان على هذه الأرض ، منذ بداية ظهوره ، المختلف عليها ، والتي لا نعرف ، وصولاً إلى العصر الراهن ، ولعلها سترافقه إلى تلك اللحظة ، التي لا نعرف ، ميعادها ، ولا أسبابها ، ولا ما بعدها ، والتي يطلق عليها المصطلح الديني "يوم القيامة" ، ويطلق عليها العلماء نفاذ الطاقة ، أو اختلال التوازن ، أو انفجار الكوكب ، أو أن ذلك اليوم يأتي نتيجة فعل بشري أهوج يدمر الكوكب ، ومن عليه ..
ونحن التزاماً بالموضوعية " التي ندعيّها " استخدمنا ذلك التعبير الذي يدل على الاحتمال ، وهو " لعل " ذلك ، أن أحداً في هذا العالم ، من الملاحدة ، إلى المؤمنين ، إلى العلماء ، إلى الفلاسفة ، إلى المدرحيين ، إلى الجهلة ، لم يقدم جواباً " علمياً " على أي من الأسئلة المشار إليها ، فالخطاب الديني اعتمد رسالات السماء ، وهي منزهّة عن الشك ، والنفي ، والإثبات ، أما العلماء فيجهدون أنفسهم في وضع الفرضيات ، وينخرطون في محاولات إثباتها ، وما أن يرفعون الصوت ، بأنهم اقتربوا من الحقيقة حتى تنهار فرضياتهم تمهيداً لولادة فرضيات جديدة ، بينما الفلاسفة ، والمفكرين يلاحقون العلماء ، وما أن تنهار الفرضيات "العلمية" ، التي أسسوا عليها فلسفاتهم ، حتى تنهار مناهجهم ، تمهيداً لولادة فلسفات جديدة ، وهكذا ..
إذن ، لا أحد في هذا العالم يمكن أن يجيب على السؤال : متى بالتحديد ، بدأ الإنسان يطرح على نفسه ، وعلى الآخر ، تلك الأسئلة ، ولا متى بالضبط تمكنّ من التعبير بالصوت ، ثم بالإشارة ، ثم بالكلام ، ثم بالكتابة .. ذلك أن ملايين السنين مرت قبل أن يبدأ الإنسان بالتأثير الواعي في الطبيعة حوله عبر أدوات بسيطة ، كان يطورها عبر الزمان ، إلى أدوات أكثر تقدماً ، حيث بدأ يترك في الواقع ما يدل عليه ، وعلى مدى تطوره ، أكثر من المستحاثات ، والهياكل العظمية ، مثل الكهوف ، ثم المغائر في الصخور ، ثم العمران البسيط ، والرسوم البسيطة ، واللوحات ، والنحت في الصخور ، ثم التعبير بالرسوم ، ومن ثم بالرموز ، والأبجديات ، وإلى آخره ..

( 104 )

باختصار شديد ، نستطيع القول ، أن التاريخ البشري باتجاه الماضي مازال مفتوحاً أمام المعرفة ، والعلم ، وأن جميع المحاولات البشرية ، لإغلاقه عند نقطة بداية مفترضة ، قد باءت بالفشل ، فالمسألة مازالت تتعلق بمجاهيل من الناحية العلمية ، والمسألة من جانب الخطاب الديني تتعلق "بعلم الغيب" الذي لا يعرفه إلا الله ، وأسطورياً تتعدد الروايات ، والقص ، والملاحم ، وإذا كان المجال هنا لا يتسع لمتابعة ، وحصر ما قيل عن بداية الكون ، وتشكل كوكب الأرض ، وتحديد بداية ظهور الكائنات الحية عليه ، وظهور الإنسان .. فإن هذا الذي قيل متاح لمن يريد ، في الأوابد ، والآثار ، ومجلدات العرافيّن ، والسحرة ، والفلاسفة ، والكهنة ، والملاحم ، والأساطير ، ومتاح في الفرضيات " العلمية " المتتالية ، وفي الخيال " العلمي " الذي لا يكف عن الإبداع ، وفي الاكتشافات العلمية المتسارعة على الأرض ، وفي ما تبثه المحطات الفضائية عن الكون من الفضاء ، ومتاح في الكتب السماوية حيث القص أكثر ثباتاً ، واستقراراً لأنه يعتمد على الإيمان ، الذي يعتمد بدوره على مبدأ التسليم ..
ونحن لا نعرف ، بالضبط ، متى بدأ الإنسان بوضع فرضيات لنشوء الكون ، وما وراء ذلك ، فقد يكون بدأ ذلك منذ أن وجد على هذا الكوكب ، أو بعد ذلك بمراحل تاريخية ، قد تكون طالت أو قصرت ( من يدري ) ، لكن تلك الفرضيات في الفترة الممتدة من وجود الإنسان على هذا الكوكب ، وحتى المرحلة التي بدأ يترك فيها أدلة وأوابد لم تصل إلينا ، ولا يمكن أن نتعرف عليها لأن الإنسان قضى على هذا الكوكب آلاف وربما ملايين من السنوات دون أن يترك أثراً يدل عليه باستثناء مستحاثات لهياكل عظمية يتم اكتشافها في هذا المكان ، أو ذاك من هذا العالم فيسارعون إلى نقلها إلى المخابر لتقدير أعمارها ، وأبعادها .. وحتى هذه مازالت مفتوحة فقد تم الإعلان عشرات المرات عن اكتشاف الهيكل العظمي للإنسان الأول ، ثم ، وبعد حين يتم اكتشاف هياكل عظمية أخرى لإنسان أسبق في الزمان ، بالأمس فقط تم العثور على مستحاثة لإنسان تم تقدير عمرها بما ينفي كافة الفرضيات السابقة ... وهكذا ..
في مرحلة لاحقة ، لتلك المراحل المجهولة ، بدأ الإنسان يترك آثاراً ، وإشارات ، وأدوات ، ورسوم ، ولوحات ، ورموز ، لا تدل عليه ، فقط ، وإنما تدل على تطوره من جهة ، وعلى طريقة تفكيره ، وعلى محاولاته ، للإجابة على الأسئلة المستعصية ، وتدل على آلهته ، وممالكه ، وفنه ، وثقافته ، وهذا يعود فقط إلى بضعة آلاف من السنين قبل الميلاد ..
وبما أن مقدرة الإنسان على النطق ، سبقت بقرون عديدة مقدرته على التعبير بالصور ، ثم بالترميز ، ثم بالحرف ، فإنه عندما بدأ يكتب بدأ أول ما بدأ بالتعبير عن أفكاره السائدة في عصره ، ثم حاول أن يسجل ما تناقلته الأجيال السابقة ، وما حفظته الذاكرة ، من قص ، وسير عن الأيام الخوالي .. وقد يكون ذلك كله مجرد خيال .. وقد يكون خليط من الخيال والواقع ( من يدري ) ، لا أحد على هذا الكوكب يملك الجواب الشافي على ذلك .. المهم ، أن الإنسان أطلق على ذلك القص مصطلح "أساطير" ، ورثها من العصور المجهولة ، أو أساطير ، وضعها في عصور معلومة ، بعد ذلك .
والأسطورة من أشد حقول المعرفة غموضاً ، وضبابية على وجه العموم ، كونها تدور حول آلهة ، وكائنات غرائبية ، وأحداث ، ومعارك ، وملاحم ، تشارك فيها قوى غرائبية خفية ، وهذا ما عبّر عنه " سنت أوغسطين : " بالقول " إنني أعرف جيداً ما هي الأسطورة ، بشرط ألا يسألني أحد عنها ، ولكن إن سئلت ، وأردت الجواب ، فسوف يعتريني التلكؤ.." ، أما " فولتير " فقد حسم أمره ، وقال : " إنما يقوم بدراسة الأساطير الحمقى .."

( 105 )

نحن ، هنا ، نتحدث عن الأساطير الأولى التي تضمنت أحداث غرائبية ، وكائنات ، وشخصيات ، وآلهة ، وأشباح ، لا وجود لها في الواقع ، أو لم تترك ما يدل على أنها قد وجدت على هذا الكوكب ، أو ظهرت في سماءه ، يوماً من الأيام .. ، ثم ، وفي مرحلة تالية ظهرت أساطير حول شخصيات ، وآلهة ، وأحداث شكلت تداخلاً بين الغرائبي ، والواقعي ، لكن الأسطورة منحتها قدرات ، وإمكانيات خارقة ، في حبكة تداخلت فيها الدراما ، بالتراجيديا إلى حد بعيد ، وقد عبّر عن ذلك "نيكولا ماكيافيلي" بعد تحليله المنازعات على السلطة عند الإغريق بالقول : " إن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الأساطير ، أولاً .." ، بينما قال " بوهيمرس " في نصيحة إلى صديق له يعبد الأوثان : " إن الآلهة التي تعبدونها كانت بشراً يوماً ما .."
أما " روجيه غارودي " فقال : " من الجائز أن نميز في تاريخ البشرية مراحل أساسية ثلاثاً ، مرحلة أولى تتجاوز فيها قدرة الطبيعة قدرة الإنسان ، وحيث من ثم على الإنسان أن يقاتل ، وينافح لمجرد البقاء ، ومرحلة ثانية تتجاوز فيها قدرة الإنسان قدرة الطبيعة ، وأخيراً مرحلة ثالثة نعيشها منذ منتصف القرن العشرين وفيها تتجاوز قدرة الإنسان ، طاقة الإنسان .."
أما " هربت سبنسر " فقال : " إن عبادة السلف أصل كل دين " ..
وإذا كان في بعض الأساطير ، شيء من التاريخ ، فإن "مايكل كرانت" تحدث عن ما أسماه / شبيه التاريخ / ، الذي لا يسجل " ما حدث " بل ما حسبه الناس ، أو اعتقدوا في أوقات مختلفة ، "أنه قد حدث " ... ، "فلكي تتكون لدينا فكرة عن حضارة ، ما ، يلزمنا تاريخ ، وشبيه للتاريخ ، أيضاً ..!! ، هكذا / مثلاً نرى تتابع الشهور عند سبنسر في " الأنشودة المتغيرة " حيث يدخل مارس " آذار " على الثور ، يتبعه أبريل " نيسان " على الثور ذاته ، الذي قاد أوروبا طافية على أمواج "آراغول" .. وكذلك إشارة "أوفيد" " إلى ارتكاب فينوس الزنا مع مارس باعتباره اتحاد مارس ( الحار ) بفينوس ذات ( الرطوبة المعتدلة ) .. وبينما يرى "يعقوب بريانت" أن عبادة الشمس مفتاح كل الأساطير الوثنية ، يرى " دوبوي " أن البروج هي الرحم التي حملت بجميع الأساطير .. ، أما " الريجومي " فقد رأى أن الألوهيات المختلفة ترمز إلى عناصر طبيعية مختلفة ، فآله البحر ( بوسايدون ) هو الماء ، و(أبولو ) هو النار ، و( هيرا ) آلهة الهواء ، ثم تطور الأمر على يد أمبيدو حيث ظلت "هيرا" آلهة الهواء ، ولكن ( زوس المضيء ) بات آله النار ، وايدونيوس للأرض ، أما الماء فتمثله حورية مجهولة باكية تدعى / نستيس / أما في الأساطير الأسكندنافية حيث الطقس السيئ ، فقد كان المركز الأول لإله العاصفة ( وودن ) ، وإله الرعد (دونار ) ، أما الكيميائيين الأوائل فقد دونوا تجاربهم الكيميائية بلغة المصطلحات الأسطورية ، وصنعوا ( حجر الفلاسفة ) عن طريق مزج " دافني " أو الغار الرطب الطيار مع ( فيبوس ) الحار الجاف حتى يجمد المزيج ثم يضاف إليه قليلاً من الماء العذب ، ويغسل بلبن العذراء ..
هكذا .. من الأساطير .. إلى الملاحم في أوروبا ، ومن الإلياذة إلى الأوديسة .. ، ومن إسبارطة ، إلى أثينا ، إلى روما ، إلى العصر الحديث . حيث تمّكن واحد من حواريي العربي عيسى بن مريم "عليه السلام" .. أن يمنح أوروبا دينها .. ومازالت حتى الآن تدير خلافاتها حول كنائس تتباين اجتهاداتها حول طبيعة السيد المسيح .. لكنها لا تختلف عليه ..

( 106 )

أما في آسيا ، فقد امتزجت الأساطير ، بالملاحم عبر تسجيل الأعمال البطولية الخارقة التي صدرت عن بعض الأبطال الحقيقيين ، أو الأسطوريين ، والتي تمتزج فيها أفعال البشر ، وتصرفات بعض الكائنات الأعجازية ، الخفية ، كالآلهة ، والشياطين ، والوحوش المخيفة ، إضافة إلى بعض القوى الكونية ، والظواهر الطبيعية .. وهنا نجد ملحمتين في الهند تقابلان الأوديسة ، والإلياذة ، الأوروبيتين ، وهما " الرمايانا " ، و " المهابهاراتا " ، واللتان تشكلان الأسس ، والمثل التي تعتمدها الديانات الهندية القديمة ، وحتى الآن .. الأولى تتعلق بالدور الذي تلعبه شعائر التطهير في الديانة الهندوكية ، والاعتماد على الماء ، والنار لرفع الدناسة ، وتطهير الجسد ، والروح ، ولعل هذا ما يبدو واضحاً عند البراهمة ، الذين يعتقدون أن أدران الروح تنتقل إلى الجسم ، كما أن دناسة الجسم ، ونجاسته تؤثر في صفاء الروح ، وأنها تنتقل من شخص إلى آخر ، عن طريق الملامسة ، أو حتى تناول الطعام ، لهذا ، فإنهم يأنفون من مصافحة غيرهم ، أو تناول طعامهم إلا حسب شعائر ، وطقوس ، ومراسيم معينة .. ، وإذا كانت أول كلمة في الإلياذة هي الغضب ، وفي الأوديسا هي الرجل ، فإنها في " الريامانا " هي التطهر ، وفي " المهابهاراتا " هي الحرب ، كنواة ملحمية ...
وإلى الغرب من الهند في بلاد فارس ظهرت " الشاهنامة " التي تحوي الكثير من الموضوعات ، والعناصر الأسطورية ، والحماسية ، وإلى الشرق من الهند ، في الصين ، واليابان ، وجنوب شرق آسيا انطلقت البوذية ، وانتشرت انتشاراً واسعاً ، لتشيع بأن كل حياة ، ألم ، وان الرغبات ، واللذات مسؤولة عن ذلك ، وأنه لابد من أجل القضاء على الألم من كسر دارة انبعاثه المتجدد دوماً ، وهي دارة تربطنا بعجلة الوجود ، وأن الإنسان الذي يحجم عن الرغبة ، وعن اللذة ، سيعرف الخلاص ، عندما يذوب في السرمدية ، مثلما تصير كأس من الماء سكبت في البحر ..
إن هوية ( كل ) الطبيعة تتوحد بأسمى حقائق البوذية ، بحسب تعاليم (زن ) ، وتتلخص هذه الوحدة على حد سواء ، إما في صلاة ، أو في حديقة ، أو زهرة ، أو منظر ، إن الشلالات ، والأرض ، والجبال تجليات ما يسميه ( بوزيو) " زن " باسم : " الجسد الإلهي للقانون " .. فالريح ، وحركة الغيوم ، والضباب ، وقوة الجبال ، وانسياب المياه في الشلال .. فتلك الطاقة الموجودة في كل مكان ، والتي يرمز لها بالتنين في الفنون الصينية ، واليابانية ، توحي بحركة الحياة الكونية ، وإيقاعاتها .. لقد شملت تلك الأوضاع آسيا ، إلى أن دخلها دعاة النبي العربي محمد بن عبد الله "صلى الله عليه وسلم" ، فنشروا الدين الإسلامي في أرجاء من آسيا ، تفاعلاً مع التعاليم السائدة ، فأثر ، وتأثر ، ومازال الآسيويون المسلمون ، حتى الآن ، يديرون خلافاتهم ، فيما بينهم ، حول التعاليم التي جاء بها الرسول العربي ، لكنهم أبداً لم يختلفوا عليه .. ، وفي الوقت ذاته ، يديرون حوارات معمقة ، مع الأفكار ، والديانات التي مازالت سائدة ، حتى الآن ...

( 107 )

قد يكون الدخول إلى قلب أفريقيا تاريخياً أكثر صعوبة ، فقديماً تم تشبيه القارة الإفريقية بجرن هائل الضخامة ، مرتفع الضفاف ، وقد بقي تاريخ داخل القارة الإفريقية غير معروف إلا بما تتناقله حكايات سكان البلاد الأصليين ، الذين كانوا يقطنون مناطق العمالقة ، والأقزام ، والغيلان التي تأكل بعضها ، البعض ، والنساء الطيور .. ، لكن التنقيبات الحديثة كشفت عن ممالك منظمة ، تحدثت عنها روايات تشبه الأساطير ، تروي تاريخ إمبراطوريات قوية ، وقد تم جمع ملاحم كاملة من أفواه منشدي الملاحم الإفريقية ، والمتغنين بالتقاليد التاريخية ، التي تعيش فيهم ، وقد تم الكشف عن مناجم تشهد بوجود عريق للإنسان في تلك المناطق الإفريقية الداخلية ، وربما سنعرف يوماً ، ما ، الحقيقة التاريخية لإفريقيا .. ويمكن الحديث تاريخياً عن مجتمعات قديمة هي من الجنوب إلى الشمال : البوشيمان ، والهوتانتو ، والبيغميون ، ومجتمعات الشرق ، والجنوب ، والاستواء ، والغرب ، ثم مجتمعات الصحراء والشمال العربي ، والسودان ، والحبشة ، والصومال .. وكانت إفريقيا تقسم إلى إفريقيا السوداء في الجنوب ، وأفريقيا البيضاء في الشمال ، ويمكن تقسيم سكان أفريقيا السوداء إلى جماعات ، حيث يمكن تميّيز : الزولو ، وسوتو ، وتسوانا ، وتونغا ، وفاندا ، وهيريرو .. وتعتبر حزات الجراح الجسدية شارات شرف ، ويعيشون في أكواخ تسمى " كراغول " ويضم كل واحد منها أسرة واحدة ، والأبقار الضخمة عنوان الثروة ، ولا يأكلون لحمها ، "نجد ذلك أيضاً عند الهندوس في الهند" ، وصفة الرئاسة خاصة بالكهان ، وتنتقل من الأخ الأكبر ، إلى الأخ الذي يليه ، ونداء رجل "بصفة ممدوح" ، تلزمه بعض المحرمات ، فلا يشرب حليباً ، إلا مع رجال يحملون لقبه عند الزولو ، أما عند السوتو فإن لقب ممدوح يرتب عدم أكل اللحم ، ولا يقتلون أبداً ، إلا الحيوانات المؤذية ، وإذا قتلوا ، عليهم أن يتطهروا ، وعبادة الأجداد ، قاعدة ترتكز عليها الحياة الدينية ، وإله الزولو ، هو إله خالق يسمونه ( الكلي العظمة ) ، وهذا الإله غير "إله الأجواء" الذي يستطيع بعض السحرة مراقبته بعد أن يتطهروا ، والإله (الكلي العظيمة) ليس معبوداً ، لأنه لا ممثلين له على الأرض ... ، إلى أن دخل النخاسين الأوروبيين الذين أرعبوا الناس واختطفوا ، وتاجروا بهم ، فظهرت عبادة ( الفيتيش ) وهي نوع من عبادة البشر أحدثها البرتغاليون ، فكان الزنجي يعبد غلاظ القلوب من مستعبديه الأوربيين ، وهذه الحالة المنتهكة كرامة الإنسان ، بقيت مستمرة حتى أوائل القرن العشرين ..
إن التاريخ الأفريقي ، تتناقله الأجيال ، لأنه في الغالب غير مكتوب ، لذلك يقول أحد حكماء أفريقيا : "كلما توفي عجوز أفريقي كانت وفاته احتراق مكتبة " ، كما أن افتقاد الأحجار أدى إلى أن معظم آثار الفن الأفريقي مصنوعة من الخشب ، وهو قليل المقاومة . والآثار الوحيدة التي بقيت منذ ما قبل القرن الثامن عشر هي الآثار ذات الصفة الدينية والموضوعة في كوى كلسية ، والتي حفظها رشح الماء الذي كان يترسب فوقها والذي شكل قوقعة كلسية تحمي الخشب حماية داخلية ، وخارجية ، ولم يبق من الفن الأفريقي الغابر سوى برونز ( نبين ) ، وبعض آثار حضارات نوك ، وأيفة .. ، ولا يمكن إنهاء الحديث عن أفريقيا ، دون الحديث عن "القناع الأفريقي" الذي يعتبرونه بالدرجة الأولى تكثيف للطاقة ، وهذه القوة التي يحتويها القناع ، ويطلقها إنما تصدر من ينابيع الطبيعة ، والجدود ، والآلهة ، وعندما يرقص الأفريقيون بأقنعتهم ، فإنهم يستمدون تلك الطاقة من القناع ، لتشع في المجتمع كله ، فالرقص عندهم ، هو انبساط القلب الأسود ، وانقباضه ، إن الأفريقيين يعرفون طاقة وحيدة تعمّر الطبيعة على درجات متفاوتة من الشدة ، طاقة تستجيب للهموم ، والرغائب ، والآمال ، والمشكلة الأساسية عندهم هي أسر تلك القوى المتفرقة ، واتخاذها نواة ، لتشكيل واقع مكثف ، وبهذا الاعتبار يعمل القناع عمل حامل مرئي ، لقوى لا مرئية .. لهذا فإن القناع عندهم مشحون بقوة تجعله يصعق من يرتديه دون جدارة .. ، باختصار شديد ، إن المبدع الأفريقي ، ينطلق من تجربته الحية ، ويضفي شكلاً مشخّصاً على طلاسمه ، على عكس الإغريقي الذي ينطلق من الفردي ، ليستخلص منه ، الخطوط الأساسية ..

( 108 )

إذا انتقلنا إلى القارات الحديثة ، ولا نقصد الحديثة تاريخياً ، ولكن نقصد الحديثة الاكتشاف ، من قبل الجماعات البشرية في القارات ، المعروفة بالعالم القديم ، فإن الإنسان في تلك القارات ، التي اكتشفت حديثاً ، ترك حضارات مازالت قيد الاكتشاف ، ففي القارة الأمريكية شمالها ، وجنوبها ، نجد في الشمال الأزتيك ، وهم بدو رحل ، ارتحلوا جنوباً مع بداية الألف الثانية الميلادية ، واستوطنوا ما يعرف اليوم ببلاد المكسيك حيث بنوا عاصمهم تينوشتيتلان التي أصبحت عاصمة المكسيك الحالية ، وبنوا الأهرامات وتركوا الكثير من المنحوتات ، والخزفيات الملونة ، وقد سبقتهم إلى تلك البلاد ، قبائل المايا ، أما الإنكا ، فقد أسسوا إمبراطوريتهم في ما يعرف اليوم بأمريكا الجنوبية بين البيرو ، وتشيلي ، بالتزامن مع حضارة الأزتيك وجعلوا عاصمتهم في كوزكو حيث كانت مبانيهم المهمة مغطاة بصفائح الذهب ، وحيث بنوا الجسور ، وقنوات المياه ، أما في استراليا ، فإنهم يتحدثون عن إنسان اوسترالوبيتكوس قبل خمسة ملايين سنة ، ربما بالتوازي مع ما يعتقد أنه الإنسان الأول الإفريقي الذي أطلقوا عليه الإنسان الاوسترالوستين ، والإنسان النيندرتالي ، وإنسان بروكن هيل ، وناس الأومو- سابيان .. وهكذا .. ثم يتحدثون عن الهجرات الكبرى قبل حوالي 200 ألف سنة مع نهاية العصر الجليدي ، باتجاه أوروبا ، والأمريكتيتين ، وبما أن المصطلحات الأوروبية هي الطاغية على كتب التاريخ البشري في العصر الحديث ، وبما أنهم أطلقوا على الهجرات القادمة من الشرق باتجاه أوربا ، بأنها ، "هندوأوروبية" دون تمييز ، فقد أطلقوا على الهجرات باتجاه الأمريكيتين "هندوأمريكيين" ، ووصفوا سكان أمريكا الأصليين بأنهم "هنود حمر" ، وتلك الهجرات القديمة باتجاه الأمريكتين واستراليا كانت باتجاه واحد أي أنها كانت هجرات ، بلا عودة ، وبالتالي لا نعرف بالضبط مصدرها ، ولا أماكن تموضعها ، فأطلق عليها المؤرخون الأوروبيون ، الهنود الأمريكيون ، أو الهنود الحمر .. ذلك أن القراصنة الأوروبيين المعاصرين ، الذين ما أن وطئت أقدامهم اليابسة الأمريكية حتى ارتكبوا الجرائم ، والمذابح بحق الإنسان الأصلي لتلك البلاد ، فهذا / هرمان كوتريز / يفخر بأنه أباد ثقافة ( الأزتك ) ، وأنه أجهز على ثقافة ( المايا ) ، وذاك ديجو دولاندا ، وهو أسقف – للأسف – يتحدث بنشوة عن المحرقة التي أقامها على جميع كتابات ( المايا) ليسّهل دخول المسيحية .. وهكذا .. ، ولعل الأوضاع في قارتي استراليا ، ونيوزيلاندة كانت مشابهة لذلك ، وإن كان ذلك ، بنسب مختلفة ...

( 109 )

هل كنا قاصدين ، أن نتحدث عن الإنسان ، وتواجده على هذا الكوكب في الشرق ، والغرب ، في الشمال ، والجنوب متجاوزين المركز ، الذي يعرف الآن ، بالوطن العربي ، والذي تختص فيه جماعة بشرية ، تدعى الأمة العربية .. نقول ، نعم ، وذلك حتى ، لا يتهمنا أحد بالعنصرية ، لكن هذا لم ، ولن يمنعنا من أن نطلق على هذا الوطن العربي ، مصطلح " المركز " ليس ادعاء ، ولا استعلاء ، وإنما استناداً إلى ما تكشف عن حضارة الإنسان ، ووجوده على هذا الكوكب ، حتى الآن ، ونحن نقول ، حتى الآن ، لأننا نلتزم بما قلناه ، من ، أن تاريخ هذا الكوكب ، وتكوّن الكائنات الحية عليه ، والتاريخ البشري ، ذلك كله مازال مفتوحاً أمام علماء : الجيولوجيا ، والأحياء ، والبيولوجيا ، والفضاء ....، إضافة إلى المؤرخين ، وإلى آخرهم ، وأن أي اكتشاف جديد سيترتب عليه اندثار أفكار ، وفرضيات ، وعقائد ، وولادة أفكار ، وعقائد ، وفرضيات جديدة ، وهكذا .. لذلك ، فإننا ، واستناداً إلى ما اكتشف حتى الآن من التاريخ البشري نطلق على هذه المنطقة الممتدة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي صفة "المركز" ، فقط ، بما يخص تاريخ الحضارات البشرية القديمة ...
ونحن هنا ، وباختصار شديد ، لن ندخل في تفاصيل تلك الحضارات العربية القديمة التي تحتاج إلى مجلدات ، وكادر أكاديمي متخصص ستسعى " الطليعة العربية " عبر مؤسساتها المتخصصة ، وعبر بحث علمي صرف ، وعبر تعاون مع المؤسسات الأكاديمية التاريخية ، والجغرافية ، وحتى الجيولوجية ، وعبر لجان ، ومؤسسات مفتوحة لذوي الاختصاص تساهم " الطليعة العربية " في تأسيسها .. إلى صياغة موضوعية ، تضع حداً ، لهذا العبث ، بتاريخنا ، وبوجودنا ..
فقط ، في هذا البيان التأسيسي ، للمشروع النهضوي "للطليعة العربية" ، نسعى إلى وضع حد لذلك الجلد المستمر للذات العربية ، الذي تجاوز كل الحدود .. ، والذي وصل إلى حد التشكيك ، بإمكانية أن نكون بشراً أسوياء .. فتاريخنا ، كما يدعي البعض ، مهازل ، وفتن ، ودماء ، وخيانات ، وطغاة ، وقتلة ، ومتوحشين .. لا .. هذا هراء .. لقد مر بعض أولئك بتاريخنا ، هذا صحيح ، وبعضهم مازال بيننا ، لكن أن يقال أن تاريخنا كله كان كذلك ، فهذا افتراء ، وتجنّ ، وعدوان ، وإذا كنا نفهم لحظات اليأس ، والإحباط ، والهزائم ، فإن "الطليعة العربية" ستقاوم سائر أشكال العدوان على الأمة ، أياً كان مصدرها ، ومهما كان مضمونها ... وستقاوم محاولات الاستسلام إلى منطق اليأس ، وأنه لا جدوى .. ، فكل هذا السوء مجرد لحظات عابرة في تاريخ أمتنا .. ، وأنها محنة ، وستمضي ...
دعونا نستخلص العبر ، من التاريخ القريب ، لأكثر شعوب الأرض تحضراً ، في هذا العصر ..ونحن هنا لا نتحدث عن أساطير ، وقصص خيالية ، وإنما نتحدث عن أحداث موثقة ، منذ بضعة قرون ، فقط ، وعلى لسان مؤرخ لا شك في مصداقيته هو " ول ديورانت " الذي يقول في الصفحة 19 ، من الجزء الأول ، من قصته للحضارة ، ما يلي بالحرف الواحد : ( لقد أضاف الإنسان إلى صنوف الطعام ، صنفاً آخر- كان ألذها ، وأشهاها – وهو زميله الإنسان ، ذلك أن أكل اللحوم البشرية ، كان يوماً ، شائعاً بين الناس ، فقد وجدناه في كل القبائل البدائية تقريباً ، كما وجدناه بين الشعوب المتأخرة تاريخياً ، مثل سكان إيرلندة ، وإيبيريا، وجماعة البكت ، بل ، بين أهل الدانماركه ، في القرن الحادي عشر ، كان اللحم البشري من لوازم العيش .. وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة ، فقد كان اللحم البشري ، يباع في الدكاكين ، كما يبيع القصابون اللحم الحيواني ، اليوم ... ، حتى أن ـ مونتيني ـ رأى أن تعذيب الإنسان حتى يسلم الروح ، تحت قناع من الورع ، والتقوى ، أفظع وحشية من طهيه ، وأكله بعد موته .. "
على أية حال .. لقد انتقل الإنسان ، عبر الزمان ، من الوحشة ، والوحشية ، والتوحش ، إلى الأنسنة النسبية .. ، وليس معيباً ، أن يكون قد مر في تلك المراحل المتعاقبة .. ، لكن المعيب .. أن لا يقاوم قوى التوحش والطغيان ، المعيب أن لا يتطور ، عبر الزمان ، باتجاه الأنسنة ..متجاوزاً كل الصعاب ، ليحقق في ذاته ، المزيد منها ، باضطراد ، عبر البعد الرابع ، الزمان . ...
(يتبع " 23 " .. البيان )
حبيب عيسى

زهير 04-08-2009 09:15

على بساط الثلاثاء

49

يكتبها حبيب عيسى

البيان " 23 " ..

" الطليعة العربية "

( حضارات ...وديانات قديمة )

(تتمة ...."البيان"...."23".....)

(110)

يقول د. جواد علي في مقدمة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " : ( .. مما يثير الأسف ، والله ، في النفوس ، أن نرى الغربيين يعنون بتاريخ "الجاهلية" ويجّدون في البحث عنه ، والكشف عن مخلفاته ، وتركاته في باطن الأرض ، ونشره بلغاتهم ، ولا نرى حكوماتنا العربية .. إلا منصرفة عنه .. وقد يكون عذر تلك الحكومات أن الناس هناك ينظرون إلى التماثيل نظرتهم إلى الأصنام ، والأوثان ، وإلى استخراج الآثار ، والتنقيب عن العاديات ، نظرتهم إلى بعث الوثنية ، وإحياء معالم الشرك .... " ، والدكتور جواد علي من أبرز المؤرخين العرب جدية ، ومصداقية ، ورغم ذلك ، فإنه يعترف أنه اضطر إلى الاعتماد على المصادر الأجنبية في أبحاثه ..

وبما ، أننا نتحدث عن التاريخ العربي لابد من الإشارة إلى مشكلة تتعلق بكتابة التاريخ ، تؤرق المؤرخين الجادين ، وتتمثل في اندثار الكثير من أوابد الحضارات العربية القديمة التي يطلق عليها "حضارات بائدة" ، أو العرب البائدة ، وأن ما تبقى منها قد تعرض للعبث من مصدرين ، المصدر الأول ، هو ، نحن ، ورثة تلك الحضارات الذين تخلفوا عن ركب التطور ، وبالتالي تخلفوا حتى عن الاهتمام بتاريخهم ، والمصدر الثاني ، هو انتقال أوروبة من قارة يقصدها المهاجرين ، الذين يتصارعون للسيطرة عليها ، إلى قارة تصّدر الغزاة للسيطرة على العالم ، والغزاة الجدد تفننّوا في إبداع أساليب متنوعة ، لإحكام سيطرتهم هذه .. وهذا حديث ذو شجون .. ما يعنينا منه ، الآن ، هو علاقة الأوربيين ، بالحضارات البشرية ، وفي مقدمتها الحضارات العربية ، وقد تعاملوا معها على مستويات عدة :

- المستوى الأول : كان على صعيد علماء الآثار ، والمؤرخين الأوروبيين "المستشرقين" الذين احتكروا السيطرة على بعثات التنقيب ، ونهب كل ما يمكن من الأوابد ، والوثائق ، حتى أتخمت متاحفهم ، وساحاتهم العامة ، بآثار العرب ، وأوابدهم ، والأخطر من ذلك ، أنهم صنّفوا تلك الحضارات ، وقرأوا نقوشها ، وصورها ، ورموزها ، وأبجدياتها ، بلغاتهم الأوروبية ، وقد ترتب على ذلك أنه بات على شعوب العالم الأخرى ، وفي مقدمتها الشعب العربي أن يقرأ تاريخه مترجماً عن اللغات الأوروبية .. ، أي أن يقرأ تاريخه ، "كشعوب"، وأن يغفل تطوره إلى شعب أمة واحدة ، وهذا يفقد الوثائق التاريخية نسبة ، لا بأس بها ، من دقة المعنى .. في ظل تخلف المؤسسات التعليمية ، في ما يسمى اليوم العالم الثالث ، ومنه ما يسمونه "العالم العربي" ، أو "الشرق الأوسط" ، إضافة لاعتماد تلك المؤسسات التعليمية "الوطنية" أساساً على المؤسسات التعليمية الأوربية ، وبالتالي تبنّي المصطلحات الأوربية ، كما هي .. هذا كله ، في ظل تهميش دور بعثات التنقيب الوطنية ، بل ، وإلحاقها ، ببعثات التنقيب الأجنبية ، واقتصار دورها على تسهيل مهام المنقبّين الأجانب ، وحسب .

- المستوى الثاني : تسخير العلوم ، وقراءة التاريخ ، لإثبات انتقال "المركز" إلى القارة الأوروبية ، وأن تاريخ الحضارات ، والفلسفة ، والعلوم ، يبدأ من الإغريق ، وأن العالم ، غير الأوروبي ، يصنف بحسب موقعه من " المركز الأوروبي " فهو شرق أدنى من أوروبة ، وشرق أقصى عن أوروبة ، وبينهما شرق أوسط بالنسبة لأوروبة ، ثم غرب أمريكي ، وهكذا ..

- المستوى الثالث : شن حروب إبادة اتجاه بعض الشعوب ، والجماعات البشرية ، وتدمير ثقافاتها واستعباد ، بعضها الآخر ، والأمثلة الصارخة على ذلك إبادة الشعوب في الأمريكيتين ، واستعباد الشعوب الأفريقية ...

- المستوى الرابع : احتكار عمليات التنقيب ، وإبعاد البعثات الوطنية قدر الإمكان عن المعرفة ، وفي الوقت ذاته قراءة تلك الحضارات القديمة ، من منظور غربي أوروبي استعماري بحيث ، تم وضع تلك الاكتشافات في سياق الحملات العسكرية ، والمعاهدات ، والمخططات الاستعمارية الأوربية ، للسيطرة على العالم ..وقد تكشف أن معظم المنقبين الأوربيين إما جواسيس مباشرين للاستخبارات الغربية ، وإما متعاونين معها بطريقة غير مباشرة ..

( 111 )

لكن هذا التعسف في قراءة التاريخ البشري ، لا يمكن أن يستمر ، فقد ارتفعت الأصوات في الغرب الأوربي ذاته ، لتصحيح هذا المسار ، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما قاله " ول . ديورانت " في مقدمة مغامرته لكتابة " قصة الحضارة " حيث يقول بالحرف الواحد : ( ... إن قصتنا تبدأ بالشرق ، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنية معروفة ، وحسب ، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونّت البطانة ، والأساس ، للثقافة اليونانية ، والرومانية التي ظن " سير هنري مين " ، خطأ ، أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث الثقافة ، والعلوم ، فسيدهشنا ، أن نعلم ، كم مخترعاً ، من ألزم مخترعاتنا ، لحياتنا ، وكم من نظامنا الاقتصادي ، والسياسي ، ومما لدينا من علوم ، وآداب ، وما لنا من فلسفة ، ودين ، يرتد إلى مصر ، والشرق ، وفي هذه اللحظة التاريخية .. نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها ، في سطر واحد ، لم يعد مجرد غلطة علمية ، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الوقائع ، ونقصاً فاضحاً في ذكائنا .."

إن هذا الموقف التاريخي من المؤرخ " ول ديورانت " ليس وحيداً في أوروبا بل أنه تنامى ، واتسعت دوائره .. يكفي الآن أن نشير إلى ما قاله مؤخراً " روجيه غارودي " في " حوار الحضارات " حيث قال : ( ..إن عصر النهضة " في أوروبا " وهو ليس حركة ثقافية ، وحسب ، بل ولادة مواكبة ، أنجبت الرأسمالية ، والاستعمار ، قد هدم حضارات أسمى من حضارات الغرب ، باعتبار علاقات الإنسان فيها ، بالطبيعة ، وبالمجتمع ، وبالإلهي .. ، والتاريخ الحقيقي ، قد يكون تاريخ " فرص " أضاعتها الإنسانية ، بسبب التفوق الغربي الذي لا يرجع إلى تفوق ثقافة ، بل إلى استخدام تقنيات السلاح ، والبحر لأهداف عسكرية ، وعدوانية .. ومن أجل ابتكار مستقبل حقيقي ، يقتضي العثور مجدداً على جميع أبعاد الإنسان التي نمت في الحضارات ، وفي الثقافات ، اللاغربية .. إن ما اصطلح الباحثون على تسميته باسم " الغرب " إنما ولد في " ما بين النهرين " ، و في " مصر " .. وإذا نظرنا إلى الغرب ، باعتباره حالة فكرية متجهة نحو السيطرة على الطبيعة ، والناس ، وجدنا أن مثل هذه النظرة إلى العالم ترقى إلى الحضارة الأولى المعروفة التي ظهرت في دلتا دجلة ، والفرات .. وتجد تعبيرها في ملحمة " جلجامش " ، وقد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة عام .. وثمة ينبوع آخر لحضارتنا نجد جذوره تتراوح بين فينيقية .. ومصر .. لقد كان الفلاسفة والمؤرخين اليونان يعجبون بمصر إعجاباً عظيماً ، وتدين آراء " أفلاطون" الثنائية لها بالشيء الكثير ..)

( 112 )

وإذا كان المقام ، هنا ، ليس لكتابة التاريخ ، وهو بالتأكيد ليس لاستعراضه ، فإن ما نريد تثبيته الآن ، هو أن ما تم اكتشافه من الحضارات القديمة على صعيد كوكب الأرض ، حتى الآن ، يدل على أن الإنسان خلفّ في هذه الأرض العربية ، من الآثار ، والأوابد ، والشواهد ، واللوحات ، والملاحم ، والأبجديات ما يوحي بأن الحضارة العربية بأسمائها الفرعية ، السومرية ، والآرامية ، والفرعونية ، والآشورية ، و البابلية ، واليمنية ، والعمانية ، والكلدانية ، والفاسية ، والسريانية ، والنبطية ، والقبطية ، والفينيقية ، والكنعانية ، والحضرمية ، والنوبية ، والبربرية ، والكردية ، وإلى آخرها .. كانت من أقدم الحضارات في التاريخ البشري ، إلى أن يثبت العكس .. فهذا حمورابي في بلاد الرافدين العربية ، يقول : ( في هذا الوقت نادتني الآلهة ، أنا حمورابي الخادم .. والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد ... والذي أفاء عليه بالثروة ، والوفرة .. أن أمنع الأقوياء ، أن يظلموا الضعفاء ، وأنثر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ..)

أما السومريون فقد تركوا قصصاً عبر الشعراء عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية ، وعن طوفان غمر هذه الجنة ، وخربّها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين ، وأرجع المؤرخون الأسر السومرية المالكة ، التي حكمت قبل الطوفان ، إلى آلاف السنين ، ومنهم جلجامش بطل أعظم ملحمة في التاريخ البابلي بعد ذلك .. وتموز الذي أصبح فيما بعد أدونيس اليونان .. ثم يأتي سرجون العظيم ليقيم أول إمبراطورية في التاريخ ، ويسمي نفسه ( الملك صاحب السلطان العالمي ) .. والسومريون أول من كتب في التاريخ من اليمين إلى اليسار قبل 3600 عام ، والبابليون أول من كتب في التاريخ من اليسار إلى اليمين ..

يقول " ول . ديورانت " : ( إن الحضارة في العهود القديمة غير المدونة ظهرت في بلاد اليمن ، وبلاد العرب القديمة ، ثم انتشرت إلى ما بين النهرين ، وما بعد ، وإلى مصر ، وما بعد .. لكنه ، يضع ذلك كله في نطاق الفرضية لأن العلم بتاريخ العرب القديم قليل جداً ..) ، ويضيف : ( أن عناصر بعينها من الثقافة المصرية مستمدة من بلاد السومريين ، والبابليين .. ويبدو أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلى مصر من بلاد السومريين ، والخاتم الأسطواني – وأصله بلا شك من بلاد الجزيرة العربية – يظهر في أقدم العهود المعروفة من تاريخ مصر ..) ، ونحن نضيف أن عناصر بعينها من ثقافة بلاد ما بين النهرين ، وفينيقية ، وأوغاريت مستمدة من بلاد وادي النيل .. وأن تلك الحضارات لم تكن معزولة عن بعضها ـ كما يزور المزورون ـ ففي العصور القديمة قامت في مصر مملكات شمالية ، وجنوبية ، إلى أن وحد بينهما مينا ( منيس ) وهو شخصية لا يزال يكتنفها الغموض ، وأعلن قانوناً عاماً أوحى به الإله تحوت ، وأقام أول الأسر المالكة في التاريخ ، وأشاد عاصمة جديدة لملكه في منف ( منفيس ) .. ثم توالت الأسر الحاكمة بعد ذلك ..

( 113 )

وإذا كان الغرب قد افتتن بأهرامات مصر ، وأبراج بابل ، ومنحوتات البتراء ، وحضارة ماري ، وأبجدية أوغاريت ، وهيروغلوفية طيبة ، وناطحات السحاب في حضرموت ، وأوابد قرطاج ، وفاس ، ومكناس ، ولوبيا ، ووهران ، فإن ما يعنينا هو ذلك الإرث الحضاري المستمر نسغه فينا عبر الأجيال المتعاقبة ، فهنا لم تكن الأهرام إلا قصائد حقيقية " خيام " مدهشة من الحجر الصوان كما قال غارودي ، ذلك الحجر الذي جاء من بلاد العرب كما قال " ول . ديورانت " .. يدل على ذلك أن الفخر ، هنا ، في حضارة العرب لم يكن بالقوة ، والجبروت ، والطغيان ، وإنما بمواجهة الطغيان ، والظلم عبر قيم أخلاقية نبيلة ، وهذا ما نقرأه على أحد الأضرحة في مناطق الأهرام : "لم أجعل أحداً يبكي ، لم أسبب إيلام إنسان .." ، أما في كتاب الموتى ، في وادي الملوك ، فنقرأ ..( أعطى الجياع خبزاً ، والعطاش ماءاً وكسا العراة ، إن الصالحين العادلين يتمتعون بنشوة الأرض ، وأن الخلود ليرتبط بالأخلاق ..) .. كذلك يمكن أن نقرأ نقوشاً على تلك الأحجار تحمل لنا ، ربما ، أول رسالة غرام مكتوبة في التاريخ توجهها حبيبة إلى حبيبها : (يا حبيبي ما أعذب أن أذهب إلى الغدير لأستحم ، وأنت تنظر إليّ ، فأكشف لك عن مفاتن جمالي عندما يلتصق ثوبي الكتاني بجسدي ، ويبرز أشكال جسمي : تعال ، وارمقني ..) ..

إن متاحف العالم ، تكتظ بالآثار ، والأوابد المنهوبة من بلادنا ، ورغم ذلك ، فإن الدلائل تشير إلى أن كل ما عرف ، حتى الآن ، سواء المنهوب ، أو المهمل في الوطن ، ليس إلا قمة جبل الجليد ، الذي مازال بعيداً عن الرؤيا ، والذي ينتظر مشروعاً نهضوياً عربياً شاملاً ، يعيد الأمور إلى نصابها ، لنقرأ تاريخنا بلغتنا .. فمن المشين ، والشائن ، أن نقرأ تاريخنا ، مترجماً عن اللغات الأخرى ، ومن المشين أن نترك تاريخنا سائباً بين الأيادي الأجنبية ، محرّماً على العقول ، والأيادي الوطنية ، وإذا كان ، من المهم حقاً ، أن نستفيد من الخبرات العالمية ، والتطور التقني ، لكن هذا يجب أن يتم بشروط صارمة ، وفي مقدمتها ، أن يتم ذلك تحت إشراف وطني صارم ، فهذا تاريخنا نحن ، وتلك قيمنا ، وجذورنا ، وحضارتنا ..، وثقافتنا ...

( 114 )

على أية حال ، فإن المؤرخين العرب الجادين ، بذلوا جهوداً مضنية ، لتأريخ الحضارات العربية القديمة ، لكن مراجعهم الوطنية كانت محدودة جداً ، وقد اضطروا للاعتماد على المصادر الأجنبية التي تعمدت أحياناً ، وزوّرت ، وأهملت أحياناً أخرى ، تلك العلاقة العضوية بين تلك الحضارات العربية ، من حيث المكان ، أولاً ، ثم من حيث الزمان ، ثانياً ... اختلاقاً ، لجذور ، التجزئة المشينة ، للأمة العربية ....

إن القوميين العرب ، في القرن العشرين ، ارتكبوا خطأ جسيماً ، عندما تطرفوا ، إلى درجة المغالاة ، في نفي حضاراتهم ، القديمة ، والحديثة ، اعتقاداً منهم ، أنهم بذلك يواجهون الأفكار الرجعية ، التقسيمية ، التي انتزعت حضارات بعينها من سياقها التاريخي ، لنفي الوجود القومي ، للأمة العربية ، ولمواجهة أحزاب ، وقوى سياسية ، تأسست تحت وهم إمكانية إلغاء التاريخ العربي ، قبل تلك الحضارات ، وشطب التاريخ العربي بعدها... وكأن تلك الحضارات جاءت من المجهول ، وأن ما حدث بعدها ، هو عدوان عربي ، يمكن إلغاء آثاره ، وبالتالي إعادة بعث تلك الحضارات ، من جديد ، كل واحدة على حدة ، وبمواجهة الحضارات العربية الأخرى ، وفي الحدود التي يختارونها .. نفياً للهوية العربية .....

وإذا كان أولئك قد ارتكبوا خطأ تاريخياً ، وما زالوا ... ، فإن التنكر القومي العربي ، لتلك الحضارات ، (واعتبار أن مجرد الحديث عنها ، هو استفزاز للمشاعر القومية العربية .. أو بعث للشرك ...) ، هو خطيئة تاريخية ، أمرّ ، وأدهى ..

الآن ، نقول بوضوح ، لا لبس فيه ، أن الحضارات العربية المعروفة لدينا ، والمندثرة في تراب هذه الأرض العربية ، هي حضاراتنا .. ونحن القوميون العرب معنيون ، قبل أي أحد آخر ، في البحث ، والتدقيق ، والتوثيق ، لقراءة التاريخ العربي .. وقراءة تلك الحضارات ، في ذلك السياق التاريخي ، عبر الزمان .. ما قبلها ، وفيها ، وما بعدها ، وصولاً إلى أمة عربية معتدى عليها حاضراً ، ومستقبلاً .. بعد أن تم الاعتداء ، أولاً ، على تاريخها ، وحضارتها ..

إذن ، وبالاستناد على ما تكشف حتى الآن من الحضارة البشرية ، فإن هذه الأرض العربية كانت مهداً للحضارات ، والديانات القديمة ، والبحث ، عن بداية هذا الكون ، والكوكب ، والكائنات ، والإنسان ، مازال جارياً ، وليس لأحد ، كائناً من كان ، أن يغلق الطريق على هذا البحث ، وإذا كان من حق ، من يريد ، في هذا الوطن العربي أن يفتتن بالحضارات السومرية ، أوالفرعونية ، أوالفينيقية ، أوالآشورية ، أوالكنعانية ، أوالحميرية ، أوالكلدانية ، أوالقرطاجية ، وإلى آخرها .. وإذا كان ، من حق من يريد ، أن يعتّز بأصوله القبلية ، والعشائرية ، والنبطية ، والكردية ، والقبطية ، والسريانية ، والبربرية ، والكنعانية ، والطوارقية ، والنوبية ، والآرامية ، وإلى آخرها .. وإذا كان من حق من يريد ، أن يعتز بشجرة عائلته .. ، وبمعتقداته الدينية ، وغير الدينية ، فإن هناك حقاً ، يتضمن هذه الحقوق ، ولا يلغيها ، هو حق الأمة ، الأمة العربية ، كمؤسسة اعتبارية ، وهوية ، تتضمن ذلك كله .... فنحن القوميون العرب نعتز بذلك كله جملة وتفصيلاً ، على الاتحاد والانفراد ، ونعتبر أن من حق أمتنا أن تنسج بين تلك المكونات أياً كان مصدرها ، ومآلها .. نسيجها الوطني ، ذلك أن تلك المكونات تشكلت عبر سياق زمني طويل ، تفاعلت من خلاله جميع تلك المكونات ، أثرّت ، وتأثرت ، واختصت بالأرض ، وانتقلت عبر تراث هائل ، من الحضارات ، والحروب ، والأنسنة ، والتوحش ، والعدل ، والطغيان ... ، من مجموعات بشرية متنازعة ، إلى أمة عربية واحدة مكتملة التكوين .. متكاملة المقومات .. وهذا العدوان الجاسم على صدرها ، هذه الأيام ، تقسيماً ، وطغياناً ، واستبداداً ، واحتلالاً ، واستغلالاً ، لا يغير من هذه الحقيقة ، ولا يمس جوهرها ...، وأنها محنة ، وستمضي ....

وإذا كان ، من حق أي أحد ، أن يعتز ، ويتفاخر ، بمكوّن واحد ، من مكونات هذه الأمة ، أو أحد عناصرها المتداخلة ، والمتفاعلة ، فإنه ، ليس من حق أحد ، أن يغفل المكونات الأخرى ، للأمة .. أو يفتعل صراعات ، وفتناً مضى عليها الزمن ، كان لها ظروفها ، ومقوماتها ، وأسبابها .. وهذا يعني ، أنه لابد ، من فك الحصار عن هذا الجيل العربي الراهن ، والأجيال القادمة ، وتحريرهم من شرك ، وقواقع التخلف ، وتجنيبهم السقوط في أتون فتنها ، الذي أطفأ سعاره التاريخ ، ومواجهة ، ذلك البعض ، الذي يحاول ، واهماً ، جر الأجيال العربية إلى معارك الثأر الدامية للعيش بين أشلائها ، فيستباح الحاضر ، والمستقبل ، من قبل الغير ، ويتقدمون بما ينجزون ، ويستنزفون من ثرواتنا ، وتتخلف الأجيال العربية ، بما تنخرط فيه من الفتن ، والأوهام ، ولعله ، من المفيد هنا ، أن نشير إلى أن سائر القوانين الوضعية على اختلاف مدارسها تأخذ بمبدأ تقادم الجرائم ، ومدد التقادم تلك تتراوح بين سنة ، وفي الحد الأقصى ، عقدين من السنين ، وبالتالي ، فإننا نقول لمسيري الفتن في الوطن العربي ، أن الجرائم التي يدعوّنها ، ويحاولون جرجرة الأجيال العربية إلى أتونها ، قد مضى عليها قرون طويلة ....، وقد آن لهذه الأمة أن تواجه الواقع ، والمستقبل ، وأن تعلن بصوت واحد ، أن جرائم الأزمنة الغابرة ، قد سقطت بالتقادم المسقط ....هذا لا يعني العزوف عن تصحيح قراءة التاريخ ، على العكس من ذلك ، لكنه يعني التحرر من الأوهام بأنه يمكن الفعل في التاريخ فالإيجاب قد حدث ، والسلب كذلك ، والمجال الوحيد للفعل الإنساني هو الحاضر ، والمستقبل ....

( 115 )

نعود إلى صلب الموضوع ، ففيما يتعلق بالحديث عن الحضارات القديمة نجد أنه لا يمكن فهمه ، إلا بقراءة الديانات القديمة ، وهنا ، في هذه الأرض العربية ، نجد أساساً ، لتلك الديانات التجريدية ، التي حاولت البحث عن الآلهة ، التي ترى ، ولا يراها أحد ، بعد عبادات ، لقوى ، وكائنات ، وظواهر مخيفة ، مجسّدة ، تقدم لها النذور ، والأضاحي .. وهنا ، في هذه الأرض العربية ، بدأ البحث عن آلهة غير موجودة على الكوكب ، وإنما فيما وراءه ، في القمر .. والنجوم ، والشمس .. ثم ، فيما وراء ذلك كله .. وهي العبادات التي نجدها ، بشكل ، أو بآخر ، بعد ذلك ، في مختلف شعوب الأرض . من أخذها ، عن ، من ..؟ .. هذا سؤال مفتوح بين يدي المستكشفين .. لكن أقدم الأدلة على ذلك في العالم نجده ، هنا ، في وادي الملوك ، وأور ، وبابل ، وماري ، وأوغاريت ، وتدمر ، والبتراء ، وسبأ ، وحضرموت ، وسيوه ، وقرطاج ، وفاس ، وتدمر ، وأفاميا ، وإلى آخره .. تلك الأوابد التي مازالت شواهد ، لا يمكن تجاهلها ....

إن " أوزيريس " ، إله ، مزقه خصومه ، البداة ، لكن أخته " إيزيس " تتمكن من جمع أشلائه المبعثرة فينبعث من جديد ، إنه ، إله ، يولد من جديد في كل صباح ، كالشمس ، بعد أن يجتاز مملكة الأموات .. إنه إله يتخذ انبعاثه قانوناً كلياً للحياة ، وللطبيعة ، وللتاريخ ..

ثم جاء أخناتون ، بعد ذلك ، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وقاد حملة ضد الخصومات القبلية ، وفرض ديناً واحداً ، وإلهاً واحداً .

وإذا كانت ملحمة جلجامش قد سبقت الإلياذة بألف وخمسمائة سنة ، فإن إخناتون سابق على زرادشت في دعوته إلى التوحيد ، في الديانة المزدكية ، بألف عام .

في الملحمة الهندية ( راماينا ) ، نجد ( راما ) يتحدى المحيط ، وبيده قوسه ، ويهدده بالجفاف ، بثقبه بسهم من أسهمه النارية .. أما ( شيفا ) الإله الراقص ، فهو يخلق العالم بينما يرقص ، ويهب العالم إيقاعه ، وصيرورته ، فيميته ، ويجعله يولد من جديد ، إنه الإله الخالد الذي يتجلى ، في التنوع ، في الحركة ، ويلهم نيتشه أحلامه ( لا يسعني الإيمان إلا بإله يجيد الرقص ) ، بينما ينشد الإله كريشنا ( إنني مبدأ الأشياء كلها ، إنني الكائن الجاثم في صميم الكائنات كافة ، أنا البدء ، والوسط والنهاية من كل كائن ، وأنا الصاعقة في وسط الأسلحة ، وأنا الكلمات التي تتمتمها الشفاه عند تقديم الأضاحي ) وحتى عندما يختطف رئيس الشياطين ( سيتا ) فإنها تقبل أن تتعرض لامتحان التعرض للنار وتتمكن بحماية ( اكني ) إله النار ، أن تجتاز اللهب بسلام ، حتى أن باقة زهور اللوتس ، التي تحملها بيدها ، لا تذبل عندما تخرج من المحرقة .. فهل تخفي الرمزية هنا ، وعلاقتها بقصة إبراهيم ، عليه السلام ، أما أهل ( بالي ) فينشدون ( إلهنا إله راقص تشع قدرته في الفكر وتقوده إلى حلبة الرقص مثلما تحرق حرارة النار الحطب ) ..وكما نجد أصول عبادة الشمس في أبراج بابل ، ووادي الملوك ، وأهرامات مصر .. نجد آلهة الرقص العربي عشتار ، وفرقتها ، تلهم الراقصين ، الإله ( شيفا ) في الهند ، والآلهة الراقصون في قبائل الصين ، واليابان ، وأمريكا ، وأوروبا ، واستراليا ، أو أنهم هم الذين ألهموها .. لا ندري .. فقط نقول أن الحضارة الإنسانية المعروفة ، ومنذ خطوتها الأولى ، تتألف من شبكة انتشار واسعة ..

إن حضارة الإنسان القديم في بلاد العرب ، وأفريقيا ، وآسيا ، والأمريكيتين ، واستراليا، وحتى أوروبا القديمة ، منحت الإنسان طريقاً روحية إلى الخلود .. بينما الغرب الصناعي الحديث منح الإنسان ، مذهبية تقنية ، وعلمية ، هي اليوم كارثة ..

يقول حكيم أفريقي هو ( بوبو هاما ) : " لقد عرف الناس حتى الآن إنسانين أحدهما روحي . والآخر مادي .." ويتساءل غارودي : هل تستطيع ضروب الحكمة الإفريقية تحقيق تركيب يؤلف هذا التداول للمادة ، مع ثقافة الروح هذه ..؟

هنا ، نعثر على أبرز الفلاسفة القلقين في أوروبا الحديثة يبحث عن الحل .. وهو لذلك يقترب إلى درجة مذهلة من ( جدل الإنسان ) .

يقول روجيه غارودي ، بالحرف الواحد : ( .. في إمكاننا تصور معرفة لا تكون وحيدة الاتجاه ، حيث يستطيع الشرق ، أن يسهم في تقديم معنى عن الإنسان ، وعن جملة البشر ، وهو المعنى الذي يفتقر إليه الغرب اليوم افتقاراً رهيباً .. وقد ، غدا الإله في الرأسمالية ، هو المال ، العجل الذهبي ...، وغدت "المادية الجدلية" ، في الاشتراكية ، نوعاً من دين ، ذي عقيدة مقدسة ، وصار الحزب بديلاً عن الله ، في نوع من لاهوت علماني ، وهو أسوأ أنواع اللاهوت .. إن الأمر ، ليس بالرجوع إلى ما لا أعرف ، من أنواع ، ما قد يظن أنه أفريقية السرمدية ، ولكن في وسع الحكمة الأقريقية ، وفي شكل لن يظل إسطورياً ، وبالامتناع عن أية ثنائية ، في وسعها ، بآن واحد ، أن تمتح حياة ، من فكر " الهند القديمة " ، ومن تقنية " الغرب الصناعي ، أي أن تؤلف بين جميع طاقات الفكر ، والمادة ، وفي ذلك وعد الإنسان الشامل ..)

الإنسان الشامل ، نعم ، يا روجيه غارودي من أوروبا ، ونعم ، يا بوبوهاما من أفريقيا ، ونعم يا كل الفلاسفة ، والمفكرين والعلماء الجادين ، في كل مكان من هذا العالم ، لكن نقول لكم ، وبدون تواضع هذه المرة ، أن الحكمة العربية ، ربما تكون قد أجابت على تلك الأسئلة .. باكتشاف "القانون النوعي للإنسان الشامل" ، وهو " جدل الإنسان " الذي صاغه حكيم عربي ، من هذه الأمة العربية ، في هذا الزمان .....

( 116 )

وإذا كانت بعض الأبحاث العلمية ، تشير إلى وجود الإنسان ، منذ خمسة ملايين سنة على الأقل .. وأنه منذ / 200 / ألف سنة ، أي نهاية العصر الجليدي الأخير ، بدأت هجرة الإنسان باتجاه أوروبا ، والأمريكتين التي يفترض أنهما كانتا فارغتان من البشر ، فإن شعب الأنكى في أمريكا ، كان يعتقد أنه متحدر من الشمس ، حيث ضمت إمبراطورية الأنكا / 800 / مقاطعة ، وكانت المحاصيل تقسم إلى ثلاثة أقسام ، ثلث للكنهة ، وثلث للمزارع ، وثلث للدولة ، وكان كل عشرة رجال يخصصون واحداً منهم ، للحرب ، وكذلك امرأة من عشرة ، لخدمة النبلاء ، وكان الإمبراطور ابن الشمس ، وحاكماً لأرض الأقطار الأربعة ، وأن إله الشمس زوده بالوحي لتوحيد شعوب العالم ، ونشر العدل ، وأن الأرض مقدسة ، والمعبد الأساسي ، هو معبد الشمس ، وعبادة الشمس التي نجد أسسها الأولى في أهرامات مصر ، وأبراج بابل ، كما قلنا ، نجدها في مختلف أنحاء العالم ، ومازال بعض الحكام حتى الآن في أرجاء آسيا يعتبرون أنفسهم مفوضين من إله الشمس ، أما الأوروبيين فيقولون أن " المسينيون " هم أول من أنشأ حضارة في اليونان عام 1900 ق.م وهم الذين خلدهم هوميروس في ملحمتيه "الإلياذة" ، و"الأوديسة" إلى أن هزمهم من أسموهم " البربر " عام 1200 ق.م ، وبعد سقوط مسينا بحوالي 200 سنة نشأت سلسلة المدن الجديدة في اليونان إلى أن وحدها فيليبس المقدوني والد الاسكندر عام 338 ق.م ، بينما أنشئت روما عام 753 ق.م وأقام الرومان إمبراطوريتهم التي دامت 500سنة ، أما – الأنغلوساكسون – ( الإنكليز ، والسكسون ، والجوت ) ، إضافة إلى الفايكنغ ، والنورمان ، فيعود تاريخهم إلى القرن الخامس الميلادي ، وما بعد ، أما الحضارة الصينية ، فقد تكونت من عدة دول صغيرة ، توحدت بعد ذلك ، وكان كل حاكم لها ، يعتقد انه مرسل من الآلهة ، ويعرف بأبن السماء ، وفي عام 551 ق.م ، ولد كونفيشوس ..

إننا ننقل تلك الأحداث ، والتواريخ ، بتحفظ شديد ، ذلك أننا نؤكد على ما قلناه ، بأن التاريخ البشري ، من جهة المصدر مازال مفتوحاً .. على المعرفة الإنسانية ، لتعريف الكثير من المجاهيل ، وحسم أمر الكثير من الافتراضات ، التي تحتمل الصح ، والخطأ ..

ونحن ، إذ نحاول رسم تلك الصورة البانورامية ، بخطوطها العريضة ، فإننا نفعل ذلك ، كمقدمة لقراءة حضارة العرب ، وكيف أثرّوا ، وتأثروا ، بذلك كله ، وموقعهم في الحضارة الإنسانية ....

( يتبع .. البيان " 24 " ..)

زهير 04-14-2009 11:45

على بساط الثلاثاء
50
يكتبها حبيب عيسى
البيان .." 24 " ...
" الطليعة العربية "
العرب
حضارات ، وديانات قديمة

( تتمة ..."24" ...البيان....)
( 117 )
" إن الآريين لم يشيدّوا صرح الحضارة ، بل أخذوها عن بابل ، ومصر ، وأن اليونان لم ينشئوا الحضارة ، إنشاء ، لأن ما ورثوه منها أكثر مما ابتدعوه ، وكانوا الوارث المدلل المتلاف لذخيرة من الفن ، والعلم مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين ، وجاءت إلى مدائنهم مع مغانم التجارة ، والحرب ، فإذا درسنا "الشرق الأدنى" وعظمّنا شأنه ، فإنّا بذلك نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحّق صرح الحضارة الأوربية الأمريكية ، وهو دين كان يجب أن يؤدى منذ زمن بعيد .."
قبل أن يتسرع أحد باتهامنا بالشوفنينة ، والعنصرية نسارع إلى التأكيد أن هذا القول ليس لنا ، وليس لأحد من بلاد العرب ، فهذا ما اكتشفه ( ول . ديورانت ) في مغامرته للبحث عن قصة الحضارة ، ويضيف : ( إن أقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا .. مما كشف عنه في مقابر ما قبل التاريخ في مصر ، والشرق الأدنى ، وأسبانيا .. مما يرجع في التاريخ إلى سنة 5000 قبل الميلاد .. ويقيناً أنه ما جاءت سنة 3600 ق.م – وقد يكون قبل ذلك بزمن طويل – حتى كان الناس في سومر ، ومصر قد طوروا مجموعة من الصور التي يعبرّون بها عن أفكارهم ، وأطلقوا عليها اسم " الكتابة الهيروغليفية " .. وبالتالي فإن الفينقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء ، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع ، والشراء .. ثم صدرّوها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط .."
وإذا كان هذا ما قاله " ول . ديورانت " ، فإن المؤرخين يكادون أن يجمعوا ـ بعد الحديث عن العصور الجليدية التي يقدروّنها بـ 500000 ق. م ، والإنسان البدائي الذي يطلقون عليه أسماء مختلفة ، ومتدرجة عبر الزمان .. ـ أن " الرقم " التي كشف عنها في أوغاريت ، وأور ، وبابل ، وسبأ ، وطيبة ، وتل العمارنة .. وغيرها من مدائن العرب تدل على أن تلك الحضارات التي هي الأقدم في التاريخ البشري المعروف حتى الآن ، ليست هي الأقدم في حضارات العرب .. بل هي الحضارات التالية لما أسماه القص العربي القديم " حضارات العرب البائدة " .. التي مازالت مجهولة .. تترقب أياد عربية خبيرة للكشف عنها .. وقد تم الكشف مؤخراً في أحد المواقع الأثرية في بلاد الشام على ما يعتقد أنها أقدم لوحة فنية في التاريخ تعود إلى / 8000 / سنة قبل الميلاد ، وان البحث مازال مستمراً في الموقع المذكور ..لأن هناك كنوز مازالت مخبّأة هناك كما أن آخر الاكتشافات في أوغاريت دلتّ إلى جانب الأبجدية التي يعتقد أنها الأقدم في التاريخ البشري ، وإلى جانب الكتابة من اليمين إلى اليسار ، أو الكتابة من اليسار إلى اليمين ، على وجود كتابة عمودية من الأعلى إلى الأسفل . .. وهي التي مازالت معتمدة في دول شرق آسيا ، والصين ، واليابان ..
( 118 )
وإذا كان المؤرخون قد تحدثوا عن حمورابي ، كأول مشرّع في التاريخ البشري ، فإن الاكتشافات في ( أور مدينة الكلدان ) دلتّ على أن ملكها ( أور – أنجور ) قد سبق ذلك ، وأعلن في جميع الدولة السومرية ، أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم ، حيث يقول : (لقد أقمت إلى أبد الدهر صرح العدالة المستندة إلى قوانين شمش الصالحة العادلة ) .. وقد نشر ( أور – أنجور ) شرائعه في البلاد باسم الإله الأعظم شمش ، بعد أن رأى ما في الالتجاء إلى الدين من فوائد سياسية ، فتضاعف عدد الآلهة مراراً حتى بات لكل مدينة ، ولكل ولاية ، ولكل نوع من النشاط البشري إله موح مدبّر ، وكانت الشمس هي ( نور الآلهة ) الذي كان يقضي الليل في الأعماق الشمالية حتى يفتح له الفجر أبوابه فيصعد في السماء كاللهب ، ويضرب بعربته في أعماق القبة الزرقاء ، ولم تكن الشمس إلا عجلة في مركبته النارية .. وقد عثر في المدائن السومرية على لوحة نقشت عليها بعض الصلوات وجاء فيها : ( إن الضأن فداء للحم الآدميين به افتدى الإنسان حياته )" وقد أثرى الكهنة من تلك القرابين حتى أصبحوا أكثر الطبقات مالاً ، وأعظمها قوة في المدن السومرية ، وحتى كانوا هم الحكام المتصرفين في الشؤون ...
( 119 )
إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى من الوطن العربي ، واتجهنا إلى الكرنك على النيل نقرأ هذه الرسالة التي نقشتها على أحد المسلتين ، اللتين تتصدران المعبد ، الملكة حتشبسوت : ( إن هاتين المسلتين قد صنعتا من الحجر الأعبل الصلد الذي جيء به من محاجر الجنوب ، وأن رأسيهما من الذهب الإبريز .. ويمكن مشاهدتهما على النهر من بعيد ، ونورهما الساطع يشع في الأرضين ، وإذا ما لاح قرص الشمس بينهما بدا كأنه يبزغ حقاً في أفق السماء .. وأنتم يا من ترون هذين الأثرين بعد زمن طويل ، ويا من تتحدّثون من بعدي عما فعلت ستقولون : إنا لا ندري كيف أقاموا جبلاً كله من الذهب .. لقد أنفقت في تذهيبهما ذهباً كنت أكيله ، كيلاً كأنه أكياس الحب .. ذلك أني أعرف أن الكرنك أفق الأرض السماوي ..)
كانت السماء بداية الخلق عند أهل مصر ، ولم تكن الأجرام السماوية العجيبة إلا الصور الخارجية لأرواح عظيمة ، وكانت السماء قبة تقف في فضائها الواسع بقرة عظيمة هي الآلهة حتحور ، والأرض من تحت أقدامها ، وبطنها يكسوه جمال عشرة آلاف نجم ، وأن السماء هي الإله " سيبو " النائم في لطف على الأرض ، الأرض التي هي بدورها الإلهة " نويت " ومن تزاوج هذين الربين المهولين ، ولدت كل الأشياء ، ومن عقائدهم أيضاً ، أن الأبراج ، والنجوم قد تكون آلهة ، وأن ساحو وسيديت ، كانا إلهين مهولين ، وأن ساحو كان يأكل الآلهة ثلاث مرات في اليوم بانتظام ، وكان يحدث في بعض الأحيان أن إلهاً من هذه الآلهة المهولة يأكل القمر ، ولكن ذلك لن يدوم إلا قليلاً ، لأن دعاء الناس ، وغضب الآلهة الأخرى لا يلبثان أن يضطراه إلى أن يتقيأ القمر مرة أخرى ، ويعود للظهور ، وعلى هذا النحو كان عامة المصريين يفسرون خسوف القمر الذي كان إلهاً ، ولعله أقدم ما عبد من الآلهة في مصر ، ولكن الشمس في الدين الرسمي كانت أعظم الآلهة ، وكانت تعبد على أنها الإله الأعلى " رع " ، الذي لقحّ الأم "الأرض" ، بأشعة الحرارة .. وكانت تصّور على أنها عجل مقدس يولد مرة في فجر كل يوم ، ويمخر عباب السماء في قارب سماوي ، ثم ينحدر إلى الغرب في كل مساء ، أو أن الشمس هي الإله "حورس" مصوراً في صورة باشق رشيق يطير في السموات بعظمة ، وجلال يوماً بعد يوم .. ولكن الاعتقاد الذي ترسّخ هو أن " رع " ، أو الشمس ، هي ، أو هو الخالق على الدوام ، ولما أشرق أول مرة ، ورأى الأرض صحراء جرداء غمرها بأشعته ، فبعث فيها النشاط ، وخرجت من عيونه كل الكائنات الحية من نبات ، وحيوان ، وإنسان ، مختلطة بعضها ببعض ، ولما كان أول من خلق من الرجال ، والنساء أبناء " رع " كانوا سعداء ، ولكن أبناءهم انحّطوا شيئاً ، فشيئاً إلى طريق الضلال ، فخسروا ما كانوا عليه من سعادة ، وكمال ، فغضب " رع " من أجل ذلك على خلقه ، وأهلك عدداً كبيراً من الجنس البشري ... وهكذا فإن المصريين لم يعبدوا مصدر الحياة ، وحسب ، وإنما عبدوا مع هذا المصدر كل صورة من صور الحياة ، فكانت بعض النباتات مقدّسة لديهم .. وكذلك كان لديهم آلهة من الحيوان ، وكانت أكثر ذيوعاً بينهم .. ثم صار الآلهة بشراً ، وكان الفرعون هو الرئيس الديني الأعلى ، ومن أجل هذا كان الكهنة في مصر دعامة للعرش كما كانوا هم الشرطة السرية .."المخبرين" ، وقد تطلب هذا الدين الكثير التعقيد ، وأن تقوم عليه طبقة بارعة في فنون السحر ، والطقوس الدينية .. وكان أهم ما يميز الدين في مصر القديمة تأكيده على فكرة الخلود ، فالمصريون يعتقدون أنه إذا أمكن أن يحيا النيل ، ويحيا النبات بعد موتهما ، فإن في مقدور الإنسان أيضاً أن يعود إلى الحياة بعد موته ، ولهذا كان الجهد منصباً على بقاء أجسام الموتى سليمة ..
( 120 )
قبل أن نختتم هذا الحديث عن الديانات المصرية القديمة لابد من الوقوف عند تجربة أخناتون ، الذي أطلق عليه البعض لقب الشاعر المارق الذي أجج نيران الثورة الدينية ، بينما يراه البعض الآخر أول داعية للتوحيد في التاريخ ...
" أمنحوتب الرابع " هو الذي عرف باسم " إخناتون " والذي لم يكد يتولى الملك حتى ثار على دين " آمون " وعلى الأساليب التي يتبعها كهنته ، فقد كان في الهيكل العظيم بالكرنك طائفة كثيرة العدد من النساء يتخذن سراري لآمون الإله ، في الظاهر ، بينما كنّ ، ليستمتع بهن الكهنة في الحقيقة ، وكان الملك الشاب "أخناتون" في حياته الخاصة مثالاً للأمانة ، فلم يرضه هذا " العهر المقدس " وكانت رائحة دم الأكباش التي تقدم قرباناً لآمون كريهة نتنة في خياشيمه ، كما كان اتجّار الكهنة في السحر ، والرقى ، واستخدامهم نبوءات آمون ، للضغط على الأفكار بإسم الدين ، ولنشر الفساد السياسي مما تعافه نفسه ، فثار ، على ذلك كله ، ثورة عنيفة ، وقال مقولته الشهيرة : ( إن أقوال الكهنة لأشد إثماً من كل ما سمعت ..) وثارت روحه على الفساد الذي تدهور إليه دين شعبه ، وكره المال الحرام ، والمراسم المترفة التي كانت تملأ الهياكل ، وثار على ما كان لطائفة الكهنة المرتزقة من سيطرة على حياة الشعب .. فأعلن ، بشجاعة نادرة ، أن تلك الآلهة ، وجميع ما في ذلك الدين من احتفالات ، وطقوس كلها وثنية ، منحطة ، وأن ليس للعالم إلا إله واحد ، وحيد ، هو " الإله أتون " .. ورأى أخناتون ، أن الإلوهية أكبر ما تكون في الشمس كمصدر الضوء ، وكمصدر لكل ما على الأرض من حياة .. واستعان أخناتون ببعض الترانيم القديمة ، وبعض قصائد التوحيد ، فألفّ أغان حماسية .. وقصائد ، ننقل هذه الأبيات من أحد قصائده :
/ يا خالق الجرثومة في المرأة / ويا صانع النطفة من الرجل / ويا واهب الحياة للابن في جسم أمه / ألا ما أكثر أعمالك الخافية علينا / أيها الإله الأوحد الذي ليس لغيره سلطان كسلطانه / يا من خلقت الأرض كما يهوى قلبك / حين كنت وحيداً / إن الناس ، والأنعام كبيرها وصغيرها / وكل ما على الأرض من دابة / وكل ما يمشي على قدمين / وكل ما هو في العلا / ويطير بجناحيه / والبلاد من سورية إلى كوش وأرض مصر / إنك تضع كل إنسان في موضعه / ألا ما أعظم تدبيرك / يا رب الأبدية / أنت أوجدت العالم / وأقمت كل ما فيه لأبنك / إخناتون ذي العمر المديد / ولزوجه المليكة الكبرى محبوبته / سيدة القطرين / نفر – تفرو – أتون – نفرتيتي / الباقية المزدهرة أبد الآبدين / ..
إن تلك القصيدة ليست من أوائل قصائد التاريخ الكبرى فحسب ، بل هي فوق ذلك أول شرح بليغ لعقيدة التوحيد ..
لقد كان حلم أخناتون أن تسمو الوحدانية بالبشرية . لكنه ، وبقراءة نقدية ، لم يترك لما في دينه الجديد ، آنذاك ، من صفات نبيلة ، ليسري في قلوب الناس ويستميلها إليه على مهل ، دون قسر ، بل عجز أن يفكر في الحقائق التي جاء بها تفكيراً يتناسب مع الواقع ، فخّيل إليه ( وهنا تغّلب الفرعون على الشاعر) أنه يتمكن من فرض عقائده ، فرضاً على الناس ، فأعلن ، أن كل دين ، وكل عبادة عدا عقيدته ، وعبادته (عقيدة وعبادة اخناتون) ، فحش ، وضلال لا يطاق ، فأصدر أمره على حين غفلة ، بأن تمحى من جميع النقوش العامة أسماء الآلهة ، إلا أسم الإله " آتون " وأغفل اسم أبيه ، بأن محا كلمة " آمون " من مئات الآثار ، وحرّم كل دين ، غير دينه ، هو ، وأمر بأن تغلق جميع الهياكل القديمة ، وغادر طيبة لأنها مدينة نجسة ، وأنشأ له عاصمة جديدة في " أخناتون " مدينة "أفق أتون" ، وحرّم على الفنانين أن يرسموا صوراً "لأتون" لأن الإله الحق ، في اعتقاده ، لا صورة له ، ثم ترك الفن بعدئذ حراً طليقاً ، عدا شيئاً واحداً آخر ، وهو أن يمّثلوا الأشياء كما يرونها ، وأن يغفلوا العرف الذي جرى عليه الكهنة ، وصدع الفنانون بأمره ، وصوروه هو نفسه ، في صورة شاب ذي وجه ظريف رقيق ، رقة تكاد تبلغ حد الوجل ، وصوروا الكائنات الحية نباتية ، أو حيوانية في تفصيل ينم عن حب ، وعطف عظيمين ، ودقة ، لا تسمو عليها دقة في أي مكان ، أو زمان .....
إن قراءة متعمقة لتلك التجربة الإنسانية الضاربة في القدم لا تحتمل "لو" ، وإلا لقلنا مع "ول . ديورانت" : "لو أن أخناتون كان ذا عقل ناضج لأدرك أن ما يريده من خروج على تعدد الآلهة ، القديم المتأصل ، في عادات الناس ، وحاجاتهم إلى وحدانية فطرية تخضع الخيال للعقل ، لأدرك أن هذا تغيير لا يمكن أن يتم في زمن قصير ، وإذن لسار في عمله على مهل ، وخففّ من حدة الانتقال ، بأن جعله على مراحل تدريجية ،ولكنه كان شاعراً لا فيلسوفاً ، فاستمسك بالحقيقة المطلقة .... وضرب ضربة واحدة جرد بها طائفة غنية قوية من تراثها ...، وحرّم عبادة الآلهة ... فقام الكهنة من وراء الستار يتآمرون ، ويتأهبون ، وظل الناس في دورهم ، وعزلتهم يعبدون آلهتهم القديمة المتعددة ... واعتبروا ما يقوم به أخناتون زيغ ، وضلال ، ورغم ذلك كان يعيش حياة البساطة ، والاطمئنان مع زوجه نفرتيتي ، وبناته السبع ، ومع أن القانون كان يجيز له أن يطلب وارثاً ذكراً من زوجة ثانية ، فإنه لم يقدم على هذا الحل ، وآثر أن يظل وفياً لنفرتيتي ... فقامت الثورات عليه ، وتوفي قبل أن يتم الثلاثين من عمره 1362 ق.م محطمّ القلب ، وهو على يقين أن شعبه غير جدير به ... وبعد عامين من وفاته جلس على العرش صهره ، زوج ابنته ،"توت عنخ آتون" ، حبيب الكهنة ، الذي ما لبث أن بدل اسمه إلى "توت عنخ آمون" ، وأعاد عاصمة الملك إلى طيبة ، وتصالح مع السلطات الكهنوتية ، وأعلن للشعب عودته إلى عبادة الآلهة القديمة ، وأزيلت من جميع الآثار القديمة كلمتا أتون ، وأخناتون ، وحرّم الكهنة على الشعب أن ينطقوا باسم " الملك المارق أخناتون " ونقشت على الآثار الأسماء التي محاها أخناتون ، وأعيدت أيام الأعياد التي ألغاها ، وهكذا عاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل .. وفيما عدا هذا حكم توت غنج آمون حكماً لا ميزة له ، ولا فضل ، ولولا ما كشف في قبره من كنوز لا عهد للناس بها من قبل ، لما سمع العالم به .. وللذين يبحثون عن أدلة على ترابط الحضارات في الوطن العربي نشير إلى أنه أعلن هذه الأيام عن العثور على تمثال "توت غنج أمون" خلال عمليات التنقيب التي جرت في بابل العراق مؤخراً ..!
وحسبنا أخيراً رغم ما آلت إليه تلك الحضارة العظيمة في مصر أن نشير إلى أن روح مصر لا تزال باقية فيما ورثه الجنس البشري من علم ، واختراعات ، وأنظمة ، وعقائد ، فالنهوض بالزراعة ، والتعدين ، واختراع الزجاج ، وأنظمة البريد ، والتعليم ، والارتقاء بالكتابة ، والنهوض بالآداب ، والطب ، والدساتير ، والعدالة الاجتماعية ، وفنون العمارة ، والنحت أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري ، وأن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره أو ذكرياته مخلدة عند كل أمة ، وفي كل جيل من الأجيال المتعاقبة على امتداد هذا العالم ..
( 121 )
إذا عدنا إلى بلاد ما بين النهرين ، وفي زمن معاصر تقريباً للحضارة المصرية القديمة ، نجد نسخة تكاد تكون مطابقة لأخناتون ، هو حمورابي الذي يتلقى القوانين أيضاً من ذات المصدر ، وهو شمش إله الشمس حيث جاء في مقدمة القوانين الحمورابية : " ولما عهد " أنو " الأعلى ، و " بل " رب السماء ، والأرض الذي يقرر مصير العالم ، لما أن عهدا حكم بني الإنسان كلهم إلى " مردوك " ، ولما أن نطقا باسم بابل الأعلى ، وأذاعا شرعتهما في جميع أنحاء العالم ، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر ، قواعدها ثابتة ، بثبات السماء ، والأرض ، وفي ذات الوقت ناداني " أنو " و" بل " أنا حمورابي الأمير الأعلى ، لكي أنشر العدالة في العالم وأقضي على الأشرار ، والآثمين ، وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء .. وأنشر النور في الأرض ، وأرعى مصالح الخلق ، أنا حمورابي الذي اختاره " بل " حاكماً والذي جاء بالخير ، والوفرة .. والذي أعان شعبه في وقت المحنة ، وأمّن الناس على أملاكهم في بابل ، حاكم الشعب الخادم الذي تسر أعماله أنونيت .."
ويختتم حمواربي قوانينه الـ 285 بالقول : " إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي ، والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة ، وحكومة طاهرة صالحة ..أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها ، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد .. وبحكمتي قيدّتهم حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء ، وحتى ينال العدالة اليتيم ، والأرملة .. فليأت أي إنسان مظلوم له قضية أمام صورتي ، أنا ملك العدالة ، وليقرأ النقش الذي على أثري ، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة ، ولعل أثري هذا يكون هادياً له في قضيته ، ولعله يفهم منه حالته ، ولعله يريح قلبه فينادي : حقاً أن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه .. لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله ، وأقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة ، ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد ، وفي السمتقبل يرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثري .."
وقد كشف مؤخراً في تل العمارنة عن رسائل متبادلة بين البابليين ، وأمنحوتب الثالث ، وأخناتون ، للتعاون في مواجهة الغزاة ..
( 122 )
دعونا نقف عند الخطبة التي افتتح فيها نبوخذ نصّر حكمه ، وهو يخاطب (مردوك) كبير آلهة بابل حيث يقول : " إني أحب طلعتك السامية ، كما أحب حياتي الثمينة ، إني لم اختر لنفسي بيتاً في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل .. ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد أيها الإله الرحيم ، ولعلي أتمتع ببهائه ، وجلاله ، وأبلغ فيه الشيخوخة ، ويكثر ولدي ، وتأتي إلي فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ، ومن بني الإنسان أجمعين .."
هنا نجد ذلك الطموح المبكر للسيطرة على العالم كله .. وهنا يشاهد القادم إلى مدينة بابل صرح شامخ كالجبل يعلوه برج مدرج من سبع طبقات ، جدرانه من القرميد المنقوش البّراق ، يبلغ ارتفاعه / 650 / قدماً ، فوقه ضريح يحتوي على مائدة كبيرة من الذهب المصّمت ، وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء في انتظار ..
وهذا الصرح الشامخ الذي تجاوز أهرام مصر علوّاً ، وأعلى من جميع مباني العالم في كل العصور القديمة المعروفة .. هو ( برج بابل ) .. وعلى ربوة بالقرب من البرج أشاد نبوخذ نصّر قصره .. وبالقرب منه حدائق بابل المعلقة التي بناها نبوخذ نصّر تكريماً لزوجته ابنة ملك الميديين ، وذلك كي يخفف عنها آثار الجو الحار في بابل ..
وأقدم آلهة البابليين ، آلهة السماء ، وما فيها : " أنو " السماء الثابتة ، وشمش "للشمس" و "ننار" للقمر ، و "بعل" الأرض التي يعود كل البابليين إلى صدرها بعد مماتهم ، وكان لكل أسرة آلهتها المنزلية تقام إليها الصلاة ، وتصّب إليها الخمور في كل صباح ، ومساء ، وكان لكل فرد رب يحميه ، ويرّد عنه الأذى ، والشرور ، ورغم أننا لا نجد عند البابليين شواهد على التوحيد ، كذلك الذي شاهدناه عند أخناتون ، لكن اتساع رقعة دولتهم عقب الحروب أخضع آلهتهم المحلية لسلطات إله واحد ، وهنا لابد من الإشارة إلى عشتار الشبيهة بإيزيس آلهة المصريين ..، وعلى نموذجها صاغ اليونان الآلهة أفروديت ، وكذلك الرومان ، فينوس .. وعشتار لم تكن آلهة جمال الجسم ، فحسب ، بل كانت فوق هذا كله الآلهة الرحيمة التي تعطف على الأمومة الولود ، والموحية الخفية ، بخصب الأرض .. وكانت تصّور أحياناً في صورة امرأة عارية تقدم ثدييها للرضاع .. وكان عبادّها يخاطبونها بقولهم : " العذراء " ، و " العذراء المقدسة " ، و" الأم العذراء " ، ومع ذلك فإن جلجامش رفض الزواج بها حين عرضت عليه الزواج ، وحجته في ذلك أنه لا يثق بها ..
وللبابليين قصصهم ، وأساطيرهم عن الخلق ، والوجود .. فبعد أن فتق الإله مردوك السماء ، والأرض ، ووضعهما في مكانيهما ، شرع يعجن الأرض بدمائه ، ويصنع الناس لخدمة الآلهة ... أما جلجامش فقد كان حاكماً أسطورياً لأوروك ، وهو نجا من الطوفان ، ولم يمت قط ، ثلثاه إله ، وثلثه آدمي ، لا يماثله أحد في صورة جسمه ، يرى جميع الأشياء ، ولو كانت في أطراف العالم ، كابد كل شيء ، وعرف كل شيء ..
( 123 )
إلى شمال بابل ظهرت حضارة جديدة ، لكنها كانت حضارة عسكرية شديدة القسوة هي الحضارة الآشورية التي امتدت إلى فارس ، وسومر ، وأكاد ، وبابل ، ودمشق ، ومصر ، وعاصمتها آشور حيث خلع عليها الإله آشور أسمه ، وعمّمه على البلاد كلها ، وقد ظل ملوك آشور يتباهون بلقب ( الملك صاحب الحكم الشامل ) ، واستولى " آشور ناصر بال " على اثنتي عشرة دولة صغيرة ، ومّد : "سلما نصّر الثالث " هذه الفتوح حتى دمشق ، ثم ثار ابنه عليه ، وخلعه ، وحكمت " سمور امات " أم الملك ثلاث سنوات ، وكان حكمها هو الأساس التاريخي لأسطورة "سميرأميس " التي تجعل منها نصف آلهة ، ونصف ملكة ، أمّا "تفلث ناصر الثالث" ، فقد جيّش جيوشاً ، وحكم أرمينيا ، وسورية ، وبابل ، ودمشق ، والسامرة ، وامتد حكمه من جبال القفقاس إلى مصر ، وخلفه سرجون الثاني الذي امتد حكمه إلى قبرص ، واليونان ، وقضى ابنه "سنحاريب" على الفتن ، واشتد غضبه على بابل ، فأشعل فيها النيران ، ولم يكد يبقي على أحد من أهلها .. ، وتم تحطيم آلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم ، وسيقت الآلهة البابلية أسيرة إلى نينوى ، وأصبح مردوك الإله الأكبر للبابليين خادماً ذليلاً للرب آشور .. وعندما جاء دور " آشور بانيبال " قام باحتلال بلاد فارس ، وجيء برأس ملك فارس ، فتم تعليقه على باب نينوى ، وسلخ جلد "دنانو" القائد الفارسي ، حياً ..
في هذا الجو الحربي لا يزدهر من العلوم إلا علم الحروب ، وبالتالي فإن العلوم التي سادت في دولة آشور ، هي العلوم البابلية ، ذاتها ، في الطب ، والفلك ، والفلسفة .. بيد أن ( الملك العظيم ، الملك القادر ، ملك العالم ، ملك آشور ) قال في آخر أيامه : ( لقد فعلت الخير لله ، والناس ، للموتى ، والأحياء ، فلما إذن أصابني المرض ، وحل بي الشقاء ؟ ، إني عاجز عن إخماد الفتن التي في بلدي ، وعن حسم النزاع القائم في أسرتي ، وإن الفضائح المزعجة لتضايقني على الدوام ، وهاأنذا أقضي آخر أيامي أصرخ من شدة الويل .. المنية تنشب فيّ أظفارها ، وتنحدر بي نحو آخرتي ..)
مات آشور بانيبال عام / 626 / ق.م وبعد أربعة عشر عاماً اجتاح البلاد جيش من البابليين بقيادة نبوخذ نصّر ..
( 124 )
لقد حاول المؤرخين الأوروبيين ، ومنهم للأسف ( ول . ديورانت ) أن يطلقوا على جميع الشعوب التي ملأت أوروبا بالبشر بدءاً من الشرق ، وعلى جميع الشعوب القريبة من شرق أوروبا ، اسم الشعوب ( الهندوأوربية ) ، لكنهم ، ما أن يدققوا في تاريخ تلك الشعوب حتى يخامرهم الشك في صحة ما ذهبوا إليه ، فرغم أن " ول . ديورانت " يقول ، أو يحاول أن يقول أن معظم الشعوب التي كانت تسكن في الأجزاء الشمالية من الإقليم ( العربي ) ، هي شعوب ( هندوربية ) ، وأن ، التي تقطن الأجزاء الوسطى ، والجنوبية منه ، والممتدة من آشور إلى جزيرة العرب هي شعوب سامية فإنه يعود ليقول : " إن الحقائق ليست واضحة المعالم إلى هذا الحد ، وأن الفوارق بين الأجناس ليست بهذه الصورة التي ترسمها التفرقة بينها تيسيراً للبحث .. ، ومن واجبنا أن ننظر إلى هذه الرقعة الواسعة على أنها بيئة تدفقت على أجناسها المختلفة طوائف من هذا الجنس ، أو ذاك ، فمن مهد الجنس السامي ، ومرباه جزيرة العرب ، انطلق العرب من هذا الصقع الجدب حيث ينمو الإنسان شديداً ، عنيفاً ، وحيث لا يكاد ينمو نبات على الإطلاق ، وتدفقت موجة في إثر موجة في هجرات متتابعة من خلائق أقوياء شديدي البأس ، لا يهابون الردى ، فكان لابد لهم أن يفتتحوا بسواعدهم مكاناً خصباً ، ظليلاً يعولهم ، ويقوم بأودهم .. وشادوا في قلب جزيرتهم العربية العريضة ، المدن ، والهياكل ، ولكن لم يكونوا يشجّعون الأجانب على المجيء إليها ، ولقد بقي هؤلاء الأقوام آلاف السنين يحيون عاداتهم ، وأخلاقهم متمسكين بآرائهم ، ولا يزالون إلى اليوم ، كما كانوا في أيام جوديا ، ولقد شهدوا مئات الممالك تقوم ، وتفنى من حولهم ، ولا تزال أرضهم ملكاً لهم ، يعضّون عليها بالنواجذ ، ويحمونها من أن تطأها الأقدام الدنسة ، أو تنظر إليها الأعين الغريبة ..) ، أما الفينيقيين الذين كانوا صلة الوصل ، مع الأوروبيين في العصور الحديثة نسبياً ، فيقول عنهم ( ول . ديورانت ) : "لسنا نعرف من أين جاء الفينيقيون ، أو متى جاءوا ، ولسنا واثقين من أنهم ساميين ، أما تاريخ قدومهم إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، فليس في وسعنا أن نكذبّ ما قاله علماء صور لهيرودوت ، وهو أن أجدادهم قدموا من الخليج العربي ( طبعاً الأوروبيين يسمونه الخليج الفارسي ) وأنهم شادوا تلك المدينة "صور" في العهد الذي نسميه نحن القرن الثامن والعشرين قبل ميلاد المسيح .. وكان للفينيقيين آلهة عديدة ، وكان لكل مدينة " بعلها " الخاص أي سيدها ، أو إلهها الخاص بها ، وهو جد ملوكها ، ومخصّب أرضها ، وكان لكل " بعل " خصوصية في أمر ، ما ، والفينيقيون هم الذين علمّوا الشعوب القديمة ، والأوروبية الحروف الهجائية المصرية .. وكانت سورية تمتد خلف فينيقية ، وتتجمع فيها قبائلها ، تحت حكم تلك الحاضرة التي لا تزال تفخر على العالم بأنها أقدم مدنه ، والتي لا تزال تأوي السوريين المتعطشين إلى الحرية ، دمشق .."
( 125 )
وإذا كان أغلب ما قلناه عن الحضارات العربية القديمة ، يكاد يكون منقولاً عن المؤرخين الغربيين ، فإن لنا نحن رأياً ، وموقفاً آخر ، سيأتي في حينه ..لكن بعد الإشارة إلى قضيتين أساسيتين :
القضية الأولى : أن الحضارات العربية القديمة أكثر اتساعاً من النطاق الجغرافي الذي تحدثنا عنه في بلاد ما بين النهرين ، ومصر ، فالحديث عن الحضارات العربية القديمة " غير البائدة " لا يكتمل إلا بالعودة إلى الحضارات النبطية والقبطية والسبأية ، والحضرمية ، والنوبية ، والعمانية ، والقرطاجية ، واللوبية ، والوهرانية ، والفاسية ، وحضارات التخوم .. وإلى آخرها .. وهذا حديث برسم الأكاديميين والمؤرخين العرب الجادين ، والمتحررين من تأثير السياسات التقسيمية التي لا تكتفي بتفتيت الحاضر العربي ، وإنما تسعى لاختلاق جذر مصطنع للتجزئة الراهنة في الوطن العربي ، عبر تجزئة التاريخ العربي ، وهذا يفرض تدخل مؤسساتي مجتمعي عربي ، وهذا ما سيساهم "الطليعيون العرب" في إنجازه ، وسيكون في أولى أولوياتهم...
القضية الثانية : وتتمثل في البحث الجاد عن أثر الديانات السماوية ، ورؤيتها ، والرسالات التي حملتها من السماء إلى العرب ، وإلى العالم كله ، من خلالهم ..
فماذا قالت السماء ، ولماذا..؟
( يتبع ... البيان ... " 25 " .... )

سليم حجار 04-25-2009 02:09

على بساط الثلاثاء51
 
على بساط الثلاثاء

51

يكتبها : حبيب عيسى

البيان ...." 25 " ...

" الطليعة العربية "

العرب

والديانات السماوية

(تتمة ... البيان ... "25" ... )

( 126 )

إن الإحاطة بقضية الخلق في الديانات السماوية ، بدءاً من " سفر التكوين " في التوراة ، إلى الإنجيل ، إلى قضية الخلق في القرآن ، يحتاج إلى مجلدات لا يمكن حصرها ، ذلك أن الإنسان لم يكتف بما جاء في الكتب السماوية حول هذا الأمر ، وإنما ضغط على الأنبياء ، والرسل ، ومن ثم ، الكهنة ، والشيوخ ، والعرافين ، والفلاسفة ، والعلماء ، بأسئلة لا حدود لها : كيف ..؟ ، ومتى ..؟ ، وأين ..؟ ، وبماذا ..؟ ، ولماذا ..؟ ، ومن أين ..؟ ، وإلى أين ..؟ ، ورغم أن المدقق في السيرة النبوية لحامل رسالة السماء الختامية للبشر محمد ابن عبد الله "ص" ، يلحظ إصرارً وجهوداً مضنية بذلها خاتم النبيين ، لحصار تلك الأسئلة ، بل ، وحتى للكف عنها ، والانشغال بما على الأرض ، وبما ينفع الناس ، ويرفع الظلم ، وينمّي المواهب ، ويثمّر الإمكانيات ، فيطوّر الناس واقعهم بما يعرفون ، ويسعون للعلم ، والمعرفة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، ثم يقرّون بأن ما لا تصل إليه معارفهم ، هو علم أيضاً ، لكنه مجهول بالنسبة إليهم ، فكل ما لا يمكن معرفته يبقى " بعلم الغيب " ، وهو خاصية لله سبحانه وتعالى ، لم يكشف أسراره حتى للأنبياء ، وإن أي إدعاء غير ذلك ، هو كفر ، وتجديف .. وأن الناس متساوون في الجهل بذلك "وفوق كل ذي علم عليم" ، وبالتالي لا كهانة في الإسلام ، ولا رجال دين ، وليس لأحد كائناً من كان أن يدعي معرفة " علم الغيب " .. ، ورغم ذلك كله .. فإنه ما أن توفي الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حتى انفلتت الروايات ، والقص من عقالها ، وبما أنه لا يمكن ترويجها إلا بنسبتها للرسول ، واعتبارها أحاديث نبوية .. فإن الرواة لم يتوانوا عن " عنعنتها " وإرجاعها إلى خاتم النبيين ، وقد تنبه إلى مخاطر ذلك الخليفة عمر بن الخطاب ، فجلد من وقع بين يديه من الرواة ، وحظر على صحابة رسول الله مغادرة المدينة حتى لا تنسب إليهم روايات منحولة عن الرسول ، وحتى يشكل بهم ما يشبه مجلس شورى في حالة انعقاد دائم لمناقشة كافة المسائل المطروحة ، وهذا أدى إلى اعتماد معايير هامة لأصول الفقه ، بالإجماع ، والقياس ، وشرع من قبلنا ، ولا تنتهي بالمصالح المرسلة ... تمهيداً لوضع قواعد جنينية لأصول مبكرة للحكم ، والشورى ، والخلافة ، لكن هذا كله ذهب أدراج الرياح بعد انقضاء دولة عمر .. حيث انفرط عقد الصحابة ، وتفرقوا في الأمصار ، وتفرغ الرواة لوضع الأحاديث المنحولة .. ونسبتها إلى الرسول .. تمهيداً للإمبراطوريات الوراثية ، والاستبداد الموروث ، والمورث ، وإلى آخره .. من فتن وانهيارات ..

( 127 )

لقد تعددت الروايات ، إذن ، حول الأيام الستة التي خلق الله فيها ، الكون ، وما فيه قبل أن يستوي على العرش في اليوم السابع ، ونحن لسنا في وارد ملاحقة تلك الروايات المتناقضة حول ترتيب الخلق ، وماذا خلق أولاً ، وكيف ..؟ ، وكيف يحسب الزمان ، وتحسب الأيام .. تقول إحدى تلك الروايات منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق مدينتين أحداهما في المشرق ، والأخرى بالمغرب ، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد ، من نسل مؤمنيهم ، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود ، من نسل الذين آمنوا بصالح ، أسم التي بالمشرق بالسريانية (مرقيسيا ) ، وبالعربية ( جابق ) ، واسم التي بالمغرب ، بالسريانية : ( برجيسيا ) ، وبالعربية (جابرس ) .. ومن ورائهم ثلاث أمم : منسك ، وتافيل ، وتاريس ، ومن دونهم يأجوج ، ومأجوج .. وأن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء فيهم الأحمر ، والأسود ، والأبيض ، وبين ذلك ، وكذلك ، السهل ، والحزن ، والخبيث ، والطيب ، ثم بلت طينته حتى صارت طيناً لازباً ، ثم تركت حتى صارت حماً مسنوناً ، ثم تركت حتى صارت صلصالاً – ثم نفخ فيه من روحه ، وسجدت له الملائكة ، إلا إبليس فطرد من الجنة ، وأسكن فيها آدم ، بعد أن علمّه الله الأسماء كلها ، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ، ولأم مكانها لحماً ، وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك حواء ، قالت الملائكة : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء ، قالوا : لماذا سميّت حواء ، قال : لأنها خلقت من شيء حي .. ثم .. إلى آخر الرواية .. بترتيب بعثة آدم ، وحواء إلى الأرض بعد أن تاب عليهما الله واستخلفهما على الأرض . لمواجهة إبليس المتمرد ، حيث هبط آدم على قمة أعلى جبل في الأرض ، وهو جبل ( بوذ ) في الهند ، وهبطت حواء بأرض مكة ، أما إبليس ، فهبط بميسان ، والحية هبطت بأصفهان ..نثبّت ، هنا ، رأينا ، أن الله سبحانه وتعالى لم يطرد آدم ، وحواء من الجنة ، وهو غاضب عليهما ، كما هو شائع ، وإنما استخلفهما في الأرض بعد أن قبل توبتهما ، ووضعهما في امتحان بمواجهة إبليس .... ، وذكر أن آدم حينما هبط على الجبل كانت رجلاه على قمة الجبل ورأسه في السماء ، يسمع دعاء الملائكة ، وتسبيحهم ، فكان آدم يأنس بذلك ، ويتدخل أحياناً في عمل الملائكة ، وكانت الملائكة تهابه ، وتخشى أن يفسد نظام عملها ، فشكت أمره إلى الله تعالى الذي أنقص طوله إلى ستين ذراعاً ، فحزن آدم لذلك ، وشكى أمره إلى الله تعالى فقال له : يا آدم إني أنزلت ياقوتة من ياقوت الجنة لتكون موضع البيت في مكة ، فارحل إليه ، تطوف به ، كما يطاف حول عرشي ، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي ، وهناك تجد حواء .. فانطلق آدم إلى مكة ، وجاء في طلب حواء التي كانت تسعى بين الصفا ، والمروة حتى اجتمعا ، فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت "المزدلفة" ، وتعارفا بعرفات فلذلك سميت "عرفات" ، واجتمعا بجمع ، فلذلك سميت "جمعاً" ، ثم بنى البيت على الياقوتة بحجارة من خمسة جبال : من طور سيناء ، ومن طور زيتون ، ومن جبل اللكّام ، ومن جبل الجودي ، و بنى قواعده من حجارة جبل حرّاء .....، ثم قتل قابيل أخاه هابيل ليتزوج أخته ( قليما ) .. وليكن ذلك أول دم يسفك بين الناس ، ومن أجل امرأة حسناء ، ثم تتوالى الروايات إلى شيث ، وأدريس ، وصحائفه . فإلى نوح ، والطوفان .. الذي بدأ بفوران تنور حواء في بطاح مكة ، عقاباً على طغيان العلاقات غير الشرعية بين رجال بني شيث ، وحسناوات بني قابيل ، ومن ثم انطلاق سفينة نوح بحمولتها وأولاده الثلاثة سام ، وحام ، ويافث ، إلى جبل الجودي في أقصى بلاد العرب شمالاً ، بعد أن طافت البلاد طولاً ، وعرضاً .. ثم طفت الياقوتة بعد الطوفان في مكان الكعبة .. ليجدد إبراهيم بناء البيت الحرام عليها .. في مكة ، بعد أن كان جدّه نوح قد قسم الأرض بين أولاده أثلاثاً : فجعل لسام وسط الأرض ، وفيها بيت المقدس ، والنيل ، والفرات ، ودجلة ، وسيحان ، وجيجون ، وفيشون ، وذلك ما بين فيشون ، إلى شرق دجلة ، وما بين منخر ريح الجنوب ، إلى منخر ريح الشمال .. ، وجعل لحام ، قسمة غربي النيل ، فما وراءه إلى منخر ريح الدبور .. وجعل ليافث ، قسمة ، من فيشون فما وراءه ، إلى منخر ريح الصبا .. فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ، وموسى ، إلى مبعث عيسى بن مريم إلى مبعث خاتم النبيين محمد بن عبد الله .. وقال ابن عباس ، أن سام كان في ولده بياض ، وأدمة ، وحام كان في ولده سواد ، وبياض قليل ، ويافث كان في أولاده شقرة ، وحمرة .. وتختلف الروايات حول قوم نوح وتقول أبرزها أنهم كانوا من جماعة الضحاك ، ويقول أهل اليمن أن الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج ، كان يعتقد أنه ملك الدنيا كلها ، وأنه نصّب على مصر أخاه سنان بن عبيد بن عويج ، وهو أول الفراعنة ، وأنه كان فرعون مصر حين قدمها إبراهيم الخليل ، وأما الفرس فيطلقون عليه ( بيوراسب ) وكان ينتقل بين اليمن ، وبلاد ما بين النهرين .. وتقول الروايات أن سام بن نوح هو أبو العرب ، وفارس ، والروم ، وأن حام هو أبو السودان ، وأن يافث أبو الترك ، ويأجوج ، ومأجوج ..ويسلسل النسّابة العرب أولاد سام بن نوح ، منهم من تيامن إلى اليمن فسميت اليمن ، ومنهم من تشاءم إلى الشام ، وسميت الشام ، ثم أولاد حام بن نوح في مصر ، والنوبة ، والسودان ، وبلاد المغرب العربي الأقصى .. ، وقد أهلك الله العرب العاربة ، وهم قوم عاد ، وقوم ثمود ، ويطلق عليهم العرب البائدة .. وتضيف الروايات أن الملك باليمن صار بعد بلقيس ، إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي لقبّ " ياسر أنعم " لإنفاقه عليهم بما قوى ملكهم ، وأن ياسر هذا سار بجيشه نحو المغرب العربي ، حيث أقام عند أقاربه في فلسطين ، وتزوج منهم امرأة كانت تدغم الحروف ببعضها البعض فقال لها كفي ّ عن البربرة ، فذهب عليها هذا اللقب ، ثم اصطحبها معه في رحلته إلى المغرب ، ويقال أنها أم البربر وأنهم كنّوا بلقبها ،ثم توغّل في بلاد المغرب حتى بلغ وادي الرمل ( ويعتقد أنها الصحراء الأفريقية الكبرى ) ، ولم يبلغه أحد قبله ، فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازاً ، لكثرة الرمل ، فبينما هو مقيم عليه ، إذ انكشف الرمل ، فأمر رجلاً من أهل بيته يقال له – عمرو – أن يعبر ، هو ، وأصحابه ، فعبروا ، ولم يرجعوا ، فلما رأى ذلك أمر بنصب من النحاس ، ثم نصبه على صخرة على شفير الوادي ، وكتب في صدره بالخط المسند : " هذا النصب لياسر أنعم الحميّري ، وليس ورائه مذهب ، فلا يتكلفنّ ذلك أحد ، فيعطب " ، وقد خلفه " تبّع " على الملك في اليمن ، فاتجه شمالاً ، وشرقاً باتجاه الأنبار ، وعندما احتار أين يتجه ، أقام ، وسمي المكان بالحيرة ، ثم توجه إلى الموصل ومن ثم إلى أذربيجان ، وقدمت له الهدايا من الهند ، ثم حمل حملته الثانية باتجاه الصين ، ويقال ، أنه ترك في " التيبت " أثني عشر فارس من حمّير ، فهم أهل التيبت اليوم ، وهم ينسبون أنفسهم إلى العرب ..

( 128 )

بغض النظر عن مدى دقة تلك الروايات ، فإن المؤكد ، أن الموجات البشرية كانت دائمة الحركة في الاتجاهات كلها ، بعضها معروف لدينا ، وبعضها الآخر مازال مجهولاً .. على أية حال ، فإن هذه الأرض العربية كانت موطناً للأنبياء ، والرسل ، والجماعات البشرية المذكورة في الكتب السماوية ، وبالتالي ، فإن تاريخ تلك الرسالات ، والجماعات البشرية ، وتحركاتها ، وتطور عقائدها ، ومجال نشاطها . هذا كله جزء لا يتجزأ من تاريخ العرب .. ولعل هذا ما يميز علاقة العرب بالديانات السماوية ، عن علاقة الأمم ، والشعوب الأخرى ، بالديانات السماوية ، فالعلاقة هناك هي علاقة إضافة عقائدية ، دينية ، إيمانية لتلك الشعوب ، أما هنا ، في الوطن العربي ، فإن العلاقة ذات شقين متكاملين ، ومتلازمين عبر الزمان . الأول ، أن الأنبياء ، ورسالاتهم ، والجماعات البشرية التي ينتمون إليها ، سواء منها التي صدّقت ، وآمنت ، أو التي كذبّت ، وحاربت ، ورفضت .. هؤلاء جميعاً يشكلون التاريخ الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي ، والثقافي ، والإثني ، للأمة العربية ، حيث تداخلت جميع تلك التكوينات في التكوين الحضاري ، والإنساني للأمة العربية ، إلى درجة لا يمكن معها فصل ما هو تاريخ الأديان ، عن التاريخ الشامل للجماعات البشرية التي تكونت منها في النهاية الجماعة البشرية العربية .. أما الثاني ، فهو أن الانتماء للأديان يتميز عن الانتماء الوطني ، والقومي ، بأنه انتماء عقائدي غير محدود من حيث المكان ، والأوطان ، وهو عابر للقوميات ، وللجماعات البشرية ، وهذا ، بما يتعلق بالديانات السماوية التي انطلقت من الوطن العربي ، إلى العالم ، قد ينعكس على الواقع العربي إيجاباً ، أو سلباً حسب واقع الحال ، في المركز العربي مصّدراً للرسالات السماوية ، والحضارات ، أو متلقياً للغزو الخارجي تحت رايات تلك الرسالات السماوية ذاتها بعد تهجينها ، وإلا ما علاقة المسيحية ، بالغزو الصليبي ، والاستعمار الأوروبي ؟ ، وما علاقة الإسلام بالغزو التتري ، والمغولي ، والصفوي ، والعثماني ؟ ، وما علاقة اليهودية بالحركة الصهيونية التي أسستها الرأسمالية الأوروبية للسيطرة على الوطن العربي ..؟ ، ثم أن الأمر لم يقتصر على الغزو الخارجي ، وإنما تم اختراق تلك الرسالات السماوية بطقوس ، وأفكار ، وعقائد لا تمت إلى جوهر تلك الرسالات بصلة .. بل أدت إلى استنساخ التوحش في أحيان كثيرة ، للتعامل بين البشر ، ذلك التوحش الذي جاءت الرسالات السماوية ، في الجوهر ، لتخليص البشر من شروره الشيطانية أصلاً ..

( 129 )

لقد تحدثنا عن الحضارات القديمة ، والديانات القديمة في الجماعات البشرية التي تقطن الوطن العربي ، سواء مستقرة ، أو متنقلة ، وأشرنا إلى الهياكل ، والآلهة التي تم تجسيدها بالنباتات ، أو بالحيوانات ، أو بالتماثيل ، والصروح الضخمة ، فمن أين جاءت فكرة تجسيد تلك الآلهة على الأرض..؟ ، وكيف بدأت تلك الصروح الضخمة المنتشرة في أرجاء الأرض شرقاً ، وغرباً ..تحاكي السماء وتتضرع إليها طلباً للرزق ، والمغفرة ، ويقدم إليها البشر القرابين ، والأضحيات ..

لعل أقدم ما وصل إلينا ، عن هذه المسألة ، هو ما تركه الصابئة ، من قصّ ، وعبادات ، تعود إلى ما قبل الحضارات المعروفة في التاريخ البشري العام ، أو ما يطلق عليه في التاريخ العربي الخاص ، العرب البائدة ، والحديث عن الصابئة حديث ناقص ، وغير محسوم بطبيعة الحال ، لأسباب تتعلق بالسرية ، والكتمان الشديدين ، بحيث يمكن القول أنهم ربما كانوا أقدم تنظيم سري في التاريخ البشري ، لأنهم يكتمون دينهم ، أشد الكتمان ، ولا يرون دخول الناس فيه ، وإنما هم على مذهب " جرى القلم وأغلق الباب " ، وهم يقولون أن مدبّر هذا الكون ، وخالقه ، هو المتمثل ، بالكواكب السبعة ، والنجوم ، عند ظهورها ، ولما أرادوا أن يعبدوها عند غروبها ، لم يكن لهم بد من أن يتصوروا الكواكب ، ويجسدونها فصنعوا لها التماثيل ، والأصنام التي ترمز إليها ، وانصرفوا لعبادتها ، حين أفول النجوم ، ومن هنا جاءت عبادة الأصنام ، والهياكل .. ولما بعث إبراهيم الخليل حطمّ أصنامهم وقال كما جاء في قوله تعالى : " لا أحب الآفلين " فانقسموا إلى جماعات عدة ، وعنهم أخذت الجماعات البشرية ، والحضارات المعروفة ، عبادة الأصنام ، وتصنيع الآلهة ، ومن الصابئة من اعتقد بعبادة الكواكب لدورانها ، وهم القائلون بالأكوار ، والأدوار ، فالمعبود واحد ، وكثير ؟، أما الواحد والوحدانية ففي الذات والأزل ، وأمّا الكثرة ـ فلأنه يكثر بالأشخاص ، ومنهم ، من أقرّ بنبوة إبراهيم الخليل ، ومنهم من قال أن الحق بين شريعة إدريس ، وشريعة نوح ، وشريعة إبراهيم ، ومنهم من التحق بشريعة المسيح ، ومنهم الدعاة إلى شريعة النبي محمد بن عبد الله ، ومنهم ، من بقي على معتقداته السابقة .. لكن لابد من الاعتراف أن رموزاً هامة من بينهم كانوا أبداً باحثين وحواريين يجولون العالم بحثاً عن ما يعتقدون انه الحقيقة الإلهية ، وقد دخل الكثيرون منهم في المسيحية ، والإسلام حتى أنه يطلق الصابئون على من ينتقلون من دين إلى آخر ، أو يصبأون من دين إلى آخر ، وقد ذكر الصابئة في القرآن الكريم في ثلاثة مواقع :

- " إن الذين آمنوا ، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

- " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

- " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد "

ويعتقد الصابئة " المندائية " أن الخالق واحد ، أزلي ، أبدي ، لا أول لوجوده ، ولا نهاية له ، منّزه عن عالم المادة ، والطبيعة ، لا تناله الحواس ، ولا يفضي إليه مخلوق ، وأنه لم يلد ، ولم يولد ، وهو علة وجود الأشياء ، ومكونها ، ويلي الإله في المنزلة 360 شخصاً خلقوا ، ليفعلوا أفعال الإله ، إلا أنهم ليسوا آلهة ، ولكل منهم مملكة في عالم الأنوار .. ناداهم الله فخلقوا ، وتزوجوا بنساء من صنفهم ، وأصبح لهم أولاد ، وبنات ، ولكن نسلهم هذا ليس ثمرة زواجهم ، لأن الواحد منهم كان يلفظ كلمة معينة ، فتحمل امرأته فوراً ، وتضع واحداً منهم .. وهكذا .. ثم يعتقدون أن المخلوق الأول الذي خلقه الله كان شخصاً روحانياً ، يدعى الحي القديم ، وقد خلقه الله ، وخلق معه عوالم كثيرة ، مملؤة بالنفوس المقدسة ، ثم خلق الحي الثاني ، والثالث .. وتلك النفوس تنقسم حسب رتبهم بين عوام " لا يعرفون شيئاً " ، وملوك " يملكون السر العظيم " ، ثم خلق سبعة عوالم ظلام تستمد نورها من الشمس ، والأرض من جملة تلك العوالم السبعة ، أما هيئة الأرض فهي عندهم مدورة ، ثابتة غير متحركة ، ولها حركة خاصة ، وهي مقامة على هوائين ، خارجي ، وداخلي ، وتحت الأرض ماء انبسطت عليه ، فلما أتم الله خلق الأرض أنزلت الملائكة من عالم الأنوار بذوراً ، وأشجاراً ، وفتحت طريقاً للهواء ، ولماء الحياة .. وتتكون السماء من سبع طبقات تقع الشمس في الطبقة الرابعة ، والقمر في السابعة ، والأرض ، والسماء مركبتان من مادتين هما : الماء ، والنار ، وكذلك جميع المخلوقات الحيّة ، أمّا آدم ، فهو أول الرجال ، خلقه الله على صورته حيث أنزل جبرائيل إلى الأرض ، فخلقه من التراب ، وخلق من ضلعه الأيسر ، زوجته حواء ، ثم أنزل الروح القدس في جسمي آدم ، وحواء وأمر الملائكة أن يعلمّوا آدم كل ما في الدنيا من صنائع ، وحرف ، ومهن ، وأجراء المياه ، ووضع عدد السنين ، والأشهر ، والأيام ، والأوقات ، وغير ذلك ، وأنزلت عليه الكتب المقدسة ، التي فيها فروض العبادة ، ثم أمر الله ، ملائكة النار ، بالسجود لآدم فسجدوا ، إلا إبليس ، فلعنه الله ، وطرده من الجنة ، ثم جرى التناسل بين آدم ، وولده ..

ولنشوء فكرة السر ، والعلن بين الصابئة ، أثر كبير ، فهم يرون أن لكل كائن ، وجودين : علني ، وسري ، وللكون ، أيضاً ، وجودان ، كون سري ، وكون علني ، هو الأرض ، وقد اعتمدوا على ذلك ، للتخلص من قضية زواج الأخوة في بدء الخليقة ، فقالوا بوجود آدم سري ، وآدم علني ، وأن لكل منهما ولد ، وبنت ، فجمع حبرائيل في العالم المنظور بينهما ، وزوج كل من الولدين بأخت الآخر ، ليتم التناسل البشري بطريقة مشروعة ، والصابئة تدعّي أنهم من أولاد آدم غير المنظور ، وابنة آدم المنظور ...

وقد مر الصابئة بأدوار متعاقبة من " عبادة الأجرام " إلى " عبادة الأصنام" ، والرموز ، والأوابد ، إلى " التحليل ، والتعليل ، والفلسفة ، " إلى " يوحنا المعمدان وما بعده " ، ثم تفرقوّا بين أصحاب الروحانيات ، أو الهياكل ، أو الأشخاص ، أو الحيلولة ، على ما بينهم من فروق .. ، وصبأوا من دين إلى آخر .. حتى أن العرب أطلقت الصابئي على كل من اعتنق دين جديد ، بما في ذلك الذين انتقلوا إلى الدين الإسلامي الحفيف ..

( 130 )

كان لابد من هذا الحديث عن الصابئة ، كمدخل للحديث عن الديانات السماوية الثلاث الأخيرة ، ذلك أن الديانات السماوية كانت ضمن السياق التاريخي لتطور الجماعات البشرية في الوطن العربي ، وتطور أفكارها ، وعقائدها ، ودياناتها ، وتلبية لحاجات التطور ، والتجاوز ، "الله أعلم حيث يجعل رسالته" ، فالجنة كانت على الأرض ، كما اعتقد العرب القدماء ، ومكانها تحديداً كان الخليج العربي قبل الطوفان ، حيث كان يجري فيه نهري دجلة والفرات ، وكانت المنطقة جنة غناء من عدن إلى أور ، وقد شهدت هذه المنطقة لقاء آدم ، وحواء ، وصراع قابيل ، وهابيل ، وهجرة أولادهما شمالاً ، وجنوباً ، وكذلك سلسلة الأنبياء إلى طوفان نوح ، ومن ثم إلى إبراهيم الخليل الذي حطم أصنام قومه ، وعبر بأسرته من أور في العراق ، إلى فلسطين ، إلى مصر ، ثم إلى فلسطين ، ثم إلى مكة ، مع ما رافق ذلك من صراعات ، وأحداث .. وهي ذات الموطن للجماعات البشرية العربية ، عشائر ، وقبائل ، وشعوب ، وحضر ، ومدر ، ووبر ، وبدو .. ونحن لسنا في مجال التفصيل ، أو الدخول في مماحكات مع أحد حول التفسير ، والتأويل ، فذلك القصّ متاح من مصادره لمن يريد ، كما أننا لن ندخل في الخلافات التي ينسبها المحدثون لأولاده من الأنبياء ، إسماعيل ، ويعقوب ، إلى يوسف ، وموسى ، إلى عيسى ، ومحمد عليهم السلام جميعاً .. فنحن نرى في تلك الرسالات التي حملوها إلينا كل متكامل جاءت في سياق واحد من التطور البشري وكل منها يتناسب مع واقع الحال في المرحلة التاريخية الخاصة ، به . ففي كل من تلك الرسالات ، فصل يتعلق بالمرحلة التاريخية المحددة ، لكل واحد منهم ، وفصل آخر يتعلق بالرؤية الاستراتيجية العقائدية ، ولهذا نقول أن ما يتعلق بالصراعات المرحلية ، قد انقضى بانقضاء أسبابها ، وظروفها ، وبانقضاء أجل أطرافها .. فالخصومة تنقطع بالوفاة ؟، أما ، ما يتعلق بالرؤية الاستراتيجية العقائدية ، فهذا ما يبقى للعمل به ، وهذا تحديداً ما يستدعي الحوار المعمق حوله ، والتنادي إلى كلمة سواء حوله ، والخلاف لا يفسد للود قضية . فقط ، نؤكد هنا أن الديانات السماوية التي حملها الرسل تنطلق من مبدأ أساسي متفق عليه ، وهو مقاومة الظلم ، فقصص الأنبياء جميعاً تبدأ ، وتنتهي بمقاومة الظلم ، والظالمين ، وبالتالي ، فإن المعيار الأساس للاتساق مع تلك الرسالات ، هو تحريم الظلم للآخر ، تحت أي اعتبار ، أو ظرف ، والتبرؤ من الظالمين من أي طرف ، ولأي طرف كان الانتماء ، وهذا يستدعي صياغة عقد إنساني لا يحرم الظلم بين بني البشر ، وحسب ، وإنما ينص صراحة على أن الظلم لا يبرر الظلم المضاد ، فالظلم يواجه بالعدل وإحقاق الحق .. ، وليس بالدعوة للثأر الهمجي ، ونؤكد ثانياً ، أن تلك الرسالات ، من حيث المكان ، والزمان متسلسلة نامية باتجاه العدالة الإنسانية ، والمساواة بين البشر ، وقد نصت الرسالة الختامية في القرآن الكريم على ذلك " الله اعلم حيث يجعل رسالته " وأكد ذلك الرسول الخاتم للأنبياء " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وهكذا جاءت النصوص صريحة في القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، أن الإسلام هو الرسالة الختامية ، لرسائل سبقته ، لها كافة مفاعيله ، وأحكامه ، ونؤكد ثالثاً ، أن محاولات تحديد بدايات للحق ، والعدل ، والصراع مع الباطل ، في مرحلة تاريخية معينة ، محاولات فاشلة ، فصراع الحق ، والباطل بدأ مع الإنسان ، وربما يرافقه إلى أيامه الأخيرة ، وفي الخطاب الديني السماوي ، بدأ منذ قابيل ، وهابيل .. واستمر عبر الزمان .. وهذا يستدعي تهذيب الخطاب الديني ، وتصويبه ، والكف عن القذف ، والرمي بالكفر للآخر ، والكف عن استخدام مصطلحات ترمي بالجهل المطلق على المراحل التاريخية لظهور هذا النبي ، أو ذاك .. يكفي هنا أن ندعو للتبصر في هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم : " ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا .." .. ألا يعني هذا ، أنه قد سبق المؤمنين بالإسلام ، مؤمنين ...؟ ، وبالتالي ، فليس هناك عصر جاهلي ، وعصر إسلامي ، ففي العصر الذي يدعّون أنه "جاهلي" ، مؤمنين ، وغير مؤمنين ، وفي العصر الذي يسمونه إسلامي كذلك ، هناك مشركين بالله ، وجاهلين بالله .. ومؤمنين ، وتلك صفات تطلق على من تنطبق عليه ، في كل العصور .. ، ولا تطلق على عصر بعينه .. فهذا ظلم ، والله لا يحب الظالمين .

( 131 )

دعونا نعود باختصار شديد إلى قصة الخلق في التوراة ، ننقلها من "سفر التكوين" بتصرف : " في البدء خلق الله السموات ، والأرض ، وكانت الأرض خالية .. وعلى وجه القمر ظلام . وقال الله " ليكن نور " فكان نور .. وفصل الله بين النور ، والظلام ، وسمىّ الله النور نهاراً ، والظلام ليلاً .. وقال الله "لتجتمع المياه التي تحت الأرض إلى مكان واحد ، وليظهر اليبس " ، فكان ذلك ، وسمى الله اليبس أرضاً ، ومجتمع المياه بحاراً .. وقال الله " لتنبت الأرض نباتاً " ، وقال الله " ليكن في جلد السماء نيرات تفصل بين النهار ، والليل ، وتشير إلى الأعياد ، والأيام ، والسنين " ، فتم خلق السماوات ، والأرض ، وجمع ما فيها ، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله . واستراح . وغرس الرب الإله جنّة في عدن شرقاً ، وأسكن هناك آدم الذي جبله .. وأوصاه : "من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، فيوم تأكل منها موتاً تموت" .. أوقع الرب الإله آدم في نوم عميق ، وفيما هو نائم أخذ إحدى أضلاعه ، وسد مكانها بلحم ، وبنى الرب الإله امرأة من الضلع التي أخذها من آدم ، فجاء بها إلى آدم ، فقال : هذه الآن عظم من عظامي ، ولحم من لحمي ... .، وكانت الحيّة التي أغرت المرأة للأكل من الشجرة فقالت لها : لن تموتا ، ولكن الله يعرف أنكما يوم تأكلان من ثمر تلك الشجرة تتفتح أعينكما ، وتصيران مثل الله تعرفان الخير ، و الشر .... إلى آخر القصة .، ثم كانت الوصايا العشر ، ومنها : "أنا الرب إلهك .. لا يكن لك آلهة سواي ..لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ، ولا صورة ... لا تسجد لها ، ولا تعبد ها .. لا تحلف باسم الرب إلهك باطلاً .. أذكر يوم السبت ، وكرسه له .. أكرم أباك ، وأمك .. لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، لا تشهد على غيرك شهادة زور ، لا تشته بيت غيرك ، لا تشته امرأة غيرك ، ولا عبده ، ولا جاريته ، ولا ثوره ، ولا حماره ، ولا شيئاً ممّا له .."

وهنا لابد أن نقف عند الوعد الذي قطعه الرب مع إبراهيم في التوراة : " لنسلك أهب هذه الأرض من نهر مصر ، إلى النهر الكبير ، نهر الفرات " ، و الصهاينة يقرأون هذا الوعد ، على أنه وعد لليهود ، وهذا مجاف للحقيقة التي جاءت في التوراة ذاتها .. فمن ، هم ، نسل إبراهيم .. ؟ ، نعود إلى النص : " قالت ساراي لإبرام " الرب منع عني الولادة فضاجع جاريتي لعل الرب يرزقني منها بنين : فسمع إبرام لكلام ساراي فأخذت ساراي امرأة إبرام ، هاجر المصرية جاريتها ، وأعطتها لإبرام لتكون له زوجة ، وذلك بعد أن أقام بأرض كنعان عشر سنين فضاجع إبرام هاجر فحبلت فلما رأت أنها حبلت صغرت سيدتها في عينيها ...فأخت ساراي تذلهّا حتى هربت من وجهها ، ووجد ملاك الرب هاجر على عين الماء التي في طريق شور ، فقال لها " يا هاجر كثيراً أجعل نسلك حتى لا يحصى لكثرته " وأنت حبلى وستلدين ابناً فتسمينه إسماعيل ، لأن الرب سمع صراخ عنائك . فنادت هاجر ، الرب الذي خاطبها ، قائلة : " أنت الله الذي يراني " لأنها قالت : هنا حقاً رأيت الذي يراني ، لذلك سميت البئر بئر الحي الرائي ، وهي بين قادش ، وبارد ، وولد لإبرام ، وهاجر ابناً فسماه والده ، إسماعيل .. وتراءى الرب لإبرام ، وقال : أنا الله القدير .. فوقع إبرام على وجهه ساجداً ، وقال له الله : هذا هو عهدي معك تكون أباً لأمم كثيرة ، ولا تسمى إبرام بعد اليوم ، بل تسمى إبراهيم ، لأني جعلتك أباً لأمم كثيرة ، سأنمّيك كثيراً جداً ، وأجعلك أمماً ، وملوك ، من نسلك يخرجون .. أحفظ عهدي ، أنت ، ونسلك من بعدك ، جيلاً بعد جيل ، أن يختن كل ذكر منكم ، فتختنون الغلفة من أبدانكم .. وفي ذلك اليوم ، اختتن إبراهيم ، وإسماعيل ابنه .. ، وتفقدّ الرب سارة ، فحملت ، وولدت لإبراهيم ابناً في شيخوخته ، فسماه إسحق ، وختن ابراهيم اسحق ، ابنه كما أوصاه الله .. ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يلعب مع ابنها اسحق ، فقالت لإبراهيم " اطرد هذه الجارية ، وابنها .. فساء إبراهيم هذا الكلام ، لأن إسماعيل ابنه أيضاً ، فقال له الله : لا يسؤوك هذا الكلام على الصبي ، وعلى جاريتك .. فمضت هاجر تهيم في الصحراء .. وسمع الله صوت الصبي ، فنادى ملاك الله هاجر من السماء ، وقال لها : "مالك ياهاجر؟ لا تخافي سمع الله صوت الصبي ، حيث هو . قومي احملي الصبي ، وخذي بيده ، فسأجعله أمة عظيمة .. إلى آخر الرواية .. "

لو أخذنا هذا النص ، كما هو بالضبط ، يتبين ما يلي :

أولاً : إن الوعد كان لإبراهيم خليل الله ، ولنسله من بعده .

ثانياً : إن نسل إبراهيم كان إسماعيل ، وإسحق .

ثالثاً : لا يمكن تفسير هذا الوعد بأنه كان لأحد ولدي إبراهيم دون الآخر ..وإسماعيل أبو العرب ، وهاجر أمهم ، وهذا مهم للذين ينكرون عروبة الأقباط ، فالعرب جميعاً يحملون نصف جيناتهم على الأقل من هاجر القبطية ...

يترتب على ذلك أن أي حديث عن وعد لأحفاد إبراهيم من امرأته سارة ، دون أحفاده من امرأته هاجر ، لا أساس له ، لا في التوراة ، ولا في أي كتاب سماوي .. ، وبالتالي فإن الحركة الصهيونية العنصرية مجردة من أي أساس ديني ..

( 132 )

عندما اشتد الصراع القبلي ، بين أبناء يعقوب ، وبينهم وبين الآخرين ، وعصوا الأنبياء المتعاقبين ، وتحالف الكهنة ، مع قوى الاحتلال الروماني ، ومع الأغنياء ، على إفقار الناس ، والتمسك بالعنصرية العائلية ، ظهر السيد المسيح ، يحمل راية العدل ، والمساواة ، والانعتاق من العائلية القبلية الضّيقة ، إلى الإنسانية الرحبة ، ليقول في الإنجيل :" لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة ، وتعاليم الأنبياء ، ما جئت لأبطل ، بل لأكمل .. لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه ، إما أن يبغض أحدهما ، ويحب الآخر ، وإما أن يتبع أحدهما ، وينبذ الآخر ، فأنتم ، لا تقدرون أن تخدموا الله ، والمال .. لا تدينوا ، لئلا تدانوا ، فكما تدينون ، تدانون ، وبما تكيلون ، يكال لكم ، لماذا تنظر إلى القشة في عين أخيك ، ولا تبالي بالخشبة في عينك ؟ عاملوا الآخرين ، مثلما تريدون أن يعاملوكم ، هذه هي خلاصة الشريعة ، وتعاليم الأنبياء .. الويل لكم يا معلمي الشريعة ، والفريسيون المراؤون ، تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا تتركون الداخلين ، يدخلون ، الويل لكم يا معلمي الشريعة ، والفريسيون المراؤون ، تأكلون بيوت الأرامل ، وأنتم تظهرون أنكم تطيلون الصلاة ، سينالكم أشد العقاب ، الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراؤون تبنون قبور الأنبياء ، وتزينّون مدافن الأتقياء ، وتقولون لو عشنا في زمن آبائنا لما شاركناهم في سفك دم الأنبياء ، فتشهدون عل أنفسكم ، بأنكم أبناء الذين قتلوا الأنبياء ، فتممّوا انتم ما بدأ به آباؤكم .. ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله .. ياأبنائي ، ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله ، فمرور جمل في ثقب إبرة ، أسهل من دخول الغني إلى ملكوت الله .. "

فتشاور جميع رؤساء الكهنة ، والحاكم الروماني ، وتآمروا على يسوع المسيح ، ليقتلوه ، ثم قيدهّ الكهنة ، وأخذوه ، وسلموه إلى الحاكم بيلاطس . فجلده ، وأسلمه ليصلب .. وسواء صلب ، أو شبه لهم ، فإن النتيجة واحدة ، موضوعياً ، لأن الذين قالوا بصلبه ، يرددون الآن ، كل يوم " أنه قام ، حقاً قام " من بين الأموات ..

( 133 )

بغياب المسيح ، وتفرق حوارييه في كافة الاتجاهات ، تفاقمت الأوضاع الاجتماعية ، ولم يحّد من ذلك ، أن إمبراطور الفرنجة اعتنق المسيحية استجابة لنصيحة أحد مستشاريه تثبيتاً لدعائم سلطته ، وليردد الله واحد ، الامبراطور واحد ، وتفاقمت النزاعات حول طبيعة السيد المسيح ، طبيعة واحدة ، أم طبيعتين ، وتعددت الكنائس نسطورية ، يعقوبية ، أرثوذكسية ، كاثوليكية ، بروتستانتية ، وإلى آخر الطوائف التي ظهرت حتى الآن ..

لم يكن الصراع دينياً بحتاً ، كان في الأساس صراع سياسي اجتماعي تحرري ، كانت الكنائس العربية في مصر ، والشام ، والعراق ، وأرتيريا ، ونجران ، ونصارى الجزيرة العربية ، وفلسطين ، تنشد التحرر من الظلم ، والسيطرة ، والاحتلال الأجنبي ، والتمسك بتعاليم الحرية ، والتسامح ، والانعتاق من طغيان العنصرية ، والمال ، تلك المباديء التي قضى السيد المسيح على محرابها ، فالجماعات البشرية التي كانت تنزاح في المنطقة العربية ، من الغرب إلى الشرق ، ومن الجنوب إلى الشمال ، تجد نفسها محاصرة ، باحتلال الروم من الغرب ، والشمال ، ولم يغيّر اللبوس الديني الجديد ، شيئاً من طغيان القياصرة ، كما أن إعلان الولاء من قبل القبائل ، والجماعات البشرية العربية في المشرق العربي ، للفرس لم يخفف من طغيان الأكاسرة ، ولم يكن أمام القبائل ، والجماعات العربية ، إلا إعلان الولاء لقوى الهيمنة الخارجية ، التي باتت تتدخل حتى في اختيار رؤساء العشائر ، والقبائل ، وتقوم بتعيين الحكام ، الفرس يتحكمون بالجماعات البشرية العربية في العراق ، والخليج ، والبحرين ، واليمامة ، ويتناوبون حكم اليمن مع الأحباش ، والروم يتحكمون بالجماعات البشرية في بر الشام ، ومصر ، ولوبيا والمغرب العربي .. في هذا الوقت كانت هناك مساحة عربية عصّية على السيطرة الأجنبية ، وهي مكة ، وإلى حد ، ما ، يثرب ، في الجزيرة العربية ، كانت مكة قد تحولت قبلة للاجئين السياسيين ، والدينيين الهاربين من الطغيان ، وتحولت بطاح مكة إلى خليط من جماعات بشرية متعددة الأرومات ، من اليمن ، والشام ، ومصر ، والمغرب .. بل ، وحتى من المتمردين على الطغيان في بلاد فارس ، وبلاد الروم ، وبلاد الأحباش ، من سلمان الفارسي ، إلى صهيب الرومي ، إلى بلال الحبشي ، وكانت حركات التململ قد بدأت تظهر في حيرة المناذرة ، وبصرى الغساسنة ، وزنوبيا تدمر .. وابنة خالتها كليوباترة مصر ، ثم أخذ التمرد شكلاً أكثر تبلوراً مع وقفة حنظلة الشهيرة في "ذي قار" عندما تحدى رؤساء القبائل ، والعشائر الذين كانوا قد قرروا الهروب من وجه جيوش الفرس فتحّداهم أنه سيواجههم ، ولو بمفرده مع عائلته ، وأولاده ، فاضطروا للصمود ، وكانت موقعة "ذي قار" الشهيرة ، التي تجاوز فيها العرب تشكيلاتهم القبلية ، إلى الوحدة المجتمعية ، وكان ذلك أهم الدروس بأن طريق العرب إلى الحرية يمر عبر تجاوز العلاقات ما قبل القومية ، إلى وحدة الأمة ، ثم كانت محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة ، ومن ثم حلف الفضول .. إلى تفاصيل لا يتسع لها المقام هنا .. هذا كله شكل الحاضنة الواقعية " الأرضية " ، لتلقي رسالة السماء ، التي كلف بتبليغها ، محمد بن عبد الله .. بن .. بن إسماعيل .. بن إبراهيم .. ، "والله أعلم حيث يجعل رسالته" ، وكيف ؟ ، ومتى ؟ ، وكادت مارية القبطية ، تكررها ثانية ، فقد ولدت لمحمد بن عبد الله ، ابنه إبراهيم ، لكن لله ، حكمته ..!

( 134 )

لقد كانت الرسالة الجديدة استكمالاً للرسالات السماوية السابقة ، بل ، واستكمالاً للنسغ الإيجابي في التاريخ العربي ، والإنساني الذي يضخ العدالة ، والمساواة ، والأنسنة ، والحضارة ، في مواجهة التوحش ، والظلم ، حتى أن ذلك اعتبر من مصادر أصول الفقه تحت عنوان ( شرع من قبلنا ) .. و كانت الرسالة الجديدة ، بالإضافة إلى بعدها الديني ، العقائدي ، استجابة واقعية ، لحاجات أرضية ملحة للإنسان ، خليفة الله على الأرض ، في دنيا العرب .. و تضمّنت حلولاً ، لمشلات الفرقة ، والتعصب القبلي ، لتجاوز الأوضاع التي ثبت عجزها في مواجهة الظروف المستجدة ، والحصار المطبق من سائر الجهات ، وبالتالي لابد من الانتقال بالجماعات البشرية من العشائرية ، والقبلية ، والشعوبية ، إلى الأمة الواحدة ، والوطن الواحد ..

ورغم أن الرسالة الجديدة جاءت في سياق الرسالات السماوية السابقة عليها ، إلا أنها تميّزت بتجريد ، يكاد يكون مطلقاً ، فالله الذي تصارع مع يعقوب ، وبث قبساً من روحه في مريم العذراء أطل في الرسالة الجديدة مجرداً من الصفات التي يعرفها البشر ، وبالتالي لا يمكن تصويره ، أو تشبيهه بالحجر ، أو بالبشر ، أو بأي شكل آخر ، وبالتالي فهو منّزه عن التجسيد ، في بشر ، أو حجر ، أو هيكل ، والرسول الذي حمل رسالته " ليس إلا بشراً مثلكم " ، مثلكم تماماً ، يمارس حياته ، يولد ، ويتزوج النساء ، وعندما ينقضي أجله ، يموت ، فقط ، يتميز ، بميزة وحيدة ، هي أنه مكلف بإيصال الرسالة التي يوحى بها إليه على فترات زمنية متوالية ، إلى البشر ، وحسب الحاجة ، والأهم من ذلك ، أنه خاتم النبيين ، أي أنه ، إيذان من الله سبحانه وتعالى ، أن الخطاب الإلهي المباشر ، للبشر ، قد انقطع بعد ذلك ، وأن على بني البشر ، أن يتدبّروا أمورهم ، اعتباراً من ذلك التاريخ ، على مسؤوليتهم الشخصية ، في الدنيا ، والآخرة ، لذا ، كان الرسول عندما يسأل عن أمور تتعلق بالغيب ، والماورائيات ، وماذا يحدث بعد الموت ، كان يجيب بذلك الجواب البالغ الدلالة : " الله أعلم " ، ذلك المصطلح الذي أخذه عنه الفقهاء الأولون . حيث كانوا يختتمون أي حديث لهم ، أو أي رأي ، ب " والله أعلم " واستمر ذلك في عصور النهوض ، والتوحد ، والاجتهاد .. لكن عصور الانحطاط ، والفتن التي تلت ، أنتجت نماذج من المدعيّن ، والحكام ، يرفعون أصابعهم في وجوه الناس ، ويدعّون أنهم يعلمون سر الأسرار ، ويفتون شرقاً ، وغرباً ، بأحكام قطعية ، تنال من جوهر الرسالة ..

إن السيرة العطرة ، للرسول خاتم الأنبياء ، تنبئ أن الهدفين ، السماوي ، والأرضي ، كانا متلازمين ، والمعارك مع المشركين ، والقبلية ، والعنصرية في مكة ، والمدينة ، والطائف ، وبلاد العرب ، كانت لتحضير ساحة المعركة ، وتوحيد الشعوب ، والقبائل ، لتحرير الأرض العربية من الغزاة ، لذا كان يصفح ، ويسامح ، ويتجاوز أشد الإساءات إيلاماً ، يتجاوز تهجيره من مكة ، ويتجاوز أن تلوك هند بنت عتبة كبد عمّه حمزة ، ويناشد أصحابه المحاصرين في يثرب أيام حصار الأحزاب ، إني أراكم في القصور الحمر في القسنطينية ، وفي القصور البيض في المدائن ، وفي قصور اليمن ، ويدخل مكة ، ويقول : أذهبوا فأنتم الطلقاء ، ويفك الحصار عن الطائف ، ليعود إلى المدينة ، ويجهّز الجيش الذي توحدت فيه قبائل العرب ليدفعه إلى الشام ، والعراق تحريراً للأرض العربية من الفرس ، والروم .. وتكون كلماته الأخيرة على فراش الانتقال إلى دار الحق ، لا تتعلق بالخلافة ، ولا بمن يحكم بعده ..

هل بات الجيش جاهزاً ..؟! .. هل تحرك الجيش ..؟!

( 135 )

أخيراً ، لنقف قليلاً ، عند قصة الخلق في الرسالة الختامية ، مقارنة مع ما جاء في الرسالات السابقة ، جاء في القرآن الكريم : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم * وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيثما شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ..* لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم * الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يبتغون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً * ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً * بشر المنافقين بان لهم عذاباً أليماً * لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً * إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ، أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً " .. دعونا نقول ، في ختام هذه الفقرة ، كم هو هام جداً قراءة الكتب السماوية ، بعيداً عن الطقوس ، قراءتها بعمق ، وعلم ، وتتبع أسباب النزول .. بالتزامن مع السيرة النبوية للرسل . لنتأمل فقط الآيتين الأخيرتين ، كم يكره الله الجهر بالسوء ، لكن الظلم مكروه أكثر بما لا يقاس ، ثم أن التفريق بين الأنبياء ، يستدعي العذاب المهين ..

إذا كان ما تقدم ، استعراض سريع ، وباختصار شديد ، لجوهر رسالات السماء فماذا يقول العلماء عن التكوين ، وتحولاته ، والتاريخ البشري ، وتطوره .. ؟!

( يتبع.... البيان ... " 26 " ... )



• حبيب عيسى

للاطلاع على حلقات سابقة من

على بساط الثلاثاء

اضغط الرابط

http://anssar.al-taleaa.net/

سليم حجار 06-04-2009 02:43

على بساط الثلاثاء54
 
على بساط الثلاثاء
54

يكتبها: حبيب عيسى


البيان.."28" الأخيرة...
الطليعة العربية
العقد



(تتمة ..."28 " ...البيان ... الأخيرة )


الطليعة العربية
***
العقد
***

تمهيد : في الأسباب الموجبة :

في الوطن العربي ، الآن ، ومع انقضاء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ، فراغ خلفهّ انحسار المشروع النهضوي التحرري القومي العربي المقاوم ، والمعاصر ، بل ، وانحسار مشاريع ، وإرهاصات مشاريع النهضة الاجتماعية ، والسياسية الأخرى على تنوعها ، واختلاف منطلقاتها ، وغاياتها من أول مشاريع الإصلاح الديني إلى آخر المشاريع الماركسية ، والليبرالية ، والنيوليبرالية مروراً بالمشاريع الإقليمية ، والمناطقية التي تجاوزت حدود الأمة أحياناً ، واقتصرت على أجزاء منها في أحيان أخرى ..
وبما أن الواقع الموضوعي للمجتمعات البشرية لا يطيق الفراغ ، فقد انتفخت ، وتورّمت المكونات الأساسية ، والتأسيسية للمجتمع العربي من أثنية ، ودينية ، ومذهبية ، وطائفية ، ومناطقية ، وإقليمية ، وعائلية تنبش القبور ، وتمتشق سيوف الثأر ، لكن لمن ..؟ .. ومن ، من ..؟ وبأية صفة ، أو ولاية ..؟ وكأن الزمان لم يتجاوز مجازر الزمن الغابر التي لم توفر جماعة ، ما ، من الفتك فيها ، كما أن تلك الجماعة عينها لم توفر الآخرين من الفتك فيهم ..؟ وكأن القتلة مازالوا أحياء يمكن الإشارة إليهم بالبنان في هذا العصر ..؟ وكأن دماء المقتولين مازالت حارة تسيل على الأرض تستصرخ الثأر .. ودق رؤوس القتلة ..؟!
وكأن المسألة لا تحتاج إلى الكثير من التوثيق ، والتحميص ، لتحديد هوية طالب الثأر ، وصفته ، وكذلك تحديد هوية المطلوب سفك دمه ، قبل أن تدق سيوف من لا ولاية لهم ، بإعتاق من لا جرم عليهم .؟!
لقد آن الأوان ، لوقف توظيف المكونات الإيجابية للمجتمع العربي ، والدماء الذكية للشهداء ، في خنادق الفتن ، والاستلاب ، وميادين القتل المجاني في محاولات مجرمة عابثة لإلغاء مراحل تاريخية تعاقبت خلالها أجيال عربية عديدة ، وتفاعلت فيها المكونات التاريخية للأمة أثرت ، وتأثرت ، وتجاوزت علاقات ما قبل المواطنة في أمة واحدة ، وشكلت أمة عربية واحدة ، مكتملة التكوين ، ولم ينتقص من ذلك كون هذه الأمة لم تتمكن حتى الآن من بناء نظامها السياسي الذي يتطابق مع حدود وطنها جغرافياً ، ومع حدود الأمة تاريخياً .. بفعل عوامل تخريب داخلي ، وغزو خارجي تم التناوب بينهما على مدى قرون مديدة ، على العكس من ذلك ، فإن ذلك يثبت أن هذه الأمة ضاربة الجذور في هذه الأرض ، وليست أمة مصطنعة تنهار بانهيار نظام سياسي ، أو إمبراطوري ، كما حدث ، ويحدث في هذ1 العصر الشديد التعقيد ...
إن التكوين القومي للأمة العربية لا يلغي المكونات التي تكونت منها ، وإنما يحتويها على تنوعها ، وتعدد مصادرها ، وأروماتها ، وأن تورّم بعضها ، أو انزواء بعضها الآخر مرتبط بظروف طارئة ، مما يدفعها للتصارع ، ومحاولة إقصاء بعضها ، بعضاً باحثة عن سند لها من قوى خارجية في الغرب ، أو في الشرق ، وهي تتغذى على الجموع التي تساقطت من المشروع النهضوي القومي العربي التقدمي ، الذي كان ملء الدنيا ، وبصرها ، نكوصاً ، أو يأساً ، أو إحباطاً ، أو حتى من الجموع المحبطة أملاً من البعض بتشكيل رافعة لمشروع التحرير ، والمقاومة ، والنهوض في هذه الأمة من خلال واحدة من تلك المكونات ، أو العناصر ، على الانفراد ، دون أن يدركوا أن تلك المكونات مثقلة بما لحق بها من عصور الانحطاط ، والفتن ، والاستبداد التي امتدت قروناً عديدة ، وأن الحل الوحيد لإخراجها من المأزق يكمن في انخراطها في مشروع نهضوي تنويري شامل يشملها جميعاً ، ويضع حداً لمشاريع الإقصاء ، والاستئصال ، والتكفير ، وبالتالي فإن محاولة تحميل واحدة من تلك المكونات الدينية ، أو المذهبية ، أو الطائفية ، أو الأثنية ، أو العائلية ، أو الإقليمية .... مشاريع للتحرير ، والمقاومة لن ينقذها مما هي فيه، ولن يقدم حلاً استراتيجياً لأزمة مشاريع التحرير والمقاومة .. وإنما سيؤدي إلى إضافة أزمات جديدة للحالتين معاً .
لعل أغلب الذين هربوا من مواجهة أزمات مشاريع النهوض ، والتنوير بعد أن أعيتهم الأسئلة الصعبة ، والهزائم المريرة ، باحثين عن حوامل جديدة لمشاريع المقاومة والتحرير ، قد أدركوا الآن ، أن تلك الحوامل ، الأثنية ، والمذهبية ، والطائفية ، والإقليمية لا يمكن أن تحمل مشروعاً تحررياً مقاوماً يحمل هوية الأمة ، وأحلامها ...في هذا العصر رغم النوايا الحسنة ، والإرادة الجهادية التي تجاوزت في بعض الأحيان إرادة الحياة ، وأدت بالكثيرين أن يحّولوا أنفسهم إلى قنابل موقوتة .. لكن ، وللأسف الشديد تنفجر ، في الغالب ، بأبناء الأمة ، وتقطع الطريق المؤدي إلى أهدافها ...، وتشوّه نقاء الدماء الذكية التي تواجه المعتدين ، والطامعين وهي للأسف الشديد أسيرة استراتيجيات ، وقوى إقليمية ، ودولية لا يعرف المفجرون لأنفسهم شيئاً عنها ، ولا يعرفون في أي رصيد ستثمّر دماءهم ...
بالمقابل كانت هناك قوى أخرى في الواقع العربي تطلق الزغاريد بانهيار المشاريع النهضوية في الوطن العربي ، وهي في الأساس تقاوم أي تجديد ، وتتمسك ، وتتغذى على الصراعات ، والفتن في الوطن العربي ، كل منها ينتمي إلى " الفرقة الناجية " وكل ما عداها إلى الجحيم ، تقتسم هذا الواقع ، فيما بينها ، وتتقاسمه قطاعات ، ومزارع ، ومداجن ، وآبار نفط يتوارثونها فيما بين بعضهم ، البعض .. تلك القوى على تنوعها ، بما في ذلك المشاريع الإقليمية ، والدولية التي تستثمر في تلك الجماعات ... لا تتصارع فيما بينها لتحقيق مشروع ، ما ، لهذه الأمة ، وإنما تتصارع لاقتسام هذه الأمة ، ووضع اليد عليها ، ونصيب كل فريق من الحصص ، والخصخصة ، فالأمة بالنسبة إلى تلك الجماعات ، محليين ، وإقليميين ، ودوليين مستباحة لمشاريعهم ، كل منهم يسعى للحصول على النصيب الأكبر .. وذلك الصراع قد يصل إلى حد الحروب الساخنة أحياناً ، أو الباردة أحياناً أخرى ، وبالتالي فهي حروب على الأمة ، وثرواتها ، وليست حروباً للأمة ، وإحقاق حقوقها ، وهذا يعني أنه من العبث أن ينقسم التحريريون المقاومون ، النهضويون في الوطن العربي بين هذا الفريق أو ذاك .. وإنما المطلوب التحالف بمواجهتهم معاً ..!
هنا يثور السؤال أين الشعب العربي من هذا كله ..؟ وإلى متى سيبقى مستلباً ، ووقوداً لصراعات هو الخاسر الوحيد فيها .. ذلك أن القوى المتصارعة قد تختلف نسبة جنيها للفوائد ، والأرباح .. لكنها جميعها رابحة من تلك الصراعات ..؟!
بما أن تضارب المكونات الأساسية للمجتمع العربي ، والصراعات فيما بينها لا يؤدي إلاّ إلى مزيد من الخراب ، والانحطاط ، وبما أن الفردية لن تكون مجدية في مواجهة مثل هذا الواقع المعّقد ، فإنه لا مخرج من هذا الوضع المأساوي ، إلاّ عبر المؤسسات الاعتبارية التي تنظم حركة الشعوب ، ذات النفع العام ، من أحزاب ، ونقابات ، واتحادات ، وجمعيات ، ومنتديات ... وبما أن الأحزاب هي المعنية بوضع البرامج ، وتحديد التوجهات ، والأفكار ، والاستراتجيات لممارسة مختلف النشاطات المشار إليها في العصر الحديث ، فإن الخطوة الأولى ، والمركزية تبدأ من أن يتوجه النهضويون العرب ، على مختلف توجهاتهم ، وتعددها إلى بناء مؤسسات حزبية حقيقية يتوفر لكل منها شخصية اعتبارية تتضمن ، وتوجّه وتؤطرّ النشاطات الفردية للكوادر ، وليس العكس ، أي أن لا تكون الأحزاب وكوادرها مطية لمطامع فرد ، أو مجموعة من الأفراد .. فالوطن العربي ، وبعد انهيار مشاريع النهضة ، والتنوير يكاد أن يكون عارياً من تلك المؤسسات الاعتبارية التي تنقل العلاقات بين الناس في المجتمع من الفردية ، وأطر ما قبل المواطنة ، إلى المواطنة الحّقة ، وبالتالي تشّكل صادات عن المجتمع ، وحصانة له من الاستلاب ، والاختراق ، والقطيعية ، فالأحزاب ، وأشلاء الأحزاب المنتشرة الآن في الوطن العربي يمكن تصنيفها في واحد من المصنفات الثلاثة التالية :
- المصنف الأول : أحزاب تمّثل مذاهب ، وطوائف ، وأعراق ، وهي مجرد مؤسسات شكلية ، تخفي وراء الستارة ، أياً كانت الأعلام ، والرايات ، تلك العلاقات المذهبية ، والطائفية ، والعرقية موضوعياً حيث القرار في مكان ، ما ، خارج تلك الأحزاب ..!
- المصنف الثاني : ويضم مؤسسات ، وأحزاب سلطوية ، تديرها الأجهزة السلطوية في الوطن العربي ، وهي بهذه الصفة فقدت ميزاتها الحزبية ، وتحولت إلى واجهة لأجهزة خفية تتعيش على موائد الحكام ، وتتنافس في الفساد ، والإفساد ، وتكوين رأسماليات طفيلية ، أو ما يسمى " رجال ، ونساء أعمال " لا يعرف أحد مصدر ملاينيهم يديرون شبكات مافوية بالغة التعقيد ...
- المصنف الثالث : ويضم أشلاء الأحزاب التي كانت ذات يوم ترفع شعارات نهضوية ليس لتغيير الواقع العربي وحسب ، وإنما لتغيير العالم .. وتلك الأحزاب بعد انهيار المشاريع النهضوية باتت مهشمّة ، وهامشية بعد أن انفضّت من حولها الجموع ، وبعد أن دفعت أثماناً باهظة في سجون الطغاة ، والمستبدين .. وبعد أن انزوت لعقود طويلة في أقبية العمل السري ، فغابت عن نظر الجماهير ، وباتت خارج التغطية الجماهيرية ..
هكذا فإن الشعب العربي في الأجزاء ، وفي الكل افتقد وسائل الحماية ، وإمكانية الفعل وبات الواقع العربي ساحة تتصارع على أرضه جميع القوى التي تستهدفه ، وغابت العناصر ، والقوى التي تحمل أهداف الأمة ، أو غيبّت ، وغاب السؤال الموضوعي : من أنا ..؟ .. من أنت .؟ .. الذي يحكم المجتمعات الحية التي تتمتع بالعافية ، وتحترم علاقات المواطنة ، وحقوق المواطنين الأساسية ، وتم استبداله بسؤال مشبوه ، مع مّن أنا ..؟ مع مّن أنت ..؟ ذلك أن السؤال الأخير يلغي الفاعلية ، ويحاصر المواطن في اختيار أن يكون أداة بيد هذا ، أو ذاك .. وغالباً ما يكون محكوماً بعلاقات متخلفة تكون حاكمة له تمنعه حتى من حرية الاختيار ...!
هذا الواقع الموضوعي ، والذاتي بمجمل تداعياته شّكل ، ويشّكل عناصر الأسباب الموجبة لهذه الدعوة الموجهة إلى جميع من يهمهم أمر مستقبل هذه الأمة العربية في الأجزاء ـ وفي الكل ـ لاستئناف مشاريع التحرير ، والنهوض ، والتنوير في الوطن العربي ..
خط البداية ، هو التحرر من إدعاء احتكار مشروع التحرير ، والنهوض ، والتنوير فالطريق إلى هذا كله عريض .. ويستدعي جميع القوى الحية في هذه الأمة للتنافس .. في مسارات متوازية ، لا متصادمة ، وطوبى لمن يتقدم الصفوف .. لهذا ، فإننا نقرّر في لحظة الانطلاق أن " الطليعة العربية " لا يمكن أن تحمل على الانفراد مشعل التحرير ، والنهوض ، والتنوير في هذا الواقع العربي المعقد ، ذلك أن زهرة لا تصنع ربيعاً .. وبالتالي فإن " الطليعة العربية " تأمل أن تكون حافزاً لاستئناف مشاريع النهوض ، والتنوير ، والتحرير على تنوعها .. وبقدر ما تتأصّل تلك المشاريع ـ وتنطلق باتجاه أهدافها .. بقدر ما يتوفر المناخ الإيجابي للطليعة العربية لتحقيق أهدافها .. فالطليعة العربية ليست بديل أحد ، داخل التيار القومي العربي التقدمي النهضوي ، ولا خارجه .. وإنما رديف ، وأن غاية ما يحلم فيه الطليعيون العرب الجدد ، هو أن تكون " الطليعة العربية " واحدة من القوى التي تصب جهود كوادرها في مشروع كبير متعدد القوى ، والساحات موحد الأهداف والغايات ..باتجاه مستقبل عربي مختلف إيجاباً .

الباب الأول
في المبادئ الأساسية
***
الفصل الأول
في الأسس
***

مادة ( 1 )

يحتضن هذا الكوكب الأرضي جماعات بشرية ، مرّت بأطوار تاريخية متعاقبة انزاحت خلالها في الاتجاهات كلها ترحّالاً ، وغزواً ، وتوسعاً ، وتقلصّاً تطورّت خلالها من الفردية الموحشة ، إلى العرقية ، إلى العشائرية ، إلى القبلية ، إلى الشعوبية ، ومن البداوة ، إلى الوبر ، إلى المدر ، إلى الحضر .. إلى أن تفاعلت تلك الجماعات البشرية تأثراً ، وتأثيراً إيذاناً بولادة عصر الأمم ، حيث كل أمة تختص بأرض معينة محددة ، ومياه إقليمية ، ومجال جوي ، مما يعني انقضاء عصر الإمبراطوريات التي كانت تمتد إلى حيث تصل حوافر خيولها ، وتتقلص إلى حيث تدفعها حوافر خيول إمبراطوريات أخرى ، وبالتالي ولادة عصر الدول التي تتطابق حدودها مع حدود الأمم التي تكونت تاريخياً ، بالتفاعل ، والتأثر ، والتأثير لكن وبما أن العصر الإمبراطوري السابق كان قد خلفّ وراءه جماعات بشرية غالبة ، وأخرى مغلوبة فإن الجماعات البشرية الغالبة ، ولو كانت قد تحددّت بدول معروفة الحدود إلا أنها احتفظت بالعقلية الإمبراطورية محاولة فرضها على المغلوبين ، بالاحتلال ، أو الهيمنة ، أو بابتداع أساليب متطورة مما أدى إلى فرض عدوان بالدول على بعض الأمم المغلوبة انتقاصاً من أوطانها ، أو تقسيماً تعسفياً للشعب ، وللوطن معاً ، وكان النصيب الأكبر من هذا العدوان للأمة العربية ، مما يقتضي إعادة النظر وبما أنه : ( في الكل الشامل للطبيعة والإنسان : كل شيء مؤثر في غيره متأثر به ، وكل شيء في حركة دائمة وكل شيء في تغير مستمر وبما انه في إطار هذه القوانين الكلية الثلاثة يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي وينفرد الإنسان بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره ، وبما أنه في الإنسان نفسه يتناقض الماضي والمستقبل ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض بالعمل إضافة فيها من الماضي ومن المستقبل ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد ) فإن الجماعات البشرية تتطور باتجاه الإنسانية الشاملة حيث المساواة ، والعدالة بين بني البشر لا عنصرية ، ولا لون ، ولا جنس يرفع من قدر أحد ، أو يحط من قدر آخر ، وأن هذا التطور لن يحدث إلا عبر صراع مرير مع عناصر التقوقع ، والانعزال .

مادة ( 2 )

الأمة العربية ، جماعة من تلك الجماعات البشرية المنتشرة في أرجاء هذا الكوكب .. تطورت عبر مراحل تاريخية متعاقبة من الفردية ، إلى العرقية ، إلى العشائرية ، إلى القبلية ، إلى الوبر ، إلى المدر ، إلى الحضر ، وتفاعلت تلك المكونات شعوباً ، وقبائل بالتأثر ، والتأثير إلى أن اكتملت الأمة العربية تكويناً ، فامتدت الإمبراطورية العربية إلى خارج حدودها أحياناً ، واقتحمتها الإمبراطوريات الأخرى أغلب الأحيان ، لكن هذا كله لم يغير من خصائصها رغم عجزها لقرون عديدة من تكوين نظام حكم مركزي ، لكن ومع الانتقال من العصر الإمبراطوري إلى عصر الدول الحديثة كانت الأمة العربية خارج نطاق الفعل ، والتأثير ، والإرادة ، بفعل عوامل التخلف الداخلي ، والاحتلال الخارجي ، وبالتالي كانت ساحة لصراع قوى الهيمنة الدولية في ذلك الوقت ، من السلطنة العثمانية إلى الحلف المقدس الأوروبي ، إلى عصبة الأمم المتحدة ، إلى هيئة الأمم المتحدة ، حيث تم اقتسام الوطن العربي عبر تركيب عديد من الدول على الأرض العربية ، واقتطاع أجزاء منها كمستوطنات للصهاينة ، وأخرى لدول الجوار الأفريقي ، أو للأتراك ، أو للإيرانيين ، وحيث لم يقتصر العدوان على الأمة العربية ، وإنما امتد ، ليشمل أغلب شعوب الأرض ، بإرساء قواعد ظالمة ، لما أسموه القانون الدولي ، والنظام العالمي ، القديم ، والجديد على أساس من الغلبة ، و " الفيتو " لدول الهيمنة ، وبالتالي فإن نضال الأمة العربية للتغيير لا يقتصر على إحقاق حقوقها ، وإنما يمتد بحكم موقعها المركزي ، والحضاري إلى إعادة التوازن للعلاقات الدولية ويندرج في إطار تطور الجماعات البشرية باتجاه الأنسنة وخفض نسبة الوحشة ، و التوحش في الجنس البشري .

مادة ( 3 )

إن الأمة العربية قد اكتملت تكويناً وتشكلت من تعشّق مكونات متعددة عرقية ، وعشائرية وقبلية ، وحضارات قديمة متعددة من حيث المكان ، والزمان ، وديانات هي بالإضافة إلى كونها عقائد دينية تندرج في كونها جزء من التاريخ الموضوعي للأمة العربية ، وفي سياق تطور الجماعات البشرية المكونة لها ، وبالتالي فإن الأمة العربية ليست تكويناً عرقياً ، أو عنصرياً ، أو قبلياً ، أو دينياً على الانفراد ، وإنما هي حصيلة تفاعل حضاري بين مكونات متعددة الأرومات ، والحضارات ، والعقائد ، لا امتياز لواحد منها على الآخر ، ولا طغيان لأحدها على سواه ، فتلك المكونات على قدر المساواة في الحقوق ، والواجبات في إطار من المواطنة الحقة .

مادة ( 4 )

" الطليعة العربية " مؤسسة سياسية ، اجتماعية ، ثقافية ، منهجية ، اعتبارية ، تحمل في خلاياها ، وفي كل خلية منها الخريطة الجنينية المكونة للأمة العربية ، لا انتقاص ، ولا طغيان ، ولا تفرّد ، ولا إهمال ولا إقصاء لأي مكون من تلك المكونات ، ذلك أن كوادر الطليعة العربية متساوون أمام اللوائح ، والأنظمة الناظمة للطليعة العربية يخضعون لذات المعايير ، ويلتزمون ذات المنهج ، وينطلقون من ذات النهج ، والمنهج ، ويتسابقون لتأدية المهام ، وحمل مشاعل النهوض ، والتنوير ، ويتصدون لحل المشكلات ، ويتنافسون في تقديم التضحيات ..

مادة ( 5 )

إن وحدة المنهج هي الرباط الذي يحفظ للطليعة العربية وحدتها ، وينسق نضالها ، ويحكم بين أعضائها ، وبالتالي فإن الالتزام المنهجي سلوكاً ، وممارسة هو المعيار الأساسي للتقييم ، والتقويم ، وهذا يعني أن " الطليعة العربية " ليست مفتوحة الأبواب لجميع مكونات الأمة العربية على تنوعها ، وحسب ، وإنما هي ساعية لأن تكون تلك المكونات فاعلة على قدم المساواة في مؤسساتها ، لممارسة الجدل الاجتماعي ، وتفعيله إلى أقصى حد في الطليعة العربية ، ومن ثم ممارسته في المحيط الاجتماعي ، فالطليعة العربية لا تسعى لإلغاء المكونات المختلفة للأمة ، وانصهارها ، وإنما تسعى لتحقيق أكبر قدر من التفاعل بينها تأثراً ، وتأثيراً ، يترتب على ذلك أن " الطليعة العربية " تعتبر تراث تلك المكونات ، وثقافاتها ، وفنونها جزء لا يتجزأ من تراث الأمة ، وثقافتها ، وفنونها تعمل " الطليعة العربية " على بثها ، ونشرها ، وصيانتها من الاندثار لأنها جزء من تراث الأمة ، وتاريخها ، وبالتالي الارتقاء بتلك المطالب من مطالب فئوية لهذه الجماعة ، أو تلك إلى مطالب قومية للأمة العربية بأثرها ...

الفصل الثاني
في المنطلقات

مادة ( 6 )

تنطلق " الطليعة العربية " من مبدأ حرية الإنسان الفرد ، وإزالة كافة العوائق التي تكبّل حريته تفعيلاً لمقدرته على الجدل ، إضافة إلى إتاحة كافة المعارف التي تؤهله للعطاء ، والإبداع في شتى المجالات لأن المعرفة شرط الحرية ، وبالتالي فإن " الطليعة العربية " تعتبر أن تمّتع الإنسان بحقوقه الأساسية كافة مبدأ أساسي لا تتنازل عنه ، ولا استثناء ولا تبرير لأي شكل من أشكال القهر البشري ..

مادة ( 7 )

تنطلق " الطليعة العربية " من مبدأ حرية المجتمع ، وإزالة كافة العوائق التي تكبل حريته تفعيلاً لانطلاق قانون الجدل الاجتماعي باعتباره القانون الأساسي للتطور ، ذلك أن وعي " الطليعة العربية " بأن الحل الجدلي للمشكلات لا يتأتى إلا بالمعرفة الجماعية لها ، والتصميم الجماعي للحلول ، والتنفيذ الجماعي بالعمل .

مادة ( 8 )

تنطلق " الطليعة العربية " من وعي الوجود القومي العربي كميدان لنضالها ، حيث تضع برامجها ، وتمارس نشاطاتها على مستوى الأمة العربية كلها رفضاً للتجزئة ، وتحقيقاً للوحدة في ذاتها التنظيمية ، ليمتد إدراكها ، فيما بعد ، إلى منبت كل مشكلة من المشكلات الاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية في الوطن العربي ، فتعرفها الطليعة العربية على حقيقتها دون تزييف ، وتقدم لها الحلول السليمة ، والمناسبة ، وتنفذ الحلول بالعمل ، مستفيدة في هذا كله ، من إمكانيات الكل ، لحل مشكلات الأجزاء ، ومشكلات الكل جميعاً .

مادة ( 9 )

مع اعتماد منطوق المادة ( 8 ) من هذا العقد ، وعدم التناقض معه ، فإن " الطليعة العربية " تعرف عن طريق منهجها الفكري أن كل مشكلة تحل في حدود ما تقدمه الظروف من إمكانيات ، ولا تحل بالأماني المثالية ، وتعرف من ناحية أخرى أن تجزئة الوطن العربي قد تركت آثاراً متفاوتة على مستوى تطور الأجزاء ، ونوع بعض المشكلات التي تطرحها ، لهذا فإن وحدة " الطليعة العربية " كحركة ، وتنظيم لا تمنع أن تكون " الطليعة العربية " في كل جزء متميزة عنها في باقي الأجزاء بعبء مضاف إلى رسالتها القومية ينعكس عليها تنظيماً فرعياً من التنظيم الواحد ، ونضالاً محلياً مضافاً إلى نضالها القومي .

مادة ( 10 )

تنطلق "الطليعة العربية " من الواقع العربي كما هو بهدف تغييره باتجاه التحرير ، والنهوض ، والتنوير ، والتنمية ، والحرية ، والوحدة ، والاشتراكية ، والواقع العربي كما هو الآن تشغله دول مختلفة من حيث تكوين مؤسساتها ، وطبيعة السلطات التي تتحكم فيها ، والانطلاق من هذا الواقع باتجاه الأهداف لن يتحقق بالوعود ، أو العهود ، أو بالألفاظ ترصّ رصّاً ، إنما يتحقق بالمواجهة الإيجابية للظروف عبر حاضنة جماهيرية تلتصق بها " الطليعة العربية " ، وتتفاعل معها تفاعلاً حياً فتشاركها همومها ، وتفهم مشكلاتها لأنها تعلم أن تبادل المعرفة بالمشكلة يشكل أول حركات التطور الجدلي . كما تعلم أن التصميم الجماعي لحل المشكلة هو الحركة الثانية في قانون الجدل ، وبهذا يصبح الشعب العربي قاعدة للطليعة العربية ، ومصدراً لثقافتها فلا تفرض الطليعة العربية على الشعب العربي إرادتها ، ولا تتهمه ، إذ أنها تعلم أن وجود المشكلة لا يغني عن إدراكها حتى تحل ، وأن عليها بحكم وعيها الشامل أن تفجّر وعي الناس لمشكلاتهم ، وحلولها .

مادة ( 11 )

تدرك " الطليعة العربية " أن الاستبداد المديد ، والفساد ، وتطور الأجهزة القمعية للسلطات ، وكذلك توسع تأثير مؤسسات الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي يحتم على " الطليعة العربية " كمؤسسة قومية أن تتعامل مع هذا الواقع المتغير بجدية ، فالطليعة العربية لا يمكن أن تتعامل مع هذا الواقع إلا عبر مؤسسات حزبية جماهيرية تستنهض الناس ، وتشاركها حل مشكلاتها عبر تحريرها من الخوف ، وإعادة إحياء مؤسسات الدولة عبر المشاركة الديمقراطية ، وانتزاع الحقوق الأساسية للمواطنين ، والمساهمة في شتى النشاطات العامة من خلال النقابات ، والمنتديات ، والجمعيات ، والمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية ، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية ، وتصويب عمل مؤسسات الدولة لتكون جزءاً من مؤسسات دولة الوحدة ، فالطليعة العربية تدرك من خلال التجارب المرة أن الوحدة العربية لن تتحقق بالانعزال عن المجتمع ، ولا تتحقق بالانقلابات العسكرية ، ولا تحققها النظم الاستبدادية ، حتى ولو كانت محكومة من القوميين ، ولا تتحقق بالقهر ، والضم ، واحتلال إقليم لآخر .. وإنما للوحدة العربية طريق وحيد في هذا العصر يمر عبر المساهمة باستعادة الحقوق الأساسية ، والسياسية للمواطنين ، وممارسة الحياة الديمقراطية في المجتمع ، إن الترجمة الحقيقية لذلك تكون بان تقوم الطليعة العربية في الدول الفعلية القائمة مهما كان رأينا بشرعيتها ، ومشروعيتها ، وعبر نضال ديمقراطي ، وببرامج تلامس هموم الناس ، ومشكلاتها ، وربط المشروع القومي التقدمي التوحيدي ، بحل تلك المشكلات ، والانخراط في سائر النشاطات ، والأنشطة ، فالطليعة العربية تنطلق من الواقع ، كما هو ، من الدول كما هي ، من مؤسساتها ، وأنظمتها ، وقوانينها ، ودساتيرها باتجاه تغيير ذلك كله إيجابياً لصالح المشروع النهضوي التنويري القومي .

مادة ( 12 )
تنطلق " الطلعة العربية " من التعامل مع مفردات الحضارة العربية ، والثقافة العربية ، والتنوع العرقي ، والمذهبي ، والطائفي ، والإقليمي ، من خلال منهج إنساني شاملاً الأمة ، والوطن يحدد علاقة التكامل ، والنمو ، ويؤدي إلى صياغة حقيقية للحضارة العربية ، والتاريخ العربي بهدف إنهاء تجزئة تلك الحضارة ، إلى حضارات تتصارع فيها حجارة أوابدها ، وإنهاء تجزئة التاريخ العربي إلى تواريخ تتصارع فيه عظام الضحايا ، والأموات ، وإنهاء تجزئة الأديان تعسفياً إلى طوائف ، ومذاهب يتصارع فيها الأنبياء ، والحواريين ، والكهنة ، والفقهاء ، والأئمة ، ووضع حد لفرز الأعراق ، والأثنيات ، والقبائل التي تفاعلت ، وتمدنت ، ودخلت في تكوين الأمة ، ومن حيث النتيجة التوصل إلى صياغة مستقبل عربي تتفاعل فيه تلك المكونات إيجاباً لإنجاز مشروع نهضوي إنساني يحل مشكلات الأجزاء ، والكل معاً .

الفصل الثالث
في الغايات
مادة ( 13 )
تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الحرية ، تحرير الوطن العربي من الاحتلال الأجنبي سواء في القلب العربي فلسطين أو في التخوم مع دول الجوار ، أو في أي أرض عربية تتعرض للغزو الخارجي ، وتتحالف الطليعة العربية لتحقيق ذلك مع القوى الحية في المجتمع العربي لتسخير كافة الأساليب ، والأدوات في سبيل ذلك ، وتساهم معها في بناء مقاومة أصلية تحمل هوية الأمة ، بمنطلقاتها ، وغاياتها ، عصية على الاحتواء فئوياً ، أو لصالح أي مشروع خارج مشروع الأمة ، في التحرير ، والحرية .

مادة ( 14 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الحرية : حرية الإنسان العربي ، وكل إنسان في هذا العالم ، وترفض كافة أشكال ، وصور التمييز الأثني ، والديني ، والطائفي ، والمذهبي ، وكذلك من حيث الجنس ، واللون ، وترفض التمييز بين أشخاص القانون الدولي ، وتسعى للمساواة ، والعدالة على صعيد الأجزاء ، والكل العربي ، والكل الدولي عن طريق تصويب قوانين الدول العربية ، ومن ثم قوانين دولة العرب الديمقراطية الاشتراكية ، وانتهاء بتصويب القانون الدولي بإلغاء التمييز بين الدول في الأمم المتحدة وإلغاء التمييز العنصري سواء عن طريق " الفيتو " أو بالدول الثابتة الدائمة العضوية في مجلس الأمن .

مادة ( 15 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الحرية : فحرية الوجود القومي شرط لحرية التطور ، وحرية المعرفة شرط لحرية الرأي ، وحرية الرأي شرط لحرية العمل .

مادة ( 16 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الحرية ، وهي قبل أن تلزم غيرها بحدود الحرية تلتزم هي تلك الحدود فحيثما تتصدى للمشكلات لا تعرف غير الديمقراطية سبيلاً ، والشعب سنداً .

مادة ( 17 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الحرية : حيث ، لا يمتاز إنسان بمهنته ، ولا بثقافته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولكن بحدة المشكلة التي يعانيها كإنسان ، ولا تميز الطيعة العربية حدة المشكلة إلا بمدى ا تساع جبهة الناس الذين تفسد حياتهم فهي ، ترفض التقسيم الطبقي كما ترفض التقسيم على أساس من الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، أو العرق ، وتحترم الإنسان ، كإنسان ، وتتخذه نقطة انطلاق ، وغاية ، ويعلمها هذا الاحترام أن تناضل لترفع عن الإنسان العربي كل ما يضغط إرادته ، وان تحرره أولاً ، وقبل كل شيء من الخوف ، وتحفزّه لمقاومة الطغاة ، والظالمين .

مادة ( 18 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الوحدة العربية : انطلاقاً من التأسيس على أن الوجود القومي شرط التطور ، وتخّطط ، وتناضل على هدي وعيها لتحرير الوطن العربي من الاستعمار الخارجي ، والاستعمار الخفي ، وهي تقاوم التجزئة لأنها تعطل انطلاق الشعب العربي باتجاه الحرية ، والتنمية ، والتطور .

مادة ( 19 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الوحدة العربية لأن الوحدة السياسية عندها حتمية كونها التعبير السياسي عن الوجود القومي ، فوعي الطليعة العربية للوجود القومي ، لا يعرف سبيلاً إلى الوحدة إلا برفع الحواجز التي تخصخص الشعب العربي ، ليلتحم الشعب العربي في جدل حياتي يحقق به مصيره الواحد .

مادة ( 20 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الوحدة العربية : لأنها تعلم أن الوحدة العضوية للأمة العربية تعني ألا تحل مشكلات الأجزاء حلاً سليماً ، نهائياً إلا في الكل الشامل ، لهذا فإن " الطليعة العربية " ترفض تبرير الإبقاء على التجزئة ، بآثار التجزئة .

مادة ( 21 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الوحدة العربية : غير أن الأسلوب العلمي الذي تنتهجه الطليعة العربية لا يسمح للمثالية أن تضللها ، فتتجاهل ما تتطلبه المشكلات المحلية من إدارات محلية ، لأنها تعلم أن الدولة القومية لا تلغي الإدارات المحلية ، بل تدعمّها ، وتمدّها بمزيد من المقدرة على مواجهة ما تطرحه الظروف المحلية من مشكلات إضافة من إمكانيات الأمة الواحدة إلى أبناء الأمة الواحدة في أي مكان من الوطن العربي الواحد ، كما أنها لا تتجاهل ما صنعته التجزئة التي امتد بها الزمن من آثار تنظيمية ، واجتماعية ميزت بها الأجزاء في مدى التقدم الحضاري ، وبما صاغته من ألوان الحياة ، فهي تدرك أن هذا ذاته مشكلة يجب أن تحل ، بالتكامل ، وبالقضاء على التمايز المصطنع .

مادة ( 22 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل لاشتراكية العربية : حيث تساهم في التطور إلى الاشتراكية ، ففي أي مكان من الوطن العربي ، وأياً كانت درجة النمو الاقتصادي فيه ، تناضل " الطليعة العربية " لإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان أياً كانت أسبابه ، وتساهم في سن القوانين ، والأنظمة لمنع اتخاذ حرية الملكية ذريعة ، ليتملك نفر من الناس كل شيء تاركين أغلبية الشعب العربي بدون ملكية .

مادة ( 23 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الاشتراكية العربية : عبر تقييّد حرية الملكية ، بحيث لا تكون أداة للقهر الاقتصادي ، لكن حيث تقوم الملكية بدون استغلال ، فإن "الطليعة العربية " تدعمها حرية مكتسبة .

مادة ( 24 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الاشتراكية العربية : وتكثفّ جهود كوادرها ، ومؤسساتها في عمل منظم غايته أن تحقق بالأسلوب العلمي كل ما تستطيع ظروف الوطن العربي أن تقدمه من ثروات تكفي ليتحقق لكل عربي المضمون المادي لحرياته ، إذ ، الاشتراكية عند " الطليعة العربية " حرية كاملة ، وبهذا تلتحم الحرية ، بالاشتراكية حياة حرة .

مادة ( 25 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الاشتراكية العربية : متجهة بالتخطيط الاقتصادي العلمي من حيث انتهى التطور الاقتصادي إلى الاشتراكية عبر طريق مطهّر منذ بدايته ، وإلى غايته من الاستغلال ، والقهر الاقتصادي .

مادة ( 26 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الاشتراكية العربية : غير أنها لا تخلط بين الاشتراكية كغاية ، ووسائل تحقيقها ، ولا تتجاهل عدم استواء النمو الاقتصادي في الأجزاء ، ولا تتجاهل ما تركته التجزئة من آثار على التطور الاقتصادي في أقطار الوطن العربي ، لهذا فإن التخطيط الاقتصادي ، ومواجهة مشكلات التطبيق ، ستكون على الوجه الذي تقتضيه الأساليب العلمية ، لتجاوز التخلف ، إلى التنمية ، ثم الرخاء مع الاحتفاظ دائماً ، بالحرية ، كغاية من الاشتراكية .

مادة ( 27 )

تناضل " الطليعة العربية " في سبيل الاشتراكية العربية : لهذا فإن " الطليعة العربية " لا تقبل أن يحل مستبد محل مستبد ، أو أن يقوم مستغل مقام مستغل ، ولا تتذرع بالاشتراكية ، لفرض العبودية ، ولا تقبل الفاشية ، ولو خططت ، ولو أممّت ، وبهذا تبقى حرية الإنسان العربي في الاشتراكية العربية غاية " الطليعة العربية " وحّداً لا يتجاوزه التخطيط الاقتصادي ، وبهذا تبقى طليعة عربية اشتراكية ديمقراطية .

مادة ( 28 )

تناضل " الطليعة العربية " في الأجزاء ، وفي الكل العربي ، لتغيير الظروف التي تسمح بتخريب حياة الإنسان ، وتناضل في مواجهة الذين يحولون دون أن تحل المشكلات التي تطرحها تلك الظروف ، أو يعمّقون جذورها ، وتترك للممارسة الحية مهمة الكشف عن نوعية التقدميين ، ومن خلال النضال المنظم تتاح لكل كادر في الطليعة العربية أفضل الوسائل لوضع وعيه ، ومقدرته ، وخلقه في التطبيق .

مادة ( 29 )

إن الطليعي العربي الذي يعي " جدل الإنسان " يدين بشدة ، وبكل وسيلة مناسبة أي احتقار للإنسان ، أو حّط من مقدرته الخلاقة ، أو حجب للثقة التي هو أهل لها ، لهذا يدين الاستبداد ، ولا يكون مستبداً ، ويدين العنصرية ، والكراهية ، والحقد ، ولا يتعصب هو ، ولا يكره ، ولا يحقد .

مادة ( 30 )

إن الطليعي العربي لا يعرف شيئاً ، أو أحداً ، يستحق الخلود ، لأن قوانين الحياة ، لا تسمح بهذا الخلود ، ويعرف بهذا ، أن معرفة التاريخ ، علم ، ومحاولة إعادته ، انحراف جاهل ، لهذا يطهّر نفسه من التعصب القبلي ، لأن العهد القبلي قد ولى ، كما انقضت المجتمعات الدينية ، فحتمّ على الطليعي العربي أن يكون مطهّراً من التعصب الديني ، وكذلك من العلاقات الأثنية ، ومن علاقات ما قبل اكتمال التكوين القومي ، لهذا فإن الطليعي العربي لا يتحيّز للماضي ، تعطيلاً للمستقبل .

مادة ( 31 )

إن الطليعي العربي يدرك نسبية القيم الخلقية في المجتمعات البشرية فلا يدين سلوكاً كان وليد ظروف مجتمعات غير المجتمع العربي ، إلا أن يكون عدواناً على إنسانية الإنسان ، ويحترم عادات ، وتقاليد ، وأخلاق الشعوب كافة ، لأن الطليعي العربي يعرف أنه مهما تبدو تلك العادات ، والتقاليد ، وقواعد السلوك شاذة في نظره ، بل حتى ، ولو بدت له رذائل ، فإنها من صنع ظروفهم ، وأن تغييرها رهن بمعاناتهم ، وبهذه النظرة يرفض الطليعي العربي إدعاء التفوق الطبيعي الذي تدعيّه بعض الأجناس ، ولا يدعيّه لنفسه أبداً ، أبداً .

مادة ( 32 )

إن جدل الإنسان يوفر للطليعي العربي إجابات ، غير مشوبة بالمعاني المجردة ، على الأسئلة : ما الفضيلة ، وما الرذيلة ؟ ، ما الخير ، وما الشر ؟ ، فكل ما يسهم في التطور الإنساني ، ويلبي متطلباته ، فضيلة ، وكل ما يقف في سبيل التطور ، ويعرقله رذيلة ، وبذلك يكون للفضيلة ، وللرذيلة أساس ، علمي فلا تختلطان ، إذ أنهما قيمتان مرتبطتان بحركة المجتمع ذاته .

مادة ( 33 )

إن " الطليعة العربية " لا ترفع شعار الثورة إدعاء ، وتضليلاً ، ولا تتخذه ذريعة إلى الإجرام الدامي ، فحيثما كان الشعب العربي قادراً مقدرة مشروعة قانوناً على الكفاح الديمقراطي في سبيل غاياته يكون أسلوب نضال " الطليعة العربية " الحوار ، والكلمة السواء ، والتوعية ، والتنظيم من خلال نضال ديمقراطي لتحقيق غاياتها ، وبذلك يكون مصطلح " الثورة " ذو مدلول مجازي ، ببذل الجهد المضاعف ، باتجاه أهداف " الطليعة العربية " في الحرية والوحدة والاشتراكية ، أما حيث تفرض على إرادة الجماهير قيود تسلبهم حريتهم ، بالاستبداد الفاشي ، أو بالقهر الاقتصادي ، أو حيث تبيح القوانين الاستثنائية العنف ضد الشعب قهراً ، وتقييداً للحرية ، واستلاباً للحقوق الأساسية للمواطنين ، وفرض قوانين استثنائية تبيح العنف ضد الشعب يصوغها المستبدون ، قيوداً على إرادة المواطنين ، وحرياتهم ، فإن " الطليعة العربية " تصّر على النضال الديمقراطي السلمي ، تجنيباً للمواطنين من بطش قوى الطغيان ، فالطليعة العربية ، بمواجهة القتل ، والقهر ، والاستبداد ، لا تقتل ، ولا تقهر ، ولا تستبد ، أما حيث تتعرض أرض الوطن للاحتلال الأجنبي الغاشم فإن " الطليعة العربية " تتحالف مع مكونات المجتمع العربي الحية للمقاومة بكافة الوسائل للتحرير .. هكذا فإن" الطليعة العربية " تحدد موقفها ، فلا تطغى ، ولا تقبل الطغيان .
مادة ( 34 )

إن " الطليعة العربية " تنطلق من قاعدة ديمقراطية ، لتحقيق غاية ديمقراطية ، سواء في بنيتها الداخلية ، أو في دعوتها للحوار ، والكلمة السواء في المجتمع ، حيث حرية الرأي للجميع ، وعمل الجميع تنفيذاً لرأي الأغلبية ، كقاعدة ديمقراطية ملزمة ، بعقد تلتزمه " الطليعة العربية " ، وتسعى لصياغته كقوانين وضعية ملزمة للأفراد ، والجماعات ، والأحزاب في المجتمع .

الباب الثاني
في بنيان الطلية العربية
***
الفصل الأول
في العناوين

مادة ( 35 )

بتاريخه ، وبمقتضى هذا العقد تداعى نفر من القوميين العرب التقدميين ، لتأسيس حزب قومي عربي تقدمي يشمل نشاطه الوجود القومي للأمة العربية أرضاً ، وشعباً .

مادة ( 36 )

يحمل الحزب اسم : " الطليعة العربية " .

مادة ( 37 )
أهداف الطليعة العربية هي الحرية والوحدة والاشتراكية في الوطن العربي ، والمساواة ، والعدالة مع شعوب الأرض قاطبة .
مادة ( 38 )

راية " الطليعة العربية " تتمثل بالنجمة البيضاء تشع في دائرة سوداء على أرضية حمراء حيث النجمة البيضاء ترمز لوحدة المصير القومي العربي الموحد المنشود تنبثق من الكتلة السوداء التي ترمز إلى الوجود القومي المجزأ الراهن ، على قاعدة حمراء ترمز إلى الفداء ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة ، والاشتراكية .

مادة ( 39 )

يكلفّ المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية ، باعتماد نشيد قومي للطليعة العربية .

مادة ( 40 )

تناضل " الطليعة العربية " لرفع كافة القيود ، وتوفير كافة الضمانات ، لتفعيل قانون جدل الإنسان الفرد ، في إطار الجدل الاجتماعي الشامل للشعب العربي ، لأن تعطيل قانون الجدل الاجتماعي ، يعني تعطيل مسيرة التطور .

مادة ( 41 )

تتمتع " الطليعة العربية " بشخصية اعتبارية مستقلة ، تنبع قراراتها من مؤسساتها المنتخبة ديمقراطياً ، وتلك المؤسسات سيدة نفسها ، كل منها في مجال تخصصها ، وأي قرار يصدر عن مؤسسة من مؤسسات الطليعة العربية ، لا ولاية لها هو قرار باطل لا يعّتد به .

مادة ( 42 )

" الطليعة العربية " حزب علني يجهر بالدعوة لتغيير الوجود العربي المجزأ إلى المصير العربي الموحد ، وبالتالي فإن منهج ، ونظرية ، وبرامج ، ووثائق الطليعة العربية ، متاحة لجميع من يهمهم الأمر .

مادة ( 43)

" الطليعة العربية " كحزب معلن المبادئ ، والأهداف يسعى لتحقيق مبادئه ، وأهدافه بالطرق ، والأساليب ، والأدوات السلمية ، حصراً ، فالطليعة العربية لا تقر العنف يصدر عنها ، ولا ترضخ للعنف يمارس عليها ، لكنها لا ترد على العنف ، بالعنف ، وإنما بالحوار ، والكلمة السواء ، وكوادرها على استعداد تام لتقديم التضحيات في غياهب السجون فذلك خير من أن تسيل الدماء في الشوارع ، والساحات ، على هذا الطريق الصعب ، إلى أن يدرك الممارسون للعنف ، سواء كانوا من قمة السلطات ، أو من قاع المجتمع على تعدد أجزاءه ، بلا جدوى العنف على المجتمع ، بلا جدوى العنف داخل المجتمع ، وأن جميع الفتاوى بالعنف ساقطة ، وأن جميع التبريرات لذلك مزيفة ، وباطلة ، هناك استثناء وحيد يتعلق بالأراضي العربية المحتلة ، سواء في القلب ، أو على التخوم ، هنا ، المقاومة المسلحة ، وغير المسلحة هي الأسلوب الذي يفرض نفسه ، وهنا ، تساهم " الطليعة العربية " بكل إمكانياتها ، وبالوسائل المناسبة ، على مستوى الأجزاء ، وعلى مستوى الكل القومي ، في النضال ، والفداء ، والمقاومة ، لتحرير الأرض ، والإنسان .
وهذا يرتبّ على " الطليعة العربية " أن تسعى لدى مختلف مكونات المجتمع إلى الكلمة السواء ، والالتزام بعقد اجتماعي وطني ، سياسي ، يحرّ م العنف داخل المجتمع ، يحرم العنف نهائياً لحسم النزاعات السياسية ، أو العقائدية ، أو الدينية ، أو المذهبية ، أو الطائفية ، أو العنصرية ، أو الأثنية ، أو الطبقية ، أو الإقليمية ، وأن ساحة العنف الوحيدة المشروعة في الوطن العربي هي الأراضي العربية المحتلة ، وحصراً لتحريرها من الاحتلال ، وأن مبررات العنف تنقضي مع تحرير تلك الأراضي العربية المحتلة .

مادة ( 44 )

" الطليعة العربية " مؤسسة حزبية جماهيرية مستقلة لكن هذا لا يمنع "الطليعة العربية" من التحالف ، أو التعاون مرحلياً مع أية مؤسسة أخرى في الوطن العربي حزبية ، أو غير حزبية ، لتحقيق أهداف مرحلية متفق عليها بين قوى ، وعناصر التحالف بما لا يتعارض مع الأهداف ، والمبادئ الأساسية للطليعة العربية .

الفصل الثاني
في الخصائص
مادة ( 45 )

"الطليعة العربية" حزب ديمقراطي من القاعدة إلى القمة ينشأ ديمقراطياً ، ويستمر ديمقراطياً ، ويمارس الديمقراطية مع سائر القوى ، والأحزاب ، والحركات السياسية في المجتمع العربي ، وإذا كان الوجود العربي المجزأ يفرض بناء مؤسسات الطليعة العربية في الأجزاء فإن شرط الديمقراطية ، شامل الأجزاء ، والكل معاً ، فالديمقراطية شرط ملازم للطليعة العربية ، ابتداء ، ونشأة ، واستمراراً ، وغاية .

مادة ( 46 )

بما أن" الطليعة العربية " تتعامل مع الواقع كما هو ، فإن مؤسسات الطليعة العربية في الدول العربية مقيدة ، بمن يحملون جنسية تلك الدول ، عضوية ، ونشاطاً ، ومجالاً حيوياً إلى أن يتغير هذا الواقع جزئياً بين دولتين عربيتين ، أو أكثر ، أو يتغير كلياً بقيام دولة العرب الوحدوية الديمقراطية الاشتراكية ، أمّا مؤسسات الطليعة العربية في المغتربات ، والمهاجر ، وكذلك المؤسسات القومية للطليعة العربية ، فإنها غير مقيدة على الإطلاق ، بالانتماء لأية دولة عربية ، وهي مفتوحة على قدر المساواة لأبناء الأمة العربية أجمعين .

مادة ( 47 )

إن الطليعة العربية تدرك أن هناك خلطاً مقصوداً بين مفهوم الدولة القومية الشاملة لوطن الأمة ، وشعبها ، وبين تجارب القوميين الذين حكموا دولاً إقليمية ، لهذا فإن الطليعة العربية تعلن موقفاً لا لبس فيه ينبع من منهجها ، وتقييمها لتلك التجارب ، فالفرق بيّن ، وشاسع بين النموذجين ، فالقوميون العرب على مختلف توجهاتهم ، الذين حكموا دولاً إقليمية فشلوا في تحويل السلطة في تلك الدول إلى نموذج الدولة القومية للأمة ، بل وعلى العكس من ذلك ، فقد تمكنت أجهزة السلطة الإقليمية من تطويع القوميين أحياناً في براثن إغراءات السلطة ، وخذلتهم في معاركهم القومية أحياناً أخرى ، والتهمت أحلامهم القومية في الأحوال كلها ، لهذا فإن الطليعة العربية تعلن براءتها من تلك التجارب الفاشلة ، وتعلن رفضها للاستبداد ، والقهر ، بالمطلق ، ومن أي مصدر كان لأنها بذلك تحصن نفسها من جرثومة الاستبداد ، فلا تستبد ، ولا تقبل الاستبداد ، ولا تهادنه ، فالاستبداد يلوّث الشعارات التي تتسّتر عليه ، بينما لن تتمكن الشعارات من إخفاء وجهه القبيح .

مادة ( 48 )

الدولة القومية التي يناضل الطليعيون العرب لتحقيقها هي دولة الحرية ، والديمقراطية ، والاشتراكية ، والعدالة الاجتماعية ، والمساواة ، وطن عربي ، لأمة عربية ، بسلطة ديمقراطية ، عادلة ، لا تفرد فيها ، ولا إقصاء لأحد ، ولا استبداد ، ولا طغيان .


مادة ( 49 )

إن الطليعة العربية ، وعبر مؤسساتها التشريعية ، والفكرية ، والعقائدية ستجهد في إبداع مؤسسات للدولة القومية تتيح أوسع الفرص التي تمّكن الشعب من المساهمة الفعالة في اتخاذ القرارات على مختلف الأصعدة ، وإذا كان من الهام أن تكون المؤسسات تمثيلية ، فمن الأهم أن تزال كافة القيود المادية ، والمعنوية عن جميع فئات الشعب ، لتتمكن من اختيار هؤلاء الممثلين ، وأن يحترم مبدأ تكافؤ الفرص ، وعلى هذا فإن الدولة القومية المنشودة للأمة العربية لن تكون بالتأكيد على شاكلة الدول الرأسمالية ، أو الدول الشمولية ، ولكنها ستكون دولة الإنسان العربي المتمتع بكافة الحقوق الأساسية ، يمارس حريته ، وإبداعه ، يعطي أقصى ما لديه للجماعة ، ويأخذ قدر جهده ، وما يحفظ كرامته .

مادة ( 50 )

إن الطليعة العربية تعلن عند الخط البداية ، وبأكبر قدر من الوضوح ، أن إنجازها لمشروع التحرير ، والتوحيد ، وإقامة الدولة القومية للأمة العربية ، سواء بمفردها ، أو بالتحالف مع قوى أخرى ، فإن هذا لا يعطيها على الانفراد ، ولا يعطيها معهم على الاتحاد ، أي حق في الانفراد بحكم دولة الوحدة ، وإقصاء الآخرين ، فذلك استبداد ، تتطهّر الطليعة العربية من جرثومته ابتداء ، حتى لا تصاب به انتهاء ، وأنه بمجرد إنجاز دولة الوحدة فإن الأمر يعود للشعب ، ولصناديق الاقتراع الحقيقية ، فالمهام بعد الوحدة بحاجة إلى فرسان من نوع مختلف ، وإذا لم تتمكن " الطليعة العربية " من تطوير نفسها لتكون كذلك ، فعليها أن تقبل خيارات الشعب ، وتشغل مقاعد المعارضة ، وتعيد النظر بما هي عليه .

مادة ( 51 )

إن الطليعة العربية تتمسك على طول الخط ، بالتعددية السياسية ، ابتداء من دول الأجزاء ، وحتى دولة الوحدة ، والطليعة العربية انطلاقاً من مبدأ منهجي ، ذلك أن الطليعة العربية التي تعتمد منهجها الجدلي تدرك أنها تكون أقوى ، وأصلب ، وأصوب بقدر ما تكون القوى والأحزاب الأخرى ، في دول الأجزاء ، وحتى دولة الوحدة ، قوية ، وقادرة ، فالطليعة العربية ، تقوى بقوة الآخر ، لا بضعفه .




مادة ( 52 )

إن الطليعة العربية ومهما بذلت من تضحيات في سبيل تحقيق المصير العربي الواحد ، فإن هذا لا يعطيها أية مّنة ، والسلطة في الدولة القومية سيتم تداولها بين الأحزاب السياسية ، بحسب برامجها المستقبلية لما بعد دولة الوحدة ، وليس لتضحياتها السابقة .

( 53 )

إن الطليعة العربية ، ورغم أعباء الانطلاق ، والتأسيس ، فإنها ، ومن خلال مؤسساتها الاستراتيجية ستضع برامج مستقبلية تتقدم من خلالها للشعب العربي بطلب الثقة ، تتعلق بتوزيع الثروات العربية ، توزيعاً عادلاً ، وإعادة هيكلة المجتمع العربي ، والعمران العربي ، والزراعة العربية ، والصناعة العربية ، واسترداد ما يمكن استرداده من الثروات العربية المنهوبة ، أو المهّربة ، والأهم من ذلك توفير الظروف الموضوعية المناسبة لاستعادة الثروة البشرية العربية المهاجرة ، أو المهجّرة ، ذلك أن الأمة هي الأحق بعلم علمائها ، وجهدهم ، كما أن الطليعة العربية ، ومن خلال كوادرها المتخصصين ستضع تصوراً واقعياً للبناء ، والتنمية ، والاستثمار الشامل لإمكانيات الأمة ، وطاقاتها البشرية ، والمادية .

مادة ( 54 )

إن الطليعة العربية تنطلق من منهجها الذي يحدد الجدل الاجتماعي كطريق وحيد للتطور ، يعرف الناس من خلاله غاياتهم ، ويدركون في الوقت ذاته أن النظام القانوني في المجتمع لا يكون مشروعاً إذا تضمن قيوداً سياسية ، واجتماعية على مقدرة الناس على الجدل الاجتماعي .

الفصل الثالث
الأسلوب
مادة ( 55 )
إن مشكلة الأسلوب تكاد تشّوه الغايات العظيمة التي يناضل من أجلها الشعب العربي فالطليعيون العرب الجدد يدركون أن الشعب العربي ، ومنذ أكثر من نصف قرن قد قدّم تضحيات هائلة من الدماء ، والوقت ، والجهد ، ومن حياة أبنائه حرماناً ، وتهميشاً ، فأثبت بهذا استعداده للبذل ، والعطاء ، والتضحية في سبيل غاياته ، وأثبت مقدرته الفذة على احتمال متاعب الطريق إليها ، ومع هذا ، أو بالرغم من هذا ، لا يتقدم إلى تلك الغايات بالقدر المتكافئ مع تضحياته ، إن الطليعيون العرب الجدد يضعون ذلك نصب أعينهم ، فالمشكلة لم تكن في الشعب العربي ، وإنما كانت في الأساليب الفاشلة ، لذلك يحصنون أنفسهم ابتداء من تكرارها ، ويطهرّون أنفسهم ثانياً ، من إدانة شعبهم ، أو الاستعلاء عليه .

مادة ( 56)

الطليعيون العرب يتفهمّون موقف الشعب العربي الذي يزدري شعارات التحرر المختلطة بالاستبداد ، ولماذا يدير الشعب العربي ظهره لشعارات الوحدة المختلطة بقبضة التفرد ، و الاستغلال ، ولماذا يسخر الشعب العربي من شعار الاشتراكية المختلطة بقبضة الديكتاتورية ، وبالتالي ، فإن الطليعيون العرب حريصون على تطهير مبادئهم من لوثة الاستبداد ، والاستغلال ، والديكتاتورية .

مادة (57 )

الطليعيون العرب يشاركون شعبهم الأسئلة الاستنكارية ، فما الذي يجنيه من ثمار تضحياته في كسر قيود الاستعمار الخارجي إذا تم تكبيله بقيود الاستبداد الداخلي ..؟ وما الذي يجنيه من فك حصار الإقليمية إذا حاصره الاستغلال ، والفساد في دولة الوحدة ؟ وما الذي يجنيه من ثمار تضحياته لرفع استغلال الإنسان للإنسان ، إذا عادت الديكتاتورية تمارس قهرها عليه ، وتستلب حريته ، وإرادته ..؟ .

مادة ( 58 )

الطليعيون العرب الجدد يواجهون بحزم محاولات اليأس ، أو التراجع ، أو حتى التوقف ، لأنهم ، ومن خلال منهجهم يدركون أن الشعب العربي ليس أول شعب في التاريخ يناضل من أجل تقدمه ، ولن يكون الأخير ، وإذا كانت الأساليب قد فشلت في تجارب مضت ، فمن قبلهم فشلت شعوب كثيرة قبل أن تتعلم كيف تتقدم ، كما أن شعوباً أخرى من قبله نجحت ، فتقدمت ، والطليعيون العرب يعرفون من خلال نهجهم ، ومنهجهم ، حتمية التقدم ، والتطور ، لهذا ، فإن اليأس ، أو التراجع ، أو حتى التوقف ، لن ينهي المشكلات الاجتماعية للشعب العربي ، ذلك أنها ستبقى قائمة ، وستتفاقم إلى أن تضيق بجيلنا ، وبالأبناء ، الحياة حيث لا مهرب ، هنا سيضطر جيلنا ، أو جيل الأبناء لمواجهة ذات المشكلات بعد أن تكون قد أصبحت أكثر تعقيداً .


مادة ( 59 )

الطليعيون العرب ، وبعد التجارب المرة ، يدركون أن الأسلوب ليس متروكاً للتجريب في ساحة الممارسة ، ولكنه جزء من النظرية التي يلتقي عليها ويلتزم بها ، ويحتكم إليها الطليعي العربي ، وعلى أساس الإلتزام بالأسس ، والمنطلقات ، والغايات ، ومن ثم الأسلوب حيث تفرز القوى ، وحيث كل جماعة تلتقي على نظريتها ، وتلتزم بها ، وتعمل على تحقيقها في الواقع بأسلوبها ، وعندما تفرز القوى تكون كل واحدة منها أقدر بذاتها على تحقيق غاياتها ، منها ، وهي مختلطة بغيرها تحت شعار " وحدة الحلول الصحيحة للمشكلات الاجتماعية " وهذا الفرز هو أول خطوة في سبيل حل مشكلة الأسلوب ، وفرز " الطليعة العربية " أسساً ، ومنطلقات ، وغايات ، وأسلوب .

مادة ( 60 )

الطليعيون العرب يؤسسون على قاعدة منهجية تقول ، أنه مهما يكن مضمون التغيير الذي نريد أن نحدثه في الواقع ، فهو إضافة غير قابلة للتحقق بدون عمل الإنسان ، وبالتالي فإن الترجمة العملية لذلك هي أننا لن نعرف كيف نحل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً ، إلا إذا اعتمدنا قاعدة " الإنسان أولاً " وهذا يرتب مبدأ أساسياً ، وهو أن أي شعار على وجه الأرض لا يبرر تقييد حرية الإنسان ، أو يبرر انتهاك حقوقه الأساسية ، أو تعريضه للقهر ، والاستبداد ، والديكتاتورية .
فلا حرية ، ولا وحدة ، ولا اشتراكية ، إلا بإنسان حر ، سيد نفسه ، سيد قراره ، متحرر من القهر المادي ، والمعنوي ، حريته مصانة ، لا يستعبده أحد ، ولا يستبعد أحد ...

مادة ( 61 )

الطليعيون العرب يلتزمون قانون الجدل الاجتماعي الذي يحدد الناس كأداة للتطور الاجتماعي الذي لا يتم إلا إذا ، وبقدر ما شارك الناس في طرح المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة حلولها الصحيحة ، والمساهمة في العمل اللازم ، والمناسب لحلها .. فالمعرفة المشتركة ، بالمشكلات الاجتماعية ، والرأي المشترك في حلها ، والعمل المشترك تنفيذاً للحل في الواقع الاجتماعي ، يؤدي إلى إضافة تحل فيها المشكلات الاجتماعية ، وتثور بها مشكلات اجتماعية جديدة ، فتحل .. وهكذا ... ، ولن نعرف كيف نحل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً ، إذا نسينا ، لحظة واحدة ، هذا القانون .

مادة ( 62 )
الطليعيون العرب يتصّدون للمشكلات التي تواجه المجتمع ، إذ لا وجود في المجتمع لما يسمى المشكلات خاصة ، فجميع المشكلات التي يواجهها أي إنسان في حياته ، هي مشكلات اجتماعية عامة في حقيقتها الموضوعية ، وكل إنسان في المجتمع شريك في صنع مستقبل مجتمعه ، فالبشر بحكم قانونهم النوعي لا يكفوّن ، ولا يستطيعون الكف عن معاناة مشكلاتهم ، كما لا يكفوّن عن العمل الذهني ، أو المادي الإيجابي ، أو السلبي الذي يعتقدون أنه يحل مشكلاتهم ، حتى لو لم يكن هو العمل المناسب لحل تلك المشكلات .. المسألة إذن هي : ما إذا كان هذا النشاط الذي يقوم به الناس يؤدي إلى حل مشكلاتهم فعلاً ؟، أم أنه يبدد طاقاتهم في محاولات فاشلة لحلها ....؟ ، وهذا هو صلب حل مشكلة الأسلوب ، حلاً صحيحاً .

مادة ( 63 )

إن أية مشكلة اجتماعية ، ليس لها إلا حل صحيح واحد في واقع اجتماعي معين ، وفي وقت معين ، والتطور الاجتماعي يتم عن طريق الجدل الاجتماعي ، ولا يتم إلا عن هذا الطريق ، والقوى الجماهيرية الملتقية على رأي مشترك تلتزمه في تطوير المجتمع ككل هي أقرب القوى إلى معرفة الحقيقة الموضوعية لمشكلات التطور ، وأكثرها اتفاقاً مع قانون الجدل الاجتماعي لا حيلة لأحد في هذا ، وهي التي يسمونها أحزاباً .

مادة ( 64 )

الحزب مؤسسة جماهيرية ملتقية على رأي واحد في مشكلات التطور الاجتماعي ، وحلولها ( نظرية ) ، تعمل معاً ( منظمة ) ، من أجل تنفيذ رأيها ( نظريتها ) ، في الواقع الاجتماعي .

مادة ( 65 )

يتكوّن الحزب من الذين يلتقون على نظريته ، ويلتزمون بها في الممارسة ، ويحتكمون إليها عند الاختلاف ، وهو ما يعني أن الحزب مؤسسة جماهيرية ذات وجود مستقل عن أي عضو فيها ، ولذا لابد لها أن تكون ديمقراطية في نظامها الداخلي ، ينفذ رأي أغلبية الأعضاء عند الاحتكام إلى النظرية ، وإلا فإنها تتحول إلى مؤسسة ( فرد ) ، أو ( شلة ) ، فتفقد أول ما تفتقد سمتها كقوة جماهيرية وتصبح جماهير في خدمة فرد ، أو شلة .

مادة ( 66 )

إن القوى القومية العربية تختلف في فهم مشكلات التطور القومي ، فلا حيلة لأحد في أن تقوم في الوطن العربي حركات ، أو أحزاب ، أو منظمات قومية تختلف في فهمها للقومية ، والطليعيون العرب يدركون ذلك ، ولا يدعّون احتكار قيادة الجماهير العربية ، أو الوصاية عليها ، والممارسة الديمقراطية هي المحك الذي سيكشف صحة ، أو خطأ ما يدعيه كل منها ، بما في ذلك " الطليعة العربية " ، فليس من حق أي حزب قومي عربي أن يصادر حق أي جماعة من الشعب العربي في أن تختار للأمة ما تعتقد أنه الطريق الصحيح للتطور ، والممارسة النضالية هي المحك الأخير .

مادة ( 67 )

لا يملك أحد أن يوجه الأمر للشعب العربي بألا يفعل شيئاً بانتظار ما يعتقد هو انه الحزب المخّلص الذي سيظهر يوماً ، ما ، الأجدى من ذلك أن يتم التعامل مع الواقع ، كما هو لتغييره ، وتطويره ، وأن تنطلق قوى النهوض ، والتنوير في الوطن العربي ، وهي قابلة منذ خط البداية ، بالتعددية ، فحتى في ظل دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية ، حيث تكون كل شروط الفعالية الكاملة للجدل الاجتماعي قد توافرت ، وحيث تكون كل الجهود معبّأة نحو غاية واحدة هي الإشباع الثقافي ، والمادي ، لحاجات الشعب العربي المتجددة أبدأ ، فستوجد التعددية حركات ، وأحزاب عربية تختلف ، وتتنافس لتحّقق في ذاتها ، وفي الواقع الموضوعي أفضل وسيلة لتحقيق التقدم ، والرخاء للشعب العربي كله ، وتحتكم في هذا ديمقراطياً إلى الشعب في دولته الديمقراطية .

مادة ( 68 )

الطليعيون العرب في داخل كل دولة عربية يناضلون ضد الاستبداد ، والديكتاتورية ، وضد من يرّوج ، أو يساند الاستبداد ، والديكتاتورية ، فهم مع سيادة القانون ، وحرية المعرفة ، وحرية الرأي بدون قيود ، ومع الاحتكام إلى الشعب ، والالتزام برأي لأغلبيته ، ومع الممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق مع حرية الاجتماع ، وحرية تكوين النقابات ، وحرية النشاط الحزبي ... الطليعيون العرب ، باختصار شديد ، يناضلون من أجل الديمقراطية ابتداء ، ومن أجلها أخيراً ، ويلتزمون نتائجها حتى ، ولو أدى إلى هزيمتهم في جولة انتخابية ، فلا يتعالون على شعبهم ، ولا يحمّلوه المسؤولية ، بل يبحثون عن الخطأ في ذواتهم ، ومؤسساتهم ، في برامجهم ، في أدائهم ، فالشعب دائماً على حق .







الباب الثالث
في التأسيس
***
الفصل الأول
خط البداية

مادة ( 69 )

الطليعيون العرب الجدد يدركون بعمق الوجود العربي المجزأ ، ويدركون بشكل خاص المشكلات بالغة التعقيد التي تعيق تأسيس حزب قومي عربي للانتقال من الوجود العربي المجزأ إلى المصير العربي الموحد ، ويقدرّون النضالات ، والتضحيات التي بذلتها الأجيال القومية العربية المعاصرة خلال القرن الأخير ، لكنهم في الوقت ذاته مصممون على قراءة ما جرى بدقة ، إن كان على صعيد أسلوب بناء التنظيم القومي ، أو على صعيد الوقائع الموضوعية التي فرضت نفسها على الواقع العربي ، والتي لا يمكن تجاهلها .

مادة ( 70 )

الطليعيون العرب الجدد يقررون ، ويقرون أن جميع محاولاتهم لبناء التنظيم القومي العربي ، متجاهلين الواقع العربي ، بمؤسساته ، ودوله ، ومنظماته قد باءت بالفشل مما يؤكد أن محاولاتهم تلك كانت محاولات مثالية فاشلة ، قررّوا أن لا يكرروها .
الطليعيون العرب يقروّن ، ويقررّون أن الوجود العربي المجزأ لن يتغير إلى المصير العربي الموحد ، بإعلان المبادئ القومية ، ورفض التجزئة ، والتلاعن مع الإقليمية ، والصهيونية ، والاستعمار ، والإمبريالية ، والرجعية ، وإنما بالتعامل مع الواقع ، كما هو ، فلا يجدي رفض الواقع ، ورفض المؤسسات ، والقوى الفاعلة على الأرض ، والتعالي على مشكلات الناس ، أو اعتبارها مشكلات ثانوية ، فالمصير العربي الموحد لن يولد ، إلا من رحم هذا الوجود العربي المجزأ الزاخر بالسلب الكثير ، والإيجاب القليل .. الطليعيون العرب الجدد ، قرروا رسم خط البداية في هذا الواقع ، بما يعجبهم فيه ، وما لا يعجبهم ، لقد كان منطقياً أن يرفض جيل الرواد من القوميين العرب قيام دول التجزئة ، ويطهّرون أنفسهم من التعامل مع مؤسساتها ، ويتعالون على المشكلات الحياتية ، والمحلية التي لن تجد حلها إلا على صعيد دولة الوحدة ، وبالتالي يرفضون هذا لواقع الذي صنعه تحالف من الأغبياء ، والمتخلفين ، والمصلحيّين ، والمنافقين ، والرجعيين ، والمستعمرين ، والصهاينة ، والعملاء ، وإلى آخر الصفات ..
الطليعيون العرب الجدد يقرأون هذا كله على أنه بات واقعاً تجاوز مرحلة التصنيع إلى مرحلة الممارسة ، وأن الذين يشغلون وظائف هذا الواقع من أول السجانين إلى آخر المسجونين ، ومن أول المستغلين ، إلى آخر ضحايا الاستغلال .. يشكلون هذا الواقع الاجتماعي الذي لا يمكن تغييره إلا بالعمل الإيجابي فيه لتفعيل قانون الجدل الاجتماعي الذي يؤدي إلى التطور ، والتغيير إلى المصير العربي الموحد .

مادة ( 71 )

الطليعيون العرب الجدد الآن اتخذوا قرار المباشرة بالتعامل مع الوجود العربي المجزأ كما هو لتعزيز ما هو إيجابي فيه ، ومواجهة السلب ، والنضال مع الجماهير لتحرير الإنسان ، ورفع القيود التي تكبّل حرية الرأي ، والقرار لأن الحرية أولاً ، هي التي ستؤدي إلى الحرية في محطة الأهداف ، والمصير العربي الموحد .

مادة ( 72 )

يختار الطليعيون العرب الجدد على التوازي ، وبالتزامن تأسيس " الطليعة العربية " على ثلاثة خطوط تتفاعل مع بعضها ، بعضاً في تحمل الأعباء دون تعارض ، أو تعطيل :
- الأول : التأسيس لبناء المؤسسات القومية للطليعة العربية .
- الثاني : التأسيس لبناء مؤسسات الطليعة العربية على صعيد الجاليات العربية في المهاجر ، والمغتربات .
- الثالث : التأسيس لبناء مؤسسات الطليعة العربية في الدول العربية .






الفصل الثاني
المؤسسات القومية
مادة ( 73 )

بمقتضى هذا العقد يتداعى نفر ممن بقي على قيد الحياة من شيوخ القوميين العرب التقدميين الذين مازال الحلم يؤرقهم ، والذين انتهت صلاحياتهم للعمل النضالي المباشر في ساحاتهم إلى اعتماد آلية للاتصال ببعضهم ، بعضاً ، وتشكيل لجنة تحضيرية منهم لإعداد الوثائق الفكرية ، واللوائح التنظيمية ، وجدول الأعمال ، وتحديد مكان ، وزمان انعقاد المؤتمر التحضيري القومي للطليعة العربية .

مادة ( 74 )

يقوم المؤتمر التحضيري بدراسة الوثائق ، والمقترحات المقدمة من الأعضاء ، والرسائل ، والوثائق التي وصلت إلى المؤتمر من مختلف الساحات ، ويصدر بياناً يتضمن نتائج أعماله .

مادة ( 75 )

يشّكل المؤتمر التحضيري لجنة متابعة مهمتها مراسلة الساحات ، وتلقيّ المقترحات ، ودعوة الساحات لترشيح أعضاء المؤتمر القومي التأسيسي ، وإعداد الوثائق ، وجدول الأعمال ، وتحديد مكان ، وزمان انعقاد المؤتمر الذي يجب أن يحصل خلال مدة عام واحد من انعقاد المؤتمر التحضيري .

مادة ( 76 )

تنتهي مهام المؤتمر التحضيري ، بمجرد تسليم الراية إلى المؤتمر التأسيسي الذي تم ترشيح أعضائه من الساحات .

مادة ( 77 )

المؤتمر التأسيسي يدرس الوثائق المقدمة من المؤتمر التحضيري ، ويقرّ لوائحه الداخلية ، وينتخب المجلس القومي بعد أن يحدد عدد أعضائه ، ويحدد مهامه .
مادة (78 )

يقوم المؤتمر التأسيسي بتصنيف الوثائق ، وتشكيل اللجان التخصصية ، ويعّد العدة لإنعقاد المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية خلال مدة أقصاها عامين من انعقاد المؤتمر التأسيسي .

مادة (79 )

يتم اختيار أعضاء المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية من المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول العربية وفي المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في بلدان الاغتراب عن طريق الاختيار الديمقراطي .

مادة ( 80 )

بمجرد انتخاب أعضاء المؤتمر القومي الأول للطليعة العربية ديمقراطياً يتم تجميد عضويتهم في المؤسسات التي انتخبتهم حيث لا يجوز الجمع بين عضوية المؤسسات المحلية ، والمؤسسات القومية .

مادة ( 81 )

تنبثق عن المؤتمر القومي للطليعة العربية مؤسسات قومية في المجالات كافة لتنفيذ مقررات المؤتمر ، ومتابعة التنفيذ ، وللمساهمة في تعزيز دور المؤسسات القومية ، الثقافية ، والاقتصادية ، والمهنية .

مادة ( 82 )

تقوم المؤسسات القومية المتخصصة المنبثقة عن المؤتمر القومي للطليعة العربية بقراءة الوثائق الصادرة عن المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول القائمة ، وفي المغتربات ، والتنسيق فيما بينها ، وإزالة التناقض مع الاحتفاظ بالتنوع في المعالجة بحسب الظروف المتباينة ، وتشرف المؤسسات القومية على تبادل الوثائق بين المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، ويتم ذلك كله وفق لوائح تنفيذية دقيقة بما يحقق الفصل التام بين الصلاحيات الممنوحة للمؤسسات الحزبية في الدول العربية ، والمغتربات ، من جهة ، وبين المؤسسات القومية من جهة أخرى .


مادة ( 83 )

تحتفظ المؤسسات القومية للطليعة العربية باستقلاليتها التامة عن المؤسسات الحزبية المحلية ، وذلك لتتمكن من القيام بدور الحكم ، والتنسيق ، والاقتراح ، وحتى التحكيم إذا لزم الأمر بين سائر المؤسسات الحزبية للطليعة العربية .. وبحيث تبقى المؤسسات القومية على مسافة واحدة من سائر تلك المؤسسات ، والمعادلة هنا في غاية الدقة ، فلابد من تحصين المؤسسات القومية للطليعة العربية ، بحيث لا يمكن لأية مؤسسة حزبية للطليعة العربية في دولة ، ما ، أو في المهجر ، أن تهيمن على المؤسسات القومية للطليعة العربية ، أو تحتويها ، ففي هذا مقتل للأجزاء ، والكل معاً .

مادة ( 84 )

في سياق المادة (83 ) السابقة تبقى مقرات المؤسسات القومية للطليعة العربية في المهاجر ، والمغتربات إلى أن تقوم دولة الوحدة العربية فتنتقل مقراتها إلى عاصمة دولة الوحدة ، وذلك كي تبقى المؤسسات القومية ، مستقلة ، سيدة قراراتها .

مادة ( 85 )

تبقى المؤسسات القومية " الطليعة العربية " ذات صفة تنسيقية ، وفكرية ، وتشريعية تتمتع بالمرونة ، وتبقى قيد الإعداد ، والتطوير إلى أن تقوم دولة الأمة ، وذلك على عكس المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في الدول العربية ، وفي المهاجر حيث تستكمل صفتها الاعتبارية ، والتنفيذية وفق قواعد الانضباط ، والحركة ، والأنشطة بما يضمن لها ممارسة النضال السياسي اليومي في الدول العربية ، وبلاد الاغتراب .

مادة ( 86 )

تبقى المؤسسات القومية للطليعة العربة في طور الإعداد إلى أن تقوم دولة الوحدة الاشتراكية الديمقراطية ، عند ذلك يستكمل البناء التنظيمي على المستوى القومي حيث تخوض الانتخابات في ظل النظام الديمقراطي وفق برامج تتعلق بالمستقبل ، والتنمية ، والتخطيط ، والعدالة ، والمساواة ، وتمارس دورها سواء في السلطة التنفيذية أو في مقاعد المعارضة ، وذلك كما يقرر الشعب العربي الذي تحرر أخيراً ، بعد أن كان قد تحرر أولاً .



الفصل الثاني
مؤسسات الطليعة العربية في المغتربات

مادة ( 87 )

الطليعيون العرب يدركون أن مؤسسات الطليعة العربية في المغتربات ذات طبيعة خاصة ، وهامة ذلك أنها توفر لهم ظروفاً للقاء خارج نطاق الدول العربية ، وبالتالي يمكن لتلك المؤسسات أن تكون مؤسسات قومية ، من حيث تكوينها ، وتركيبتها البشرية منذ لحظة التأسيس ، وهذا ما لا يتوفر لهم في وطنهم المجزأ ، لهذا فإن الطليعيون العرب يولون تلك المؤسسات أهمية خاصة لأنها تتيح لهم التعرف على المشكلات واقعياً ، والتعامل معها من خلال اللقاء المباشر ، والاحتكاك مباشرة بمشكلات التجزئة .

مادة ( 88 )

الطليعيون العرب في المغتربات يتمتعون بقدر من الحرية ، والديمقراطية لتفعيل قانون الجدل الاجتماعي ، فيما بينهم غير متوفرة في الوطن للأسباب المعروفة ، كما أن ظروفهم تمنحهم حرية الحركة ، وتقاسم المهام .

مادة ( 89 )

للأسباب الواردة في المادتين السابقتين فإن المغتربات هي الأماكن المناسبة نسبياً لاستضافة مقرات المؤسسات القومية إلى أن تقوم دولة الوحدة الديمقراطية ، حيث تنتقل تلك المؤسسات القومية إلى عاصمة دولة الوحدة .

مادة ( 90 )

يمكن تقسيم مؤسسات الطليعة العربية في المغتربات إدارياً إلى الأقسام التالية :
1 – مؤسسات الطليعة عربية في أوروبا .
2 – مؤسسات الطليعة العربية في أمريكا الشمالية .
3 – مؤسسات الطليعة العربية في أمريكا الجنوبية .
4 – مؤسسات الطليعة العربية في أفريقيا
5 – مؤسسات الطليعة العربية في روسيا وآسيا الشمالية .
6 – مؤسسات الطليعة العربية في الصين ، وجنوب شرق آسيا ، واليابان .
7 – مؤسسات الطليعة العربية في الهند وآسيا الوسطى .
8 – مؤسسات الطليعة العربية في بلاد فارس ، والأفغان ، والباكستان .
9 – مؤسسات الطليعة العربية في اندونيسيا .
10 – مؤسسات الطليعة العربية في استراليا ، ونيوزلانده .

مادة ( 91 )

تعتمد تلك المؤسسات برامج ، وأنظمة تأسيسية ، ولوائح داخلية ، بما يتناسب ، والظروف الموضوعية لكل مؤسسة على حدة .

مادة ( 92 )

تتكون مؤسسة محلية للطليعة العربية في كل دولة من الدول الواقعة في نطاق كل مؤسسة من المؤسسات الاغترابية المذكورة ، وحتى في المدن التي تضم جاليات عربية كبيرة .

مادة ( 93 )

تحدد تلك المؤسسات الاغترابية من خلال لوائحها التنظيمية علاقاتها مع بعضها ، البعض ، وكذلك علاقاتها مع مؤسسات الطليعة العربية في الدول القائمة على الوطن العربي ، وكذلك مع المؤسسات القومية للطليعة العربية ، لتحقيق التكامل فيما بينها .

مادة ( 94 )

تهتم مؤسسات الطليعة العربية اهتماماً خاصاً بلقاء الفعاليات العربية في المغتربات سواء العملية ، أو التخصصية ، أو الاجتماعية ، أو الثقافية ، أو الفنية ، وتساهم بتنظيمها ، وحث تلك الفعاليات إلى العودة للوطن ، فهو أكثر حاجة لعلومهم ، واختصاصاتهم ، وإمكانياتهم .

مادة ( 95 )

الطليعيون العرب يعّولون على عودة العقول العربية المهاجرة إلى الوطن ـ لمحاولة اللحاق بركب التقدم بعد أن تم نهب الثروات المادية التي لا يمكن أن تعود .

مادة ( 96 )

يبذل الطليعيون العرب في المغتربات أقصى الجهود في التقريب بين أبناء الجاليات العربية على كافة الأصعدة الاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية من خلال المنتديات والجمعيات ، وتأسيسها ، وتحقيق التكافل ، والتضامن ، وإقامة الندوات ، والرحلات إلى أرجاء الوطن العربي ، وإقامة المؤسسات الإعلامية ، والثقافية ، والرياضية ، والاقتصادية المشتركة ، وتنظيم المهرجانات ، أو المظاهرات .. والحفلات الفنية ، والمعارض ، وفي شتى المجالات .

مادة ( 97 )

الطليعيون العرب في المغتربات يدركون أهمية وجود الجاليات العربية في المغتربات لتقديم صورة نموذجية للسلوك ، والأخلاق ، والثقافة ، والتسامح ، والانفتاح على الشعوب ، وإزالة ما لحق بصورة الأمة العربية من تشويه مارسته القوى العنصرية ضدها من الخارج ، ومارسه بعض أبناء الأمة ، للأسف الشديد ، عن وعي ، أو بدون وعي ..

مادة ( 98 )

تقوم مؤسسات " الطليعة العربية " في المغتربات بنسج أوسع العلاقات مع القوى ، والمؤسسات ، والأحزاب ، والمنتديات ، والجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان ، والبيئة ، ومؤسسات مقاومة الهيمنة ، والمؤسسات الداعية إلى السلام العالمي ونبذ التوحش ، وإشراكها في جميع النشاطات لنصرة الحقوق العربية ، وتحشيدها ضد محاولات الغزو للأمة ، وضد قوى الاستبداد التي تنتهك حرية المواطنين ، وذلك بالتضامن مع تلك المؤسسات في سائر النشاطات الإنسانية على صعيد العالم .








الفصل الثالث
مؤسسات الطليعة العربية
في الدول العربية

مادة ( 99 )

الطليعيون العرب يدركون أن السؤال الصعب الذي يتوقف على الإجابة عليه مصير مشروعهم الحضاري في النهوض ، والتنوير هو كيف نبني مؤسسات الطليعة العربية في هذا الوجود العربي المجزأ مما يقتضي أن يتم هذا البناء على أسس هذا الواقع ، كما هو ، بعناصره ، ومؤسساته ، ودوله .. وفي الوقت ذاته لا تفقد مؤسسات الطليعة العربية الاتجاه ، ولا تتوه مرة أخرى في هذه البرية العربية ؟ ، كيف تنطلق من الأجزاء ، وتلتحم في الكل العربي الموحد ؟ ، فتدق مواكب الطليعة العربية باب المصير العربي الواحد .

مادة ( 100 )

إن الأساليب ، والوسائل ، والأدوات ، والمؤسسات التي تم اعتمادها من الجيل القومي العربي في القرن العشرين كانت لمعالجة الظروف التي كانت سائدة حيث كانت مؤسسات الدول الإقليمية التي تم إحداثها على الأرض العربية قيد الإنشاء ، بينما كان المشروع القومي العربي التقدمي التوحيدي ناهضاً ، وكاسحاً ، وبالتالي كانت القواعد الشعبية في تلك الدول تتطلع إلى تجاوز تلك المؤسسات الإقليمية إلى الدولة القومية الواحدة .
الآن ، وبعد انهيار المشروع النهضوي عموماً في الوطن العربي ، وبعد تورّم بعض أجهزة الدول القائمة على أرض الوطن العربي ، وتعزيز إمكانياتها ، وشموليتها ، في الوقت الذي أدى فيه الاستبداد المديد إلى تهديد النسيج الاجتماعي داخل دول التجزئة ذاتها ، مما أدى إلى أن القواعد الشعبية في تلك الدول لم تعد تتطلع إلى تجاوز مؤسسات الدول الإقليمية باتجاه دولة الوحدة العربية ، وإنما انعكس اتجاهها باتجاه مزيد من التفتيت الديني والطائفي ، والمذهبي ، والأثني ، والمناطقي ، والاقتصادي ( انهيار مؤسسات دولة العراق نموذجاً ) ، وبالتالي فإن الواقع الجديد يفرض نفسه على أساليب وأدوات ، ومؤسسات " الطليعة العربية " ، باختصار شديد ، فإن الواقع العربي ، بصراعاته التي فاقمتها أنظمة الطغيان ، وجيوش الغزاة ، وسياسات دول الهيمنة الدولية ، وعناصر الفتن المحلية ، سواء المرتبطة بمخططات واحدة من تلك القوى ، أو التي تسعى لتدمير الوجود العربي ، بغباء ذاتي ، هذا الواقع الموضوعي للوجود العربي بات أكثر خطراً على المصير القومي الموحد في حال انفلاته من هيمنة مؤسسات الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي ، أياً كان رأينا فيها ، وأياً كان رأينا في شرعيتها ، ومشروعيتها ، واستبداد ، وطغيان ، وفساد سلطاتها .

مادة ( 101 )

الطليعيون العرب في الدول العربية ، وبالاستناد إلى المادة السابقة لا يسعون ، ولا يساهمون في تدمير مؤسسات تلك الدول ، ولا يتآمرون ، ولا ينقلبون عليها ، فقد حددوا طريقهم إلى المصير العربي الواحد ، بأنه لا يمر عبر الانقلابات ، أو الاستبداد ، أو الاحتلال ، أو الضم ، أو الهيمنة ، وإنما يمر عبر نضال طويل ، بتوفير المناخ الإيجابي لتفعيل قانون الجدل الاجتماعي في الأجزاء العربية عبر مناخ من الحرية ، والديمقراطية ورفع القيود عن حقوق الإنسان الأساسية ، وصيانتها من الانتهاك ، ذلك أن الأحرار وحدهم يصنعون مصيرهم ... وإذا كانت المشكلات القومية لن تجد حلولها النهائية إلا في الإطار القومي ، فإن المباشرة بحل المشكلات المحلية في الأجزاء هو الذي سيؤدي إلى المصير القومي الموحد ، والاقتراب من حل المشكلات قومياً في إطارها القومي .

مادة ( 102 )

الطليعيون العرب في الدول العربية ، وبالاستناد إلى المادة السابقة يؤسسون أحزاب الطليعة العربية في الدول العربية ، كمؤسسات اعتبارية ، سيدة قراراتها بحسب الظروف الموضوعية في كل دولة عربية على حدة .

مادة ( 103 )

حزب الطليعة العربية في الدولة العربية كذا .. حزب مستقل ينحصر نشاطه داخل حدود الدولة ، ويتم تأسيسه علناً بناء على نظام أساسي معلن ، وفق الدستور ، والقوانين النافذة في تلك الدولة ، حيث كان ذلك ممكناً ، أما ، حيث لا تتيح الدساتير ، والقوانين النافذة تأسيس أحزاب ، فتؤسس أحزاب الطليعة العربية ، وتبقى تحت التأسيس ، تناضل مع سائر القوى الحية لإتاحة حرية تشكيل الأحزاب .

مادة ( 104 )

المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، وفي كل دولة عربية لا تتعالى على مشكلات الناس المحلية ، وإنما تناضل معها ، وبها لحل تلك المشكلات على تنوعها ، أياً كانت ، اجتماعية ، ثقافية ، اقتصادية ، سياسية .
مادة ( 105 )

المؤسسات الحزبية للطليعة العربية ، وفي كل دولة عربية ، مؤسسات اعتبارية تمّثل في بنيانها الداخلي جميع مكونات المجتمع على أساس من المواطنة الحقة ، لا تمييز ، لا هيمنة ، لا إقصاء ، لا عنصرية .. المواطنة الإيجابية هي المعيار الوحيد للتقييم .

مادة ( 106 )

الطليعة العربية في الدول العربية ، وفي كل دولة عربية على حدة تناضل لتكون رافعة في مجتمعها ، إلى المواطنة التي تتضمن الانتماءات الفرعية ، لا تلغيها ، ولا تسمح لها بالهيمنة على بعضها ، بعضاً .

مادة ( 107 )

حزب الطليعة العربية في الدول العربية ، وفي كل دولة عربية على حدة ، مؤسساته ديمقراطية ، ونضاله مع الآخر ديمقراطي ، ووجوده في سلطة أية دولة عربية ديمقراطي ، ووجوده في المعارضة في أية دولة عربية ديمقراطي .

مادة ( 108 )

إن حصول حزب الطليعة العربية على الأغلبية في أية انتخابات ديمقراطية في أية دولة عربية ، لا تعطيه الحق في توحيد الدولة العربية التي فاز بالأغلبية فيها ، مع دولة عربية أخرى ، أو دول عربية أخرى إلا بتوفر ثلاثة شروط متلازمة معاً .
الشرط الأول : أن يعرض موضوع الوحدة على الشعب في استفتاء حقيقي عادل ، وشفاف ، وموافقة الشعب ، بعد مروره بالمؤسسات الديمقراطية .
الشرط الثاني : أن تكون الدولة العربية المرشحة للوحدة معها محكومة بمؤسسات ديمقراطية .
الشرط الثالث : أن يكون الناتج الوحدوي ديمقراطياً ، وأن تكون مؤسسات دولة الوحدة مؤسسات ديمقراطية .

مادة ( 109 )

حزب الطليعة العربية إذا كان في مقاعد المعارضة في إحدى الدول العربية يتخذ ذات الموقف من إمكانية توحيد الدولة العربية ، مع دولة عربية ، أو دول عربية أخرى ويشترط توفر الشروط المنوه عنها في المادة السابقة .
مادة ( 110 )

حزب " الطليعة العربية " في كل دولة عربية ، على حدة ، حزب مستقل ، سيد قراره ، مستقل عن أحزاب الطليعة العربية الأخرى في الدول العربية ، وعلاقته بالمؤسسات القومية للطليعة العربية علاقات تنسيقية ، وتبادلية محكومة بلوائح تنظيمية واضحة ، ومحددة ، وأي قرار يصدر عن المؤسسات القومية لا ينفذ إلا بعد مروره على المؤسسات الحزبية للطليعة العربية في هذه الدولة ، وبالتالي فإن قرارات الطليعة العربية في كل دولة عربية تصدر عن مؤسساتها وتعبر عنها .

مادة ( 111 )

حزب " الطليعة العربية " في كل دولة عربية لا يتهرب من مواجهة المشكلات الاجتماعية ، ولا يداريها ، ولا ينافق ، ولا يتعالى ، لا يغرق في وحول الواقع ، وإنما يعالجها ، ويتخلص منها ، ولا يتعالى على مشكلات الواقع بمثاليات فاشلة ، وإنما يبحث لها عن حلول ، ويتحول إلى خلية نشطة ، ومعافاة ، من خلايا المجتمع في تلك الدولة .

مادة ( 112 )

حزب الطليعة العربية في كل دولة عربية على حدة يدرك مدى الفساد ، والتخريب ، والشخصنة الذي تعرضت له مؤسسات الدولة ، وبالتالي فإن حزب الطليعة العربية يناضل لصيانة تلك المؤسسات ، وتنظيفها ، وتحديد صلاحياتها ، ووضعها في خدمة المجتمع عوضاً عن تسخير المجتمع لخدمتها ، وكذلك تحويلها من مؤسسات تسّلطية ، إلى مؤسسات مهنية تقوم بأدوارها ، المكلفة بها من قبل المجتمع ، وردع التجاوزات من أي مصدر كان .

مادة ( 113 )

حزب الطليعة العربية يمارس جميع النشاطات النقابية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والرياضية ، انتخاباً ، وترشيحاً ، وأداء ، ويحتكم لإرادة الناس ، ويقوم بتقييم ، وإعادة تقييم أساليبه ، وتوجهاته وفق ذلك ، لا باتهام الناس .

مادة ( 114 )

حزب الطليعة العربية يقاوم بجميع الوسائل كل ما من شأنه النيل من النسيج الاجتماعي ، ويناضل لتكافل المجتمع في نطاق التعدد ، والاختلاف ، والتنوع .
مادة ( 115 )

جميع البرامج ، والوثائق التي تصدر عن أحزاب الطليعة العربية في الدول العربية تعتبر جزءاً لا يتجزأ من هذا العقد القومي تجري عليها كافة آثاره ، وأحكامه ، وتضاف إلى هذا العقد .
الفصل الرابع
في الطليعة العربية

مادة (116 )

حزب الطليعة العربية ، حزب لا مركزي يتشكل بتأسيس أحزاب للطليعة العربية في الدول العربية ، وفي المغتربات ، تنسق بينها مؤسسات قومية للطليعة العربية ، تبقى في إطار الإعداد ، والتنسيق ، والتشريع ، ولا تتخذ أية صفة تنفيذية ملزمة للمؤسسات الحزبية في الدول العربية ، إلا بعد قيام دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية ، حيث يعاد النظر بهذا العقد .

مادة ( 117 )

بمجرد قيام دولة الوحدة بين دولتين عربيتين أو أكثر تجتمع مؤسسات الطليعة العربية في الدول الموحدة وتؤسس حزب الطليعة العربية الواحد في الدولة التي توحدت .

مادة ( 118 )

عند قيام دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية تجتمع مؤسسات أحزاب الطليعة العربية في الدول العربية ، وفي الهاجر وفق لوائح تعتمدها ، وتختار مؤتمر قومي للطليعة العربية ينتج عنه مؤسسات ذات طبيعة تنفيذية ، وكاملة الصلاحية على نطاق دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية ، مع الاحتفاظ بالصفة اللامركزية لحزب الطليعة العربية ، وفق التقسيمات الإدارية التي تعتمدها دولة الوحدة العربية لكامل الوطن العربي .




مادة ( 119 )

دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية التي تسعى الطليعة العربية لتحقيقها هي دولة لا مركزية ، وفق تقسيمات إدارية جديدة تنبثق من الواقع الموضوعي تقرّها دولة الوحدة ، ولا تعتمد التقسيمات السياسية الناتجة عن معاهدات ، ومؤامرات استعمارية .

مادة ( 120 )

الوطن العربي ، بما هو عليه من وجود مجّزأ ، وبما سيكون عليه من مصير موحد ، هو ملك للأجيال العربية المتعاقبة ، لا يملك بعض من جيل ، أو جيل بكامله ، التنازل عن ذرة تراب من هذا الوطن ، وهذه مسؤولية قومية لا تقبل التجزئة ، أو التبعيض لحصرها بجزء معين ، أو إقليم معين .

مادة ( 121 )

الطليعة العربية ستسعى أن تكون دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي ، لا تسعى للهيمنة على أحد ، ولا تقبل الهيمنة على احد ، ولا تقبل الهيمنة من أحد ، وتتحالف مع جميع قوى الأنسنة ، والمساواة ، والبيئة النظيفة والسلام ، والعدالة ، ومع جميع قوى مقاومة الظلم ، والاستغلال ، والهيمنة ، والعنصرية ، أياً كان موقعها في هذا العالم .

مادة ( 122 )

تسعى الطليعة العربية لتأخذ دولة الوحدة العربية دورها في تحديث القوانين الدولية ، والمؤسسات الدولية ، بما يحقق المساواة ، والعدالة بين أشخاص القانون الدولي ( الدول ) ، وإلغاء كافة القوانين ، والتشريعات التي تتيح التمييز ، والهيمنة في المؤسسات الدولية ، بدءاً بحق الفيتو ، وانتهاء باحتلال مقاعد دائمة .







الفصل الخامس
في ما يستجد من أمور
مادة ( 123 )

تبقى هذه المادة ، وما بعد ، مفتوحة لما يقترحه ، ويتوافق عليه الطليعيون العرب خلال الممارسة على الطريق من الوجود العربي المجزأ إلى المصير العربي الموحد .
***
***
أيها الطليعيون العرب الجدد ، كان ما تقدم مسودة مشروع عقد قومي لتأسيس "الطليعة العربية" ، ادرسوه ، محصّوه ، احذفوا منه ، أضيفوا عليه ، عدلوّا مواده .. المهم أن تغادروا مواقع التأمل ، والعجز ، والانتظار إلى ساحات النضال ، والعمل ، والإرادة الحرة ، فكلكم طليعي عربي ، وكلكم مسؤول عن الطليعة العربية ، فمن ذا الذي سيحتفل بالميلاد العظيم ..؟! حبيب عيسى







توضيح :

كما كنت أحلم بأن تصدر مسودة العقد القومي للطليعة العربية عن مؤتمر قومي تحضيري ، فإن الحلم امتد ليشمل إصدار مسودات العقود التأسيسية لأحزاب الطليعة العربية في الدول العربية ، وفي المغتربات عن مؤتمرات محلية تحضيرية ، لكن ، ولذات الأسباب ، أجد نفسي مضطراً لوضع مسودة عقد تأسيسي للطليعة العربية في إحدى الدول العربية ، وذلك لسببين ، الأول : أن لا يبقى مشروع عقد التأسيس القومي حديثاً مجرداً إذا لم يترافق بعقود التأسيس لأحزاب الطليعة العربية في الدول العربية ، والمغتربات ، والثاني : ضرورة وضع عقد تأسيسي لحزب الطليعة العربية في إحدى الدول العربية ، وذلك كنموذج يطرح للنقاش ، والحوار والتمحيص ، من الطليعيين العرب ، ليس في الدولة المعنية ، وحسب ، وإنما على صعيد أبناء الأمة في الوطن والمغتربات .
بناء على ذلك أقدّم هذه المسودة لمشروع عقد ، لتأسيس حزب " الطليعة العربية " في دولة الجمهورية العربية السورية ، أضعه بين يدي الذين يقررون المبادرة للتأسيس ، وذلك لمناقشته ، وتمحيصه ، وتعديله ، والحذف منه ، والإضافة إليه ، بحسب ما يقررون ، وذلك على ضوء الدستور ، والقوانين النافذة في الجمهورية العربية السورية ، وكذلك في ضوء قانون الأحزاب المزمع إصداره :


***
حزب الطليعة العربية
في الجمهورية العربية السورية
***
العقد
***
الباب الأول
في المبادئ الأساسية
***

الفصل الأول
تمهيدي

أولاً : في الأسباب الموجبة :
إن الواقع الموضوعي في الجمهورية العربية السورية ، والظروف الاستثنائية التي تمر على البلاد ، وكذلك استمرار احتلال أجزاء من أرض الوطن في الجولان ، والاسكندرونة ، هذا بمجمله انعكس سلباً على الدولة ، ومؤسساتها ، على المجتمع ، ومؤسساته المدنية ، والحزبية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ، والقانونية ، مما عّطل إلى حد كبير تفعيل قانون الجدل الاجتماعي ، وأعاق ، ويعيق تطور المجتمع ، وتقدمه ، كما أدى من حيث النتيجة إلى انكفاء قطاعات واسعة من المجتمع عن العمل العام خوفاً ، أو عجزاً ، أو يأساً ، أو إحباطاً .
لهذا ، ولأسباب أخرى كثيرة ، وتفاصيل لا حصر لها ، فإن جميع القوى الحية في المجتمع مطالبة باستنهاض ، وتجديد شباب أدواتها ، وبرامجها ، وتحديث البنى الحزبية القائمة ، وتأسيس بنى حزبية عصرية تشّد النسيج الوطني ، وتواجه الفتن ، والفساد ، والاستغلال ، وتساهم في بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية ، ومنهجية تنظفهّا من الفساد ، والشخصنة ، والمحسوبية ، للمساهمة في التخطيط ، والتنمية ، والبناء ، وتطبيق النظام العام وفق أسس العدالة ، والمساواة ، وصيانة حقوق الإنسان الأساسية ، وحرية الرأي ، والتنوع السياسي ، وتحديث القوانين ، والأنظمة ، والقواعد الدستورية ، بما يتلاءم مع التطورات ، والتغيرات التي حدثت في المجتمع ، والتي ترفع كل القيود عن تطور المجتمع ، ويطمئن المجتمع إلى مبادئ المساواة ، والعدالة ، بدون استثناء ، أو امتياز ، أو إقصاء ، أو استئصال ، أو إهمال ، أو قهر ، كما أن الظروف الراهنة تفرض تنظيم جميع القوى الحية في المجتمع ، واستنهاضها في مؤسسات جماهيرية ، ونقابية ، ومدنية ، وحقوقية ، وحزبية ، للمساهمة في التخطيط الشامل ، والبناء المتوازن ، ومواجهة جميع أشكال استغلال الإنسان للإنسان ، أو ظلم الإنسان للإنسان ، أو استبعاد الإنسان للإنسان ، أو طغيان الإنسان على الإنسان ، أو إقصاء الإنسان للإنسان ، أو عدوان الإنسان على الإنسان ، أو إيذاء الإنسان للإنسان .
بمقتضى هذا كله ، بالاستناد عليه ، وبالانطلاق منه ، ولتغيير الواقع بمقتضاه ، يتداعى هذا النفر من المواطنين العرب السوريين ، لتأسيس حزب الطليعة العربية في الجمهورية العربية السورية ، وذلك تحت سقف ، وبموجب الدستور ، والقوانين ، والأنظمة النافذة في البلاد .

ثانياً : في البنية التاريخية للمجتمع في الجمهورية العربية السورية :

تشير الروايات التاريخية قبل الإسلام إلى الأمارات ، والقبائل ، والعشائر العربية ، وأفخاذها ، التي كانت تنزاح تغريباً ، وتشريقاً في الأرض العربية ، ونحصر بحثنا هنا على تموضعها في الجمهورية العربية السورية ، دون متابعتها في الدول العربية الأخرى ، ومنها على سبيل المثال ، لا الحصر ، الإمارة التنوخية في بادية الشام ، وأن تنوخ قضاعة ، انتقلوا بعد الإسلام إلى المعرة ، من بادية الشام ، ومنها انتشروا في جبال اللكّام الساحلية الممتدة من الاسكندرونة مروراً بجبال اللاذقية ، وحتى سلسلتي جبال لبنان ، وقد اعتنق التنوخيون في غالبيتهم الإسلام ، ثم توزعّوا بين المذاهب الإسلامية ، كما كان قد اعتنق بعضهم الديانة المسيحية ، وتوزعّوا بين طوائفها ، وإن كان التنوخيين قد حافظوا على علاقاتهم العشائرية ، فإنهم يشكّلون أرومات لأغلب المواطنين الذين يقطنون هذه المنطقة الواقعة بين حمص ، وحماه ، وحلب ، ثم غرباً ، وحتى ساحل البحر الأبيض المتوسط في الغرب ، وقد تداخلت مع التنوخين عشائر انزاحت من العراق ، كالسنجاريين ، وعشائر عانا ، والقراحلة ، والأضنيون ، والانطاكيون ، والتراكلة الذين تحالفوا مع الكتل العشائرية الأربعة للتنوخين ، وهم كتلة الخياطية : ، وتضم الخياطية ، والبساترة ، والعبدية ، والضلاعنة ، والفقاورة ، والعمامرة ، والبراعنة ، والخزرجية ، والسوارخة ، وكتلة الكلبية : ، وتضم الكلبية ، والنواصرة ، والجهنية ، والقراحلة ، والجلقية ، والرشاونة ، والشلاهمة ، والرسالنة ، والجريرية ، وكتلة الحدادية : ، وتضم الحدادية ، وبنو علي ، والبشالوة ، والباشوطية ، والعتارية ، والشماسنة ، والركاونة ، وكتلةالمتاورة ، ، وتضم المتاورة ، والحلبية ، والنميلاتية ، والسرابنة ، والصوارمة ، والمهالبة ، والدراوسة ، والمحارزة ، والبشارغة ، والجواهرة ، والسواحلية .. وجميع هذه العشائر تعود بأروماتها إلى تنوخي قضاعة التي تعود أصولها إلى اليمن ، كما تداخلت مع هذه العشائر ، عشائر أخرى انزاحت من حمير اليمن كالدنادشة ، ومن المعرة أيضاً انطلق بنو العظم إلى حماه ثم إلى دمشق منذ القرن الثاني عشر الهجري ، وبالتزامن مع ذلك تقريباً كانت قبائل بني معن ، وبني شهاب ، وبني حمدان ، وهي قبائل من أرومات يمنية أيضاً ، تنزاح بين الشوف في لبنان ( الحالي ) ، وجبل حوران ، وبني عبد الغفار ، ومنهم بني الأطرش ، فأخذ الجبل ، أسم جبل العرب ، حيث استقروا فيه منذ القرن الثاني عشر الهجري ، ويدينون بالإسلام ، ويتوزعون على مذاهبه ، وبعضهم من أرومات الغساسنة ، وسواها يدينون بالمسيحية ، ويتوزعون على طوائفها ، وفي حوران نلحظ في ذات المرحلة التاريخية تقريباً اندماج سنان بن عليان أمير بني كلب ، مع صالح بن مرواس الكلابي ، مع حسان بن مفرج الطائي في حوران ، حيث اقتسما الحكم في بلاد الشام كلها ، حتى القرن الخامس عشر الهجري .
وهكذا نلحظ في حوران قبائل السلوط ، والبكار ، والوهبان ، والولد علي ، والدياب ، والتلاوية ، والمناظرة ، والكلابات ، والفحيلية ، وامتداداً لذلك في جبل العرب نلحظ المساعيد ، والحسن ، والشراقات ، والعظامات ، والشنابلة ، والسردية ، والجوابرة ، والحواسن ، أما في الجولان ، فقد استقرت قبائل آل فضل ، والنعيم ، واللهيب مع بطونها ، وأفخاذها ، وعشائرها ، وفي منطقة دمشق ، ومحيطها استقرت عشائر الروالة ، وهي إحدى فروع قبيلة العنزة العدنانية ، وموطنها الأصلي في أواسط نجد ، وشمال الحجاز ، وزعامة الروالة ، معقودة لآل الشعلان ، وبطونها الجمعان ، والكواكبة ، والقعاقعة ، والفرعة ، إضافة إلى العشائر المتحالفة معها ، وهي الأشاجعة ، والسوالم ، والعبد الله ، وقد امتد الروالة ، إلى القريتين في حمص ، ثم عشائر الجملان ، ونعيمة ، والصياد ، والقعيدات ، والغياث ، وقد انتشرت تلك العشائر حتى قلمون ، وحمص التي اختلطت فيها تلك العشائر ، مع الأحسنة ، وفروعها من الجحيم ، والشمسي ، والعويمر ، والقبلان ، والملحم ، وما يلحق بها من العمّور ، ثم عشائر بنو خالد ، وهم بطن من بني مخزوم من قريش ، وقبيلة النواعرة ، والنعيم ، والحروك ، والعقيدات ، والمشارقة ، والرعية ، والعمور ، والصلبة ، أما قبائل محافظة حماة فأهمها الأسبعة ، وهي قبيلة عنزية أيضاً ، وفرعها البطينات الممتدة حتى السلمية ، ثم قبائل العقيدات ، وبنو عز الرعية ، والحبلان ، والبشاكم ، والجملان ، والموالي ، والحديديون ، والسماطية ، والجماجمة ، والنعيم ، وإذا انتقلنا إلى محافظة حلب نجد قبائل الموالي ، والحديديون ، والسكن ، والأبوليل ، والولدة ، والأبوشيح ، والأبو شعبان ، والوهب ، والنعيم ، وبنو زيد ، واللهيب ، والبقارة ، وتلك القبائل منتشرة في إدلب ، واعزاز ، وجسر الشغور ، وسهل الغاب ، وحارم ، والباب ، حيث نجد إلى جانب تلك القبائل ، الغناطسة ، والوهب والكيار ، والبو خميس ، والأبو بطوش ، والمجادمة ، والنعيم ، والعون ، والأبو عاصي ، والأبو جميل ، والفردون ، والأبو سبيع ، والهنادي ، والمصاروة ، وبنو زيد ، وتنتشر تلك القبائل في عين العرب ، وجبل الأكراد ، ومنبج ، حيث قبائل العون ، والعميدات ، وبنو سعيد ، والعاقرة ، والأبو سلوم ، والعمر ، والمكالحة ، والخطاب ، والأبو سلطان ، والولدة ، وتنتشر تلك القبائل ، والبطون ، حتى جرابلس ، أما على الفرات في دير الزور ، والرقة ، والبو كمال ، والميادين ، فتصادفنا قبائل العقيدات ، والجحيش ، والأبو شعبان ، والجيام ، والمشهور ، والنعيم ، والفدعان ، وفي جزيرة الفرات نجد قبائل شمر ، وطي ، والجبور ، وحرب ، والبقارة ، وقيس ، والشرابيون ، وتغلب ، وأغلبية تلك القبائل ، وبطونها ، وأفخاذها دخلت الأسلام ، وتوزعت على مذاهبه ، وبعضها دخلت في المسيحية ، وتوزعت على طوائفها، و إضافة إلى تلك القبائل ، نجد القبائل ، والعشائر الكردية ، أو سكان الجبال ، تلك القبائل التي انتشرت في الجبال الشمالية لسورية وانزاحت إليها قبائل كردية ، من ديار بكر ، وشمال العراق ، وانتشرت حتى دمشق ، ويدين الأكراد بالإسلام ، ويتوزعون على مذاهبه ، ومنهم أهم مرشدي الطرق الصوفية ، كالقادرية ، والنقشبندية ، وهناك أسر منهم تعود بنسبها إلى البيت النبوي الشريف ، ويطلق عليهم " السادة " كما في البيوتات العربية الأخرى ، يضاف إلى ذلك جماعات الآشوريين ، والكلدان ، والسريان ، والآراميين ، والتركمان ، وحضارات لا حصر لها ، في تدمر ، وماري ، وأوغاريت ، وأفاميا ، وإيبلا ، ودمشق كأقدم مدينة في التاريخ ، إلى الفينيقيين ، والكنعانيين ، ثم ، وبالإضافة إلى ذلك كله عبرت هذه البلاد جيوش الإمبراطوريات التي تعاقبت عليها من بلاد الرومان ، واليونان ، والفرس ، والمغول ، والتتار ، وتركت آثارها بالإضافة إلى الهجرات الاضطرارية من الشراكسة ، والأرمن الذين لجأوا إلى هذه البلاد فتفاعلوا مع المكونات المجتمعية ، وباتوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع العربي السوري .
من تلك الأرومات على تنوعها ، وتعدد مصادرها ، ومن أرومات أخرى تم تكوين هذا الشعب العربي السوري الذي هو الركن الأول ، والأساسي في تكوين هذه الدولة ، وهو كما جاء في دستورها جزء من شعب الأمة العربية المنتشرة على وطنها الممتد بين المحيط ، والخليج .
بناء عليه ، فإن هذا المجتمع ، بقدر ما يمّتن من نسيج العلاقة بين مكوّناته ، ويتجاوز بنجاح كل محاولات النكوص إلى علاقات ما قبل المواطنة ، أياً كانت ، ومهما كانت الدوافع ، بقدر ، ما ينفتح الطريق أمامه إلى التطور ، والرقي ، والتقدم .
إننا ندرك ، أن الظروف التي مرت بالبلاد خلال قرون عديدة ، قد تركت ، عقابيل ، وأحاسيس مرة ، بالقهر أحياناً ، وبالظلم أحياناً أخرى ، من هذا الطرف على ذاك ، أو العكس ، لكن هذا يجب أن يعالج في إطار من الوعي التاريخي ، ونكاد نقول ، أن الجميع في هذا الوطن ، يتساوون تقريباً في الظلم ، وإن كانت نسبته تختلف من مكان لآخر ، ومن فئة إلى أخرى ، لكن ، إذا لم يدرك الجميع أن الصراع داخل المجتمع ، وبين مكوناته ، لن يؤدي بأحد إلى العدالة ، والمساواة ، وإنما سيؤدي إلى استقرار الظلم على رؤوسهم جميعاً ، وإن بنسب مختلفة ، وأن استنهاض القوى الحية في المجتمع ، مجتمعاً ، هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق .. إلى التطور ... ، وهو السبيل الوحيد لإنصاف الجميع ، دون استثناء .
هنا ، لابد من تثبيت قاعدة عقدية تحدد الطريق إلى التطور ، وتكون هي الحكم عند الاختلاف ، بين التطور إلى الأمام ، وبين النكوص إلى التوحش ، بين التقدمية التي ترتقي بالمجتمع ، وبين الرجعية التي تنحط بالجميع إلى مزيد من الانحطاط .
فالإنسان تطور من الفردية ، إلى الجماعات البشرية المتعاقبة ، من الأدنى إلى الأرقى ، وبالتالي فإن كل ارتقاء تقدمية ، وكل نكوص رجعية ، وكمثال حي معاصر على ذلك نبرز التجربة الأوروبية ، فالذين ناضلوا لنقل أوروبا من الدوقيات ، والإقطاعيات ، والأثنيات ، إلى الدول القومية ، كانوا تقدميين ، والذين يناضلون اليوم لتوحيد أوروبا في دولة قارية واحدة متجاوزين الدول القومية ، هناك ، هم التقدميون المعاصرون ، أيضاً ، والعكس صحيح .
بناء على ذلك ، فإن جميع الجهود ، لشد النسيج الاجتماعي ، بين المكونات الاجتماعية ، للمجتمع ، في الجمهورية العربية السورية ، دون طغيان ، أو تفرد ، أو هيمنة ، أو انتقاص من حقوق أحد ، أو امتيازات لأحد ، على حساب أحد ، هي جهود تقدمية ، وبالمقابل ، فإن ، أية جهود للنكوص عن المواطنة الحّقة ، إلى علاقات ما قبل ذلك ، تحت أي عنوان كان ، هي جهود رجعية ، مهما كانت الشعارات ، يتصدى لها حزب الطليعة العربية ، في الجمهورية العربية السورية .

ثالثاً : في الواقع الموضوعي :

تقوم دولة الجمهورية العربية السورية على جزء من الأرض العربية ، مساحتها 185 ألف كيلو متر مربع ، تحتل منها " دولة " المستوطنات الصهيونية منطقة الجولان ، وتحتل منها الدولة التركية منطقة الاسكندرونة ، أما تعداد الشعب العربي في الجمهورية العربية السورية ، فقد تجاوز الثمانية عشر مليون مواطن ، الحكم في الدولة جمهوري ، والدستور الدائم الصادر عام 1973 ، والمعدل بالقانون رقم 6 لعام 2000 هو الدستور النافذ في البلاد .
يتوزع المواطنون في الجمهورية العربية السورية ، على أربعة عشر محافظة ، وكنتيجة لتركز الخدمات في المدن ، وفقدان التخطيط الشامل ، والنمو المتوازن ، حدثت هجرات كثيفة من الأرياف إلى المدن ، مما أدى إلى عشوائيات في مختلف المجالات ، وتزاحم المواطنون في مناطق ، ما ، وظلت مناطق أخرى خالية ، ومناطق بدون كثافة سكانية ، وهذا بدوره أدى إلى عشوائية التعامل مع الموارد المادية ، والبشرية في البلاد ، مما يستدعي إعادة تأهيل المؤسسات في البلاد على الصعيد المجتمعي ، وعلى الصعيد الحكومي ، ولكل مواطن مكانه ، وموقعه ، ودوره في ذلك ، ليس له أن يتقاعس عن القيام به ، وليس لأحد أن يقصيه عن ذلك .

الفصل الثاني
في الأسس

مادة ( 1 )

الإنسان بحكم قانونه النوعي ، كائن متطور ذاتياً ، وصانع للتطور في الجماعة البشرية التي ينتمي إليها ، وهو القادر على الإسهام بهذه التطور بالقدر الذي يتمتع فيه من الحرية ، والحقوق الأساسية ، والمعرفة ، والوعي ، وبالتالي فإن الحرية الذاتية والديمقراطية في الجماعة ، شرط الجدل الاجتماعي ، وبالتالي شرط التطور .

مادة ( 2 )

المواطنون في الجمهورية العربية السورية يشّكلون فيما بينهم مجتمعاً يتساوى جميع أفراده أمام النظام العام ، والقوانين النافذة ، بدون تمييز ، أو امتياز ، لهم الحق جميعاً ، وعلى قدر المساواة في تأسيس المؤسسات الاعتبارية في شتى المجالات الاجتماعية ، والسياسية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية ، كما أن لهم جميعاً ، ودون تمييز ، إشغال الوظائف العامة في مؤسسات الدولة ، بموجب قاعدة تكافؤ الفرص .

مادة ( 3 )

لقد تجاوز المواطنون في الجمهورية العربية السورية مراحل ، وتكوينات ، وعلاقات ما قبل المواطنة ، فالمواطنة تحتوي تلك التكوينات العنصرية ، والدينية ، والقبلية ، والأسرية ، ولا تلغيها ، ولكن تتم ممارستها في إطار وحدة المجتمع .



مادة ( 4 )
حزب " الطليعة العربية " في سورية ، مؤسسة سياسية اجتماعية ، ثقافية ، منهجية ، اعتبارية ، ديمقراطية ، علنية ، تنبذ العنف ، فلا تمارسه ، ولا ترضخ له ، تحمل في خلاياها ، وفي كل واحدة منها ، الخريطة الجينية المكوّنة للمجتمع في دولة الجمهورية العربية السورية ، لا انتقاص ، ولا طغيان ، ولا تفرد ، ولا إهمال ، ولا إقصاء لأي مكوّن ، من تلك المكونات ، يخضع كوادرها لذات المعايير ، ويلتزمون ذات المنهج ، ويتسابقون لتأدية المهام ، وحمل مشاعل النهوض ، والتنوير ، ويتصدوّن لحل المشكلات ، ويتنافسون في تقديم التضحيات .

مادة ( 5 )

إن تراث ، وثقافة ، وفنون المكونات الأساسية للمجتمع في الجمهورية العربية السورية ليس ملكاً خاصاً بتلك المكونات ، على الإنفراد ، وإنما هو بمجمله ، وتكامل عناصره ، تراث المجتمع الذي ستعمل الطليعة العربية على تعميمه ، وصيانته من الاندثار ، وبالتالي الارتقاء به ، من مطالب فئوية لهذه الجماعة ، أو تلك ، إلى مطالب عامة للمجتمع كله ، في الجمهورية العربية السورية .

الفصل الثالث
في المنطلقات

مادة ( 6 )

ينطلق حزب الطليعة العربية في الجمهورية العربية السورية ، من مبدأ حرية الإنسان ، وإزالة كافة العوائق التي تكبّل حريته ، تفعّيلاً لمقدرته على الجدل في مجتمع حر ، ويناضل حزب الطليعة العربية في سورية لرفع كافة العوائق التي تعيق قانون الجدل الاجتماعي ، من تحقيق التطور ، وذلك تطبيقاً للمبدأ الأساسي بأن الحل الجدلي للمشكلات لا يتأتى إلا بالمعرفة الجماعية لها ، والتصميم الجماعي للحلول ، والتنفيذ الجماعي بالعمل .

مادة ( 7 )

ينطلق حزب الطليعة في سورية من وعي الوجود الموضوعي للمجتمع في الجمهورية العربية السورية ، ويثبّت ذلك صياغة في برامجه ، وينشر مؤسساته ، ويمارس نضاله على مستوى المجتمع كله ، دون انتقاص ، ويمتد إدراكه إلى منبت كل مشكلة ، وترابط المشكلات ، وبالتالي ترابط الحلول .

مادة ( 8 )

ينطلق حزب الطليعة العربية في سورية من الواقع الموضوعي ، كما هو ، بهدف تطويره ، وحل مشكلاته ، واستنهاض جميع القوى الحية في المجتمع ، للمساهمة في تنفيذ الحلول بالعمل .

مادة ( 9 )

حزب الطليعة العربية في سورية يدرك مدى الأخطار ، والتعقيدات التي تحيق بالمجتمع ، والتي لا يمكن مواجهتها ، إلا بمجتمع قوي متماسك ، ومؤسسات دولة اعتبارية سيادية حقيقية ، وهذا مشروط ، بالحرية ، والتنادي إلى الكلمة السواء .

مادة ( 10 )

تقوم مؤسسات الطليعة العربية في الجمهورية العربية السورية ، من خلال كوادرها المتخصصة في المحافظات ، والمدن ، والبلدات ، والقرى ، والبوادي بسبر غور المشكلات ، والظروف الموضوعية ، حيث يتم من خلال ذلك وضع دراسة موضوعية شاملة للمشكلات على مختلف الأصعدة ، لدراستها من حيث الأسباب ، والحلول ، والإمكانيات المطلوبة ، والأدوات ، والمشاركة الجماعية في الحلول .



الفصل الثالث
في الغايات

مادة ( 11 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية لتحرير الأجزاء المحتلة من أراضي الجمهورية بالتحالف مع جميع القوى الحية في المجتمع ، وبالوسائل ، والأدوات المناسبة .

مادة ( 12 )
يناضل حزب الطليعة العربية في سورية ، في سبيل الحرية : حرية المواطن ، وصيانة حقوقه الأساسية ، وحقوقه في التعبير عن الرأي ، بدون قيود ، ويناضل ضد كافة أشكال التمييز الأثني ، والديني ، والطائفي ، والمذهبي ، وكذلك من حيث الجنس ، واللون ، والبدو ، والحضر ، والمناطق على تنوع طبيعتها ، في البلاد .

مادة ( 13 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية ، في سبل الحرية ، وهو قبل أن يلزم غيره بشرط الديمقراطية ، يلتزم هو تلك الشروط ، في بناء الحزب ، وبنيته ، وكذلك في تعامله مع القوى الأخرى في المجتمع ، فحيثما يتصدى للمشكلات ، لا يعرف غير الديمقراطية سبيلاً ، والشعب سنداً .

مادة ( 14 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية ، في سبيل الحرية : حيث لا يمتاز مواطن على آخر بمهنته ، ولا بلونه ، ولا بدينه ، ولا بجنسه ، ولا بثروته ، ولا بقوة عضلاته ، ولا بثقافته، ولكن بحدة المشكلة التي يعانيها كمواطن ، ولا يميّز حزب الطليعة العربية في حدة المشكلة ، إلا بمدى اتساع جبهة الناس الذين تفسد حياتهم ، لأن الحزب ، يرفض التقسيم الطبقي ، كما يرفض التقسيم على أساس من الدين ، أو اللون ، أو المهنة ، أو العرق ، ويحترم الإنسان ، كإنسان ، ويتخذه نقطة انطلاق ، وغاية ، ويحدد هذا الاحترام ، خيارات الحزب في النضال ، ليرفع عن المواطن كل ما يضغط على إرادته .

مادة ( 15 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سوريا من أجل تحقيق النمو المتوازن ، وإعادة توزيع السكان ، بشكل متوازن ، فلا أجزاء من أرض الوطن خالية من البشر ، ولا مناطق أخرى تكتظ بهم ، ذلك أن اختلال التوازن مشكلة أساسية تواجه تطور المجتمع .

مادة ( 16 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية لحصر الموارد البشرية ، والمادية ، ووضع الدراسات العلمية والمتخصصة ، للاستفادة منها في الحدود القصوى ، لكن بدون استنزاف ، أو إهمال .

مادة ( 17 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سوريا للحفاظ على البيئة النظيفة ، وحماية مصادر الموارد المائية من التلوث ، ونشر الغابات الخضراء ، والحد من التصحر .

مادة ( 18 )

يناضل حزب الطليعة العربية لوضع حد للعشوائية في مختلف المجالات ، فلا عشوائية في استغلال الموارد المائية ، ولا عشوائية في استغلال الموارد الكهربائية ، والنفطية ، وإلى آخره من عشوائية السكن ، إلى تنظيم المرافق العامة .. وهذا يعني أن يناضل الحزب مع سائر القوى الحية في المجتمع ، لتكون أرض الوطن كلها داخل التنظيم ، والموارد كلها داخل التنظيم ، بحيث تكون خريطة الجمهورية ، واضحة للجميع ، أين التنظيم العمراني ؟ ، أين التنظيم الصناعي ؟ ، أين التنظيم الزراعي ؟ ، أين التنظيم السياحي ؟ ، أين الطرق العامة ؟ ، وأين الطرق الفرعية ؟ ، وأين السكك الحديدية ؟ ، وأين المطارات المدنية ؟ ، إن وضع الأنظمة ، والقوانين النافذة في هذا كله ، يوقف المخالفات العشوائية ، من جهة ، ويترتبّ عليه ، في الوقت ذاته ، وضع خطط محددة زمنياً لإزالة العشوائيات في مختلف المجالات ، بما يتلاءم مع المخطط التنظيمي الشامل ، للبلاد كلها .

مادة ( 19 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية ، لوقف عمليات الاعتداء ، والإهمال للآثار ، والأوابد ، والمواقع الأثرية في البلاد ، ولسن القوانين ، والأنظمة التي تضمن ذلك ، وتحديد تلك المواقع بأسوار تحميها ، ووضعها تحت ولاية المتخصصين ، والمؤرخين ، وطلاب كليات التاريخ في الجامعات ، وتحديد مواقعها ، كجزء من منشآت سياحية ، تؤمّن الخدمات الضرورية ، وفي الوقت ذاته متابعة الآثار ، والأوابد المنهوبة في متاحف العالم ، والعمل على استعادتها ، وفي حال تعّذر ذلك تصويرها بأبعادها الثلاثة ، وعرضها في الأماكن التي نهبت منها ، وسن القوانين ، والأنظمة التي توفرّ أفضل السبل للكشف عن الآثار ، والأوابد المدفونة ، وإعادة ترميمها بأيد وطنية ، لإعادة كتابة التاريخ ، مباشرة من الواقع بلغة أهل هذا التاريخ ، وأصحابه ، وورثة أمجاده ، وانتكاساته .

مادة ( 20 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سوريا مع سائر القوى الحية لتطوير الدستور ، والقوانين ، والأنظمة النافذة ، ديمقراطياً ، بما يضمن الحرية ، والمساواة ، والعدالة لجميع المواطنين .

مادة ( 21 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سوريا من خلال النقابات ، والاتحادات المهنية ، والعمالية ، والطلابية ، بحيث تكون تلك المؤسسات ، لأعضائها ، لا أن تكون عليهم .

مادة ( 22 )

يناضل حزب الطليعة العربية لبناء منظومة اقتصادية توفرّ الإنماء المتوازن من جهة في البلاد ، وتؤدي إلى الكفاية ، والعدل ، والحد من استغلال الإنسان ، للإنسان ، ومواجهة جميع أشكال القهر الاقتصادي ، والمعاشي ، بما يكفل الحياة الحرة الكريمة للمواطنين .

مادة ( 23 )

إن سعي حزب الطليعة العربية في سوريا إلى الوحدة العربية ، مشروط ، بالشرط الديمقراطي ، انطلاقاً من تحقيق الشرط الديمقراطي في دولة الجمهورية العربية السورية ، وانتهاء بتحقيق الشرط الديمقراطي في دولة الوحدة ، وأن حزب الطليعة العربية في سورية يخضع لإرادة للشعب العربي في سورية ، لأنها فوق كل إرادة حزبية ، أو غير حزبية .

مادة ( 24 )

يناضل حزب الطليعة العربية في سورية في سبيل الاشتراكية على أن لا يحّل مستبد ، مكان مستبد ، أو أن يقوم مستغل ، مكان مستغل ، ولا يبرر بالاشتراكية ، فرض العبودية ، ولا يقبل الفاشية ، ولو خططت ، ولو أممّت ، وبهذا تبقى حرية المواطن في سورية في الاشتراكية غاية حزب الطليعة العربية ، وحداً لا يتجاوزه التخطيط الاقتصادي ، وبهذا يبقى حزب الطليعة العربية في سورية ، اشتراكياً ، ديمقراطياً في الوقت ذاته .

مادة ( 25 )

إن حزب الطليعة العربية في سورية ، إذ ينطلق من جدل الإنسان ، إلى الجدل الاجتماعي ، فإنه يدين بشدة ، وبكل وسيلة مناسبة ، أي احتقار للإنسان ، أو حط من مقدرته الخلاقة ، أو حجب للثقة التي هو أهل لها ، أو تقييد لحرياته العامة ، أو اعتداء على حقوقه الأساسية ، لهذا يدين حزب الطليعة العربية في سورية ، الاستبداد ، ولا يكون مستبداً ، ويدين العنصرية ، والكراهية ، والحقد ، ولا يتعصب هو ، ولا يكره ، ولا يحقد ..
الباب الثاني
في التأسيس
***
الفصل الأول
مبادئ تأسيسية

مادة ( 26 )

يؤسس في دولة الجمهورية العربية السورية حزب سياسي يحمل اسم : حزب الطليعة العربية في الجمهورية العربية السورية .

مادة ( 27 )

الوطن في الجمهورية العربية السورية جزء من الوطن العربي كما نصت على ذلك الفقرة ( 2 ) من المادة ( 1 ) من الدستور النافذ .

مادة ( 28 )

الشعب في الجمهورية العربية السورية جزء من الأمة العربية كما نصت على ذلك الفقرة ( 3 ) من المادة ( 1 ) من الدستور النافذ .

مادة ( 29 )

الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم . كما جاء في الفقرة ( 1 ) من المادة ( 25 ) من الدستور .





مادة ( 30 )

سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة . والمواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات . وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين . كما نصت على ذلك الفقرات ( 2 ) و ( 3 ) و ( 4 ) من المادة ( 25 ) من الدستور .

مادة ( 31 )

يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون كما نصت على ذلك المادة ( 27 ) من الدستور .

مادة ( 32 )

لكل مواطن حق السهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك . كما نصت على ذلك المادة ( 26 ) من الدستور .

مادة ( 33 )

لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقاً للقانون . وكل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم . ولا يجوز تعذيب أحد جسدياً أو معنوياً أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك . وحق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون .

مادة ( 34 )

المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون . وأن سرية المراسلات البريدية والاتصالات السلكية مكفولة وفق الأحكام المبينة في القانون . كما نصت على ذلك المادتين ( 31 ) و ( 32 ) من الدستور .

مادة ( 35 )

لا يجوز إبعاد المواطن عن أرض الوطن كما نصت على ذلك الفقرة ( 1 ) من المادة ( 33 ) من الدستور .


مادة ( 36 )

لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد البّناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون . كما نصت على ذلك المادة ( 38 ) من الدستور .

مادة ( 37 )

للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مباديء الدستور وينظم القانون هذا الحق . كما نصت على ذلك المادة ( 39 ) من الدستور .

مادة ( 38 )

يجب أن يتضمن قانون الانتخاب نصوص تكفل :
1 _ حرية الناخبين بانتقاء ممثليهم وسلامة الانتخاب .
2 _ حق المرشحين في مراقبة العمليات الانتخابية .
3 _ عقاب العابثين بإرادة الناخبين .
كما نصت على ذلك المادة (57 ) من الدستور .

مادة ( 39 )

أهداف الحزب تطوير الظروف الموضوعية ، وتغييرها باتجاه مواطنة حقة لجميع المواطنين ، على قدر المساواة ، وتنمية متوازنة للموارد تحقق الكفاية ، والعدل ، وإعادة تأهيل القوانين ، والأنظمة ، والمؤسسات في الدولة ، والمجتمع ، بما يحقق حرية المواطن ، ويصون كرامته .

مادة ( 40 )

تقترح هيئة المؤسسين لحزب الطليعة العربية في سورية شعارات الحزب ، ورايته ، ونشيده ، ويقر ذلك ديمقراطياً من خلال مؤسسات الحزب المعنية .




مادة ( 41 )

يتمتع حزب الطليعة العربية في سورية بشخصية اعتبارية مستقلة ، تنبع مقرراته من مؤسساته الديمقراطية ، وتلك المؤسسات سيدة نفسها ، كل منها ، في مجال تخصصه .

مادة ( 42 )

حزب الطليعة العربية في سورية ، حزب علني ، يجهر بالدعوة ، لتحقيق أهدافه ، وبالتالي فإن منهج ، ونظرية ، وبرامج ، ووثائق حزب الطليعة العربية في سورية ، متاحة للإطلاع عليها من جميع من يهمهم الأمر .

مادة ( 43 )

حزب الطليعة العربية في سورية ، كحزب معلن المبادئ ، والأهداف ، والأدوات لتحقيق مبادئه ، وأهدافه ، يناضل بالطرق ، والأساليب ، والأدوات السلمية ، حصراً ، لتحقيق أهدافه ، ويدعو إلى الحوار ، والكلمة السواء ، لا يمارس العنف ، ولا يرضخ له ، ولا يركن للخوف .

مادة ( 44 )

إن كون حزب الطليعة العربية في سورية ، مؤسسة حزبية جماهيرية مستقلة ، لا يمنع الحزب من التحالف مرحلياً مع الأحزاب ، والقوى الأخرى في سورية ، لتحقيق أهداف مرحلية متفق عليها بين قوى ، وعناصر التحالف ، بما لا يتعارض مع الأهداف ، والمبادئ الأساسية لحزب الطليعة العربية في سورية .

مادة ( 45 )

حزب الطليعة العربية في سورية ، حزب ديمقراطي من القاعدة إلى القمة ، ينشأ ديمقراطياً ، ويستمر ديمقراطياً ، ويمارس الديمقراطية في المجتمع ، ويمارس الديمقراطية مع سائر القوى ، والأحزاب ، والحركات السياسية ، في المجتمع ، فالديمقراطية شرط ملازم لحزب الطليعة العربية في سورية ابتداء ، ونشأة ، واستمراراً ، وغاية .




مادة ( 46 )

حزب الطليعة العربية في سورية ، مؤسسة جماهيرية ديمقراطية ، ملتقية على رأي منهجي واحد ، في مشكلات التطور الاجتماعي ، وحلولها ( نظرية ) ، تعمل معاً ( منظمة ) من أجل تنفيذ رأيها ( نظريتها ) ، في الواقع الاجتماعي .

مادة ( 47 )

يتكوّن حزب الطليعة العربية في سورية ، من مواطنين عرب سوريين ، قرروا بإرادة حرة تأسيسه ، أو الانضمام إليه ، دون أي تمييز بينهم ، المعيار الوحيد هو الالتقاء على منهج الحزب ، ونظريته ، والإلتزام بها في الممارسة ، والاحتكام إليها عند الاختلاف ، وهو ما يعني أن الحزب مؤسسة جماهيرية ذات وجود مستقل ، عن أي عضو فيها ، ولذا لابد لها أن تكون ديمقراطية في نظامها الداخلي ، ينفذ الحزب رأي أغلبية الأعضاء عند الاحتكام إلى النظرية .

الفصل الثاني
في العضوية

مادة ( 48 )

أعضاء حزب الطليعة العربية في سورية هم :
1 – الأعضاء المؤسسون الذين وقعوا على هذا العقد ، والتزموا أحكامه ، وتقدموا إلى الجهات الرسمية ، لإشهاره وفق الأنظمة ، والقوانين النافذة .
2 – الأعضاء الذين يتقدمون للانتساب للحزب بعد أن أطلعّوا على وثائقه التأسيسية ، ووافقوا عليها .
3 ـــ تحدد مؤسسات الحزب شروط اكتساب العضوية ، وشروط انقضائها ، وكل ما يتعلق بها ، في لوائح تنظيمية واضحة .

مادة ( 49 )

عضوية حزب الطليعة العربية في سورية مفتوحة لجميع المواطنين العرب السوريين على قدر المساواة ، وبمجرد انتسابهم للحزب يكتسبون كافة حقوق العضوية ، ويلتزمون ما يترتب عليها من مهام ، وواجبات ، وحقوق .

مادة ( 50 )

العضوية في حزب الطليعة العربية في سورية تقوم على الاختيار الحر ، والواعي من قبل العضو ، ابتداءً ، واستمراراً ، ذلك ، أنه لعضو حزب الطليعة العربية في سورية أن يقرر بإرادته الحرة ، والواعية ، الانسحاب من الحزب ، بطلب معّلل ، أو أن يحتفظ بذلك لنفسه ، وفي الحالتين فإن للعضو المنسحب احترامه الواجب من مؤسسات الحزب ، وتقدير لجهوده ، ونضاله في صفوف الحزب ، ويتم الاحتفال به منسحباً ، بذات الطريقة التي احتفل فيها منتسباً ، ويبقى مكانه محفوظاً في حال العودة استناداً على قاعدة ثابتة ، وهي أن حزب الطليعة العربية في سورية ، لا يجرّح ، ولا يخوّن وإنما يحترم الرأي الآخر ، ويسعى لتهذيب الخطاب السياسي .
مادة ( 51 )

تقوم مؤسسات الطليعة العربية في سورية ، بوضع لوائح تفصيلية للعضوية ، من حيث الحقوق ، والواجبات ، والمعايير التي يحتكم إليها .

مادة ( 52 )

كوادر حزب الطليعة العربية في سورية ، قبل انتسابهم للحزب ، وخلاله ، وبعده ، مواطنون فاعلون في مجتمعهم ، وحزب الطليعة العربية في سورية يتعامل مع الخصوصية في إطار العام ، وبالتالي فإن هناك سمات عامة لكوادر الطليعة العربية يتميزون بها ، إن كان في مؤسسات الحزب ، أو في المجالات التي ينشطون فيها ، سواء في مؤسسات الدولة ، أو في مؤسسات المجتمع ، أو في النقابات ، أو في العلاقات ، الخاصة ، والعامة ، حيث يتميزون ، بالمصداقية ، والنزاهة ، والكرم ، والشهامة ، والمرؤوة ، والغيرية ، والتضحية ، فمصداقية حزب الطليعة العربية في سورية ، تتأتى من مصداقية كوادره .

مادة ( 53 )

تقوم مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية ، بوضع المعايير المحددة ، والواضحة ، التي تجيز للمؤسسات الحزبية على سبيل الحصر ، والبيان ، رفض قبول العضوية ، أو الفصل من العضوية ، وطرق الطعن ، والمراجعة .




الفصل الثالث
في المؤسسات الحزبية

مادة ( 54 )

يتم بناء المؤسسات الحزبية ، لحزب الطليعة العربية في سورية ، بما يتناسب مع التقسيمات الإدارية في المحافظات ، والأقضية ، والنواحي ، وكذلك في المدن ، والأحياء ، والبلدات ، والقرى ، والبوادي ، ذلك أن المؤسسات الحزبية ، للحزب ستشارك في مختلف النشاطات السياسية ترشيحاً ، وانتخاباً ، لمؤسسات الإدارة المحلية ، والمؤسسات التشريعية ، والنقابات ، والاتحادات ، على تنوعها ، وكذلك فإن كوادر الحزب ستساهم في النشاطات الثقافية ، والفنية ، والرياضية ، والاجتماعية ، والبيئية ، في الوحدات الإدارية التي ينتمون إليها .

مادة ( 55 )

مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية ، مؤسسات ديمقراطية ، يتم اختيار مراتبها ديمقراطياً ، ولفترات زمنية محددة لا يمكن تجاوزها لأي سبب كان .

مادة ( 56 )

مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية تشارك في مختلف النشاطات العامة ، في نطاق نشاطها ، لتكون رافعة إلى المواطنة الحقة ، التي تتضمن الانتماءات الفرعية ، ولا تلغيها ، ولا تسمح لها بالهيمنة على بعضها البعض .

مادة ( 57 )

تقوم مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية ، بوضع اللوائح التنظيمية الملزمة ، لتنظيم مراتب الحزب ، من الأرياف ، إلى البلدات ، إلى المدن ، إلى المؤتمر العام ، وانتخاب الإدارة العليا ، والمدد الزمنية في تبادل شغل هذه المراتب ، بشكل دوري ، لا ميزة لأحد في ذلك .




مادة ( 58 )

مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية تعمل وفق لوائح تنظيمية ، تحفظ لكل مؤسسة منها ، اختصاصها لا تتعداه على سواها ، ولا تتعدى المؤسسات الأخرى حدودها عليها .

مادة ( 59 )

حزب الطليعة العربية في سورية ، من خلال مؤسساته ، وكوادره يحارب الفساد ، والتخريب ، والتغريب ، والشخصنة ، ويناضل الحزب مع القوى الحية في المجتمع لتنظيف مؤسسات المجتمع ، والدولة ، ووضعها في خدمة المجتمع عوضاً عن تسخير المجتمع لخدمتها ، أو استنزافه بسبب فسادها .

مادة ( 60 )

يمتد نشاط مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية إلى الجاليات العربية السورية في المغتربات ، ووضع الأسس لوقف استنزاف العقول العربية ، وإيجاد الظروف الموضوعية المناسبة لعودة تلك العقول ، والمساهمة في تطور المجتمع .

مادة ( 61 )

تتصدى مؤسسات حزب الطليعة العربية في سورية لحل المشكلات التي يعاني منها المجتمع بدون استثناء لإنهاض المجتمع بشكل متوازن ، وفي شتى المجالات .

مادة ( 62 )

تبقى هذه المادة مفتوحة ، وكذلك المواد التالية لما يضيفه المؤسسون لحزب الطليعة العربية في سورية من مواد ، ووثائق ، وبرامج .
البداية

سليم حجار 06-04-2009 02:48

على بســــــــــــــاط الثلاثـــــــــــــاء55
 
على بســــــــــــــاط الثلاثـــــــــــــاء
55
يكتبها : حبيب عيسى
إلى اليمن ... مع التحية ...!!
***
رسالة إلى من يهمهم الأمر ..!
***
الأخوة الأعزاء عرب اليمن
السلام عليكم ، ورحمة الله ، وبركاته ، أما بعد ..!
( 1 )
منذ أن افترق أجدادنا "فتشاءم" بعضهم ، وكانت الشام ، وتيامن آخرون فكانت اليمن ، والأجيال العربية المتعاقبة تنزاح "تيامناً" ، و"تشاوماً" ، وإلى أبعد من ذلك بكثير ...
أقول ذلك ابتداء حتى لا تعتبر هذه الرسالة تدخلاً غير مشروع في ما لا يعنيني ، فاليمن في القلب ، وفي الخريطة الجنينية لكلينا ... وأقوله ثانياً لأنه منذ أيام ، اتصل أحد الأخوة الأعزاء من المغرب العربي يقيم في بلاد أوروبا يحيطني علماً بإصدار بيان من شخصيات عربية تؤيد الوحدة اليمنية ، وتحذرّ من فصم وحدة اليمن ، وأنه قد وضع أسمي بين الموقعين دون حاجة لسؤالي ، لأنه لا يمكن أن أكون إلا مع وحدة اليمن ، وغير اليمن من بلاد العرب الجريحة .. فشكرته ، وقلبي يرتجف خوفاً على يمن نحلم به خلية حية معافاة في قلب وحدة الأمة ، بينما يخططون ، هم ، وأعوذ بالله من " هم " ، هذه ، لتفتيته في شرق أوسطهم الذين يحدثوّن خريطته كلما لزم الأمر ذلك . لكن ، وبما أنني لم أعد ألمس قيمة لبيانات الشجب ، والتأييد ، والاستنكار ، قررت أن أخاطبكم مباشرة من قلب مكلوم راجياً أن تحتملوا أحزاني ، فربما تلتمسون لي العذر ....
( 2 )
أيها الأخوة الأعزاء ...!
أود أن أوضّح ابتداء أن توقيعي على ذلك البيان مع كوكبة عزيزة من المناضلين ، والأصدقاء ، لا يعني أننا مع فريق حاكم ضد فريق معارض في اليمن ..؟ ، معاذ الله ..، ثم ، هل الحكام هم الوحدة ، وهل المعارضون هم الانفصال ..؟ .
نقول بحسم : لا ، وبكل تأكيد ، أين نحن إذن من كل هذا الذي يجري في اليمن الحبيب ؟
أولاً ، ومنذ زمن قررنا أن نستنكر السؤال الاستفزازي ، مع من ..؟ ، لأننا قررنا أن لا نبقى "أمعّات" ، وقررنا أن يكون السؤال الجدير بالجواب ، من نحن ..؟ ، وماذا نريد ..؟ ، ومن معنا .. ؟ ، ومن ضدنا ...؟ ، فالشعب العربي في الأجزاء ، وفي الكل ، نحن جميعاً ، بدون استثناء ، نقع تحت طائلة العدوان ، والقوى التي تتصارع على السطح ، في الساحة العربية ، من المحيط إلى الخليج تتصارع على نصيب كل منها ، من الحصص ، والحصص للأسف الشديد ، هي نحن ..، من لحمنا ، ودمائنا ، وممتلكاتنا ، وحقوقنا ، وبالتالي فنحن لسنا مع من يطالب بحصة صغيرة من حقوقنا ، بمواجهة من يطالب بالنصيب الأكبر .. نحن لسنا مع أحد منهم ، نحن مع أمتنا ، حقوقنا ، مواردنا ، إنساننا مع الـ 12 مليون كيلو متر مربع ، والثلاثمائة مليون عربي ، بمواجهة كل من يعتدي على شعرة إنسان في وطننا ، أو لنهب ذرة واحدة من مواردنا ، أياً كانت ..
( 3 )
بناء على ذلك نقول للسيد علي عبد الله صالح ، كفى يا سيادة الرئيس ، لا تدمّر هذه اليمن العزيز ، لا توّفر الأسباب لتقسيمه مرة أخرى .. ألم تمّل الحكم يا سيادة الرئيس .. ؟ .. أليس تدميراً للوحدة اليمنية ، أن ترتبط تلك الوحدة ، بالحكم الفرد ، وبالتوريث لمن بعده ..؟ .. هل أذكرّك ، يا سيادة الرئيس ، بموقف عمر بن الخطاب ، وبعد سنوات قليلة من حكمه ، عندما قال قولته الشهيرة لعلي بن أبي طالب ..( لقد ملنيّ الناس يا أبا الحسن ) ، تصوّر يا سيادة الرئيس ، الناس ملتّ عمر بن الخطاب ، الحاكم العادل ، الذي جلد ابنه حتى الموت ، لأنه خالف النظام العام في قضية شخصية .. ، ثم ، وقف عمر ابن الخطاب ، في لحظات الانتقال الأخيرة إلى دنيا الحق ، ليقول ، لواحد من المنافقين جاء يقول له ، لماذا لا توصي بالخلافة لأبنك عبد الله يا أمير المؤمنين ..؟ أليس أحق بها ..؟ فأجابه بعد ابتسامة ساخرة هل تريد أن تحملنيّ وذرها حياً ، وميتاً ، يا هذا ..؟
( 4 )
لقد آلينا على أنفسنا أن نخاطب السلطة ، قبل أن نخاطب المعارضة ، لأن السلطة تمسك بزمام الأمور ، حتى الآن على الأقل ، فنقول بوضوح ، أن المواطنين في اليمن ، الذين قدموا التضحيات ، والدماء لبناء دولة الوحدة اليمنية ، إنما كانوا حالمين بدولة تديرها مؤسسات اعتبارية ، يشرف عليها الأكفاءّ من أبناء اليمن ، وفق اختصاصاتهم ، ويخضعون لمعايير تكافؤ الفرص ، لا محسوبيات ، ولا فساد ، ولا اصطفاء ، ولا إقصاء ، ولا معايير متخلفة ، يكونون هم في خدمة المؤسسات التي يضعونها في خدمة الشعب ، لا أن تكون تلك المؤسسات في خدمتهم لابتزاز الناس ، وقمع إراداتهم ، اليمنيون ناضلوا من أجل وحدة اليمن ، لتكون دولة الوحدة ، دولتهم ، لهم ، لا عليهم ، أن تكون مؤسساتها في خدمتهم ، لا أن يكونوا هم وقودها ، يتم تداول السلطة فيها دورياً ، بإرادة حرة من شعب يملك المقدرة على الاختيار الحر ، محرر من القهر المعنوي ، والمادي ، فيكون بدولة الوحدة أكثر مقدرة على حل مشكلاته ، واستخدام موارد البلاد في التنمية المتوازنة ، التي تحقق الكفاية ، والعدل ، والتقدم ، والتطور ، والبناء ..، دولة ، فيها المؤسسات التشريعية التي تشرّع ، وتراقب ، وتحاسب ، وفيها القضاء المستقل العادل ، وفيها السلطة التنفيذية التي تنفذ ، لا التي تسّيطر ، وتهيمن .. دولة فيها رئيس ، وحكومة يأتون إلى مواقعهم ، بإرادة الناس ، بتوكيل محدّد من حيث الزمان ، والصلاحيات ، فالشعوب لا تعطي وكالة مطلقة لأحد ، أياً كان ، ومهما كانت الظروف .. دولة توظف مؤسساتها لمعرفة مشكلات الناس ، وحلولها ، لوضع المخططات للتعليم ، والثقافة ، والاقتصاد ، والاجتماع ، والفنون ، والرياضة ، والبناء ، والزراعة ، والصناعة ، لولادة ذلك اليمن السعيد ، السعيد ..
( 5 )
تلك هي دولة الوحدة ، التي حلم بها اليمنيون ، وضحّوا من أجل تحقيقها ، وتلك هي دولة الوحدة اليمنية التي حلمنا بها نحن العرب بين المحيط والخليج ، حلمنا كان أن تكون دولة الوحدة اليمنية ، الدولة النموذج الذي يحتذى به فتنطلق تلك التجربة من إطار اليمن ، باتجاه حلم الأمة بين المحيط ، والخليج ، لهذا ، فإننا هنا لا ندافع عن وحدة اليمن ، وحسب ، إنما ندافع عن أحلامنا ، بأن أي جزء من الشعب العربي ، يمتلك حريته ، وتتحرر إرادته ، وينجح في حل مشكلاته ، ولو جزئياَ ، فإنه حتماً سيتحول إلى رافعة لمشروع النهوض ، والتنوير في الوطن العربي كله .. ولهذا فإننا عندما نخاف أن نبكي دولة اليمن الموحدة الديمقراطية العادلة ، فإننا نخاف أن نبكي أنفسنا ، وأحلامنا .. فهل تفعلها يا سيادة الرئيس علي عبد الله صالح ، لا من أجل اليمن ، وحسب ، ولكن من أجل الأمة العربية كلها التي تستصرخك هذه الأيام أن تدخل التاريخ من باب مختلف ...... فتقف وقفة الرجال ، الرجال ، تصارح شعبك ، وتتصالح معه ، وتعلن برنامجاً زمنياً محدداً لتسليم مؤسسات دولة الوحدة لمن يختارهم الشعب من المجالس المحلية ، وحتى قمة السلطة ، فيرتقي الشعب بالممارسة الديمقراطية من علاقات ما قبل المواطنة ، إلى المواطنة الحقة ، ويكون بذلك أكثر مقدرة على التقدم ، والتطور ، وحل مشكلاته ، وتكون دولة الوحدة اليمنية ، ليست عصية على التفتيت ، وحسب ، وإنما تكون لبنة صلبة في بناء نحلم به لدولة العرب الواحدة الديمقراطية الاشتراكية ..
( 6 )
تلك كانت رسالتنا إلى السلطة في اليمن ، أما رسالتنا الثانية فموجهة إلى المعارضة ، ونحن هنا نصّنف المعارضة في اليمن ، على تنوعها ، إلى ثلاثة مصنفات رئيسية :
- المصنف الأول : ويضم المعارضة التي تدعو إلى فصل جنوب اليمن عن شماله ، وهي ذات أطياف متنوعة .
- المصنف الثاني : معارضة لتقسيم اليمن إلى أكثر من جنوب ، وشمال ، وهي ذات أطياف متنوعة أيضاً .
- المصنف الثالث : معارضة للسلطة الحاكمة في دولة اليمن في إطار دولة اليمن الواحدة .....
( 7 )
إذا فتحنا المصنف الأول ، نصطدم بأولئك الذين يتباكون على الشعب في الجزء الجنوبي من اليمن ، والذي هضمت حقوقه ، ويعاني من التمييز ، ويصرخون ، بأن الحل الوحيد لإنصافه يكمن في أن يفصلوا هذا الجنوب عن اليمن ، ليحكموه هم ، أو ليتحّكموا به ، ويغدقون الوعود بأن الجنوب على أيديهم سينعم بالحرية ، والديمقراطية ، والغريب أن رموز هذه الدعوة مجربين من قبل الشعب اليمني ، وآثار سلوكهم " الديمقراطي " العجائبي مازالت عالقة في أذهان اليمنيين عندما كانوا يتحكمّون بجنوب اليمن .
لهؤلاء نقول ، وبدون حاجة لنكء الجراح :
أيها السادة ، نحن هنا ، منذ نصف قرن تماماً كنا في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة ، عشنا هذه المرحلة ، بتفاصيلها الأليمة ، كانت هناك مشكلة في أسلوب حكم دولة الوحدة ، وفي الأوضاع الدستورية ، والقوانين ، لكن دولة الوحدة كانت تتيح إمكانيات أكبر لحل تلك المشكلات في إطار الجمهورية العربية المتحدة ، عوضاً عن ذلك بدأ الهمس بالدعوة للانفصال اعتماداً على ممارسات خاطئة تورّطت فيها أجهزة دولة الجمهورية العربية المتحدة ، مما أتاح انفتاح شهية الانفصاليين الذين بدأوا يرددّون الأحاديث عن احتلال مصري ، لسورية ، وعن سيطرة الضباط المصريين على الجيش ، وتهميش دور السوريين في شتى القطاعات ، وعن القمع ، وأجهزة المخابرات ، والحكم الفردي ، وانعدام الديمقراطية ، وكمّ الأفواه ، وتقييد حرية الرأي ، وإمبراطورية عبد الناصر ، وإلى آخره .. فاختلط التهويل ، بالتهوين ، بالحقائق ، مما أدى من حيث النتيجة ، إلى أن السلبيات بدأت تطغى على الإيجابيات الكثيرة لدولة الجمهورية العربية المتحدة ، تلك الوحدة الحلم ، التي فتحت الباب واسعاً للحلم العربي ببناء دولة الأمة على أنقاض دول التجزئة ، والمخططات المعادية ، والمعاهدات الأجنبية ، ووضع المستوطنات الصهيونية في حالة حصار ..
نعم ، لقد ارتكبت الأجهزة في دولة الجمهورية العربية المتحدة أخطاء جسيمة ، لاشك في هذا ، وأن تلك الأخطاء جردت الشعب العربي في دولة الوحدة ، وفي الإقليم الشمالي بشكل خاص من مؤسساته السياسية ، والاجتماعية للدفاع عن نفسه ، ولحماية الجمهورية العربية المتحدة ، وباتت المسألة تتعلق بصراع أجهزة ، انتهى من حيث النتيجة إلى فصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، الدرس يا أخوة اليمن ، أن دولة الوحدة لن تحميها أجهزة السلطة ، مهما كانت ، وأياً كانت ، ومتى فقدت دولة الوحدة حاضنتها الجماهيرية الحرة ، والمحررة من القيود ، والقادرة على ممارسة الجدل الاجتماعي في أجواء من الحرية ، والديمقراطية ، فإنها تصبح نهباً لصراعات أجهزة ينخر فيها الفساد ، مهما كانت الغايات نبيلة ، وأصيلة ، فدولة الوحدة لن تحميها النوايا الحسنة في هذا الواقع العربي ، والدولي المضطرب وإنما تحميها فقط الإرادة الواعية المقتدرة ، للمجتمع ، المنظمة في مؤسسات سياسية ، واجتماعية ، وثقافية ، واقتصادية ، وقضائية ، وتشريعية ، وتنفيذية ، تحقق العدالة ، والمساواة ، وتكافؤ الفرص .. لقد فصلوا العربية المتحدة ، لكن هل أدى ذلك إلى حل مشكلاتنا في الإقليم الشمالي ، والجنوبي ....؟!!!!!!!!!!!
أيها الأخوة في اليمن .. أليس ما يحصل الآن لدولة اليمن الموحدة ، هو ذاته الذي حصل منذ نصف قرن في دولة الجمهورية العربية المتحدة .؟ وهل لكم أن تستفيدوا من الدروس ، والتجارب المرة ..؟
هل تدركون أن الأخطاء ، لا تعالج بالخطايا .. هناك مشكلة في طريقة حكم دولة اليمن الحبيب ، لا شك في ذلك ، لكن هل ستحّل هذه المشكلات بانفصال الجنوب ، هل كان انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة منذ نصف قرن طريقاً لحل المشكلات التي كانت قائمة ..؟ .. أم أن الانفصال فاقم تلك المشكلات ، وباتت أكثر تعقيداً ..؟!
هل نحدثكم عن المآسي التي خلفهّا الانفصال على مصر ، وسورية ..؟
نحن الآن نحذرّكم ، حذار أن تسمحوا لأحد أن يفصل وحدة اليمن ..
في اليمن الواحد ، الموحد ، الآن ، هناك إمكانية للتقدم ، وحل المشكلات .. والتطور ، يتوقف هذا ، على نتيجة الصراع مع القوى التي تعيق التطور ، والتقدم .
لكن مع الانفصال ، ليس هناك إلا خيار واحد ، هو نبش الصراعات ، والفتن ، وتدمير اليمن ، فالإنفصال لن يقف عند حد الشمال ، والجنوب في اليمن ، وإنما لا نعرف إلى أي درك ستنحدر الأوضاع .. فحذار ، حذار من ذلك ..!
( 8 )
هذا يقودنا إلى فتح المصنف الثاني ، من مصنفات المعارضة ، فالبنية الاجتماعية في اليمن ، وحداثة مؤسسات الدولة ، وعمق الانتماءات القبلية ، والعشائرية ، والدينية ، والمذهبية ، والمناطقية ، وكذلك التباين في الأوضاع الاقتصادية ، والثقافية ، والعادات ، والتقاليد ، ذلك كله مع افتقاد مؤسسات ديمقراطية حقيقية في دولة الوحدة أدى إلى طغيان تلك الانتماءات ، على انتماءات المواطنة الحقة ، مما أدى ، ويؤدي إلى هشاشة الانتماء الوطني لصالح تلك الانتماءات ، ومما أدى من حيث النتيجة إلى إمكانية العزف على تلك الانتماءات التفتيتية ، لتدمير وحدة اليمن ، لا إلى شمال وجنوب ، وحسب ، ولكن إلى كيانات أدنى ، فأدنى .
( 9 )
إذا فتحنا المصنف الثالث من مصنفات المعارضة في اليمن نصادف تلك الأحزاب ، والمؤسسات ذات الطبيعة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، ومن العلمانيين إلى الدينيين ، وتلك المؤسسات على تنوعها ، كان يمكن أن تكون هي الحصن الذي يحمي دولة الوحدة اليمنية ، لكن غياب المؤسسات الديمقراطية ، وتفشي الفردية ، والمحسوبية ، والفساد ، والاستبداد ، أدى إلى شكلانية تلك المؤسسات وفقدانها لمصداقيتها ، ذلك أن مكمن القوة ، والقرار بيد أجهزة خفية ، ومعروفة في الوقت ذاته ، فالسلطة الفردية لا تسمح لمؤسسات المجتمع الحزبية ، وغير الحزبية ، أن تأخذ دورها الحقيقي ، في التعبير عن إرادة المجتمع ، لأن ذلك يهدد السلطة الفردية التي تسعى للبقاء على تلك المؤسسات ، بما في ذلك مؤسسات الرأي ، والتعبير ، كديكور للادعاء بأن هناك ديمقراطية في البلاد ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل .
( 10 )
إذا كان هذا هو واقع الحال في السلطة ، وأجهزتها ، وكذلك في المعارضات ، وتوجهاتها ، وإمكانياتها ، فمن ذا الذي يحمي وحدة اليمن الحبيب ..؟
ولمن نوجه هذه الرسالة ..؟
إننا نوجهها ، الآن ، كنداء عاجل إلى الشعب العربي في اليمن ، والذي يتداخل مع كل تلك الأوضاع تأثراً ، وتأثيراً ، فاعلية ، وتهميشاً ، نوجهها إلى جميع المهمومين ، والذين يهمّهم مستقبل اليمن ، ومستقبل الأجيال القادمة من الشعب العربي في هذا الجزء العزيز على قلوبنا ، وهو في غالبيته العظمى مهمش ، ومغلوب على أمره ، وخارج دائرة القرار والفعل ، فلا مؤسسات تعبر عنه ، أو تحل مشكلاته ، أو تطور واقعه من أول أجهزة السلطات ، وحتى آخر المعارضات ..، لذا ، فإن هذا الشعب وحده مطالب الآن ، أن يقلعّ شوكه بيديه ، فمصيره ، ومستقبله بين يديه وبالتالي عليه ، الآن ، أن يبادر بالعمل المنظم الجماعي ، الجاد ، ليس لحماية وحدة اليمن ، وحسب ، وإنما لينطلق من تلك الوحدة ، وما توفر له من إمكانيات لمعالجة مشكلاته ، والارتقاء إلى المواطنة في دولة حرة ديمقراطية ، اشتراكية تحقق العدالة ، والمساواة ، وتكون لبنة صلبة في بناء دولة الأمة الحلم .. ، فالفردية عجز ، وفشل ، والمبادرة للفعل الإيجابي وعياً ، وتنظيماً ، وتخطيطاً ، وعملاً ، هي الطريق الوحيد إلى الحرية ..
المطلوب الآن ، أيها الأخوة في اليمن ، أن نتقدم خطوة إلى الأمام ، لا أن نتراجع خطوات إلى الوراء ..
إننا ، هنا ، لا نوجه لكم المواعظ ، ولكننا نحدثكم من عمق الجرح الذي تعرضنا له بانفصال الجمهورية العربية المتحدة ، منذ نصف قرن .. فمنذ ذلك الحين مازال ذلك الجرح نازفاً ، ومازال يهدد وجودنا في شطري العربية المتحدة ، وربما أكثر من ذلك .. فليجنّبكم الله تلك الخطايا ..
والســــــــلام على من اتبـــــع الهدى .
دمشق : الثلاثاء 2/6/2009
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 06-17-2009 09:48

على بساط الثلاثاء56
 
على بساط الثلاثاء

56

يكتبها : حبيب عيسى

رسالة جوابية إلى الرئيس باراك أوباما ..!

" 5 " حزيران " يونيه ":

من 67 ، إلى 82 ، إلى 2009

هل تعتذر دولة الولايات المتحدة ...

( 1 )

للعرب مع يوم الخامس من حزيران " يونيه " حكاية - وربما لهم معه ثأر – بدأت الحكاية عام 1967 ، وتجددت عام 1982، ومازالت تتجدد في كل عام ، إلى أن جاء إلينا في هذا العام الرئيس الأمريكي باراك أوباما ، ليحيي معنا ليلة الخامس من حزيران .. في حفل مهيب شّكل في حد ذاته حدثاً ، قد يكون له ما بعده .

على مدى عقود مضت ، ومع غروب شمس الرابع من حزيران "يونيه" من كل عام كانت تتسارع دقات قلوبنا .. ترى ماذا سيحصل غداً ..؟! ، حتى أن القلق من ذلك اليوم تجاوز الحدود ، إلى رغبة دفينة تمّثلت بحلم أن ينام أحدنا ليلة الرابع من حزيران ، ولا يفيق إلا بعد انقضاء ليلة الخامس منه ، بدون كوابيس ، وصفارات إنذار ، وأناشيد .. ونعوات ..ونعيق للغربان ..يرطنون بكل اللغات ، واللهجات ..!

( 2 )

لقد قيل في ذلك اليوم كل ما يمكن أن يقال ، فمنهم من نعى العرب ، ومنهم من أخرجهم ، من التاريخ ، ومنهم من نبش القبور ، وأعاد قراءة التاريخ ، ( ليثبت أن ما حدث كان نتيجة لتاريخ طويل من الفشل الدرامي ثبت خلاله أن تلك الجماعة البشرية التي نسمّيها الأمة العربية غير موجودة أصلاً ، وأن من يشغل هذه الأرض بين المحيط ، والخليج ليس سوى جماعات متناحرة ، متصارعة تاريخها مليء بالصراعات ، والفتن ، والخيانات ، والطغاة ، والقتلة ، وأنها غير جديرة بالحياة ، وأن كل ما قيل عن حضارات ، وعلوم ، وفنون ، وعمران ليس إلا أكاذيب ، وادعاءات فارغة من أي مضمون ... )

ونحن هنا لسنا من هواة المماحكة مع أي أحد ، فليقل من يشاء ، ما يشاء .. ولسنا من هواة الندب ، واللطم ، كما أننا لسنا في وارد التبرير ، وتبسيط الأمور ، وتبرئة الذات ، وإلقاء الملامة على الأعداء الخارجيين ، والصهاينة ، والعملاء .. وكأن أولئك جميعاً ليس من حقهم فعل كل ما يمكن لهم عمله لهزيمتنا ..؟

( 3 )

ورغم أننا نتطلع إلى الحاضر ، والمستقبل ، ففي الحاضر ، والمستقبل ما يغري للحديث عنه ، وإليه ، أما الماضي فقد بات جزءاً من تاريخنا المليء بالانتصارات والهزائم ، بالتقدم ، والنكوص .. و الالتفات إليه يقتصر على استخلاص العبر ، والدروس للبناء على الأمر مقتضاه ، وليس لتغييّر ما جرى .. فما جرى ، قد جرى ، ومن الوهم الوقوف عنده ، أو التمترس في أحداثه ، أو النوم عليه .. أو محاولة تغيير أي حدث فيه ..

رغم ذلك ، لابد أن نثبّت هنا ، وباختصار شديد رؤيتنا لما حدث في ذلك اليوم سواء في عام 1967 عندما اجتاح الصهاينة كل فلسطين ، وأجزاء من مصر ، وسورية ، أو في عام 1982 عندما اجتاح الصهاينة لبنان ..، أو ما ترتب على ذلك كله من تداعيات مازالت عقابيلها تكبّل حياتنا العربية بين المحيط ، والخليج .

القضية بالنسبة إلينا ، نحن القوميون العرب ، تتلخّص بأن هذه الأمة العربية ، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تقريباً بدأت تتململ للخروج من العصر الذي أطلقوا عليه عصر الانحطاط ، وتم التعبير عن ذلك التململ بمحاولات الانعتاق من السيطرة العثمانية أولاً ، ومن ثم مواجهة الاستعمار الأوربي المباشر حتى منتصف القرن العشرين ثانياً ، إلى أن دخل قطار الأمة في محطة التقسيم الشامل للوطن ، ذلك التقسيم الذي لم يقتصر على تركيب دول من كل الألوان على أرض الوطن العربي ، بل أضيف إلى ذلك مستوطنات مستوردة من الخارج ، والداخل لإقامة كيان سياسي غريب في فلسطين أقرب ما يكون إلى قاعدة عسكرية للتدخل السريع ضد أية محاولة لنهوض هذه الأمة .. في مواجهة ذلك انتفضت الأمة من المحيط إلى الخليج ، وتم التعبير عن ذلك بأحزاب ، وحركات ، وانقلابات ، وثورات ، وتيار قومي عربي جارف بدا ، وكأنه قاب قوسين ، أو أدنى من تحقيق أهدافه ، خاصة بعد قيام دولة الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر باعتبارها لبنة أولى لبناء دولة العرب الديمقراطية الاشتراكية الواحدة ..

( 4 )

هنا ، ومن محطة الجمهورية العربية المتحدة بدأ الخيار يتحدّد بين أن يتمّكن مشروع النهوض ، والتوحيد ، والتنوير القومي التقدمي من الإقلاع ، من تلك القاعدة باتجاه الأهداف النبيلة ، وبين أن يتعثر ذلك المشروع لأسباب ذاتية ، وموضوعية ، داخلية ، وخارجية ، وبالتالي يتحول الخيار إلى مشروع النكوص ، والانهيار ، والهزائم ، وتفتيت المجزأ ..

للأسف الشديد ، ودون الدخول في التفاصيل ، والأسباب ، فإن الخيار الثاني هو الذي أقلع من تلك المحطة الهامة .. لهذا فإننا نقول أن تعّثر المشروع القومي العربي التقدمي ، وانفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة في 28 أيلول "سبتمبر" 1961 كان هو البوابة التي دخل منها الصهاينة إلى الخامس من حزيران "يونيه " 1967 ، لكن جماهير 9 و 10 يونيه 1967العربية الأصيلة تمكنت من وقف اندفاع مشروع النكوص ، والردة ..إلا أن تعّثر قيادة التيار القومي التقدمي حينها ، وعدم تفهمّها لدلالة ثورة جماهير 9 و 10 يونيه 1967العربية ، وتمثل إرادتها ، كان هو البوابة التي ولج من خلالها أنور السادات لقيادة قطار النكوص ، والردة مرة أخرى ، والذي دخل به إلى القدس المحتلة ، ثم حمله من هناك إلى كامب ديفيد .. ثم مرة أخرى ، ومن بوابة كامب ديفيد دخل الصهاينة في الخامس من حزيران "يونيه" 1982 إلى بيروت ... ومنذ ذلك الحين ، وحتى ليلة الخامس من حزيران " يونيه " هذا العام – 2009 – مازال السجال قائماً ، والذين أعلنوا في الخامس من حزيران "يونيه" 1967 وفاة العرب ، أو على الأقل خروجهم من التاريخ ، مازالوا يتعثرّون في إجراءات الدفن .. بالرغم من كل المآسي ، والفتن ، والعدوان ، ففي كل مرة يهمّون بالدفن ، يكتشفون أن الأمة العربية ، ليست هي تلك الجثة المسجّاة في توابيتهم ... مما اضطر رئيس الدولة الأكبر في هذا العصر ...والتي كان لها الدور الأبرز في 5 حزيران "يونيه" للقدوم إلى عاصمة الجمهورية العربية المتحدة بغض النظر عن من يتحّكم فيها هذه الأيام .. ليخاطبنا مساء يوم الرابع من حزيران " يونيه " 2009 .

( 5 )

وبما أننا ، كعرب قوميين ندّعي التقدمية ، ننطلق من الواقع ، كما هو .. ونتطلع إلى المستقبل الذي نريد ، ونعّد العدة ، والأدوات ، والوسائل للمستقبل ، فإننا كنا معنيين بالاستماع بانتباه إلى رئيس الدولة العظمى التي لعبت دوراً رئيسياً فيما جرى على الأرض العربية منذ الخامس من حزيران " يونيه " 967 ، وحتى الآن ، والذي جاء بعد ما ينوف عن الأربعين عاماً ، ربما ليقول اعترافاً ، أو تقريراً أن العدوان الذي دعمّته دولته على الأمة العربية منذ أكثر من – 42 – عاماً لم ينه الصراع ..الولايات المتحدة متواجدة ، هنا ، هذا صحيح ، لكن الصحيح أيضاً أن الأمة العربية مازالت في مكانها التاريخي ، وأن السعي لدفنها مجرد أوهام ، فماذا قال رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وما هو الجواب العربي على ما قاله ..؟

ذلك أننا ندعي أن رسالتنا الجوابية على ما قاله رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما تحمل بصمة عربية ، مجرّدة ، أيضاً ، عن أوهام المستبدين الذين يشاطرون الغزاة أوهامهم ...

( 6 )

نبدأ يا سيادة الرئيس ، برد التحية ، بأحسن منها ، فنقول : وعليكم السلام ، ونضيف ورحمة الله ، فالله رحمن رحيم ، والبشر الذين يتحسّسون قبساً من روحه في كينونتهم رحماء فيما بينهم ، "رحيمون" بالبشر أجمعين ..أما بعد .. !

فإنني لست بحاجة لإخفاء إعجابي بشخصك الطبيعي كإنسان ، كباراك أوباما ، أما شخصّيتك الاعتبارية المضافة ، والمحدودة من حيث الزمان ، والمكان ، كرئيس لدولة الولايات المتحدة الأمريكية ، فلنا معها حديث آخر سيأتي في سياق هذه الرسالة ..

ابتداء أريد أن أخاطبك بشخصك الطبيعي ، كي أعترف ، أنك ، ومن خلال حملتك الانتخابية ، قد أجبرتني على إعادة قراءة كتاب "الطريق إلى الحرية" لفاوست ، للمرة الخامسة ، ذلك أنني ، وكلما اشتدت عليّ المحن ، وشعرت بحاجة للبكاء ، كنت أعود إلى ذلك الكتاب لأبكي بين صفحاته مع "أنجيدو" ، وأولاده ، وعليه ، وعليهم ...وأحرضّ غضبي على الظالمين ، ألا لعنة الله على الظالمين أجمعين ، آميييييييين ...

هذا لا يعني أنني متعاطف مع لونك الأسود ، لأن العنصرية متعددة الألوان ، إنها كالحرباء تغيّر جلدها حسب الظروف ، لكنها تبقى حرباء في الأحوال كلها .. وأجدادنا العرب قالوا يوماً " وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .." فالظالم ، هو الظالم أياً كانت هويته ، ولونه ، والمظلوم هو المظلوم أيضاً .. لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن النضال الإنساني الذي خاضه شعب الولايات المتحدة الأمريكية ( المتعدد الأرومات ، والانتماءات ، والقوميات ، والشعوب لمكافحة العنصرية ، وإيصالك إلى سدة الرئاسة في دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت أصلاً على المجازر بالهنود الحمر ، وعلى العبودية لأجدادك السود ..) لا يستحق التقدير ، والاحترام من جميع عناصر الأنسنة في هذا العالم ، النابذين للتمييز ، والعنصرية ، والظلم ...وخاصة من أولئك الذين مازالوا يعانون ، ونحن منهم ، لكننا ندرك أن هذا حديث ذو شجون لا تحتمله هذه المساحة الضيقة ، فهو حرّي بالتعبير عنه أدباً ، وفناً ، وثقافة ... فقط أريد أن أعبّر لكم قبل أن أغادر هذه المحطة الشخصية عن تقديري للطريقة المحترمة التي خاطبتنا بها ، وخاصة تلك التلقائية غير المكتوبة التي شدتني كي أسمعك من السلام عليكم الفاتحة ، وحتى السلام عليكم الخاتمة ...وأعترف أنني فكرت في مخاطبتك كمواطن قبل أن تتبوأ الرئاسة ، حتى يكون الحديث بين مواطنين أحدهما مقهور حالم بالحرية ، والآخر حالم برئاسة تشكل علامة فارقة في هذا العالم ...لكن بعد أن تبوأت منصب الرئاسة صرفت النظر عن الموضوع ، أما الآن ، وقد كلفتّ نفسك مشقة الحضور إلينا لتخاطبنا ، فقد بات لك علينا حق الجواب ، وبات لنا عليك حق الرد ، خاصة أننا أحسسنا كمواطنين أن الخطاب كان موجه إلينا ، أصدقّك القول ، لو أنك خاطبت ، أو ذكرت أي حاكم لما اعتبرت نفسي معنياً بكلمة واحدة مما قلت ...، على أية حال لا أدري إذا كان التخاطب بيننا مازال ممكناً ...؟ ، بسبب الفارق الكبير بين موقعي ، وموقعك ، لكن هناك إغراء بالمحاولة.....

( 7 )

فلنبدأ إذن بالانتقال إلى الصفة التي جئتنا بها يا سيادة الرئيس ، كرئيس لدولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وهنا تكمن أم المشاكل ، ولا ندري إذا كان الحل بين يديك .. ذلك أنه على مدى عقود متعاقبة كانت مؤسسات دولة الولايات المتحدة الأمريكية في موقع التصادم العنيف مع المشاعر الشعبية العربية ، ولعل يوم 5 حزيران "يونيه" على وجه التحديد يضغط على أعصابنا بما فعلته مؤسسات دولتكم .... ولعل هذا ما دفع الإدارة الأمريكية السابقة لطرح السؤال : لماذا يكرهوننا ..؟ .. وهذا السؤال يتضمن الاعتراف بالكراهية لكنه يعكس الواقع الموضوعي للكراهية ، فقد كان الأجدى بهم أن يسألوا أنفسهم لماذا يكرهون العرب ..؟ فمن القواعد الأساسية لحل مشكلة ، ما ، معرفة مصدر الفعل ، قبل البحث في ردود الأفعال ..

وهنا تكمن المشكلة يا سيادة الرئيس ، وتكمن المفارقة بين التفاؤل بخطاب تصالحي لرئيس جديد مختلف ، وبين مؤسسات دولة كبرى ارتبط اسمها على مدى عقود بالعدوان على الأمة العربية ، وبازدواجية المعايير ، وبالانحياز اللا محدود في المحافل الدولية لصالح العنصرية الصهيونية ، حتى وصل الأمر بدولة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاحتلال المباشر لحاضرة هامة ، ومركزية من بلاد العرب ، وبالتالي فإن من حق العرب أن يتساءلوا .. ومع عدم التشكيك بمصداقيتكم ، ماذا يستطيع الرئيس أوباما أن يفعل مع مؤسسات بهذا الحجم ، هل سيتمّكن خلال سنوات أن يغيّر مسار تلك المؤسسات ، خلال عقود ، أم ستغيّره هي ، أو تحتويه على الأقل ..؟

نحن نقول أنه مازال من المبكر الإجابة على تلك الأسئلة ، وسنبقيها مفتوحة ، وهذا بحد ذاته موقف إيجابي يا سيادة الرئيس ، ذلك أننا كنا قد فقدنا الأمل حتى بالاحتمالات ، ودفعتنا ممارسات أجهزة دولة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مواقع اليقين بأن القوى المسيطرة على مؤسسات دولة الولايات المتحدة الأمريكية لا أمل في أن تغيّر مواقفها المعادية للأمة العربية ، وأن المخرج الوحيد هو مواجهتها ، ورد عدوانها ..إنه الصراع الحتمي المفروض علينا ، فرضاً.

هذا يعني ، ومنذ البداية ، أنك نجحت يا سيادة الرئيس في فتح نافذة للحوار .. وإن كان من غير الممكن لأحد أن يتكهن بالنتائج .. فقد يستمر الحال على ما هو عليه ، وقد يتفاقم سوءاً ، وقد تنقلب الصورة ، وهذا مرهون بالطريقة التي ستعالجون فيها المشكلات المتراكمة ، وبالظروف بالغة التعقيد ...

( 8 )

اعتماداً على ذلك ، وبالبناء عليه ، فإننا سنصارحك يا سيادة الرئيس ، بموقفنا من المعاني الأساسية التي جاءت في رسالتكم الموجهة إلينا ، وفي المشكلات الهامة التي تجاهلتم التطرق إليها ، ونحن ننطلق في ذلك من أرضية الحوار ، والتصادق ، فالمثل العربي يقول : " الصديق من صدقك لا من صدّقك " ، ونحن يا سيادة الرئيس لا نسعى للعداء مع دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكننا نسعى لتكف هي عن العدوان علينا ، فلا بوارجنا ، ولا حاملات طائراتنا تجوب البحار بالقرب من مياهكم الإقليمية ، ولا قواعد صواريخنا النووية موجهة إلى بلادكم ...، وبالتالي ، فإننا دعاة للصداقة ، والسلام بين شعوب الأرض قاطبة ، ويدنا ممدودة دائماً ..

( 9 )

أولاً : يا سيادة الرئيس تابعنا باهتمام شديد حديثكم عن التسامح في الديانات السماوية ، تلك الديانات التي جاءت في السياق التاريخي لتطور الجماعات البشرية التي كونتّ الأمة العربية ، وقد كنا نتوقع أن تخصّ هذه الأمة العربية بالحديث ، هذه الأمة ، التي احتضنت تلك الرسالات السماوية ، ونقلتها إلى سائر بني البشر حتى وصلت إلى آباءك ، وأجدادك ، وانتقلت إليك ، وشكلت جوهر خطابك الأخير ..نحن يا سيادة الرئيس لسنا باعة زيوت الكاز ، والغاز ، نحن رسل حضارة ، لا يغشّك وضعنا المذري حالياً ، فهذه الأمة العربية يا سيادة الرئيس لا تستحق أن تكافأ على رسالتها الحضارية ، بما جرى ، ويجري لها ، والإرهاب الذي يشغل بالكم هذه الأيام ليس من صنعها ، وليس من ثقافتها ، وليس من حضارتها ، لقد اضطرت خلال مراحل تاريخية متعاقبة أن تدافع عن نفسها ، كونها في المركز من هذا العالم ، وكونها محطة يقصدها كل الطغاة في هذا العالم ، لأنهم باحتلالها ، وباحتلالها فقط ، يدعوّن سيطرتهم على العالم ، والإرهاب يا سيادة الرئيس ليس من عقائد ، وأدوات الديانات السماوية التي حملتها الأمة العربية إلى العالم ، وإنما عاد الطغاة بالإرهاب للسيطرة على الأمة العربية ، لقد كانت تلك الرسالات في جوهرها كتاب المظلومين في وجه الظالمين ، حملها أحد حواريي السيد المسيح إلى أوروبا ، فأعطاها دينها ، لكن الإقطاع ، والطغيان والعنصرية الأوربية حملوا صليب السيد المسيح ، وجاءوا إلينا غزاة طامعين ، ظالمين .. ثم حملها صحابة النبي محمد بن عبد الله إلى آسيا الوسطى فعاد المغول ، والتتار تحت راية القرآن الكريم يشيدون من جماجم أبناء الأمة العربية أهرامات ، ونصب تذكارية ... ثم حملها أبناء النبي يعقوب إلى العالم ، فعادت الحركة الصهيونية إلى بلادنا ترتكب المذابح ، وترهب الناس ، وتشردهم من بيوتهم ..

نحن إذن يا سيادة الرئيس ضحايا للإرهاب ، وإذا كان البعض من أبناء أمتنا قد خرج عن طوره ليواجه الإرهاب ، بالإرهاب .. فإن هذا بقي في إطار محدود ، ومعالجته كرّد فعل تبدأ بمراجعة الفعل المسبّب له .. والأفعال المسبّبة له أكثر من أن تحصى يا سيادة الرئيس ، فليوضع حد للعدوان على هذه الأمة العربية ، وسترى يا سيادة الرئيس أننا أمة التسامح ، وأننا الأمة الوسط ، والعدل ، والمساواة ، والتسامح .

( 10 )

ثانياً : لقد أسهبتم يا سيادة الرئيس في الحديث عن حق الصهاينة في فلسطين بسبب المحرقة النازية لهم في ألمانيا ، وذلك لإيجاد شيء من التوازن بين حقوق الصهاينة ، وحقوق الفلسطينيين ، وكأن الطرفين على قدم المساواة .. لا يا سيادة الرئيس ، هنا ، معتدون ، ومعتدى عليهم ، هنا ، غاصبون للحقوق ، ومن اغتصبت حقوقهم ، هنا ، من ارتكب مذابح ، وشرّد الناس ، وهنا ، من ارتكبت بحقهم المذابح ، وشردّوا من بيوتهم إلى الخيام ، والمهاجر ..

ونحن هنا لن ندخل في سجال حول المحرقة النازية ، وما قيل فيها ، لكن لابد من القول أن النازيين ارتكبوا مجازر ، ومحارق ، لكن هل كان ذلك بحق اليهود حصراً ..؟ أم أن ذلك كان شاملاً لكل من عارض النازية ، أو انقلب عليها ..؟

وبغضّ النظر عن ذلك كله ، وعن التهويل ، والتهوين ، ولعبة الأرقام ، في هذا الموضوع نسأل ، ومن ناحية حقوقية ، وقانونية بحتة ، هل ، أن تعرّض اليهود للمحرقة في ألمانيا النازية يبرر للصهيونية أن ترتكب المجازر في فلسطين ، وتهجّر أهلها ، وتقيم مستعمرات على أراضي الفلسطينيين العرب ، وتحتل بيوتهم ، وأراضيهم .وتعمل فيهم بالأسلحة الأمريكية إحراقاً ، وتقتيّلاً ...؟؟؟ .

يا سيادة الرئيس ، إن أعداد اليهود في دولة الولايات المتحدة الأمريكية يساوي أو يفوق أعداد اليهود في فلسطين العربية ، فلنفترض أن منظمة الأيباك الصهيونية الأمريكية قررت أن تحتل ولاية من ولايات ، الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن تهجّر سكانها ، وتقيم فيها دولة صهيونية بالتعاون مع قوى خارجية تستهدف تقسيم دولة الولايات المتحدة الأمريكية إلى دول ..ماذا سيكون موقفكم ..؟ وهل تبرر محرقة ألمانيا النازية ذلك ..؟

نحن يا سيادة الرئيس لا نثير قضايا تعجيزية ، لكننا ، وبالاستناد إلى الموضوعية التي اتسم فيها خطابكم نريد أن نتفق على قراءة حقيقية موضوعية ، لما جرى في فلسطين ذلك أن عدم فهم المشكلة لن يقود إلا إلى تفاقمها ، دعنا نتفق على قراءة الأحداث كما حدثت ، ثم ، إذا كان علينا أن نتسامح .. فنحن أهلها يا سيادة الرئيس ، لو جاء اليهود الذين تعرضّوا للعنصرية في " غيتوات أوروبا " ، أو الذين تعرّضوا للاضطهاد من النازية في ألمانيا ، كلاجئين ، فإن هذه الأمة العربية أهل لإغاثة كل ملهوف ، ولإيواء كل مظلوم ، هل تريد أمثلة يا سيادة الرئيس ... فقط ، دعنا نشير إلى الأرمن الذين تعرضوا للاضطهاد في بلدانهم ، وجاءوا إلى أرضنا طالبين الأمان ، في سورية ، ولبنان ، ومصر على وجه الخصوص .. هل يشعرون الآن في بلادنا بأي تمييز ..؟ .. بالأمس فقط ساهموا في تقرير مصير الانتخابات في لبنان .. المشكلة إذن ليست في تقرير مصير الهاربين من الظلم إلينا ، والمشكلة ليست فينا ، المشكلة في الحركة العنصرية الصهيونية التي لم تكتف بانتزاع المواطنين اليهود من بلدانهم الأوروبية ، وإنما انتزعوا المواطنين العرب اليهود من المدن التاريخية العربية التي كانوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي في دمشق ، وبيروت ، وبغداد ، وصنعاء ، والقاهرة ، والخرطوم ، وتونس ، والدار البيضاء ، ومراكش .. هؤلاء يا سيادة الرئيس مواطنون عرب لهم ذات حقوقنا ، وعليهم الواجبات ذاتها ، والقاعدة القانونية لإزالة العدوان تقول بإعادة الحال إلى ما كانت عليه ، حق العودة لكل الأطراف هذا هو الحل العادل ، حتى الذين تتعذر عودتهم إلى بلادهم في أوروبا ، أو في أي مكان من العالم ، أهلاً بهم مواطنين أسوياء لهم ذات الحقوق ، لكن ، لا يمكن لهذه الأمة أن تقبل بأحد ، كمحتل ، أو بجماعة ، كقاعدة للعدوان .. هذا هو جذر المشكلة يا سيادة الرئيس .. ونحن على استعداد تام للحوار حول تفاصيل هذه المسألة ، والتسامح في الوصول إلى حلول مناسبة . لكن ، تأكد يا سيادة الرئيس ، أن اللذين هجرّوا اليهود إلى فلسطين لأهداف استعمارية بحتة ، واستخدامهم في مواجهة الأمة العربية ، ليسوا أقل نازية اتجاه اليهود أنفسهم من النازيين الألمان أصحاب المحرقة ، ونحن نسعى لإنقاذ المواطنين العرب اللذين يدينون باليهودية ، واللذين هجرتهّم الصهيونية من بيوتهم العربية إلى المستعمرات الصهيونية في فلسطين ...، من تلك المحرقة التي يعدوّنها لهم ....

( 11 )

ثالثاً : نقدّر لكم يا سيادة الرئيس صراحتكم ، وشجاعتكم ، باعتبار الحرب على العراق كانت خياراً لدولة الولايات المتحدة الأمريكية ، ونقدّر قراركم بالانسحاب ..

( 12 )

رابعاً : لا نريد الوقوف طويلاً أمام ما جاء في خطابكم حول مسألة حقوق الإنسان فنحن ندرك منذ زمن بعيد أن هذه القضية قضيتنا ، فتلك الحقوق لا تمنح من أحد ، لا في الداخل ، ولا في الخارج ، وإنما تحصّلها الشعوب عبر نضال تراكمي طويل .. فقط ، يا سيادة الرئيس نرجوك أن تراجع سجلات المخابرات المركزية الأمريكية ، لمعرفة أعداد الانقلابات ، والديكتاتوريات التي نظمتها ، أو ساهمت في تحقيقها على صعيد العالم كله ، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص .. وكذلك أعداد الديمقراطيات الوليدة التي أجهضتها تلك المؤسسة ، لتدرك يا سيادة الرئيس ، أن المسألة لا تتعلق بتخلف الشعوب عن اللحاق بركب الحرية ، والديمقراطية ، أو بخصوصيتها في هذا الأمر ، وحسب ، وإنما يتعلق الأمر أساساً بعدوان شديد التعقيد ، تناغم فيه طغاة الداخل ، مع غزاة الخارج ، وإذا كان هذا قد تم تبريره في يوم ، ما ، بضرورات الحرب الباردة ، فإننا نأمل يا سيادة الرئيس ، أن تكفّ أجهزة دولة الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى دعماً للديكتاتوريات ، والانقلابات ..، والكف عن التستر ، عن انتهاك حقوق الإنسان نتيجة صفقات ، ومقايضات ..تحت عنوان مصالح دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، يكفي في هذا المجال ، أن تلتفت يا سيادة الرئيس إلى المكان الذي ألقيت فيه خطابك ، في جامعة القاهرة ، لترى من يسمي نفسه رئيس جمهورية يحكم مصر منذ ثلاثين عاماً ، ويستعد لتوريثها لابنه ، كل ذلك بدعم مباشر من دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، مع ما يرافق ذلك من انتهاك لحقوق الإنسان ، وتقييّد للحريات العامة ، ومصادرة للحياة السياسية ، بحجة أن النظام يراعي مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، فأية جمهورية هذه ؟ ، وأية خصوصية في ذلك ؟ ، وكيف سيصّدق الناس الدعوة إلى الحرية ، والديمقراطية ، إلا إذا ترافقت مع رفع الغطاء عن الذين ينتهكون الحريات ، ويمارسون الاستبداد ....؟؟؟

( 13 )

خامساً : نعترف يا سيادة الرئيس أننا فوجئنا بتجاهلكم لمسألة الجولان العربية السورية المحتلة ، نرجو أن لا يكون ذلك مقصوداً ، هذا من جهة أولى ، ونرجو أن نتوافق على مسار قانوني لحل هذه المشكلة من جهة ثانية ، قبل أن نضطر كمواطنين للبحث في مسارات أخرى ، فالجولان يا سيادة الرئيس جزء من أراضي دولة الجمهورية العربية السورية ، لا خلاف على ذلك ، والجولان ، بموجب القانون الدولي ، أرض سورية محتلة ، من قبل "دولة إسرائيل" ، منذ العام 1967 لا خلاف على ذلك ، ومجلس الأمن الدولي أصدر قرارين ملزمين بانسحاب "جيش إسرائيل" من الأراضي المحتلة عام 1967 يحملان الرقمين 242و338 ، لا خلاف على ذلك ...، إذن نحن أمام احتلال جزء من وطن الجمهورية العربية السورية المعترف بحدودها دولياً ، وقد صدر قرارين دوليين بإنهاء الاحتلال ، والدولة المحتلة "إسرائيل" لا تنفذ بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على ذلك ، فالمسألة إذن يا سيادة الرئيس ، لا تتعلق بمفاوضات مباشرة ، أو غير مباشرة ، وإنما تتعلق بتمرد "إسرائيل" على المجتمع الدولي ، وعدم تنفيذ قراراته ، فالأمر محصور بوضع القرارات الدولية موضع التنفيذ بإدراجها تحت البند السابع لا أكثر من ذلك ولا أقل ، وهذا في مقدور دولة الولايات المتحدة الأمريكية أن تفعله ، إلا إذا كانت دولة الولايات المتحدة الأمريكية ستواظب على سياسة الكيل بمكيالين ، وازدواجية المعايير ، واعتبار "دولة إسرائيل" فوق القانون الدولي ، وفي هذه الحالة ليس أمامنا إلا مواصلة النضال ، والمقاومة ، لمواجهة هذه العنصرية التي ضحّى آباءك ، وأجدادك لمواجهة أحد أشكالها ...

( 14 )

سادساً : هناك مسألة مركزية ، غابت عن خطابكم يا سيادة الرئيس تتعلق بضرورة إصلاح النظام الدولي ....هذا النظام الأعرج الذي قام أساساً على تنظيم سيطرة الحلف المسيحي الأوربي المقدس على العالم ، وتطوّر إلى عصبة الأمم في الربع الأول من القرن العشرين ، ثم إلى هيئة الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب الأوربية الثانية التي اعتمدت أنظمة ، ولوائح ، وقوانين ، تنّظم العلاقة بين المنتصرين ، والمهزومين ، والضحايا ....العالم يا سيادة الرئيس بأمس الحاجة إلى نظام دولي يحقق المساواة بين أشخاص القانون الدولي ، لا على أساس منتصرين ، ومهزومين ، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بما يلي :

1 – إلغاء حق الفيتو .. لأنه يلغي قاعدة قانونية هامة حيث لا قانون في ظل عدم المساواة بين أشخاص القانون الدولي .

2 – إلغاء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ، واختيار أعضاء مجلس الأمن على قدم المساواة ، وبشكل دوري .

3 – وضع ضوابط لتمثيل أشخاص القانون الدولي في هيئة الأمم المتحدة بحيث تعتمد صحة التمثيل فلا يسمح للطغاة ، والقراصنة الذين يختطفون السلطات بطريقة غير مشروعة في بلدانهم من تمثيل تلك البلدان في هيئة الأمم المتحدة .

4 – إخضاع قرارات مجلس الأمن الدولي كسلطة تنفيذية إلى موافقة السلطة التشريعية المتمثلة بالجمعية العامة للأمم المتحدة .

5 – تنظيم القضاء الدولي ، وضمان استقلاليته ، وإعطاء قراراته صيغة التنفيذ ، وتسمية القوات الدولية كضابطة عدلية ، لتنفيذ قرارات القضاء الدولي ..

إن إصلاح النظام الدولي ، هو الشرط الأساسي لاستكمال انعتاق المجتمع الدولي من العنصرية .. وهذا ما يقتضي تدخلاً مباشراً بما تمثلونه يا سيادة الرئيس ، من ثقل دولي ، للخروج من المأزق الذي تعاني منه المؤسسات الدولية ، والتي تم تشكيلها في ظروف انقضت ، ولمواجهة مشكلات تجاوزها التطور الإنساني ، باتجاه معالجة المشكلات المستجدة ، ولتحقيق الحرية ، والعدالة ، والمساواة ، على الصعيد الإنساني الشامل .

( 15 )

أعتذر ، يا سيادة الرئيس عن الإطالة ، لكن العذر أننا ، ومنذ عقود طويلة لم نستمع إلى خطاب موضوعي من الغرب ، ومن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص .. يصلح أرضية للحوار ..

نحن نعترف ، الآن ، أنك نجحت يا سيادة رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية في إقناعنا بإمكانية استبدال الصراع ، بالحوار .. ، وهذا غير قليل على أية حال ، والاختلاف في الآراء لا يفسد للود قضية ، لكن أود يا سيادة الرئيس أن تأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأمة تعرضت على مدى أكثر من قرن للخديعة ، تلو الخديعة ، والمثل العربي الشهير يقول : " أن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين " ، والأمة العربية مثخنة باللدغ في كل مكان .. فبينما كانت تقاتل للتحرر من السيطرة العثمانية ، اكتشفت أنها تقاتل لتمهد لجيوش الاستعمار الأوروبي لاجتياح وطنها ، وبينما كانت تصّفق لمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في حقوق الإنسان فوجئت بأنه يشرّع لعصبة الأمم ، التي أضفت الشرعية الدولية على ما ترتكبه جيوش الاستعمار ، والانتداب ، والوصاية ، من مذابح لاجتياح وطن العرب .. ثم ، وعندما كانت الأمة العربية تحلم بالحرية ، وبوحدة الشعب ، والأرض اعتماداً على مبادئ النهضة ، والتنوير التي اجتاحت أوروبا ، وأمريكا .. ، وبعد انتصار الدول التي تسمى ديمقراطية في الحرب الأوربية الثانية على النازية ، فوجئت الأمة العربية بخرائط التقسيم ، والتفتيت ، وتركيب دول من كل الألوان بما في ذلك "دولة إسرائيل" لتشويه هذه الأرض العابقة بالحضارة ، والتاريخ ، ورسالات السماء ..

إني لا أقول ذلك تشكيكاً بمصداقيتك يا سيادة الرئيس ، ولكنني أقوله علكّ تعذر أولئك الذين شككوا في مصداقية دوافعك ... فلهم العذر ، كل العذر يا سيادة الرئيس ، بعد سلسلة الغدر ، والخداع التي تكبّل الأمة العربية ، راجياً أن تتمكن يا سيادة الرئيس من فتح صفحة جديدة تبث الاطمئنان في النفوس ، فالشعب العربي لم يعد يحتمل خداع ، ومؤامرات ، ومخططات سرية ، وأرجو أن تثبت يا سيادة الرئيس للمشككين ، صدق نواياك .. وأنهم ليسوا على حق ..وهم ، في هذه الحالة سيكونون أول السعداء ، ونحن كذلك .....

والسلام على من اتبع الهدى

دمشق : الثلاثاء ، 9 حزيران " يونيه " 2009

حبيب عيسى

سليم حجار 11-24-2009 09:07

على بساط الثلاثاء
57


يكتبها : حبيب عيسى


مبروك ... يا زين الحاكمين ..!
أقطعناك تونس مدى الحياة
ثم لنسلك من بعد .. وإلى أبد الآبدين ..!


( 1 )


أعترف بداية أنني مدين للسيد الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية بموقفين فريدين تميز فيهما عن نظرائه من الحاكمين يفصل بينهما أكثر من عشرين عاماً .
o الموقف الأول : كان منذ أكثر من عشرين عاماً عندما رفعّ نفسه من مخبر في وزارة الداخلية إلى رئيس لجمهورية تونس إثر انقلابه على ولي نعمته الحبيب بو رقيبة .. يومها أطل علينا سيادته بصوت يتهدج تأثراً ليعلن موقفاً لم يسبقه إليه أحد من المتحكمين بمصائر العرب ، قال يومها بنبرة عسكرية حاسمة : لقد آن الأوان أن تنتهي من حياتنا تلك المرحلة التي يحكم فيها الحكام مدى الحياة .. ثم أتبع ذلك سيادته بدرس رصين مؤثرّ عن الحرية ، والديمقراطية ، والرأي، والرأي الآخر ، وإرادة الشعب ، وحكم الشعب ، وتداول السلطة .. وإلى آخره ...!
أعترف ، أنني يومها ، حاولت أن أتفاعل مع هذا الوافد الجديد علينا ، رغم تجاربي المرة مع أمثاله ، حاولت أن أصّدقه .. فلعّل ، وعسى ..!، الغريق يتعلق بقشة كما يقولون ، ولكنني أعترف أيضاً أنني لم أستسغ هذه الفكرة التي تهدد الاستقرار ، والخصوصية ، وتشّكل خروجاً على السائد ، وحاولت أن أجد له العذر في ذلك ، فقد يكون سيادته قد تفوه بتلك العبارات " النابية " لأنه مازال حديثاً في نادي الرؤساء ، وأنه لم يكتشف بعد قدراته الخارقة الاستثنائية التي لا مثيل لها ، ولا نظير ، ولا تتوفر لأبن أنثى ، أو رجل في تونس .. وبالتالي فإنني لم افقد أملي بأن سيادته سرعان ما سيدرك الخطأ الذي وقع فيه ، وسيكتشف أنه لا بديل له في تونس ، وأنه سيرضخ للإرادة الخفية التي لا راد لها ، وسيتواضع في حكم تونس مدى الحياة الطبيعية على الأقل مع السعي الحثيث لتمديدها بإطالة عمر خلايا سيادته اعتماداً على تطور العلم ، والخلايا الجذعية ، لكن سيادته في الأحوال كلها مطمئن إلى مستقبل تونس ، فالسيدة الأولى قادرة على أن تقوم بدور الوصية على الوريث حتى يبلغ سن الحكم إذا لا سمح الله ... ، ولا نقول سن الرشد .. لأن الرشد قد يطيح بهذا الاستقرار ، وتلك الخصوصية العربية الفريدة .
o الموقف الثاني : الذي أدين فيه لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي كان دعوته منذ أسابيع إلى استفتاء حول رئاسة الجمهورية ، ذلك أن سيادته لم يقبل التمديد الحكمي مدى الحياة ، رغم الثقة بأنه لا بديل له ، ولا نظير ، وهذا تواضع من سيادته ، لكن يشاركه فيه الكثير من أقرانه ، الموقف الجديد ، الذي تميز فيه ، كان في النتيجة حيث جاءت نتيجة الاستفتاء بأرقام لم تعتد عليها الآذان العربية .. 89.99 بالمائة ، لقد خيب شعب تونس الآمال ، فمن هم هؤلاء العشرة فاصلة واحد بالمائة الذين قالوا : لا ، لسيادته ، إنهم لا شك ناقصي عقل ، ودين ، ونطالب على الفور بالحجر عليهم في مصحات عقلية ، حتى لا ينتشر وباء هذه " اللا " اللعينة ، ونطالب تضامن جامعة الدول العربية ، ومجلس الأمن الدولي في محاربة هذا الوباء .. ذلك أنه كان قد تم التساهل مع الواحد بالعشرة من المائة خلال العقود المنصرمة حيث كانت النتائج 99.99 بالمائة على مدى النصف قرن الأخير ، وهذا أدى إلى انتشار جرثومة " لا " لتصل إلى هذا الحد الخطير .. وإذا لم تتضافر الجهود المخلصة فإن هذا يعني انه بعد قرنين من الزمن أي بحدود عام /2210/ ميلادية قد يحكم تونس حاكم ضعيف عاجز لا حول له ولا قوة ، ولا سطوة في حدود الخمسين بالمائة ، وهذا يهدد الاستقرار والديمومة ، والخصوصية ، والنمو ، والسياحة ، والصمود ، بل أن هذا الوباء في هذه الحالة لن يقتصر على تونس بل قد يمتد ليهدد الاستقرار والخصوصية .. في سائر أرجاء الوطن العربي ، لذلك لابد من إعلان النفير القومي العام ، واستنفار المخبرين ، والبصاصين ، والتشدد في إعلان حالات الطوارئ ، وتعميمها ، والضرب بيد من حديد في سائر الاتجاهات حفاظاً على هذه الرموز النادرة الوجود في هذا العصر ، والذي تنفرد الأمة العربية ، دون سائر البشر بتربعهم على رؤوس أبنائها ...
لكن ، ما أعاد الطمأنينة إلى نفسي هو، أنني لجأت إلى أحد الخبثاء ، أو العقلاء على الأصح ، أبث إليه هواجسي ، فسخر من مخاوفي ، وقال بهدوء ، ورصانة ، وجدية : لا تخشى شيئاً يا صديقي ، ذلك أنهم يفتتحون المزاد دائماً بالـ 99 بالمائة ، ثم ، وبعد استقرارهم على العروش ، واقتراب التسليم لمن يختارونه من نسلهم ، يتنازلون طواعية عن هذه النسبة ، حتى إذا جاء الوريث عاد إلى النسبة الأولى 99 بالمائة ، وهكذا في دائرة مغلقة .. وأضاف صاحبي ، وهو يودعني مطمئناً : لا تخشى شيئاً يا صديقي بإمكانك أن تنام ملء جفونك ، فالمستقبل العربي مضمون ، وممسوك ، ومستقر ، لا تشوبه شائبة ، والهواجس التي تنتابك ما هي إلا من عقابيل مرحلة أحلام الحرية المنهارة , التي مازال يعيش فيها المتوترين ، الموتورين أمثالك .. وأضاف إنني أنصحك بأن تعرض نفسك على طبيب نفسي ، وأنا مستعد أن أصطحبك إذا قررت ذلك .. قلت له : لا ، لا اعتقد أن الحالة تفاقمت إلى هذا الحد بدليل أنني اقتنعت برأيك ، وعادت الطمأنينة إلى نفسي ..


( 2 )


لكنني ، أعترف مرة أخرى ، أنه ما أن أغلقت على نفسي باب مكتبي حتى عادت الهواجس اللعينة تطاردني من جديد إلى درجة أنني عدت أشكك بقدراتي العقلية ، خاصة ، وأن ذاكرتي أعادت عرض تلك الحلقة التي شاهدتها على إحدى الفضائيات منذ أيام عندما اعترض أخي من تونس المنصف المرزوقي على نسبة التسعينات في المائة التي تتسم بها ظاهرة الاستفتاءات الرئاسية ، فسخر منه واحد من لاعقي الأحذية في بلاط القصور الرئاسية في تونس داعياً إياه التوجه فوراً إلى إحدى المصحات العقلية .. عندها تذكرت على الفور الحالة التي أنا فيها .. وقلت بيني ، وبين نفسي ، لا بأس ، فقد نلتقي أخيراً أنا ، والمنصف المرزوقي في إحدى المصحات العقلية .. ثم ، ولكي أهوّن الأمر على نفسي .. عادت ذاكرتي تسعفني بقائمة طويلة من الأفذاذ الذين اتهموا بالجنون على مدى العصور البشرية ، لم يكن سقراط أولهم ، ولن نكون ، المنصف المرزوقي ، وأنا آخرهم ، ثم ، كم من المحارق نصبت للعلماء ، وكم من المقاصل دقت أعناقهم ، وكم من الزنازين المظلمة احتوت أحلامهم حتى أن الشواهد مازالت حية في الأذهان عن المصحات العقلية الجماعية التي شيدتها سلطات حديثة للمعارضين ... ورغم أن اغلب تلك السلطات قد اندثرت ، فإن بعضها مازال حياً يسعى ..
في خضم هذه الأجواء الخانقة التي تحاصرني من الاتجاهات كافة جاء الفرج فجأة عندما نبهتني ذاكرتي ، وكأن يد غامضة نقرت على فأرتها ، إلى أنني منذ عدة أشهر قد أعلنت جهاراً ، نهاراً ، عن تغيير " اللوك " والخروج من دائرة الأفكار البائدة عن الحرية ، والديمقراطية ، والعدالة ، والمساواة ، والمواطنة ، والأمة الواحدة العصية على التفتيت الإقليمي ، والطائفي ، والمذهبي ، والديني ، والإثني .. لقد ذهب العمر هباء ، ولم يتبقى منه إلا القليل ، القليل ، الذي قررت أن أمضيه بالفرجة على "هز النواعم" ، وتتبع أبواط المتلاعبين بالكرة ، عوضاً عن ملاحقة المتلاعبين بالأوطان ، وتعويضاً عن الأيام العجاف ، فماذا جرى .. ؟ ، وما علاقتي بما يجري ، أو سيجري ... ؟ وهل يستحق استفتاء تونس الرئاسي كل هذا العناء ، ليعيدني إلى أجواء الإحباط ، والهموم ، والجنون ..؟ .. ألم أتعهد على الملأ بتغيير " اللوك " ، وهل يليق بي ، بعد كل هذا التاريخ الحافل بالهزائم ، والخيبات أن تلصق بي ، أيضاً ، تهمة النكوص عن عهد قطعته على نفسي في العلن ...؟ .


( 3 )


لكن الطبع غلب التطبّع على ما يبدو ، كما يقولون ، وهذا ما يجب مواجهته ، بموقف حاسم حتى لا أنزلق مرة أخرى إلى المتاعب ، دعونا نحلل بعقلانية ، فالمشهد ليس تراجيدياً ، ولا سريالياً ، ولا درامياً ، إنه مشهد كوميدي بامتياز .. وبالتالي دعونا نسخر من أنفسنا ، دعونا نرى الواقع من الزاوية الأخرى الكوميدية ، ولنبدأ من المحيط حيث الجنرالات في موريتانيا لم يحتملوا نتائج الانتخابات الديمقراطية سوى أشهر قليلة ، على الشمال من ذلك في المغرب حيث تعمل لجان الأنصاف والمصالحة لكن الصحفيين يعتقلون بجرم المس في الذات الملكية "المس بالذات الإلهية لا باس عليه" ، إلى الجزائر حيث سيترحم الجزائريون على أبو تفليقة عندما سيّطل عليهم إبن تفليقة ، إلى ليبيا حيث ظهر النقيب كأمين للقومية العربية ، وما أن ترفع إلى عقيد حتى بات أميناً للقومية الأفريقية ، ذلك أنه تنبأ بأن "السود سيسودون" في كتابه الذي كان أخضراً .. والوريث الولد بات كبيراً ، وجاهزاً ...
ثم إلى الكنانة ، حيث حسني أدى بالمصريين إلى الترحم على غليون أنور السادات الذي ذهب إلى الصهاينة ، حسني يستقبلهم في قصوره المنتشرة من القاهرة إلى شرم الشيخ حتى لا يحّملهم أعباء الضيافة ، والوريث تم تربيته "على الغالي" وبات جاهزاً .. وأولئك الذين يقولون ، ويصرخون " كفاية " ليسوا إلا حفنة مجانين .. " كفاية إيه يا ولاد الأيه .. هو انتو لسه شفتوا حاجة .. " ، ثم إلى السودان المثخن بالجراح التي يرقص عليها بالعصا سيادة الرئيس "ولا هز النواعم".. إلى الصومال حيث تقام الحدود تقتيلاً في كافة الاتجاهات والذبح الحلال على الطريقة الإسلامية والأسلحة من النظام الأرتيري الذي تديره الذي تديره "أسرائيل"، إلى اليمن حيث الدماء تسيل غزيرة إلى أن يحسم الرئيس الصراع بين ولديه المدللين ترى من منهما سيرث اليمن ، ومن عليها ..؟ حتى يبقى اليمن سعيداً بكل هذه الدماء ، وبالوريث القادم .. وإلى آخرهم من أصحاب الجلالة ، والسمو ، والنيافة في الخليج الذي تتهدد هويته العربية تهديداً شديداً من الناحية الديموغرافية ، ورغم ذلك ، فإن هناك اعتذار واجب من مظفر النواب ، وكأني ، بلسان حاله ينشد على طريقة بدوي الجبل :
عفواً قابوس ومعذرة أجراس النهضة لم تقرع
لو أكمل الأدعياء زحفهم لكانت سياطهم بالشعب تلسع
و بسوطك الرحيم تحلم
وصولاً إلى تلك الكيانات التي تم النص في وثائق ولادتها على أنها ملكية لفلان الفلاني ثم هي أرضاً وشعباً وثروات وراثة في أبنائه من بعده ، ثم إلى العراق المثخن بالغزو والفتن ، وليس انتهاء بعباسية رام الله ، وغزة الهنية ... ومستوطنات الصهاينة التي تشكل جزءاً أساسياً من المشهد المأساوي ، الكوميدي ...........


( 4 )


عند هذا الحد تنبهت .. إلى أنني أناقض نفسي ، بنفسي ، فالمشهد ليس كوميدياً بالكامل ، إنه خليط من الكوميديا ، والسريالية ، والتراجيديا ، والدراما ، والمونودراما .. وأنني مطالب قبل أي أحد أن أحسم موقفي نهائياً من مسألة تغيير " اللوك " وأن اعترف أنني عجزت عن الخروج من المأزق ، فلا العزلة وفرّت الحل ، ولا الأساليب ، والأدوات ، والإمكانيات متاحة للعمل العام .. ولا "هز النواعم" كان هو المخرج ... ثم ، ثم ماذا ؟ وجاء الجواب من داخلي حاسماً : لاشيء ، لاشيء على الإطلاق لقد كسرنا الدف وبطّلنا الغناء ، لا علاقة لي بكل هذا ... ألم أتجاوز من الناحية الفيزيولوجية مرحلة الانخراط في مغامرات جديدة .. من أي نوع كانت ، حتى على الصعيد الشخصي ..؟ .
وعند هذا الحد ، أيضاً ، تناهى إلى مسامعي قرع الطبول ، وبدأ القرع يقترب ، ويشتد عنفاً ، إنهم يزفون الرئيس إلى قصور تونس .. والطبل يقترب ، ويقترب ، وهناك من ينشد على طريقة المتنبي:
لا تشتري الطبل إلا والعصا معه إن الطبول من جلود الخنازير
لا تقربوهم إلا مكمّمة خشومكم تفادياً للعدوى بإنفلونزا الخنازير
هنا انتفضت من فراشي مذعوراً .... لقد كان كل ما تقدم كابوساً ثقيلاً ، وضعت رأسي تحت مياه باردة ، وأنا أردد : "اللهم اجعلوا خير .." ، وقد كان لزاماً عليً أن أوضح موقفي من كل ما جاء في هذا الكابوس الثقيل ، منعاً لأي التباس ، وها أنا أعلن على الملأ إخلاء مسؤوليتي تماماً من كل ما جاء في هذا الكابوس المريع ، جملة ، وتفصيلاً ، وإنني أؤكد على موقفي الثابت ، الذي لا عودة عنه ، بتغيير "اللوك" ....


( 5 )


في مواجهة ذلك كله .. وتوثيقاً للموقف أقترح عليك يا أخي يا منصف ، يا مرزوقي ، أن نعرض نفسينا على طبيب نفسي يرشدنا سيكولوجياً ، أنت حيث أنت ، وأنا حيث أنا ... لأن التقاء المغرب العربي بمشرقه العربي ممنوع ... ثم نتبادل الإرشادات التي تلقيّناها .. علنّا بذلك نصل إلى حل .. يخرجنا مما نحن فيه .. ويمنع عنا مثل تلك الكوابيس المؤلمة ، اللعينة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .


دمشق ، الثلاثاء:24/11/2009
حــبيب عـــيـسى

سليم حجار 12-11-2009 05:25

على بساط الثـــــــــلاثاء 58
 
على بساط الثـــــــــلاثاء
58
يكتبها : حبيب عيسى




من ...
"جامعة المعارضات العربية"
إلى ...
" جامعة الدول العربية "









( 1 )

مدخل :
أعترف ابتداء ، أنني سأطرح على "بساط الثلاثاء" هذا الأسبوع ، قضية إشكالية ، بالغة الأهمية مسكوت عنها في العلن ، أغلب الأحيان ، رغم ما تثيره من تداعيات ، وتساؤلات هامسة تصل إلى حد الاتهام من كل طرف ، باتجاه الأطراف الأخرى .
القضية التي أعنيها تتعلق ، بالمعارضة العربية ، وبالسلطة العربية ، وبالعلاقة بينهما ، ولعلنا سنواجه على الفور باعتراض يتعلق بالمفاهيم ، والمصطلحات ، فعرب اليوم لا ينضوون تحت راية دولة عربية واحدة ، ولا يواجهون سلطة عربية واحدة ، وإنما يواجهون سلطات متعددة متنوعة ، من حيث الشكل ، لكنها تكاد تكون متطابقة من حيث المضمون ، والوظائف ، وبالتالي فإن "المعارضات العربية" تنوعت من حيث الشكل أيضاً ، لكنها تكاد تكون متطابقة ، من حيث البنية الذاتية ، والأساليب التأديبية ، التي تتعرض لها ، والتي وصلت بها ، إلى حد التهميش .
وإذا كان منشأ " الدول الفعلية " التي تم تركيبها على وطن الأمة العربية معروفاً ، ووثائق تأسيسها التي اعتمدت على معاهدات بين الدول المحتلة ، أو على قرارات قادة الجيوش المحتملة ، والمندوبين البالغين السمو ، فإن الأمر لا يتعلق بالنشأة ، ولا يقتصر عليها ، وإنما امتد من رسم الحدود ، وتعيين السلطات ، إلى تحديد طبيعة الأنظمة ، ملكيات ، جمهوريات ، إمارات ، سلطنات ، مستوطنات ، وقد تم ترسيم ذلك ، كله ، بينما كان الوطن العربي من محيطه إلى خليجه تحت سطوة الجيوش المحتلة مباشرة ، والتي تم تشريع احتلالها دولياً تحت أسماء مختلفة : حماية ، وصاية ، انتداب ، استعمار ، مستوطنات ، أراض محتلة ، سايكس – بيكو ، سان – ريمو ، شمال إفريقيا ، وعد بلفور ، أحلاف ، ثم ، معاهدة بين المنتدبين على سورية ، وبين تركية لمنحها لواء الأسكندرونة ، وملحقاته ، ثم معاهدة بين المستعمرين للعراق ، وبين إيران ، لمنحها عربستان ، وملحقاتها ، ثم معاهدة بين المستعمرين لفلسطين ، وبين المستوطنين الصهاينة ، لمنحهم دولة فيها أسموها " إسرائيل " .. وهكذا ... إلى أن بلغ عدد الدول في الوطن العربي /22/ مرشحة للتوالد ، ولم تكتف الدول المحتلة للوطن ، بذلك ، بل حرصت قبل أن تسحب جيوشها من الوطن العربي ، على إضفاء الشرعية الدولية على المواليد غير الشرعيين " كدول ذات سيادة " ، فأخذت الدول المحتلة بيد الدول الوليدة ، لتأسس منها " جامعة الدول العربية " ، ثم أخذت بيدها إلى هيئة الأمم المتحدة لتمنحها مقاعد مريحة لمن يمثلها في هيئة الأمم المتحدة ، بغض النظر عن الشرعية ، والمشروعية ، وصحة التمثيل ، ولم يتغير هذا الواقع جوهرياً ، رغم الانقلابات العسكرية ، وغير العسكرية ، التي وقعت لاحقاً في بعض تلك الدول ، حيث أن تلك الانقلابات أكلت أبناءها ، والتهمت المبادئ التي انقلبت من اجلها ، إلى أن انضبطت في السياق العام للوظائف ، والمهام المنوطة بتلك الدول ، والمنصوص عليها في الأسباب الموجبة لتأسيسها ، مما أدى إلى ترسيخ السمة العامة المشتركة ، والثابتة ، لتلك "الدول" ، رغم اختلاف السياسات ، وشكل الدول ، وهي أنها لا تمتلك من أركان الدولة ، إلا بكونها مجرد سلطات استبدادية فردية ، تحتكر الإمكانيات ، والوسائل اللوجستية التي تمكنهّا من قمع محاولات التغيير ، والتطور الاجتماعي ، فلا سلطة وطنية ، قومية ، على صعيد الأمة ، ولا سلطات وطنية على صعيد الأقاليم ..وإنما سلطات ذات طبيعة أقطاعية ، أبوية ، عبودية ....

( 2 )

لقد أدى هذا كله إلى تآكل خطير نال من هيبة مؤسسات "الدول العربية" ، ومن هيبة الموظف العام في السلطات ، التنفيذية ، والتشريعية ، والقضائية ، وحتى العسكرية ، وباتت تلك المؤسسات أسيرة بأيادي سلطة المخبرين ، وأجهزتهم الأمنية ، تلك الأجهزة التي شكلت المرجع الوحيد للتوظيف ، والتوزير ، والترفيع ، والعزل ، والتسريح ، والتعببن ، في السلطات التنفيذية ، والقضائية ، والتشريعية ، والعسكرية حيث تمكنتّ الأجهزة الأمنية من تهميش حتى دور المؤسسة العسكرية ، وباتت الموافقة الأمنية ، أو الترشيح الأمني ، هو المرجع الوحيد للتنصيب في المناصب حتى الاقتصادية ، والإعلامية ، والثقافية ، أو للعزل منها ، ثم تمكنت تلك الأجهزة من احتكار الفاعلية في سائر مفاصل المجتمعات العربية ، فانعكس ذلك أيضاً على مؤسسات المجتمع ، وباتت النقابات على أعضائها ، وليس لهم ، وامتدت السطوة على مختلف مرافق المجتمع من أحزاب ، وجمعيات ، وفعاليات أخرى ، فإما أن تنصاع لإرادة المخبرين ، وأجهزتهم ، وإما أن تنال من التنكيل ، والتأديب ما يهمّشها ، أو يلغي فاعليتها ، نهائياً ، ويحولها من مؤسسات جماهيرية مساهمة ، إلى ما هو أدنى من "شركات محاصّة" ، حيث أنه في "شركات المحاصّة" التجارية يذكر : " شركة فلان وشركائه " أما هنا ، فقد بتنا أمام حزب فلان ، أو جماعة فلان ومريديه ، أو ، وتابعيه ..

( 3 )

هكذا فإننا نعترف ابتداء أننا كمعارضات ، وكدول مأزومين إلى هذه الدرجة ، أو تلك ..
وأن تلك الأزمة انتشرت ، كالوباء ، في مجتمعنا العربي ، أو في "مجتمعاتنا الإقليمية" إن شئتم ، وتوقفت مسيرة الارتقاء إلى المواطنة ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، وانحسرت مشاريع النهضة ، وانكفأ الناس إلى علاقات ما قبل المواطنة ، من طائفية ، ودينية ، ومذهبية ، وإقليمية ، وأثنية ، وعائلية ، ورغم أن هذه الردة تصّب في مصلحة الاستبداد ، آنياً ، إلا أن تلك الردة على المدى البعيد تطيح ، بكل شيء ، بالمجتمع وبالمستبدين في وقت واحد ، وتنتشر الفتن فلا يسلم منها أحد ، لا حكام ، ولا محكومين .. والتوحش الذي تمارسه أجهزة القمع من الأعلى ، سيقابل بتوحش من ذات الطبيعة ، أو ربما أكثر قسوة ، واتساعاً من قاع المجتمع ، طال الزمن ، أو قصر ، وهكذا ، فإن مشاريع النهضة ، والتنوير ، في الوطن العربي ، باتت بين فكي كماشة من أعلى السلطة ، ومن قاع المجتمع ، ولا فكاك من هذه الإشكالية ، إلا بتكاتف العناصر الإيجابية في مجتمعنا العربي ، أو في مجتمعاتنا ، و"دولنا" ، إن شئتم ، والتصدي لتلك الإشكالية بالوعي ، والإرادة ، والتنادي إلى الكلمة السواء ، واستئناف مشاريع النهوض ، والتنوير ، وهذا يقتضي من جميع الأطراف الانتقال من مناخ التشنج ، ورفض الآخر ، إلى مناخ إيجابي ، يعرف الأفراد ، وتعرف الجماعات ، فيه ، كيف تتعايش ، وتدير الاختلاف ، فلا يتحول إلى خلاف ، وتعرف كيف تتخلى عن أشنع ما أنتجه الاستبداد ، وهو التفرد ، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة ، أو السلطة المطلقة ، وأن الآخر شر مطلق ، وهذا يتطلب شجاعة على الذات ، أولاً ، وتسامح مع الآخر ، ثانياً ، فالوطن للجميع ، على صعيد واحد من المساواة ، والعدالة ، والطريق إلى المستقبل ليس حكراً لأحد ، بل هو طريق واسع ذو مسارات متعددة تسمح بتنافس المتنافسين ، المهم أن يوفرّ كل فريق ، الأداة المناسبة للإنطاق باتجاه المستقبل ، وأن يتفادى الجميع الصدام ، الذي يغلق الطريق أمام الجميع ...

( 4 )

بناء على ما تقدم ، وللخروج من المأزق ، والانعتاق من المحنة ، فإن المجتمع العربي في أمس الحاجة إلى عقد ملزم ، يكفّ بموجبه ، الأفراد ، وتكف الجماعات ، عن المهاترات ، والإقصاء ، والاستئصال ، والتكفير ، والتخوين ، والكف عن دعوات الثأر ، والثأر المضاد ، وأن يتجه الجميع إلى إعادة الحيوية للمجتمع العربي ، الذي تم تهميش دوره ، أو اتجه هو إلى التهميش ، استسلاماً ، أو استلاباً ، أو خوفاً ، أو يأساً ، أو إحباطاً ، أو عجزاً ، وهذا في منتهى الأهمية ، ذلك أن عودة القرار ، والفاعلية إلى المجتمع ، عبر ترسيخ دوره بأنه المرجعية الحاسمة ، عبر صناديق الاقتراع ، هو الشرط الأساس لانطلاق مشروع النهوض ، والتنوير ، وحتى يتمكن المجتمع من توليد المؤسسات التي تعبر عنه ، حقيقة ، من أول الأحزاب السياسية ، إلى آخر النقابات ، والمجالس التشريعية ، وإنتاج سلطات تنفيذية شرعية ، وقضاء عادل ، ومستقل ، ومؤسسات عسكرية ، وأمنية تحفظ أمن الوطن ، والمواطنين ، فلا تهدد أمنهم ، ولا تنتهك حقوقهم ..، وإنما تهدد أمن الغزاة ، والأعداء الطامعين ، والمحتلين ....
هكذا ، فإن الأمانة في توصيف الواقع العربي ، تقتضي الاعتراف بأن المشكلة لم تعد محصورة في جهة معينة ، وإنما تفرعت ، لتشمل مؤسسات الدول ، ومفاصل المجتمع ، مما أدى إلى هذه العطالة ، التي حّولت الوطن العربي من قوة مركزية ، في هذا العالم ، إلى مجرد ساحة لصراعات الآخرين على أرضه ، وثرواته ، وحتى على هويته ، ووجوده ، وبالتالي ، فإن بداية تلمّس طريق الخروج من المأزق ، تكون بأن يتوجه الجهد من كل طرف ، أو فريق إلى الداخل ، إلى الذات ، لحل مشكلته ، أي ، باختصار شديد ، أن يرى كل فريق ، الخشبة التي في عينه ، قبل أن يرى القشة في عين الآخر ، كما يقول المثل الشعبي ... لهذا ، فإننا نرى أن مشروع النهوض ، والتنوير في الوطن العربي يبدأ من :
أولاً – ترشيد مؤسسات "الدول" في الوطن العربي ، داخل كل "دولة عربية" ، وفي العلاقات ، فيما بين تلك "الدول" ، تكاملاً ، وتضامناً .. ..
ثانياً – ترشيد مؤسسات "المعارضات العربية" من أحزاب ، وجمعيات ، ومنتديات ، ونقابات ، ومنظمات ، داخل كل دولة عربية ، وفي العلاقات فيما بين تلك المعارضات على صعيد الوطن العربي ، تكاملاً ، وتضامناً .
ثالثاً – ترشيد العلاقة بين المعارضات العربية ، من جهة ، وبين مؤسسات الدول العربية ، من جهة أخرى ، داخل كل دولة عربية على حدة ، وبين المعارضات العربية ، والدول العربية ، على صعيد الوطن العربي ، عن طريق تفعيل دور الجامعة العربية ، ومؤسساتها القومية .

( 5 )

فيما يتعلق بالبند الأول ، الخاص ، بترشيد مؤسسات الدول في الوطن العربي ، فإننا نتوجه بالخطاب إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية ، ذلك أن الجامعة ، هي جامعة " دول " كما يدل على ذلك أسمها ، وللدولة كما هو متفق عليه في الفقه القانوني ، أركاناً ثلاثة : الأرض ، والشعب ، والسلطة ، والسلطة ، كركن من أركان الدولة يجب أن تتوفر فيها شروط محددة ، لتمثيل الدولة ، تمثيلاً صحيحاً .. كل ما نطلبه من جامعة الدول العربية أن تعتمد آلية قانونية للتدقيق في صحة تمثيل الدول العربية ، في مؤسسات الجامعة العربية ، ذلك أن الجامعة العربية ، في وضعها الراهن ، هي "جامعة سلطات" ، وليست "جامعة دول" ، ونحن ، هنا ، لا نبحث في شرعية ، ومشروعية الدول القائمة في الوطن العربي ، ولا في مدى التزام تلك الدول بتحقيق ، الأمن القومي العربي ، أو الأمن الإقليمي العربي ، أو الأمن الغذائي العربي ، ولا بأي شكل من أشكال الأمن ، ذلك أن المواطن العربي بات يتحسس رأسه كلما ذكرت أمامه كلمة " أمن " ، فأجهزة الأمن في الوطن العربي على مدى أكثر من نصف قرن ، كانت مشغولة بقمع الشعب العربي ، وليس بتحقيق الأمن العربي ، في أي مجال ، من المجالات ، ونحن نعتقد أنه قد آن الأوان ، لتعديل هذه المعادلة ، بعد جميع التجارب المرة ، وذلك بترشيد السلطات في الوطن العربي لتكون ممثلة للشعب العربي بتوجيه أجهزتها الأمنية ، والعسكرية للدفاع عن الحقوق العربية ، ومواجهة قوى الاحتلال ، والهيمنة الدولية ،وكفالة الحقوق الإنسانية ، والسياسية ، والعقائدية ، والاقتصادية ، والثقافية ، وكفالة المساواة ، والعدالة ، واحترام معايير المواطنة ، ووضع برامج التنمية ، وتحقيق الحد الأدنى من الكفاية والعدل للمواطنين ، سكن منظم نظيف ، وإشباع حاجات الناس ، واستعادة روح التنافس في تحقيق التقدم ، والنمو ، وتوزيع عادل للثروة ، والكف عن التنافس ، بين السلطات العربية ، في قمع الحريات ، وانتهاك حقوق المواطنين .
إن ترشيد هذا "الحد" من المعادلة في منتهى الأهمية لفتح صفحة جديدة ، ليس مع المعارضة العربية ، وحسب .. ، وإنما صفحة جديدة في تاريخ تلك السلطات الحافل بالعجز ، والهزائم ، والتسلط ، وأمور أخرى ، نعّف عن ذكرها ، الآن ، لأننا نبحث ، فعلاً ، وبروح سامية من التسامح ، عن نقطة التقاء ، نقلب فيها تلك الصفحات السوداء من تاريخ الأمة .... ، إن جنوح تلك السلطات للمبادرة في إحداث التغيير الإيجابي ، يوفر على الأمة الكثير من الجهد ، ويجنبها العديد من الفتن ، والدماء ، كون تلك السلطات ، في الوطن العربي ، هي الآن في الموقف الأقوى القادر على المبادرة ، بالترشيد ، والإصلاح ، وتجنيب المجتمع العربي ، وتجنيبها ، هي بالذات ، مخاطر ، لا حصر لها ..

( 6 )

أما فيما يتعلق بالبند الثاني ، أو "الحد الثاني" من المعادلة ، المتعلق بترشيد مؤسسات "المعارضات العربية" ، فإنه ، مما لاشك فيه ، أن "المعارضات العربية" ، ورغم حالة الضعف ، والتهميش التي تنتابها ، فإنها الحد الثاني ، والأساسي ، المعّول عليه في معادلة النهوض ، والتنوير في الوطن العربي ، وهي ، حتى تنهض بهذه المسؤولية العظيمة ، مطالبة بإبداع الوسائل ، والأدوات ، للخروج من المأزق الذي حشرتها فيه ، السلطات الأمنية ، وذلك ، بالتخلي عن الأساليب التي ألحقت الأذى بالمجتمع ، وبمشروع النهوض ، والتنوير ، مثل النهج الانقلابي ، والسرية ، والعنف ، وأن تعتمد المعارضة بحسم ، الشفافية ، والعلنية ، والسلمية ، وذلك لإعادة الطمأنينة إلى المجتمع ، وسحب كل ذرائع العنف بالمجتمع ، وهكذا ، فعلى صعيد كل دولة عربية ، على حدة ، يجب أن تتحالف قوى المعارضة على مختلف توجهاتها لاستنهاض المجتمع ، ووضع البرامج ، وبناء المؤسسات الحزبية ، والنقابية ، والمساهمة في محاربة الفساد ، وتحسس مشكلات المواطنين ، وتأجيل الصراعات الجانبية ، والعقائدية ، بين فصائل المعارضة إلى أن يتم استعادة الحياة الديمقراطية السليمة ، والسلمية حيث يتنافس الجميع أمام صناديق الاقتراع النظيفة ..
وعلى صعيد العلاقة بين "المعارضات العربية" في الوطن العربي ، فإن تلك المعارضات مطالبة بالتعاقد الملزم ، وبميثاق شرف ، بأن تتضامن ، وتتكاتف فيما بينها ، وتضع ميثاقاً "لجامعة المعارضات العربية" ، حيث يتم التنسيق ، والتعاضد بين المعارضين العرب ، بما يضمن المصداقية للجميع ، فالاستبداد هو الاستبداد ، والحرية هي الحرية ، ومن يرفض الاستبداد ، والقمع و ... في دولته ، يفقد مصداقيته إذا شوهد يهتف لمستبد في دولة أخرى ..، أو شوهد يرقص في مهرجانات ، ينظمها المهرّجون ، ومتعهدوا المهرجانات ، مهما كانت الذرائع .. إن التعاقد الملزم بين المعارضين العرب ، بأن يقاوموا الاستبداد ، أياً كان مصدره ، ومهما كان لبوسه ، في منتهى الأهمية ، كي يستعيد المجتمع العربي حيويته ، ومقدرته ، وثقته بالذين يحملون راية الدفاع عنه ، وكي يستعيد المعارضون العرب مصداقيتهم ، فيعود المجتمع العربي كحاضنة للنهضويين العرب ، ذلك أن احتضان المجتمع لمشروع النهوض ، والتنوير شرط أساسي لاستئناف مشروع النهوض ، ولأن مجتمع المواطنة المتماسك ، وحده يمكن أن يشكل الحد الأساسي ، والفاعل في استئناف مشروع النهوض ، والتنوير في الوطن العربي .

( 7 )

حول البند الثالث المتعلق بترشيد العلاقة بين "المعارضات العربية" من جهة ، وبين مؤسسات الدول العربية ، من جهة أخرى ، داخل كل دولة عربية على حدة ، ثم ، بين المعارضة العربية ، وبين الدول العربية على صعيد الوطن العربي ، نقول ، أنه مما لاشك فيه ، أن ترشيد حدي المعادلة في مؤسسات "الدول العربية" ، وفي مؤسسات "المعارضات العربية" ، يؤدي إلى إنتاج العوامل المؤثرة في ترشيد العلاقة بين حدين رشيدين ، ولابد من الاعتراف ، هنا ، أن العلاقة بين هذين الحدين اتسمت بالتشنج ، والحدية ، والعنف من قبل السلطات ، وبالرفض ، والمقاطعة من قبل المجتمع ، وهذا أدى ، فيما أدى إليه ، إلى إضعاف المجتمع ، وإضعاف السلطة ، وإضعاف المعارضة ، في الوقت ذاته ، ومع تصاعد الصراع بين السلطة ، والمجتمع كانت الأبواب تفتح على مصاريعها أمام الفساد ، والنفاق ، والانتهاز ، والمحسوبية ، وبالتالي باتت هذه البنية الهشة بيئة صالحة لعودة الغزو الخارجي ، حتى بشكل مباشر في بعض الأحيان ، وهكذا أصبحت "جامعة الدول العربية" ممثلة لسلطات ضعيفة حتى صح فيها القول الشهير الذي رافق تأسيسها : "صفر + صفر = صفر" ، وباتت عاجزة عن تحقيق أياً من أهدافها .. وبات الهم الأول ، والرئيسي للشعب العربي ، في أية دولة عربية ، هو ، كيف يتخلص من المتحكمين فيه ، وبات الهم الأول ، والرئيسي ، للحكام ، كيف يقمعون أية محاولة لإزاحتهم عن كراسي الحكم ، وهذا أدى ، فيما أدى إليه ، إلى إضعاف الحكام ، والمحكومين على السواء ..، وانكشف الوطن لمخططات قوى الهيمنة ، بعد أن انحصرت طلبات الحكام بالبقاء في الحكم ، وانحصرت طلبات المعارضين بالتخلص من الحكام ....

( 8 )

إننا ، هنا ، ومن موقع التسامح ، والسمو على الجراح ، ندعو إلى الكلمة السواء ، إلى الحوار ، إلى التصادق ، إلى نبذ العنف ، بكل أشكاله ، وصوره داخل المجتمع العربي ، سواء كان مصدره أجهزة السلطات ، أو أي مصدر آخر ، من المجتمع .. ، ولتكن البداية إطلاق حرية الرأي ، وتحريم العنف ، ووضع حد للقمع ، وإطلاق سجناء الرأي ، والضمير ، وإعلان انتهاء عصر الاعتقال السياسي نهائياً ، وحصر مهام أجهزة الأمن والقوات المسلحة بحفظ أمن البلاد من التآمر الخارجي ، ومن جميع أشكال العدوان ، واسترجاع الأراضي المحتلة ، وتشريع القوانين الناظمة التي تنظم عمل السلطات التنفيذية ، والتشريعية ، والقضائية ، والفصل التام بينها ، وطي قوانين الطواريء ، والأحكام العرفية ، والمقيدة للحريات العامة ، وصيانة حقوق الإنسان ، وإعلاء شأن المواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، وإعادة التوازن للمجتمع ، بالحد من الفحش في احتكار الثروة ، والحد من الفحش في الإفقار ، والعوز ، ووضع خطط طموحة للتنمية ، والبناء ، والبيئة النظيفة .... ، لقد آن الأوان ، أن نخرج من عصور الظلمات ، والقهر ، والفتن ، والرهائن ، والعبيد ، والأتباع ، والرعايا ، والجياع ، وسكان المقابر ، والفقراء إلى حد الإعاقة ، والمتخمين إلى حد التقيؤ ، وطوبى لمن يبادر بمّد اليد للآخر ، أولاً ، ولمن يساهم ببناء مناخ عربي مختلف ، يرشّد المعارضون فيه مؤسساتهم ، وتنفتح أمامهم إمكانية أن يغادروا مقاعد المعارضة ، إلى مقاعد الحكام ، لتنفيذ برامج ، تم انتخابهم على أساسها من قبل الشعب ، وفي الوقت ذاته ، يقتنع الحكام ، بكامل الرضى ، أنهم ، يمكن ، وبإرادة الشعب أيضاً ، أن يغادروا مواقعهم في السلطة إلى مقاعد المعارضين .. وأنه ، يمكن أن يحدث هذا ، دون أن تزلزل الأرض زلزالها .
هل آن الأوان ...؟ ، هل آن للغة العقل أن تسود ...؟ ، هل آن لهذه المحنة العربية أن تنقضي ...؟ .

دمشق : الثلاثاء 8/12/2009
حـــبيب عيـسى
Habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 12-27-2009 08:28

على بساط الثلاثاء 59
 
على بساط الثلاثاء

59

يكتبها : حبيب عيسى

"قومي عربي"

بين ...

"صفحات كردية"



( 1 )



ترحيب : نستضيف هذا الثلاثاء ، وعلى بساطها : الأخ ، والصديق العزيز المثقف ، والمناضل ، الفنان التشكيلي الأستاذ إبراهيم حيدري ، ومجلة "الحوار" ونترك لهما دون تدخل بساط الثلاثاء ينثرون عليه أوراق حوار جرى بين الأستاذ حيدري ، وبيني ، وأشهد أنه في حينها ترك لي صفحات مجلته "الحوار" حيث تعرضت لمسائل أعرف أنها إشكالية ، وأنها تثير حفيظة البعض ، ورغم ذلك لم يتدخل الأستاذ حيدري إلا قليلاً ، كما أن صدر مجلة الحوار لم يضق ، فاحتضن الحوار كاملاً غير منقوص ، وهذا يرتبّ علينا أن نرد التحية بأحسن منها ، ليس بالاحتفاء بالأستاذ حيدري ، وحواره ، وحسب ، وإنما بفتح بساط الثلاثاء لشتى الآراء المتعلقة بموضوع الحوار ، فالاختلاف لايفسد للود قضية .

فقط نريد التأكيد أن الأخوة المواطنين من الأكراد ليسوا أقلية ، وليسوا طارئين على هذا الوطن ، إنهم من صلب وعصب هذا النسيج الاجتماعي ، وقد كانوا دائماً في مفاصل مشاريع التحرر والمقاومة والنهضة والمظالم الواقعة عليهم جزء من المظالم الواقعة على سائر المواطنين وبالتالي فإن الدعوات للتقوقع لا ترفع المظالم وإنما تزيدها طغياناً ، المواطنة والمساواة ثم المواطنة والمساواة ....

تقول حكايات التاريخ أن النمرود الفارسي الذي أمر بإحراق إبراهيم الخليل سأل عن فلان ..؟ ، فقيل له : إنه من أعراب فارس ، فسأل مستغرباً : وهل في فارس أعراب ...؟ فقال له كاتب التاريخ في مملكته : نعم ، إنهم الأكراد يا مولاي ...

لا أريد من ذلك أن أقول ، أن الأكراد عرباً ، أو أن العرب أكراد ، لكنني أريد أن أثبًت موقفاً ، بأنني ، أرفض نظرية النقاء العرقي جملة ، وتفصيلاً ، وأرفض العنصرية إلى حد الاحتقار ، وإنني عندما أتكلم عن الأمة ، كتكوين تاريخي ، وعن الأمة العربية تحديداً ، فإنني لا أعني عرقاً عنصرياً ، أو قبلياً ، وإنما أعني تشكيل حضاري من جماعات بشرية متنوعة ، قبائل ، وعشائر ، وشعوب ، تفاعلت فيما بينها ، واختصت بهذه الأرض ، فاكتمل التكوين القومي للأمة العربية ، وقبائل الأكراد كانت ، وما زالت في صلب هذا التكوين الحضاري .

أعرف سلفاً أن هذا لا يعجب دعاة التفتيت ، والتقوقع ، من كافة الأطراف الكردية ، أو غير الكردية ، لكن هذا لا يعني إلا أننا أكثر تصميماً من أي وقت مضى على الدعوة إلى الكلمة السواء ، والحوار ، ثم الحوار ، فمشاريع النهضة ، والتنوير ، يجب أن تنطلق ، وآن لهذه المحنة أن تمضي ، والجميع مدعو بلا استثناء ، وطوبى لمن يتقدم الصفوف ، ودروس التاريخ تقول أن الأخوة من الأكراد كانوا دائماً في مقدمة الصفوف ، بمواطنيتهم ، بالثورة الوطنية على الاستعمار ، بالكتلة الوطنية ، بالأحزاب التي حملت مشاريع النهضة ، وليس بأحزاب كردية .....!!

لا أعتذر عن هذا الترحيب الذي حمل بعض المواجع ، لكن صدقوني أنها ليست حكراً على جماعة بعينها ، إنها مواجعنا جميعاً ، فكل منا له نصيبه من هذه المحنة ، ولن نخرج منها بمواجهة بعضنا البعض الآخر ، وإنما بالنهوض معاً ....

الآن دعونا نفرش بساط الثلاثاء لمجلة الحوار وللأستاذ العزيز إبراهيم حيدري :

( 2 )



مجلـــــــــــة

"الحـــوار"



المحامي حبيب عيسى أحد الذين قدموا من وراء الشمس



حاوره الفنان التشكيلي : إبراهيم حيدري



بعد أن استمع لسنوات عديدة أنين السراخس ، ونشر أوجاعه ومعاناته الإنسانية على منشر غسيل الحياة نتيجة أفكار حاول أن يطرحها للمجتمع الإنساني في زمن ، ما ، حينها كان لنا معه هذا الحوار :

المحامي حبيب عيسى من مواليد قرية المشرفة منطقة مصياف محافظة حماه عام 1945 ، أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس القرية ومصياف وحمص ، عمل في مجال التعليم حتى عام 1969 حيث التحق بقسم الصحافة في معهد الإعداد الإعلامي ، وتخرج منه عام 1971 ليعمل في قسم الأخبار والبرامج التلفزيونية في التلفزيون السوري ، التحق بجامعة بيروت العربية لدراسة اللغة العربية ، ولم تتح له الظروف أن يكمل دراسته الجامعية فيها ، فالتحق بجامعة دمشق كلية الحقوق وتخرج منها ، تم انتدابه إلى جريدة الثورة عام 1972 ليعود بعد ذلك إلى مديرية البرامج الثقافية في التلفزيون العربي السوري ، ثم ندب مرة أخرى إلى جريدة الفداء بحماه عام 1976 ليعود بعد ذلك إلى الإذاعة كمشرف على إذاعة "صوت مصر العربية" حتى عام 1987 ثم إلى قسم النصوص في الإذاعة حيث تقدم باستقالته عام 1988 لينتسب بعدها إلى نقابة المحامين ، وما يزال محامياً حتى الآن .

حبيب عيسى من المتحمسين لفكرة القومية العربية ، والوحدة العربية ومن المعجبين بجمال عبد الناصر ، انتسب إلى الاتحاد الاشتراكي العربي في الستينات من القرن الماضي ؟، لكنه أعلن انسحابه من الاتحاد الاشتراكي بعد دخول هذا الحزب الجبهة مع النظام الحاكم في مطلع السبعينات ، ومنذ ذلك التاريخ وهو مستقل وداعية إلى أسلوب جديد في العمل القومي والسياسي ، يرى في الاستبداد ونظم الاستبداد العقبة الأساسية في وجه التطور ، تعرض لمضايقات عديدة كان آخرها اعتقاله في الشهر التاسع من عام 2001 بعد إسهاماته في ما عرف في ذلك الوقت بربيع دمشق ، حيث كان الناطق الرسمي باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي ، تم اعتقاله في زنزانة منفردة لمدة تقارب الخمس سنوات قبل إطلاق سراحه مع بداية عام 2006 ، مازال حتى الآن داعية للحوار ، يرى أن العمل السياسي يجب أن ينتقل نقلة نوعية لإعادة الناس إلى ساحة العمل السياسي بعد أن أرعبها الخوف من البطش والاستبداد .

أصدر حبيب عيسى ثلاث كتب ، الكتاب الأول كان السقوط الأخير للإقليمين في الوطن العربي وقد صدر بعد زيارة السادات للقدس حيث اعتبر أن النظام الإقليمي من المحيط إلى الخليج مسؤولاً ومشاركاً فيما فعله السادات ، وقد منع الكتاب من جميع الدول العربية بما في ذلك سورية ، ثم كان كتابه الثاني الدولة القومية : شرعية الأساس مشروعية التأسيس حيث تقدم به كبحث علمي قانوني لنيل لقب أستاذ في المحاماة من نقابة المحامين ، إلا أن النقابة طلبت إليه سحب البحث ورفضت حتى مناقشته فأصدره في كتاب يحمل الاسم المشار إليه ، أما كتابه الثالث فكان النداء الأخير للحرية وهو يتضمن أوراق السجن ومرافعة قانونية قدمها شفهياً إلى محكمة أمن الدولة التي حاكمته بتهمة تغيير الدستور وإثارة النعرات الطائفية وحكمت عليه بعقوبات مجموعها حوالي 16 سنة اكتفت بالعقوبة الأشد وهي خمس سنوات .

كتب حبيب عيسى العديد من المقالات والدراسات وساهم في المؤتمر القومي الإسلامي ، وفي تأسيس العديد من المنتديات والجمعيات ، وهو ناشط حقوقي في الدفاع عن حقوق الإنسان ، ساهم بتأسيس جمعية حقوق الإنسان في سورية وكتب نظامها الأساسي .



- الأستاذ حبيب عيسى نرحب بك على صفحات مجلة الحوار ونستهل هذا اللقاء بالسؤال عن أهمية الحوار ( العربي – الكردي ) في إنشاء حالة مجتمعية سليمة في الوطن ...؟



ابتسم واخذ نفساً عميقاً ، ثم قال :



 يا أخ إبراهيم ، اسمح لي بداية أن أعبر ، عن أن صياغة هذا السؤال تستفذني ، إننا في "دولة سورية" بأمس الحاجة إلى حوار وطني شامل ، وإننا في الوطن العربي بأمس الحاجة إلى حوار وطني شامل للأمة كلها ، أريد أن أصارحك بدون تحفظ ، إذا كنت أنت الآن ، وبسبب ظروف ، واستفزازات غير منكورة ترفض الآن أن يقال عنك أنك مواطن عربي في هذا الوطن ، فإنني ، وبكل رحابة صدر لا ما نع لدي على الإطلاق أن تعتبرني "كردياً" دون أي تحفظ ، بمعنى أنني أريد لهذا الحوار بيني ، وبينك أن يكون حواراً حقيقياً لا زيف فيه ولا رياء ، أن يكون حواراً بين مواطنين في مجتمع واحد ، التنوع فيه اغتناء، والتوحد فيه قوة ، إن هذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري ، من هم العرب ..؟ من هم الأكراد ...؟ وإذا شئت من هم السوريون ... وهل هذه الانتماءات تلغي بعضها البعض ، تنفيها ، أم أنها انتماءات متوازنة لكل انتماء شروطه وقواعده، وانه يمكن أن تبقى هذه الانتماءات دون أن يشكل أحدها اعتداء على الآخر، أو إلغاء له ، أو إنكار ...؟

هل تريدنا يا أخي في القرن الواحد والعشرين أن نعتمد النظرية العرقية في تحديد تشكيلات الأمم ..؟ وهل هناك أمة مكونة من عرق نقي وحيد ...؟ ومن يقول بهذه النظرية هذه الأيام ..؟ ، وإلى أية نتائج ، وحروب ، وكوارث أدت مثل هذه النظرية العنصرية البائدة ..؟

نحن ، هنا يا أخي ، وفي هذه المنطقة من العالم أمة من البشر المقهورين المعتدى عليهم من الداخل ، ومن الخارج نرزح تحت عصور من الاستبداد والقهر، لم توفر جماعة ، ولم توفر عرقاً، ولا ديناً، ولا مذهباً، ولا طائفة ، لا يمكن أن نواجه كل هذه المشكلات ، وكل هذا الظلام إلا بالفهم العميق لمشكلاتنا ، إلا بالسعي للارتقاء بالإنسان كفرد وبالبشر كجماعات إلى مستوى المواطنة ، والتساوي في الحقوق والواجبات والسؤال الجوهري في هذا كله ، هل المشكلة بيني وبينك ..؟ أم المشكلة بيننا معاً وبين قوى الظلام ، والاستبداد، والتعسف ، والغزو في الطرف الآخر ...؟ ما هو واجبنا .. ما هي المهمات الملقاة على عاتقنا ...أنت وأنا .. هل يكفي أن نستغل الغريزية والبهيمية التي تولدت عن عصور الاستبداد ونبني عليها مزيد من التفتيت والصغر والتدمير للمجتمع ، أم أن مهمتنا كدعاة لعصر جديد من التنوير والنهوض تكمن في أن يخرج شعبنا من أوكار الغريزية والبهيمية إلى أنوار الحرية والمساواة والمواطنة ، وإلى احترام التعددية في مختلف المجالات، من تلك التعددية التي تتعلق بوجودنا على الأرض ، إلى تلك التعددية التي تتعلق بعقيدتنا عن القوى الكامنة في السماء ، وما وراءها ..؟

إن فتح هذا الموضوع والوصول إلى تلك التداعيات يغريني بقليل من التفلسف الذي أرجو أن لا يضيق صدرك ، وصدر مطبوعتك منه .. فالإنسان من وجهة نظري ، وكما قال شيخنا ، شيخ القوميين العرب المعاصرين عصمت سيف الدولة ، الإنسان هو مصنع الجدل ، وهو مصدره وهو هدفه في الوقت ذاته ، وبالتالي فهو العامل الأساسي في تطور المجتمعات أو في استنقاعها ... والإنسان بهذا المفهوم قد انتقل من الفردية إلى الأسرة ، إلى العشيرة ، إلى القبيلة وهو في هذه المراحل كلها كان رحالة ساعياًُ وراء حاجاته ، أو محتمياً من الأخطار بالكهوف ... ثم وفي مرحلة لاحقة بدأ البشر يستقرون في أرض معينة ويختصون بها فتحمل أسماءهم ، أو يحملون أسماءها فتحولوا إلى شعوب ومدن وحضر وبدو وتفاعلوا فيما بين بعضهم البعض فكوّنوا أمماً وحضارات وأقواماً فناضلوا لتجاوز مرحلة الشعوبية والقبلية ليكونوا الدول القومية بعد نضالات دامية ، وفي بعض المناطق التي تطور فيها البشر إلى مرحلة معينة نجدهم الآن يتنقلون إلى مرحلة ما بعد الدول القومية ، إلى الدولة القارية وربما في مستقبل لاحق إلى الدولة العالمية ... فالتطور إذن يمكن أن نحدد له بداية ، وهي حتى الآن ليس متفقاً عليها ، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون له نهاية إرادية إلا في حالة وحيدة هي نهاية عصر الإنسان ، فالإنسان جدلي ، وبالجدل الاجتماعي في الجماعة لا يمكن للإنسان أن يصل إلى نقطة يقول فيها هذا هو خط النهاية ، وأن لا تطور بعده ، لأن هذه النقطة في هذه الحالة لن تكون سوى نهاية هذا الكوكب ، أو بالمفهوم الديني يوم القيامة .

إنني بهذا يا صديقي لا أتهرب من السؤال إلى العموميات كما قد تظن ، وإنما أدخل إلى جوهره فلا شك أن الإنسانية ليست سواء في تطورها ، هناك عوالم متزامنة في وقت واحد ، عالم أول وثان وثالث وإلى آخره .. هذا صحيح ، ولكن الصحيح أيضاً أنه في العالم الأول كما يسمونه استنفذ البشر المقدرة على التطور من خلال مؤسسات الدول القومية التي احتاجوا إلى بحار من الدماء لإقامتها ، والتفلسف حول مكوناتها وضرورتها وخلودها ، وهم الآن باتجاه الدولة القارية ، دولة أوروبا الموحدة رغم كل الاختلافات والتباينات والأعراق والمصالح .. إنهم يبحثون عن المشترك بينهم لتعزيزه ، ويبحثون في المختلف عليه لتذليله ...

في القسم الثاني من العالم الأول ، ونعني به دولة الولايات المتحدة الأمريكية توجد أمة هناك يسمونها اليوم الأمة الأمريكية تكونت من شعوب الأرض ، ومن مختلف الأمم والقبائل والعشائر والأعراق والأديان والطوائف والمذاهب الوافدة .. تتدرج ألوانهم من الأسود الفاحم إلى الأبيض الناصع وما بينهما من تدرجات وألوان ، لم يمض على تعارفهم مئات السنين تناحروا فيما بين بعضهم البعض ، استعبد بعضهم البعض الآخر لدرجة العبودية المطلقة ، خاضوا حروباً أهلية طاحنة ، وجرت من خلال ذلك بحور من الدماء .... ثم استنفذوا ذلك كله ليكونوا الآن جميعاً الأمة الأمريكية التي يتفاخرون بالانتماء إليها ...

أريد أن أسألك وبصراحة هل ما يجمع الياباني القادم من أقصى الشرق بالايرلندي القادم من أقصى الغرب والشمال ، بالأسود القادم من أعماق أفريقيا ، بالإنسان الثلجي القادم من القطب الشمالي ، هل ما يجمع بين هؤلاء ليكونوا فيما بين بعضهم البعض الأمة الأمريكية أكثر مما يجمعني بك مثلاً ..؟ وهل ينتقص من مكانة أولئك ومن خصوصيتهم أن ينتمون جميعاً إلى أمة واحدة هي الأمة الأمريكية ؟ فلماذا يعتبر بعض الأكراد أن انتماءهم إلى الأمة العربية ينتقص من خصوصيتهم عوضاً أن يعتبروا أن هذا الانتماء يعزز خصوصيتهم ويغنيها ..؟

بل ودعني انتقل بالسؤال إلى نقطة متقدمة ، ألا يوجد عرب أمريكيون ..؟ ألا يوجد أكراد أمريكيون ..؟ كيف يستقيم أن يشترك العرب والأكراد في تكوين أمة واحدة هي الأمة الأمريكية ، ويرفضون في الوقت ذاته أن يكونوا هنا، وفي موطنهم الأصلي المشترك فيما بينهم عبر عصور التاريخ أمة واحدة ...؟

دعني يا أخي إبراهيم أن أقدم لك رؤيتي، وأن أطرحها للحوار والنقاش العام .. فالمشكلة من وجهة نظري كامنة في الاتفاق على المفاهيم والمصطلحات ، هناك خلط عجيب بريء أحياناً ، ومشبوه في أغلب الأحيان بين مفهوم الأمة والمفهوم العنصري والعرقي ، لقد اتفقنا على ما اعتقد انه لا توجد أمة واحدة في العالم تتكون من عرق نقي فنحن كقوميين عرب عندما نتحدث عن الأمة العربية لا نتحدث عن عرق أو عنصر من عناصر الأمة وإنما نتحدث عن مكوناتها الأثنية والدينية والإقليمية ، نتحدث عن حضارة مشتركة ساهم فيها بشر اختصوا بهذه الأرض وتفاعلوا فيما بين بعضهم البعض وأضحوا أمة واحدة لكل فرد منها كامل الحقوق وعلى كاهله جميع الواجبات دون انتقاص أو تزيد ، والخلط جاء من ناحيتين الأولى تتعلق بنتاج الاستبداد وإفرازاته الذي دمر النسيج الاجتماعي للمواطنين وأعادهم إلى عصور ما قبل المواطنة والثانية ترتبت على الأولى ذلك ان العودة إلى ما قبل المواطنة فتح سجلات الجماعات البشرية التي كونت الأمة ، والتي اختلفت بطبيعة حياتها فبعضها استقر في أرض معينة والبعض الآخر بقي قيد الترحال ، والذين استقروا باتوا شعوباً والذين استمروا في الترحال حافظوا على بداوتهم وهناك من بقي بين بين ، فغدونا أمام حضر ومدن وبداوة واستمدت كثير من الجماعات أسماءها من المناطق التي اختصت بها أو كانت مجال حركتها ، يمانية ، شامية ومغاربية من قيس وكندة وخزامة وكلب وبني هلال يغربون وبني هلال يشرقون ، وشعوب مستقرة قبطية ونبطية وسومرية وأكادية وآشورية وكلدانية وكنعانية وفينيقية وفرعونية والذين اعتلوا الجبال أكراد والذي اتجهوا إلى المغرب أمازيغ وإلى آخرهم ...

ما يعنينا الآن أن انتماء جميع هؤلاء إلى امة واحدة لا ينتقص من حقوق أي منهم ، بل على العكس يحصنها وينميها . والمجال لا يتسع هنا للخوض في التفاصيل ، لكن وباختصار شديد فإن هذه الجماعات البشرية التي اتجهت إلى التوحد ، وهذا هو التطور الايجابي والطبيعي ، عادت إلى النكوص في عصور الاستبداد الذي أوقف هذا التطور ، وعادت كل جماعة تبحث عن المشترك فيما بين أفرادها وفي الوقت ذاته عن ما يميزها عن سواها ، فانكفأ الواقع إلى الوراء ، إلى عصر التفتت الاجتماعي والوطني ، وهذه هي المحصلة الأكيدة للاستبداد عبر العصور وحتى يومنا هذا ... ساهم في هذه الردة إلى ما قبل المواطنة القراءة الخاطئة والمغلوطة والتعسفية لإحداث التاريخ حيث تم نسبة تحرير الأرض العربية وتوحيدها وطرد الغزاة الفرس شرقاً ، والغزاة الرومان غرباً إلى عرب الجزيرة العربية دون سواهم ، والحقيقة أن جميع الجماعات البشرية شعوباً وقبائل وجماعات ساهمت في عملية التحرير هذه ، وعملية التوحيد التي تلتها ، و إلا ما كان لها أن تتم ، وما كان لتلك الحضارة أن ترى النور ... المشكلة من وجهة نظري تولدت بعد ذلك .. فبعد دولة يثرب التي كانت دولة مدنية يحكمها دستور ( الصحيفة ) إلى دولة الخلفاء الراشدين التي كانت مرحلة انتقالية ، أما لترسيخ وقوننة الدولة المدنية العادلة وإما لاختيار نموذج الدول الاستبدادية السائدة في ذلك الوقت على الطريقة الكسروية أو القيصرية ، وللأسف فقد انتصر النموذج الاستبدادي ، فكانت المحصلة الحتمية لهذا الاستبداد تدمير بنية الأمة وحضارتها ، فعادت القبلية تطل برأسها بين مختلف القبائل ، قبائل لها امتيازات ، وقبائل تحت نير الاضطهاد ، وكذلك بدأت الشعوبية تطل برأسها بين مختلف الشعوب ، ثم بين مختلف الشعوب والقبائل معاً ، كلما كانت سطوة الاستبداد تشتد ، كلما كان الشرخ الاجتماعي والوطني في ربوع الأمة يتفاقم ، وكلما كان المستبد يتوحش في استبداده كلما كان شأنه يتضاءل في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية ، وهكذا ... وبعد ان كان الخليفة يحتمي بكونه ولي الأمر وله على الناس حق الطاعة غدا يبحث عن الاحتماء بالبعض لقهر البعض الآخر وينتقل حق الخلافة من انه حق لجميع أبناء الأمة إلى حق محصور بقبيلة معينة ، ثم وفي مرحلة لاحقة بعشيرة معينة ، ثم وفي مرحلة أخرى بأسرة واحدة ، ثم أن الخليفة هو ابن الخليفة بالوراثة ، وكان هذا التصغير في مكانة الخلافة تقابله وبردة الفعل قوى المعارضة من ذات الطبيعة ، فبعد أن كانت المعارضة تبحث عن الحق في مكونات المجتمع بدأت تتقوقع داخل فئة واحدة ، ثم حوصرت الإمامة لتكون حق لبيت واحد ثم و بالتوارث أيضاً حتى بات إمام المعارضة وفقيهها الذي له حق الطاعة أيضاً من أسرة واحدة ، وهكذا بدأت العقيدة التوحيدية تفقد وهجها مع اضمحلال الدولة العادلة فأضيف إلى عوامل التفتيت القبلية والشعوبية عوامل التفتيت المذهبي والطائفي ، وهذا أدى من حيث النتيجة إلى تفتيت بنية الأمة التي تجزأت دولتها ، ثم ومن الأصغر إلى الأصغر فبتنا أمام خلفاء دمى بيد الغزاة ، وأمام معارضات هزيلة منقسمة على نفسها في الوقت ذاته ، هذا كله من حيث النتيجة أدى إلى انهزام الجميع شعوباً وقبائل ففقدت الخلافة سلطتها ، وفقدت المعارضة مقدرتها على الفعل الإيجابي فتحول القرار إلى المماليك والطباخين والجواري والموالي ، ثم فقد حتى هؤلاء سلطتهم وانتقل القرار إلى الغزاة مباشرة فتدفقوا من أقصى الشرق يقيمون الأهرامات من جماجم شعبنا ، وتوافدوا من أقصى الغرب ينظمون المذابح ويبثون الفتن ، واستمر هذا كله ، بالضبط هذا كله، إلى يومنا الراهن وإن كان بأسماء حديثة وبأشكال وأساليب معاصرة ، وتحول الواقع العربي إلى رزمة من المشكلات في كل المجالات وبين مختلف الجماعات .. ومن هذه المشكلات ، ما تسمونه أنتم المشكلة الكردية ..

أقول لك هذا يا أخي ابرهيم ، وأنا أعرف أنني أقدم إليك رؤية خلافية ، فليكن ، دعنا لا نخاف الاختلاف ، دعنا نواجهه ، دعنا نتصادق ونضع معتقداتنا وآرائنا وأفكارنا على الطاولة ، نناقشها ونقلبها ونعدلها ونصححها ... دعنا نكف عن اللعب من وراء ظهور بعضنا البعض .. لقد مر زمن مديد من الخوف والخوف المضاد ، من التكفير والتكفير المضاد ، من التعسف والتعسف المضاد ، من الإلغاء والإلغاء المضاد ، من المذابح والفتن ، والمذابح والفتن المضادة .

لقد آن لهذا المسلسل المأساوي أن يتوقف ، آن لنا أن ندرك أنه لا نجاة لنا معاً ، ولا نجاة لأحد منا إلا بادراك حقيقة المشكلات وتشخيصها والبناء على مدركات حلها وأن نكف عن البناء على الأوهام والزور والفهم الخاطئ للواقع وللمشكلات معاً ... لقد آن الأوان كي نشق طريقنا من نفق الفتن والإلغاء ، من نفق التلاعن والتشاتم والنفي والقتل والطغيان إلى أنوار الحوار والتشاور ومواجهة المشكلات الحقيقية ، وإدراك كنهها وطبيعتها وصولاً إلى إيجاد الحلول لها .

هذا يعني أن تشخيص المشكلات ، وإدراك أسبابها الحقيقية مقدمة أساسية لأي حوار جدي ، أما ما قبل ذلك فنحن أمام شيء آخر لا يمكن أن نسميه حواراً .

وبهذا المعنى ذاته دعني أصارحك ، وأكون صادقاً معك مهما كان هذا التصارح وهذا التصادق جارحاً، فأقول: أننا الآن نفتقد الحوار الجدي، وأن هناك الكثير من التكاذب والنفاق من جهة، وهناك الكثير من القذف والنفي والتقوقع من جهة أخرى ... نحن الآن نفتقد الحوار في المجالات كافة وعلى الصعد كافة وبين مكونات المجتمع العربي كافة .. نحن الآن كائنات خائفة مذعورة مهزومة من الداخل ، خائفة حتى الموت من الآخر ، وفي مثل هذه الحالات يشعر العقلاء والحكماء والأصلاء والوطنيون من جميع الفئات أنهم في حالة حصار وعجز ، وتطفو على السطح المليشيات وهنا لا أقصد المليشيات المسلحة فقط وإنما المليشيات على الأصعدة كلها الثقافية والاجتماعية والسياسية ، ويصبح الخطاب الغرائزي البهيمي هو الأعلى ... وبالتالي فنحن نفتقد الحوار الكردي الكردي ، نفتقد الحوار العربي العربي ، نفتقد الحوار داخل الأسرة الواحدة .. نفتقد الحوار حتى مع أنفسنا ، ما نحتاجه الآن هو قراءة موضوعية للواقع كما هو للمشكلات كما هي ، لا كما يزيفونه ويزيفونها ، وفي هذه الحالة ، وفي هذه الحالة فقط يبدأ الحوار الوطني على صعيد الأمة كلها ، بمكنوناتها كلها ،لأننا سندرك حينها أنه لا نجاة لفريق أو لفئة أو لطائفة أو لأثنية أو لمذهب أو لإقليم بمعزل عن نجاة الجميع فأنا لست مؤمناً بالفرقة الناجية ، وأن الآخر من الوطن هو في النار ... إذا بقينا على ما نحن عليه فنحن جميعاً في النار ...وبالتالي إما أن ننجو جميعاً كافة ، وإما أن نبقى في قاع هذا العالم الذي يتطور ويتقدم ، ونحن نختلف على الطريقة التي نذبح بها بعضنا بعضاً ...

هذا لا يعني على الإطلاق أنني أبسط المشكلات ، أو أنني لا أعترف بخصوصية بعض المشكلات لجماعة معينة أو واقع محدد ... على العكس من ذلك فإنني أرى في هذا التنوع عنصراً إيجابياً ، لكنني في الوقت ذاته لا أرى مبرراً لاختلاق مشكلات ، أو تضخيم مشكلات موجودة ...

على صعيد الواقع في دولة سورية هناك تنوع ، هناك فوارق ، نعم .. في دمشق ذاتها كانت الفوارق حادة بين الميادنة والشواغرة والصالحيون ، الآن أضيف لها الفوارق بين الطبالة والـ 86 وجرمانا والدويلعة وعش الورور وجبل الرز وإلى آخرها، في المدن والأرياف ذات الفوارق بين المدن، بين أهل حلب، وأهل دمشق، وأهل اللاذقية ، وما بين الحماصنة، والحمويون ... وأهل الحسكة والدرعاويون وأهل السويداء ... هذه فوارق ، لكنها الفوارق الطبيعية داخل المجتمع الواحد يضاف إليها فوارق بين المذاهب ، بين المتصوفة ، بين الطوائف ، بين البدو والحضر ، بين سكان الريف وسكان الوديان ، هناك فوارق أثنية بين الآشور والأكراد والشراكسة والسريان ، وهناك فوارق بين الأكراد أنفسهم ومع التركمان وقبائل البدو وسكان الحضر ...

لكن هذه فوارق طبيعية تغني الحياة الاجتماعية وتعزز التراث الحضاري للأمة .. لكن أن يدعي البعض أن هذه الفوارق تصلح لأن تكون حدوداً مانعة لانتماءات سياسية ، وقوى سياسية منعزلة اجتماعياً وثقافياً وفكرياً عن سواها وفي مواجهة كل الآخر ...فهذا هراء ، وهذا تخريب وهذا رجعة، و رجعية إلى ما قبل الوطنية ..

دعنا نعود قليلاً إلى التاريخ القريب ، ودون الغوص في الماضي السحيق ، فقد لا يطيق البعض من الأكراد أن أذكرهم بأن بعضهم ينتسب إلى قبائل عربية معروفة ، وأن شجرات أنسابهم لا تخفى على أحد .. ونحن لا نتحدث عن عائلات الأشراف من الأكراد وحسب ، على أية حال دعونا نعود إلى الماضي القريب ، في مطلع القرن الماضي عندما دخلت جيوش الاستعمار الفرنسي إلى سورية أنبرت قوى المجتمع دون تفريق للمقاومة ، كانت القيادة في الشمال للمجاهد إبراهيم هنانو ، وكان المقاومون معه من فئات الوطن المختلفة ، هل يذكر التاريخ حادثة واحدة تقول أن أحداً ما في هذا الوطن تساءل مجرد تساؤل إن كان إبراهيم هنانو كردياً أم لا ...؟ في الساحل السوري كانت القيادة لصالح العلي ، وكان المقاومون من مختلف فئات الشعب ، وفي تنسيق يومي مع المقاومين من مختلف فئات الشعب وفي تنسيق يومي مع المقاومون في حماه وفي الشمال ، هل يذكر التاريخ أن أحداً تساءل عن مذهب صالح العلي .. في السويداء كانت القيادة لسلطان باشا الأطرش وكان المقاومون من فئات الشعب المختلفة بل كانوا قد تجاوزوا حدود سايكس بيكو من شرق الأردن ومن فلسطين ومن شمال الجزيرة العربية وحمص والشام ، هل تساءل أحد عن مذهب سلطان باشا الأطرش وعن الطريقة التي يمارس من خلالها عبادة الله الواحد ، وكذلك المقاومون في الشام وفي حماه وفي دير الزور والحسكة ... ثم يجتمع هؤلاء جميعاً ويختاروا سلطان باشا الأطرش قائداً للثورة السورية الكبرى ... هل يتسع المجال لمزيد من التفاصيل ...؟ دعنا نكتفي بذلك لنبني عليه أن هذا الحراك الوطني المقاوم بدون تفلسف وبدون سفسطة قد أنقذ هذا الجزء من الوطن العربي من مزيد من التفتت والتصغير ، لقد أعلن المندوب السامي للاستعمار الفرنسي إقامة خمس دول في سورية ، وكانت فرنسا دولة عظمى ، لكن هذه المقاومة الوطنية قد أفشلت هذه الدول وفشل التقسيم الطائفي ، أسألك الآن ، لو خطر على بال أحد من هؤلاء الثوار العظام أن يفكر مجرد تفكير بالطريقة الفئوية أو العنصرية أو المذهبية التي يتحدث بها البعض هذه الأيام ماذا كانت النتيجة ...؟!.

على أية حال فقد انتصروا، ولو انتصاراً جزئياً ، صحيح أنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على الوحدة مع الرافدين في العراق وشرق الأردن وفلسطين ولبنان ، ولم يسترجعوا لواء اسكندرون ولم ينجزوا المشروع القومي العربي لكنهم منعوا قيام خمس دول إضافية في دولة سورية الحالية ... فهل سيقود القصف المذهبي والأثني الذي يمارسه البعض هذه الأيام إلى ما عجزت جيوش الاستعمار عن تحقيقه ...؟ بل هل يمكن أن يقود إلى غير ذلك ... وهل تستطيع أن تدلني على فئة رابحة من ذلك ... أم أننا جميعاً خاسرون ...؟

دعنا نكمل، بعد الاستقلال وقبله بدأت القوى السياسية بالظهور ، وتشكلت الأحزاب فانخرط الجميع بالنشاط السياسي ووفق توجهات كل منهم ، يسار ووسط ويمين ، وليبراليين واشتراكيين وقوميين وإقليمين ، لكن هل خطر ببال أحد ان يشكل أحزاباً تنتمي إلى ما قبل المواطنة ، سواء كانت كردية أو عنصرية عربية أو مذهبية ، وبما يتعلق بالأكراد تجدهم كوادر فاعلة وقيادية في كل تلك الأحزاب فاليساري منهم مع اليساري من الآخر ، واليميني منهم مع اليميني من الآخر .. وهكذا .. كانوا جزءاً من هذا الحراك الوطني الواسع سياسة، وثقافة، وفناً، وأدباً ..

مــاذا جرى إذن ....؟

المشكلة المعاصرة بدأت مع استقرار عسكرة الدولة ، وما ترتب على ذلك من استبداد حيث أصبحت السلطة فوق الدولة ومؤسساتها ، وفي مرحلة لاحقة التهمت السلطة مؤسسات الدولة ، ثم في مرحلة أخرى التهمت مؤسسات المجتمع وأحزابه بما في ذلك حزب السلطة ذاتها ، ترتب على ذلك انكشاف النسيج الاجتماعي للوطن مما عرضه للتدمير ومما أعاد العلاقات الاجتماعية والسياسية إلى مرحلة ما قبل المواطنة ، هكذا بدأنا نسمع بالمشكلات الأثنية والمذهبية وبدأنا نسمع عن ما يسمى المشكلة الكردية ، والحلول الكردية للمشكلات الكردية ثم عن أحزاب كردية تتوالد كالفطر كل يوم وما أخشاه أن هذا كله سيؤدي إلى تفاقم المشكلات الكردية ، وليس إلى حلها .

على صعيد البنية التنظيمية للأحزاب في سورية ، بدأ النسيج الوطني لهذه الأحزاب يصاب بذات الأمراض التي فتكت بالنسيج الاجتماعي ، وبتنا نجد أنفسنا أمام ظواهر شاذة ، ليس على صعيد البنية التنظيمية للأحزاب ، وإنما على صعيد الكوادر ذاتها .

مثلاً يساريون يهدفون إلى توحيد العالم وتجاوز القوميات إلى أممية عالمية واحدة ، وهم في الوقت ذاته يشكلون ميليشيات عنصرية وحيدة الأثنية لمواجهة الآخر في القرية المجاورة أو في الحي الواحد ، أو حتى في البناء الواحد ، ولو كان يسارياً أممياً يحمل ذات الأفكار لمجرد أنه من أثنية أخرى فهل يستقيم هذا ...؟ والمثل نفسه يمكن أن ينسحب على القوميين والاشتراكيين والليبراليين بحيث نجد شيزوفرانيا منفلتة لا يمكن فهمها ، كيف يمكن أن تكون قومياً ، ومذهبياً في الوقت ذاته ؟ كيف يمكن أن تكون اشتراكياً وطائفياً في الوقت ذاته ...؟ كيف يمكن أن تكون عنصرياً وليبرالياً في الوقت ذاته ..؟

هذا الواقع الأليم الذي أنتجه الاستبداد المديد هو البيئة الوحيدة التي تمكن الاستبداد من الاستمرار ، والاستبداد بهذا المعنى لا يعني اضطهاد فئات بعينها ، أو جماعات بذاتها ، وإنما يعني في الوقت ذاته تدمير الفئات والجماعات التي يسخرها الاستبداد ذاته لإنتاج الاستبداد وتوليده ، ذلك أن الفئات أو الجماعات التي تتوهم للحظة ما أن الاستبداد منحها امتيازات خاصة ستكتشف بعد حين أن الاستبداد نصب لها فخاً فاستنزف إمكانياتها لخدمة الاستبداد مما جعلها محل عداء من الفئات والجماعات الأخرى التي تكون النسيج الاجتماعي للوطن ، وستكتشف أنها كانت مجرد واجهة يدفعها المستبد إلى الواجهة لتمتص الأحقاد على الاستبداد من جهة ، ولتوجيه النقمة الشعبية من مواجهة المستبد إلى مواجهة قوى وهمية ... وفي اللحظة الحاسمة يهرب المستبدون ، أو يختفون بشكل ما .. فتجد تلك الجماعات والفئات التي سخرها المستبد لخدمته نفسها في العراء ، وعليها أن تدفع الثمن ... والمشكلة أن هذا الثمن قد لا يقف عند حدود الثأر منها ، بل قد يتطور كحريق تذروه الرياح لإشعال الحرائق في أنحاء المجتمع برمته .

ما أريد قوله من هذا كله أن هذا الواقع الشاذ والاستثنائي والمؤقت الذي نعيشه لا يصلح أساساً لبناء نهضوي عليه ، ولا يمكن التعامل مع مفرزاته المشوهة ، وكأنها حقائق أبدية نبني عليها .

إنه واقع مؤقت يفرز إفرازات من طبيعته المشوهة حيث يغيب العقل عن التشخيص الحقيقي للمشكلات ، ويغيب عن فهم الواقع كما هو موضوعياً ، ويفسح المجال واسعاً للغريزية والبهيمية المتوحشة التي تعيدنا إلى ما قبل أنسنة الإنسان .

قد تقول يا أخي ابراهيم أنني أتجاهل المشكلات الخاصة التي يعاني منها الأكراد كالجنسية واللغة والمساواة و إلى آخره ... في الجواب على ذلك أقول لك بمنتهى الصراحة أنني لا أتجاهل ذلك على الإطلاق لكنني لا أفهم ولا أتفهم أن يعتقد الأكراد أنهم الضحايا الوحيدون للاستبداد في الوطن ، وأن هناك حلولاً خاصة لمشكلاتهم الخاصة ... عليكم أن تدركوا دون مواربة أن المشكلات التي نعاني منها جميعاً هي مشكلات وطنية عامة وشاملة ينال كل منا نصيبه منها صغر أو كبر ، وبالتالي فإنه لا حلول خاصة بأحد دون سواه ، لهذا فإنني أريد أن نتفق على طريقة ما للخروج من الدائرة المفرغة التي ندور فيها ، وأن نكف عن التنافس فيمن يقع عليه الجور أكثر من سواه ... الاستبداد كما قلت لا يرحم أحداً ، لا يرحم حتى الأدوات التي يستخدمها لاستمرار بقائه ...

أريد أن أؤكد أن الحلول لمشكلات الجماعات العرقية والدينية التي تشعر بالتمايز وبالاضطهاد أكثر من سواها لن تكون إلا في إطار الدولة العادلة الديمقراطية التي لن تقوم لها قائمة إلا بالتمسك بالمواطنة والمساواة وبإفراز أعمدة قيام تلك الدولة وهي المؤسسات الحزبية والدستورية حيث النظام العام فوق الجميع ، بحيث تتحول هذه المؤسسات من مؤسسات الأحزاب إلى مؤسسات الدولة للتعبير تعبيراً حقيقياً عن النسيج الاجتماعي للبشر في هذا الوطن بدون تمييز أو استثناء أو إقصاء أو استئصال ...

وأنني كقومي عربي أقول لك وبصراحة لا محدودة أن الأمة لا تقوم ولا تنمو ولا تتطور إلا بالتفاعل الخلاق والنوعي بين مكوناتها وبالتالي فإن عصور الاستبداد التي التهمت مكونات الأمة وأضعفتها قد التهمت في واقع الأمر وجود الأمة الأساسي وليس فقط مكونات هذه الجماعة أو تلك ... بهذا المعنى فأنا لا أفهم على الإطلاق أن يتم تجاهل اللغات واللهجات والآداب والفنون التي تشكل الركيزة الأساسية لقيام حضارة الأمم ... لا أفهم على سبيل المثال أن يتم تجاهل اللغة الكردية أو الآشورية أو الكلدانية، أو السومرية، أو الكنعانية ، أو النبطية، أو السريانية، أو القبطية، أو النوبية، أو الأمازيغية ،أو الفرعونية، أو الحميرية، أو السواحلية ، وحتى اللغات الوافدة الأرمينية والشركسية التي اندمجت بالتراث الوطني وباتت جزءاً لا يتجزأ منه ، لا أفهم كيف أن هذه اللغات واللهجات تهدد اللغة العربية بينما هي في حقيقة الأمر لغات ولهجات وفق علوم اللسانيات شقيقة ، أو تأسيسية في تطور اللغة العربية ذاتها ... أقول لك لا أفهم ذلك بينما تسعى السلطات الثقافية السائدة في وطن العرب بكل ما تملك لتعليم اللغات الإنكليزية والفرنسية والفارسية واليابانية والألمانية ...

إنني أرى أن الحفاظ على اللغات واللهجات التي أنتجتها العصور الحضارية السالفة في الوطن العربي وتنميتها وتدريسها وتعميمها والحفاظ عليها من الانقراض هو مطلب قومي عربي بالدرجة الأولى ، يجب أن نبذل أقصى الجهد حتى لا يضيع هذا التراث الذي هو أحد المكونات الأساسية للوجود القومي للأمة العربية .. أكثر من ذلك أقول لك أن هناك ضرورة علمية لدراسة هذه اللغات واللهجات لأن فهمها وتعلمها وتحليل وتركيب مكوناتها هو الطريق الوحيدة لقراءة تاريخنا وتراثنا قراءة حقيقية ، ذلك التاريخ المنقوش على الأوابد التاريخية والمخبأ على الرقم ...

إن علم اللسانيات يؤكد ان قراءة الرقم الأثرية وترجمتها من لغة إلى لغة يفقدها نسبة كبيرة من مصداقيتها ، هكذا فإن جميع القراءات للرقم والأوابد القديمة في الوطن العربي قد تمت على يد مكتشفين أجانب فقرأوا تلك الرقم وترجموها إلى الإنكليزية أو الفرنسية أو الهولندية أو الألمانية إلى آخره .. وبإعادة ترجمتها من تلك اللغات إلى اللغة العربية قد أفقدوها الكثير من المعاني ، وبالتالي فإن التركيز على دراسة اللغات واللهجات التي سادت في فترات تاريخية سابقة قد يفتح أبواباً جديدة لقراءة التاريخ قراءة مباشرة ، لهذا فإنني كقومي عربي لست مع تعليم هذه اللغات واللهجات للذين يودون التحدث بها وحسب بل مع إدخالها في المناهج التعليمية للجميع حفاظاً عليها كجزء من التراث الإنساني لهذه الأمة ، وكذلك فإن هذا ينطبق على مختلف الفنون والتراث الشعبي والثقافة ، على الأقل دعنا نتفق معاً على التمتع بالغزل بالعيون السود في الغناء السائد من جبال الأكراد إلى صحاري الجزيرة العربية ... ثم دعني انتقل إليك كفنان تشكيلي ، لو أردنا أن نرسم هذه الأمة ونعبر عنها بلوحة تشكيلية واحدة ، هل يمكن أن ننجز ذلك بلون واحد ؟ أليس من الجهل أن نعتبر أن الألوان تشوه اللوحة ، بينما، وفي واقع الأمر، بقدر انسجام هذه الألوان وتدرجها وتناسقها نعطي اللوحة أبعاداً وأعماقاً وتولد فينا أحلاماً لا حدود لها ..

ثم دعني أصارحك .. قد تكون المشكلة في المسمى فلعل البعض أصبح لديه عقدة من العروبة ، من القومية العربية ، من الأمة العربية بحجة أن بعض الأحزاب القومية ، أو الشخصيات القومية تبنت فكرة النظام الشمولي الاستبدادي فارتبطت القومية العربية بأذهان البعض بالنظم الشمولية الاستبدادية ، أولاً أن هذا الأسلوب في الحكم لا علاقة له على الإطلاق بعقيدة القومية العربية إنه مناقض لها ، المشكلة أن هذه الطريقة في الحكم تم استنباطها من النظم الشمولية التي كانت تسمى المعسكر الاشتراكي وكان القوميون العرب، يعتقدون وهم على حق، في ذلك أن الاستعمار التقليدي والإمبريالية الحديثة هي التي تقود العدوان الداخلي والخارجي على الأمة العربية وبالتالي فإن عليهم أن ينحازوا إلى النظم الشمولية السائدة في القرن الماضي والتي تواجه المعسكر الغربي، هذا كل ما في الأمر ، وقد أثبتت التجارب أن الاستبداد والنظم الشمولية هي العدو الأول للقومية العربية ، ثم ان هذه النظم سوقت هذه الطريقة من الحكم ليس كنهج قومي وإنما كضرورة مؤقتة تفرضها الظروف ، على أساس أن هذا النظام الشمولي المؤقت في طريقه إلى الزوال لمصلحة الدولة القومية الواحدة ، الذي حصل ، أن المشروع القومي العربي تعثر وباتت هذه النظم المستبدة هدفاً لدى بعض المستبدين الذين لم يعد لهم أي مساهمة أو أثر في النضال القومي العربي التوحيدي ، بل تحولوا إلى عقبات في طريق هذا النضال ... لكن وحتى ننظر للواقع العربي بنظرة شاملة لابد من الاعتراف أن النظم غير القومية ، لم تكن أقل شمولية أو أقل استبداداً ، أو أقل عائلية ، أو أقل إقليمية .. بل كانت من ذات الطينة الاستبدادية ... وبالتالي فإن النظم الشمولية ليست خصوصية قومية وأننا نحن القوميون العرب المعاصرون نريد أن نبرز هويتنا الديمقراطية بشكل واضح و صريح ، وأن نقطع قطعاً باتاً مع جميع أشكال الاستبداد والشمولية ، وهذا حديث آخر ... ما أريد أن أؤكد عليه فقط ، أن ما نالنا نحن القوميون من عسف وقهر نظم الاستبداد أكثر مما نال سوانا وقد اتفقنا على أية حال أن لا نتبارى في إبراز المظالم التي تعرضنا لها ، لكن يجب أن نقر بأن النظرة إلى العروبة على أنها تنتج الاستبداد والطغاة هي نظرة ليست خاطئة وحسب ، وإنما تجافي الحقيقة والواقع وإذا انتقلنا إلى الواقع الموضوعي للأمة العربية نجد التسامح والعلاقات الإيجابية هي السائدة بين الناس العاديين وعلى سجيتهم ولذلك فنحن نعتبر أن الكردي الأصيل هو العربي الأصيل .. لأن العروبة كما أسلفت ، وكما أحب ان أكرر ليست عرقاً ، وإنما تكوين حضاري لجميع المكونات التي تكونت منها ، ولا يزايد أحد علينا في نظرتنا الإنسانية ، وفي رفضنا لكل أشكال التعصب والعصبيات ، نحن الأمة الوحيدة في التاريخ البشري التي تبنت أبناء أسرى الخصوم وعلمتهم ، وعندما اشتد ساعدهم حكموا الأمة عشرات السنين دون أن يسأل أحد عن منبتهم وعن أعراقهم ، ثم ألم يحمل العرب السلاح وينضووا تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي الكردي ..؟ ثم دعنا ننتقل إلى الحاضر ... هل تريد أن أعدد لك عدد رؤساء جمهورية سورية من الأكراد ، أو عدد رؤساء الوزراء ...

لقد حدث هذا عندما لم يكن في سوريا حزب كردي واحد ، الآن لديكم خمسة عشر حزب كردي وهي قيد التوالد المستمر .. هل يمكن ان تنتج شيئاً من هذا ... بل على العكس من ذلك فإن الذين يعزفون على وتر الأثنيات والمذهبيات والطائفيات والمناطقيات هم الأعداء الحقيقيين لأثنياتهم ومذاهبهم وطوائفهم ومناطقهم وأن المتضرر الأساسي مما يفعلون هم أولئك الذين يدعون أنهم يحافظون على حقوقهم في مواجهة الآخر .

فدعونا نناضل معاً من أجل الدولة العادلة الديمقراطية الحرة وأقصد بالفعل معاً ، وعندها سيذهب كل هذا الزبد جفاء ...

وللذين لديهم مشكلة مع مسمى العروبة ،أقول المشكلة أنني لا أجد اسماً آخر لهذه الأمة غير الأمة العربية فهو اسم جامع ، وعلى أية حال إذا وجدتم اسماً آخر فلا مانع لدي لكنني فقط أرفض التسميات الاستعمارية ، ليس لأنها استعمارية ولكن لما تتضمنه من عنصرية واستعلاء ... فنحن لا يمكن أن نستمد تسميتنا من أننا شرق فلان ، أو أننا أدنى من فلان أو أننا أبعد .. فنحن لسنا نكرة في هذا العالم ، لسنا لقطاء بدون كنية أو نسبة ، نحن أمة لها من الحضارات ما يكفي وتخلفها الراهن مهما طال هو استثنائي .. يمكن أن نضع له حداً إذا صدقت النوايا ...

لعل من الواجب بعد هذا كله أن أعتذر إليك ومن قراء مطبوعتك الغراء عن الاستطرادات التي وجدت نفسي منساقاً إليها ، لكن صدقني أن ما يجري الآن في وطني يدمي قلبي .. خاصة أن هناك مصطلحات لم اعد احتمل سماعها .. ويبقى الأمل أن ينطلق حوار وطني شامل يشمل المواطنين كافة ، ويعالج المشكلات برمتها رزمة واحدة بين مواطنين متساويين يعززون بانتماءتهم الخاصة انتمائهم العام لوطن وأمة ، متساويين في الحقوق والواجبات ، في الغرم والغنم ، في السراء والضراء ، إن هذا لا يلغي خصوصية احد ولا ينتقص من كرامة أحد بل التفكير الميلشوي داخل المجتمع الواحد هو الذي يلغي ، وهو الذي ينتقص من الخاص والعام معاً ، صدقني إن خمسة عشر حزباً كردياً تنتقص من حقوق الأكراد ولا تعزز من وجودهم ، كما أن النعرات الطائفية والمذهبية والعنصرية لن تقدم شيئاً لدعاتها ، على العكس من ذلك تماماً فإن العلاقات ما قبل الوطنية ستحول أصحابها بإرادتهم أو بجهلهم إلى أدوات في لعبة كبرى لن يكونوا فيها لاعبين بل ملعوباً بهم ، وإلى وقود في محارق يجهلون من يشعلها ولماذا ....

لهذا فإنني وعبر هذا الحوار أدعو إلى حوار وطني شامل على أساس وطني ، وبأرضية وطنية ولأهداف وغايات وطنية ، وليصل هذا كله إلى غايته بلا إكراه أو مصادرة لحقوق أحد ، وأنا كعربي قومي أرى أن الحرية والديمقراطية هي الطريق إلى الوحدة العربية وأنني أرفض الإكراه والطغيان والاستبداد مهما كانت غاياته أو مبرراته ... فلنتفق على الحوار ولنحتكم إلى إرادة الناس ، ولنقبل ما تقرره صناديق الاقتراح النزيهة ، أما ما دون ذلك فليس هراء وحسب ، وإنما تخريب وتمزيق للوطن ...

هكذا ترى أنني داعية للحوار ، لكنني أجزم أن هذا الحوار الجدي المجدي لم يبدأ بعد ..



- إذا كنت ترى أن هذا الحوار غير قائم حتى الآن فكيف ترى إمكانية قيامه في المستقبل ؟



 كما قلت لك نحن نحتاج إلى حوار بالعمق إلى تصادق وشفافية ومصارحة ، وفي مثل هذه الظروف الصعبة التي نمر بها تطفو على السطح الغرائزية والبهيمية والقطيعية ، ويسود التوحش ورفض الآخر والتفرد والتقوقع ويتم تحييد الحكماء والعقلاء وحملة مشاعل الحرية والتنوير والأنسنة .. المطلوب الآن من هؤلاء التنويرين أن لا يركنوا إلى محاولات تهميشهم وتهميش دورهم من قبل قوى الظلم والظلام ، عليهم ان يبادروا في كل الأماكن من مختلف الجماعات والأثنيات ومكونات المجتمع أن يبادروا لإطلاق صرختهم الإنقاذية ، ان يتكاتفوا ويحملوا مشاعل الحوار والنهضة في وجه هذا التوحش السائد ، منذ حوالي عشر سنوات وجهت دعوة حارة عبر المؤتمر القومي الإسلامي إلى الاتفاق على ميثاق وعهد وطني يحرم تحريماً مطلقاً كل أشكال العنف داخل المجتمع العربي ، فالطريق الوحيد لحل الخلاف في الوطن هو الحوار أولاً ، والحوار ثانياً ، والحوار أخيراً ... وأن العنف يستخدم فقط على الحدود لرد العدوان عن الوطن ، ولعلي الآن أجدد هذه الدعوة ...



- كيف ترى الدولة المدنية ؟



 الدولة المدنية هي الدولة العادلة التي توفر الحرية للمجتمع في التطور والجدل الاجتماعي ، وهي الدولة القادرة على صد العدوان عن شعبها ، وهي الدولة التي لا تعتدي على سواها .. هي دولة المساواة ، ودولة تكافؤ الفرص ، دولة العدالة الاجتماعية ، ودولة حقوق الإنسان وحرية المعتقدات ، لا عدوان على احد، ولا عدوان من احد ، دولة نظام عام ودستور وقوانين الجميع سواسية أمامها ... لا عصابات ، لا فساد ، لا مظلوم يمنع من رفع الظلم عن نفسه ، ولا ظالم ينجو من العقاب .

وإذا كنت كقومي عربي أرى أن هذه الدولة وبهذه المواصفات تكتسب شرعيتها من شرعية أركانها الشعب والوطن والسلطة المشروعة التي تمثل هذه المعاني ، وإذا كان الشعب كما أرى حدوده هو شعب الأمة العربية وان الوطن هو وطن هذه الأمة بين المحيط والخليج ، وأن السلطة هي التي ينتجها هذا الشعب بحريته وديمقراطياً وهو الذي يحدد طبيعتها ، ويتم تداول السلطة فيها دورياً بلا استبداد أو تسلط ...وإذا كنت اعتقد أن التجزئة غير مشروعة ، وان الدول القائمة وفقها هي دول فعلية طارئة لكنني في الوقت ذاته بت اعتقد أن هذه الدول الاستبدادية تعيق الطريق لتحقيق دولة الوحدة العربية العادلة .

لقد اختبرنا الدولة الشمولية الإقليمية، ومن الثابت أنها لا تؤدي إلى الوحدة العربية بل تعيق الوصول إليها ، وجربنا الانقلابات العسكرية ، ومن الثابت أنها لا تؤدي إلا إلى الديكتاتورية الإقليمية ، وبالتالي فإن الانتقال بهذه الدول إلى المرحلة الديمقراطية وصيانة الحريات العامة ، ورفع الاستبداد عن كاهل الشعب العربي ليمارس حريته ويمارس الجدل الاجتماعي على أوسع نطاق هو الطريق الوحيد إلى الوحدة العربية ، وبالتالي فإنني على قناعة بأن على القوميين العرب في جميع أجزاء المجتمع العربي وكخطوة أولى أن يتحالفوا مع جميع القوى الديمقراطية والتي تنشد الحرية في الأجزاء العربية في سبيل رفع نير الاستبداد ، فالشعب العربي المتحرر والحر هو القادر على تحقيق الوحدة العربية لأنه وبإرادته الحرة سيكتشف العلاقة العضوية بين المشكلات التي نعاني منها في كافة الأجزاء وان الحل القومي لهذه المشكلات من أول التنمية وعدالة توزيع الثروات إلى الاستثمار الصحيح للإمكانيات هو الذي يحقق التطور لجميع مكونات هذه الأمة .. وبهذا المعنى فإن الطريق إلى الوحدة العربية هو طريق إرادي وحر ، وان الإكراه والطغيان هو العقبة الأساسية في الطريق إلى تحرر الأجزاء ، وتحرر الكل في الوقت ذاته وفي دولة الوحدة هذه لن يضطهد أحد لأنه من أثنية معينة ، أو من مذهب معين ، أو طائفة معينة ، أو إقليم معين ، ففي دولة الوحدة هذه لن يلتحق أحد بأحد أو يلحق به قسراً ، وإنما المساواة التامة أمام القانون .. وأعتقد أن الجماعات التي ترى أنها مضطهدة وأن حقوقها منقوصة ، أو أنها تخشى من الاضطهاد ومن انتقاص حقوقها هي صاحبة المصلحة في هذا المشروع القومي وليس العكس ..



اجرى الحوار إبراهيم حيدري



ألآن ، لنترك هذا الموضوع مفتوحاً للحوار حتى الأسبوع القادم ، وربما إلى اللقاء ....

دمشق : 22/12/2009

- حبيب عيسى

سليم حجار 01-20-2010 08:02

جمال عبد الناصر ... ومحمد حسنين هيكل ...ونحن ...!

د/ حبيب عيسى



( 1 )

في الذكرى /92/ لميلاد جمال عبد الناصر ، وفي السنة الـ 40 على رحيله مازال الحديث عنه ذو نكهة خاصة ، ليس لأنه يخرجنا من واقع مر إلى عالم الأحلام الكبيرة ، والرؤى البعيدة ، والتجارب المريرة ، والمواجهات العنيفة ... ، وحسب ، ولكن لأن جمال عبد الناصر تمرد على ما عرف في عصره نهج الانقلابات العسكرية ، أو "العسكرتاريا" ، وحاول بقدر ما يستطيع أن يتلمس نبض الشارع ، وأن يتمرد على الكثير من المفاهيم السائدة ... ويناضل لتوضيح الهوية ، ويخوض معارك الأمة ، حتى استحق بحق لقب "قائد معارك التحرر العربي" ، بغض النظر عن النتائج ... لقد أصاب وأخطأ ، انتصر وانهزم ، هاجم ودافع ، لكن لم يكن الحكم ، والسيطرة , والتوريث هو هاجسه ، وإنما كان وسيلته لتحقيق أهداف ومبادئ أعطاها عمره ، وأعصابه ... وللذين يحاولون تقييم جمال عبد الناصر عبر لغة الأرباح ، والخسائر يكفي أن نشير إلى الدرك الذي انحدرت إليه الأمة العربية ، وفي القلب منها مصر بعد رحيله .. لندرك الثغرات ، والثغور ، التي كان يصدها بقامته المديدة ...



( 2 )

لقد كتبت عن جمال عبد الناصر ، الكثير ، وستبقى الكتابة عنه بالنسبة إلي نافذة للخروج من حالة الإحباط ، والمحنة المطبقة على أعناقنا ... لقد عاش جمال عبد الناصر ، بحساب السنين /52/ عاماً ، من 15 كانون الثاني " يناير " 1918 إلى 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ، وإذا كان " شؤون لاي " رئيس وزراء الصين قد استغرب كيف يموت رئيس في سن الـ /52/ ، فإننا نقول موضوعياً ، أنه علينا ان نضاعف العمر الزمني الحقيقي لجمال عبد الناصر ابتداء من حصاره في فلوجة فلسطين 1948 ، وحتى 28 أيلول " سبتمبر " 1970 حيث يجمع كل من عاصر الرجل أنه خلال تلك الفترة الممتدة كان يمارس نشاطه ، بما هو أكثر بكثير من ضعف النشاط الإنساني الذي يمارسه الإنسان العادي ، والذي يطيقه البشر عادة ، يومياً ..

فمن حصار الفلوجة ، إلى حرب الفداء في مدن القنال ، إلى حريق القاهرة ، ومن انقلاب 23 تموز " يوليو " 1952، إلى الثورة عبر ثورة الفلاحين ، وهيئة التحرير ، وإجلاء الانجليز عن القناة 1954 ، ودعم ثورة الجزائر ، ومن معركة بناء السد العالي ، إلى تأميم قناة السويس ، إلى مواجهة العدوان الثلاثي 1956 ، ومن دستور 1956 إلى مواجهة تهديد حلف الأطلسي لسورية عبر تركيا ، إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة 1958، وبناء الاتحاد القومي ، ومعارك التأميم ، ومن اغتيال انقلاب 1958 في العراق ، إلى انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، إلى دعم الانقلاب في اليمن 1962 ، وإعلان الميثاق وبناء الاتحاد الاشتراكي ، إلى فشل ميثاق نيسان " إبريل " لبناء دولة الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق ، إلى الدعوة إلى الحركة العربية الواحدة ، وبناء السد العالي ، وبناء المصانع ، والقطاع العام ...ومن تهديد "إسرائيل" لسورية ، إلى هزيمة الخامس من حزيران" يونيه " 1967 ، إلى لاءات الخرطوم ، وحرب الاستنزاف ، وانقلابات ليبيا ، والسودان ، ومبادرة روجرز ، وأيلول الأسود الملكي على الفلسطينيين في الأردن ، إلى الرحيل الحزين 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ...

( 3 )

لقد تبيّن فيما بعد ، أن جمال عبد الناصر كان عليه أن يواجه ذلك كله ، وعليه يقع عبء القرار ، وأن القلة ممن كانوا حوله ، كانوا يوافقونه الأهداف العظيمة ، وينفذون بإخلاص ، وأن الكثرة ، الكثيرة ممن كانوا حوله كانوا يضمرون العداء ، أو التآمر ، ويكظمون الغيظ ، بدليل أن الأجهزة ، ونظام الحكم برمته ، باستثناء بعض الرجال المخلصين قد انقلب على ما كان جمال عبد الناصر يعمل لتحقيقه ، ليعكس اتجاه الأحداث ، والمواقع ، والمواقف ، فبجهود ، وأفعال رموز ذلك النظام تحولت مصر ، التي كانت جمهورية عربية متحدة ، من قاعدة متقدمة لحركة التحرر العربية ، إلى قاعدة مضادة لها ، يرتع فيها الصهاينة ، وقوى الهيمنة الدولية ..

يأخذ البعض على جمال عبد الناصر أنه لم يقيم نظاماً ديموقراطياً ، وإنه كان ديكتاتوراً ... وفي المقابل يأخذ عليه البعض الآخر أنه كان وسطياً وأنه لم يكن ثورياً حاسماً ، وأن فكرة " تحالف قوى الشعب العامل " تعبر عن " البرجوازية الصغيرة " ...إلى آخره .

إن مشكلة طبيعة النظام في مصر ، ومن ثم في الجمهورية العربية المتحدة ، وفي الإقليم الجنوبي فيما بعد الانفصال ..كانت مشكلة المشاكل التي واجهت جمال عبد الناصر، ذلك أن جمال عبد الناصر جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري ، على أنقاض نظام ملكي ، في بلد محتل من الناحية الفعلية بجيش الاحتلال البريطاني الذي كان هو الحاكم من الناحية العملية ، أما بنية الأحزاب السياسية فكانت بنية هشة بفعل هيمنة القصر ، وقوات الاحتلال ، والباشوات ، وبالتالي فإن تلك البنية ، لا تحتمل مشاريع ثورية كالإصلاح الزراعي ، وتحرير مصر من الإحتلال البريطاني ، ومواجهة العدوان الثلاثي ، وأحلام الوحدة العربية ، وإحياء مجد الأمة ، وتحرير فلسطين ، والثروات العربية ، والتنمية ، والعدالة الاجتماعية ... ودعم حركات التحرر ، لهذا كان من الطبيعي أن يفكر جمال عبد الناصر بالبدائل ، والبدائل كانت محاولة بناء تنظيم سياسي بديل ... يحمل راية الأهداف الثورية التحررية لجمال عبد الناصر ، وقد كرر المحاولات لبناء ذلك التنظيم من " هيئة التحرير " في بداية تحول الإنقلاب العسكري إلى ثورة ، ثم مع " الاتحاد القومي " مع بداية التحول من الدولة الإقليمية إلى دولة الأمة العربية النواة " الجمهورية العربية المتحدة " ، ثم إلى " الاتحاد الاشتراكي العربي " مع بداية التحول إلى البناء الاشتراكي ، ثم إلى " الحركة العربية الواحدة " مع بداية التحول من وحدة الصف العربي ، إلى وحدة الهدف ، ثم إلى التنظيم الطليعي ، وطليعة الاشتراكيين ، ومنظمة الشباب الاشتراكي ، وأخيراً بيان 30 آذار" مارس " 1970 .

لقد فشلت تلك المحاولات جميعاً ، وإن كانت قد أدت أدواراً مرحلية محدودة ، وهذا الفشل لم يكن لأن جمال عبد الناصر كان على قمة السلطة ، مما يجعل تلك الهيئات صنيعة السلطة ، وحسب ، ولكن لأن لوثة الحزب الواحد ، والحزب القائد ، والحزب الحاكم ، كانت قد تسربت إلينا من الاتحاد السوفيتي ، ومعسكره الاشتراكي الذي كان حليفاً لنا في مواجهة العدوان الصهيوني ، والإمبريالي الذي لم يحمل إلينا إلا الاستعمار ، والاحتلال ، والتجزئة ، والاحتكارات ، ونهب الثروات ...

على أية حال ، فإن أنور السادات الذي قاد الانقلاب على نهج جمال عبد الناصر قد استخدم أدوات النظام ذاتها بما فيها أجهزته الأمنية ، وأجهزته السياسية ، فأجهزة المخابرات ، والاتحاد الاشتراكي كانوا في صلب الانقلاب ، وللأسف الشديد ، فإن الذين حاولوا تقليد جمال عبد الناصر ، من الحكام في الوطن العربي ، لم يأخذوا عنه إلا نظام الحكم الذي انقلب عليه ، كانوا، وما زالوا ، كأنور السادات ، بالضبط كأنور السادات ، أخذوا تركيبة النظام ، للتفرد بالسلطة ، والانقلاب على المبادئ حتى الذين جاؤوا بأحزاب إلى السلطات طوعوا تلك الأحزاب فيما بعد لتكون خادمة لتلك السلطات ، عوضاً من أن تكون موجهاً لها ، ولم يأخذوا شيئاً من إخلاص جمال عبد الناصر للمباديء ، وتفانيه لتحقيقها .

( 4 )

ربما أخذتني مشاعري ، وهواجسي بعيداً ، عما أردته من هذا الحديث ، الآن سأعود ...

منذ أكثر من خمس وثلاثين عاماً كتبت ما معناه ، وبعد أن بدأت حروب الردة عن القومية العربية تنطلق من القاهرة ، ومن غير القاهرة شاملة وطن العرب ، علناً ، وعلى رؤوس الأشهاد ، قلت : إن ما يحدث لا يمكن أن يكون مرتجلاً ، إنه تنفيذ دقيق لمخططات مدروسة بعناية ، وكان تنفيذها ينتظر غياب ، أو تغييب جمال عبدالناصر ، وبما أنهم لا يبنون عادة على الرمال ، فإن تغييب جمال عبد الناصر كان حجر الزاوية في تلك المخططات المعادية للأمة العربية ..وبالتالي فإن تلك المخططات لم تكن تنتظر الصدفة ، لم نكن نملك معلومات ، ولكن أي تحليل يعتمد البحث العلمي ، والتداعيات التي حصلت ، سيصل إلى هذه النتيجة .....

اليوم ، الأستاذ محمد حسنين هيكل ، وبعد أربعين عاماً يقدم الدليل ، وهو الآتي :

" إن جهاز مخابرات الجمهورية العربية المتحدة تمكن من زراعة أجهزة تنصت بالغة الدقة في سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن ذلك وفر معلومات بالغة الأهمية في مجالات مختلفة ذكر الأستاذ هيكل أمثلة على بعضها ، ما يهمنا ، وما يدخل في نطاق هذا الحديث ، أنه بتاريخ 6 ديسمبر – كانون الأول 1969 تم تسجيل لقاء على مستوى عال بين الوزير المفوض الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة " بدولة إسرائيل " ومديرة مكتبه ، وبين السفير الأمريكي في القاهرة ، وممثل المخابرات المركزية الأمريكية في الجمهورية العربية المتحدة ..

وبما أن الحدث هام ، وعاجل فقد نقل الشريط إلى الرئيس جمال عبد الناصر ليستمع بنفسه على التسجيل الذي جاء فيه :

- إن جمال عبد الناصر هو العقبة الرئيسية في قيام علاقات طبيعية بين المصريين و" الإسرائيليين " .

- إن هناك حالة من الإلتفاف الشعبي المصري ، والعربي حول عبد الناصر تجعل السلام مع إسرائيل بالشروط الأمريكية مستحيلاً ، وأن مصر التي كان من المفترض أنها مهزومة تبدو منتصرة ، في حين أن إسرائيل التي كان من المفترض أن تبدو منتصرة تبدو مهزومة بسبب حرب الاستنزاف .

- إن سمعة " موشي دايان " أكبر بكثير من إمكانياته .

- إن قادة إسرائيل "جولدا مائير ، موشي دايان ، أهارون ياريف ، إيغال آللون" قد أجمعوا على أن بقاء إسرائيل ، ونجاح المشروع الأمريكي في المنطقة مرهون باختفاء جمال عبد الناصر من الحياة وأنهم قرروا اغتياله بالسم ، أو بالمرض ..

- إن "غولدا مائير" رئيسه وزراء " دولة إسرائيل " قالت بالنص ، وبالحرف الواحد ( we will get him ) " سوف نتخلص منه " وإلا فإن العالم العربي ضائع ، وسيخرج عن نطاق السيطرة الأمريكية ...

يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل أن عملية " عصفور " هذه ، وهو رمز عملية التنصت على السفارة الأمريكية في القاهرة ، كانت محصورة بعدد قليل جداً من رجال عبد الناصر ، علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف ، وأن جميع المعلومات التي كانت ترد عن طريق هذا المصدر كانت محصورة بهم ، وان أوامر الرئيس جمال عبد الناصر كانت أن لا يعلم أنور السادات بسر تلك العملية ..

يضيف الأستاذ هيكل ، أن جمال عبد الناصر كتب تلك المعلومات المتعلقة بحياته ، بخط يده على ورقة ، ويقول : "لقد ظلت في ذهني باستمرار ، وأنا في غرفة جمال عبد الناصر في اللحظات الأخيرة من حياته ، وفي الجنازة التي لم أستطع استكمالها للنهاية ... كنت أسأل نفسي .. هل هناك معنى في هذا .. إني أتذكر صوته .. وهو يقرأ ما يرتب له لإنهاء حياته ، لأن إسرائيل تعلم أنه العقبة الأساسية .."

( 5 )

أخطر ما في تلك القصة ، هو ما جرى بعد رحيل جمال عبد الناصر .. يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل ، أن علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف كانوا قلقين بعد رحيل جمال عبد الناصر ، من أن يعرف أنور السادات ، أي رئيس الجمهورية الجديد بالعملية " عصفور " ، وكانوا يخشون عليها منه ، بل أنهم رأوا في بعض ما وصلهم عبر تلك العملية ما قد يدين رئيس الجمهورية الجديد ، ويستوجب محاكمته ..

لكن ، وهنا كانت المفاجأة ، أن الرئيس أنور السادات لم يعلم بتلك العملية إلا عندما أخبره الأستاذ محمد حسنين هيكل ذاته ، فقد كان أنور السادات وأسرته في زيارة للأستاذ هيكل في مزرعته ، في برقاش ، حيث أفشى الأستاذ هيكل للرئيس السادات بالسر ، وأخبره بالعملية ، فذهل السادات ... وكان ذلك قبيل إنقلاب السادات على الثورة في 15 مايو 1971 .. واعتقال كل ما تبقى من رجالاتها في السلطة ، ومنهم كل أولئك المشرفين ، والعارفين بأمر تلك العملية المخابراتية ، البالغة الخطورة ...

المهم كيف تصرف السيد الرئيس أنور السادات ..؟ ، لقد استدعى الرئيس ، على الفور ، السيد كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية التي يصفها الأستاذ هيكل نفسه أنها الأبنة الشرعية للمخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA .. وقد أخبر السادات الأستاذ هيكل أنه أفشى السر للسيد كمال أدهم ، ووصف الموقف " إن الواد كمال كان هيقع من طوله لما أخبرته بالأمر " وبالطبع فإن الأمر وصل على الفور إلى السفارة الأمريكية في القاهرة التي طلبت أجهزة متطورة لإبطال مفعول الميكروفات المزروعة داخل قاعات السفارة الأمريكية ، وسكت العصفور عن التغريد ..

ولعل لنا رأي آخر ، من خلال دراسة شخصية الرئيس السادات ، فهو لا يمكن أن يكون قد ترك شرف تقديم البلاغ للمخابرات المركزية الأمريكية عن تلك العملية للسيد كمال أدهم ، وإنما لابد انه قام هو عن طريق قناة الاتصال الخاصة به ، بالإبلاغ ، ومن ثم أعلم كمال أدهم ، لينسب إليه أنه هو الذي أبلغ المخابرات المركزية الأمريكية ، بالأمر ...لا أكثر ولا أقل ....

على أية حال أن هذه الحادثة تثير تساؤلات عديدة ، نرى أنه لابد من إثارتها ، ولعل الأستاذ محمد حسنين هيكل معني بها أكثر من أي أحد آخر والإجابة عليها قد تضع الأمور في نصابها الصحيح .

أولاً : لماذا سكت الأستاذ محمد حسنين هيكل على هذا السر طوال تلك الـ 40 سنة البالغة الخطورة في تاريخ أمتنا العربية ومصرفي القلب منها ..؟

ثانياً : إذا كان الرئيس جمال عبد الناصر لا يثق بأنور السادات ، وإذا كانت بعض الدلائل التي غرد فيها " العصفور " تلقي بالشبهة عليه ، وإذا كان الرئيس جمال عبدالناصر قد تأكد أن حياته في خطر ، فكيف يترك أنور السادات نائباً لرئيس الجمهورية في تلك المرحلة الدقيقة ، وهل صحيح أن قرار إعفاء أنور السادات من مهامه كان جاهزاً وأن أحداث أيلول الأسود قد أخرت إعلانه ، ثم إذا كان السادة علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف تساورهم تلك الشكوك ، بل وأكثر من الشكوك ، كيف وافقوا على أنور السادات رئيساً للجمهورية بعد رحيل جمال عبد الناصر ، بينما كانوا يمسكون بمفاصل السلطة المرّكزة في أيديهم ، هل كانوا معاً ، أو أن كل واحد منهم على حدة ، قد توهم أنه يستطيع أن يحكم من خلال أنور السادات الضعيف ..... ألم يخبرهم " عصفور " أن الهدف من التخلص ، من جمال عبد الناصر ، هو بقاء إسرائيل ، ونجاح المشروع الأمريكي في المنطقة ، وإزاحة العقبة الرئيسية عن طريق قيام علاقات طبيعية بين المصريين و"الإسرائيليين" ..؟

ثالثاً : لماذا أبلغ الأستاذ محمد حسنين هيكل أنور السادات بسر " عصفور " رغم أوامر جمال عبد الناصر ، وتشكك أبطال العملية ، والعارفين فيها بأنور السادات ..وفي تلك المرحلة بالذات التي كان يستعد فيها السادات للانقضاض على ما تبقى من ثورة يوليو ، وليس مجرد التخلص من طامعين بالسلطة ، الأستاذ هيكل لم يفصح عن تلك الأسباب ، لكن ، ربما تكون أن الأستاذ هيكل كان حسن النية ، أو أنه قد قدر أن أنور السادات ، وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية لم يعد من الجائز إخفاء أسرار عنه . وإذا كان هذا هو السبب فهو محق في ذلك ، لكن تصرف الرئيس السادات بعد أن عرف بالأمر ، قد نقل الريبة إلى اليقين ، عندما أبلغ المخابرات المركزية الأمريكية بالأمر ، وأنهى تلك العملية ذات الفائدة القصوى للدولة في الجمهورية العربية المتحدة ، خاصة في تلك المرحلة التاريخية الحاسمة .. ذلك أن ما قام به الرئيس السادات بهذا الصدد هو فعل جرمي بكل المقاييس تتوفر فيه الدوافع المادية ، والمعنوية ، لجريمة الخيانة العظمى ، حيث قام موظف بمنصب رئيس جمهورية بإفشاء أسرار الدولة لمخابرات دولة حليفة لدولة عدوة هي " دولة إسرائيل " كانت ، في حينه ، في حالة حرب مع دولة الجمهورية العربية المتحدة .

وبالتالي ، فإن الواجب الوطني كان يفرض على الأستاذ محمد حسنين هيكل تقديم بلاغ إلى النائب العام في الجمهورية العربية المتحدة ، ليضع يده على تلك القضية ، وإحالتها إلى المرجع القضائي المختص ..

رابعاً: إن تلك الأحداث وقعت قبيل انقلاب أنور السادات في 15 مايو"أيار" 1971 على الخط الذي رسمه جمال عبد الناصر ، وبالتالي فإن أنور السادات لم يكن في مجال تصفية حسابات شخصية ، وإنما كان يمهد الطريق لقيام العلاقات الطبيعية مع "الإسرائيليين" بعد أن زالت العقبة التي كانت متمثلة بجمال عبد الناصر ...

( 6 )

هنا يثور سؤال بالغ الأهمية ، من حقنا على الأستاذ محمد حسنين هيكل ، وفاء للاحترام ، والتقدير الذي يكنه له تيار واسع من الجماهير العربية ، وأنا واحد منهم ، أن نوجهه رغم معرفتنا بحساسيته ، السؤال هو : لماذا وقف الأستاذ محمد حسنين هيكل هذا الموقف الحاسم ، في تلك الأيام الحاسمة مع الرئيس أنور السادات في مواجهة الرجال الذين مهما تنوعت الآراء فيهم كانوا أوفياء ، على طريقتهم ، لخط جمال عبد الناصر ، منهم من قضى ، ومنهم من ينتظر ، واختاروا الزنازين ، والسجون على ان يسيروا بالخط الذي أدخل الصهاينة إلى قلب القاهرة ، وساهم أخيراً ، بإدخال الأمريكان إلى قلب بغداد ، فيما بعد ...؟؟!

إنني أعرف مدى حساسية السؤال .. لكنني على ثقة أن الأستاذ هيكل لديه الجواب ، وربما كان يعلم عن تلك المرحلة مالا نعلم ، لكن إذا كان ذلك كذلك ، فقد آن لنا أن نعلم ...! خاصة ، وأن الذين عاصروا تلك الأيام الحاسمة في تاريخ أمتنا يجمعون على انه لولا الموقف الحاسم الذي وقفه الأستاذ محمد حسنين هيكل إلى جانب أنور السادات ، والذي يعتبر البعض انه تجاوز فيه كل الحدود ، وساهم بتقديم صورة كاريكاتورية لأولئك الرجال ، الذين أطلق عليهم " مراكز القوى " تجاوزت حد التجريح الشخصي ، باعتبارهم ذوات شخصيات متنافرة يحضرّون الأرواح ، ويؤمنون بالخرافات ، ويلاحقون المنجمين ، والسحرة ، ويتقاتلون على السلطة ، وإلى آخره ...ويضيف ذلك البعض ، أنه لولا ذلك الموقف الحاسم من قبل الأستاذ هيكل مع أنور السادات في تلك الأيام الحاسمة ما كان له أن يكون رئيساً للجمهورية .. السؤال الآن ، وبعد تلك الأحداث المفجعة ، الهائلة ، هل يعتقد الأستاذ محمد حسنين هيكل أن هناك خطأ ، ما ، ارتكب في ذلك الموقف ؟ ، هل هناك حاجة إلى اعتذار واجب ؟؟ ، أم أنه مازال يعتقد أنه كان على صواب ، وأن لديه مبرراته ..؟

قد يكون لي الحق ، ولغيري كذلك ، أن نتكهن ، لكن الجواب ، اليقين ، يبقى ملك للأستاذ محمد حسنين هيكل ، دون سواه ، لكنني أريد أن أؤكد ، وبأكبر قدر من الصراحة التي عودنا الأستاذ هيكل أن نسمعها منه ، إنني أتفهم إلى حد كبير الخلافات التي عصفت بعلاقات الأستاذ هيكل برجال جمال عبد الناصر ، أو ما عرف بمراكز القوى ، وأتفهم أنهم حاولوا أن ينالوا منه ، وبالتالي من حقه أن يبادلهم المحاولة ، ولعل تلك كانت السمة العامة التي ميزت أية مجموعة في التاريخ البشري تلتفّ حول زعيم استثنائي ، ثم عندما يغيب فجأة ، تتفجر بينهم جميع الألغام التي كان وجود الزعيم يعّطل مفعولها .. لكننا هنا امام حدث تجاوز الخلاف ، إلى الانقلاب ، والردة ، وما كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل ، بالذات ، عن أنور السادات ، من خريف الغضب ، وحتى آخر ما يقوله الآن ، ينبئ أنه كان على معرفة بما يدور حوله ، له ، ومعه ، السؤال ، هل أن حقيقة نهج أنور السادات لم تتكشف للأستاذ هيكل ، إلا بعد ذلك ، وبالتالي ، فإنه فوجئ كما فوجئنا بالمدى الذي ذهب إليه ، وصولاً إلى كامب ديفيد ، وما بعد كامب ديفيد...؟

لن أنساق وراء الكثير من الأسئلة ، سأترك الموضوع بين يدي الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يطل علينا أسبوعياً راجياً أن لا يترك أسئلة بدون جواب ، وأتذكر أنني منذ سنوات قليلة صرخت مستنكراً في زنزانتي المنفردة عندما أعلن الأستاذ محمد حسنين هيكل أنه قال ما عنده ، واعتزل .. قلت يومها بيني وبين نفسي ، لأنه لم يكن لدي من أقول له ... لا .. مازال لديك الكثير ، الكثير مما نحتاج أن نسمعه منك ... وكنت واثقاً انك ستعود ، وكنت سعيداً أنك عدت ..!

( 7 )

إن هذا يقودني للحديث عن الرجل ، الذي طالما تحدث إلينا ، عن الأستاذ محمد حسنين هيكل ، ومكانته ، موقعه ، ووقع أحاديثه علينا .. وأثرها فينا ..!

لعل القاسم المشترك الذي كان يجمع غالبية ابناء جيلنا من المحيط حتى الخليج إعتباراً من نهايات العقد الأول من الصف الثاني من القرن العشرين ، هو أننا بدون اتفاق ، بدون تنظيم ، كانت لنا نواميس محددة تجمعنا ، كان من أهمها أننا في مساء الخميس الأول من كل شهر نتحّلق جماعات حول المذياع للاستماع إلى حفل أم كلثوم ، وفي مساء الجمعة من كل أسبوع نتحلق حول المذياع للاستماع إلى حديث محمد حسنين هيكل "بصراحة" من صوت العرب ، ذلك ان الأهرام كان نادراً ما يسمح لها بالوصول إلينا ، وكذلك ، كان يتكرر المشهد عندما كان يحين موعد يلقي فيه جمال عبد الناصر خطاباً ، أو في الذكرى السنوية للثورة حيث ننتظر حفل أضواء المدينة ، لنستمع جديد الأغاني الوطنية ، أم كلثوم ، وعبد الوهاب ، وعبد الحليم ، ونجاة ، وفريد ، وفايزة كامل ، وفايزة أحمد ، وشادية ، وصباح ، وعبد المطلب ، ونجاح سلام ، وفهد بلان ، والدوكالي ، وإلى آخرهم ...

هكذا كانت أحاديث محمد حسنين هيكل بالنسبة لنا ، صوت الثورة ، صوت جمال عبد الناصر ، بل ربما في يوم ما حمّلنا تلك الأحاديث فوق ما تحتمل ، فاعتبرنا أن الأستاذ هيكل يقول ما لا يستطيع جمال عبد الناصر أن يقوله باعتباره حاكماً لدولة .. وبات جزءاً حيوياً ، ليس مما حدث ، ويحدث ، وحسب ، وإنما ناطقاً رسمياً باسم أحلامنا على امتداد الأمة ، والأرض العربية ، وكان التهجم عليه ، بالنسبة إلينا ، هو تهجم على الثورة ، والحلم معاً ، والدفاع عنه هو دفاع عنهما .. إلى أن غاب جمال عبد الناصر ، وانقضت الأشهر الثمانية الأولى على الغياب، عندها تفجرت أحداث 15 "مايو" ايار 1971 يومها فجع الشارع العربي القومي تحديداً بما حصل ، وافترقت المواقف .. ترى أين الحق ..؟ أنور السادات يمتلك الماكينة الإعلامية الهائلة التي بنتها الثورة ، ومحمد حسنين هيكل، الناطق باسمنا ، يتبنى موقف أنور السادات بالمطلق في تلك الأيام .. حتى بعد انقضاء أحداث "مايو" وإيداع ما سمي يومها "مراكز القوى" السجون ، بقي الأستاذ هيكل على موقفه ، وفي موقعه إلى جانب السادات خلال انتفاضة الطلاب ، ومظاهرات الجامعات في "فبراير"شباط 1972 ، حيث أضيف إلى معتقلي "مايو" السابقين من " مراكز القوى في النظام " معتقلين آخرين من الطلاب ، ومن خارج أجهزة النظام ، د . عصمت سيف الدولة ، ورفاقه ، باتهام غريب على الأذن العربية هو : "التآمر على إسقاط الأنظمة العربية والعمل لإقامة دولة الوحدة العربية " فللمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث ينصّب نظام إقليمي نفسه وكيلاً عن كافة الأنظمة العربية ، ومدعياً عاماً يسجن الناس باسمها ، كان الأستاذ محمد حسنين هيكل يومها في لندن ، حيث التقاه على عجل المرحوم الأستاذ محمد الجندي ، وأخبره بأنه قرر قطع رحلته ، والعودة إلى القاهرة على الفور لأن السادات اعتقل عصمت سيف الدولة ، ففوجئ رحمه الله بجواب الأستاذ هيكل : " ما يعتقلوا... وإيه يعني " ، على أية حال تمت تسوية الأمر بين الرجلين حيث جمعهما السادات في سجن واحد في "سبتمبر" عام 1981 ، لكنني أشير إلى تلك الواقعة ، فقط ، في معرض بيان الموقف الحاسم للأستاذ محمد حسنين هيكل إلى جانب أنور السادات في حينه ..

أقصد من ذلك كله ، القول أن صوت أنور السادات ، ومن معه ، وفي المقدمة صوت الأستاذ محمد حسنين هيكل ، كان عالياً ، بينما الصوت الآخر بات مخنوقاً خلف الزنازين .. وبالتالي لم يكن هناك توازن فيما يصل إلينا .. وبالتالي أحدث ذلك خللاً ، وتخلخلاً في الصفوف ، والمواقف ..!

( 8 )

لقد أتيح لي بعد ذلك أن ألتقي الأستاذ محمد حسنين هيكل في منزله بالقاهرة ، في شتاء عام 1975 ، كنت يومها منشغل بالحوارات الجادة ، والهامة التي كانت تدور في نوادي الفكر الناصري في الجامعات ، حول أسلوب ، وهوية "الحزب الناصري" الذي يجب أن يتم تأسيسه ، وكنت أكرر ، وأعيد على مسامع الأخوة ، والمناضلين الذين التقيتهم في تلك الأيام الحاسمة تجربة ، أو تجارب العمل الناصري في سورية باعتباره بدأ إثر الانفصال 28 أيلول "سبتمبر" 1961 بينما بدأ في مصر بعد غياب جمال عبد الناصر 1970 ، وكنت حريصاً أن لا تتكرر الأخطاء ، والخطايا ، وكنت ، ومازلت متحمساً للعمل القومي العربي التنظيمي الموحد ، وكنت ، ومازلت أرى أن تنظيماً قومياً عربياً يتم تأسيسه على قاعدة صلبة في مصر ، مركز هذه الأمة ، سيوفر بداية جادة نحن بأمس الحاجة إليها ، وكان الأخوة ، والأصدقاء ، الذين ألتقيهم منشغلين بالواقع في مصر ، ومشكلاته المتشعبة ، ويجنحون إلى تأسيس "حزب ناصري مصري" ، وكانت لهم أسبابهم ...، وكانت لي أسبابي أيضاً ، على أية حال هذا حديث لانهاية له .......

المهم ، أنني وبرفقة بعض من أولئك الأخوة ، والأصدقاء زرنا الأستاذ محمد حسنين هيكل في منزله ، كان بضيافته الدكتور عبد الملك عودة عميد كلية الإعلام يومها .. بعد الترحيب ، والتعارف توجه الأستاذ هيكل بالسؤال إليّ : ما هي أخبار المشرق ..؟ كانت إتفاقيات فصل القوات في سيناء ، والجولان قد تم وضعها موضع التنفيذ ، وكانت "المقاومة الفلسطينية" قد رحّلت من الأردن إلى لبنان ، وكانت جبهة لبنان متوترة ، و" فتح لاند " تتوسع في جنوب لبنان ، وتتمدد إلى بيروت ، وإلى ما هو أبعد ...

كنت اعرف أنني لن أضيف إلى معلومات الأستاذ محمد حسنين هيكل أي جديد ، فهو بالتأكيد يمتلك من المعلومات أكثر بكثير مما لدي ، لكنني قدرت أنه كان يريد أن يعرف الطريقة التي أقرأ بها الأحداث ، ربما ليتعرف على الشخص الذي يلتقيه للمرة الأولى .. قدمت وجهة نظري بطريقة مختصرة قدر الإمكان ، وقد علق على ذلك بأنه يشاركني تخوفي من اتجاه الأحداث ، ثم وفجأة أحسست ، وكأنه يخفي انفعالاً هائلاً ، قال : هل استمعت إلى ما قاله أنور السادات ؟ ، كان أنور السادات يومها في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان قد صرّح لإحدى الصحف الأمريكية : " أن محمد حسنين هيكل عميل للمخابرات المركزية الأمريكية " قلت : للأسف نعم ، قال : سأرد عليه قريباً ، وفي الوقت المناسب ، ليس باللغة العربية فقط ، وإنما باللغات العالمية كلها لأبين من هو عميل المخابرات المركزية الأمريكية .. ؟ ، وكانت لدي رغبة بالخروج من هذا الموضوع ليس لأنه يسبب انفعالاً للأستاذ محمد حسنين هيكل ، وحسب ، ولكن لأن تصريح السادات يبدو هذلياً ، ولا يستحق الوقوف عنده ، يكفي أنه يصدر عن أنور السادات الغارق في مشاريع المخابرات المركزية الأمريكية إلى ما فوق أذنيه وبالتالي يفتقد أية مصداقية بهذا الشأن .. وينطبق على ذلك قول الشاعر : " إذا أتتك مذمتي من ناقص ..." وبالتالي لا أريد أن أضّيع هذا الوقت الثمين ....

( 9 )

على أية حال كنت قد وضعت هدفاً ، وحيداً ، لذلك اللقاء ، وهو أن أنقل للأستاذ هيكل هواجسي حول ضرورة بناء التنظيم القومي ، للخروج من المحنة ، وكنت أعوّل كثيراً على رأيه ، خاصة ، وأن لرأيه تأثيراً كبيراً على الشباب ، وعلى الأخوة الذين رتبّوا موعد هذه الزيارة ، ورافقوني .. وكذلك خاصة داخل نوادي الفكر الناصري ، وقد فاجأني الأستاذ هيكل ، وكأنه يعلم هواجسي ، فما أن بدأت التمهيد للدخول في هذا الموضوع ، حتى وقف الأستاذ هيكل ، واستأذن الحاضرين بأنه يود الحديث معي على إنفراد ، وبالفعل اصطحبني إلى صالة داخلية في منزله ، وما أن استقر بنا المقام حتى اقترب مني ، وقال بلهجة حاسمة : حبيب يجب أن تباشروا على الفور بناء التنظيم ، وعلى الفور ، كررها ثانية ، على الفور ، أجبته في محاولة لالتقاط الأنفاس : يا أستاذ هيكل ، ألست أنت صاحب نظرية أن الأعلام في العصر الحديث يغني عن التنظيم الحزبي ، لأن الأعلام يحقق الاتصال المباشر بين الزعيم ، والجماهير ، وخاصة في حالة علاقة جمال عبد الناصر بالجماهير ..؟

قال : لا ، أنا قلت ، أن قيام الإعلام بدور تحقيق الاتصال المباشر بين جمال عبد الناصر ، والجماهير يعيق ، وقد أعاق فعلاً بناء التنظيم السياسي القومي ، أما الآن فإن هناك ضرورة تاريخية لبناء التنظيم السياسي ، ولا بديل عنه .. وكان ذلك مدخلاً مناسباً كي أشرح للأستاذ هيكل هواجسي ، بأن الشباب الناصري في مصر ، ومن خلال لقاءاتي المتكررة في نوادي الفكر الناصري منشغل ، وقد يكون محقاً في ذلك بالأوضاع في مصر ، وأن الرأي السائد لدى الغالبية منهم ، هو ضرورة بناء تنظيم ناصري يهتم بهموم الناس في مصر ، المعاشية ، والحياتية أولاً ، ومن ثم الانطلاق إلى العمل القومي ، وتشعب الحديث ... ، إلى أن أكد لي في النهاية موقفه ، الذي كنت واثقاً منه ، وأنه لابد أن يصدر عن قامة عالية في تاريخنا العربي المعاصر كالأستاذ هيكل ، قال لي بحسم ، أنه مع بناء التنظيم على الصعيد القومي ، وأنه لن يتردد في بذل الجهد لذلك ، وهكذا غادرت ، وأنا أكثر احتراماً وتقديراً للرجل ، لكن ما أن اختليت مع نفسي حتى أحسست بحاجة إلى ساعات وربما أيام أقضيها معه ، لكن للأسف الشديد ، وبسبب ظروف قاهرة ، كان ذلك اللقاء هو اللقاء اليتيم ، حتى الآن ...

( 10 )

الآن ، وقد دخلنا أواخر خريف العمر ، أمد الله بعمرك يا أستاذ هيكل ، هل ستتيح لنا الأيام لقاء آخر .. أرجو ذلك ، لكن في زمن أرجو أن يكون مختلفاً عما نحن فيه ، في زمن تكون هذه الأمة قد تلمست طريقها للخروج من محنة طالت أكثر مما ينبغي ، وحتى يتحقق ذلك سنبقى على الموعد مع الأستاذ هيكل مساء كل خميس نستمع إليه ، ولعله يحس بأصواتنا ، وهواجسنا ، ولن ننسى يوماً ، أن له في أعناقنا ديناً لن نوفيه إياه ، وهو أنه ربما الوحيد الذي يمتلك من الوثائق ، والمعلومات ما يفيد الجيل العربي الجديد في تلمس طريق الخلاص .. والأهم من ذلك أنه يمتلك البوصلة ، ويضع ذلك كله في سياقه ... وما أحوج هذا الجيل العربي الجديد لاستيعاب التجارب المرة ، واستخلاص الدروس ، حتى لا يضل الطريق مرة أخرى ، وحتى يحصّن مواقعه من المتسللين ، والأدعياء .. وحتى يعرف في أية ساحة يقدمّ الشهداء للتحرير ، وليس للتخريب ، ويرى الصورة بشموليتها للوطن وللأمة ...وكل عام ، وأمة جمال عبد الناصر العربية تنادي :

"يا بلادي لا تنامي ، وادفعي الصف الأمامي"

دمشق 15/1/2010

حبيب عيسى

سليم حجار 01-20-2010 08:18

جمال عبد الناصر ... ومحمد حسنين هيكل ...ونحن ...!

د/ حبيب عيسى



( 1 )

في الذكرى /92/ لميلاد جمال عبد الناصر ، وفي السنة الـ 40 على رحيله مازال الحديث عنه ذو نكهة خاصة ، ليس لأنه يخرجنا من واقع مر إلى عالم الأحلام الكبيرة ، والرؤى البعيدة ، والتجارب المريرة ، والمواجهات العنيفة ... ، وحسب ، ولكن لأن جمال عبد الناصر تمرد على ما عرف في عصره نهج الانقلابات العسكرية ، أو "العسكرتاريا" ، وحاول بقدر ما يستطيع أن يتلمس نبض الشارع ، وأن يتمرد على الكثير من المفاهيم السائدة ... ويناضل لتوضيح الهوية ، ويخوض معارك الأمة ، حتى استحق بحق لقب "قائد معارك التحرر العربي" ، بغض النظر عن النتائج ... لقد أصاب وأخطأ ، انتصر وانهزم ، هاجم ودافع ، لكن لم يكن الحكم ، والسيطرة , والتوريث هو هاجسه ، وإنما كان وسيلته لتحقيق أهداف ومبادئ أعطاها عمره ، وأعصابه ... وللذين يحاولون تقييم جمال عبد الناصر عبر لغة الأرباح ، والخسائر يكفي أن نشير إلى الدرك الذي انحدرت إليه الأمة العربية ، وفي القلب منها مصر بعد رحيله .. لندرك الثغرات ، والثغور ، التي كان يصدها بقامته المديدة ...



( 2 )

لقد كتبت عن جمال عبد الناصر ، الكثير ، وستبقى الكتابة عنه بالنسبة إلي نافذة للخروج من حالة الإحباط ، والمحنة المطبقة على أعناقنا ... لقد عاش جمال عبد الناصر ، بحساب السنين /52/ عاماً ، من 15 كانون الثاني " يناير " 1918 إلى 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ، وإذا كان " شؤون لاي " رئيس وزراء الصين قد استغرب كيف يموت رئيس في سن الـ /52/ ، فإننا نقول موضوعياً ، أنه علينا ان نضاعف العمر الزمني الحقيقي لجمال عبد الناصر ابتداء من حصاره في فلوجة فلسطين 1948 ، وحتى 28 أيلول " سبتمبر " 1970 حيث يجمع كل من عاصر الرجل أنه خلال تلك الفترة الممتدة كان يمارس نشاطه ، بما هو أكثر بكثير من ضعف النشاط الإنساني الذي يمارسه الإنسان العادي ، والذي يطيقه البشر عادة ، يومياً ..

فمن حصار الفلوجة ، إلى حرب الفداء في مدن القنال ، إلى حريق القاهرة ، ومن انقلاب 23 تموز " يوليو " 1952، إلى الثورة عبر ثورة الفلاحين ، وهيئة التحرير ، وإجلاء الانجليز عن القناة 1954 ، ودعم ثورة الجزائر ، ومن معركة بناء السد العالي ، إلى تأميم قناة السويس ، إلى مواجهة العدوان الثلاثي 1956 ، ومن دستور 1956 إلى مواجهة تهديد حلف الأطلسي لسورية عبر تركيا ، إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة 1958، وبناء الاتحاد القومي ، ومعارك التأميم ، ومن اغتيال انقلاب 1958 في العراق ، إلى انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، إلى دعم الانقلاب في اليمن 1962 ، وإعلان الميثاق وبناء الاتحاد الاشتراكي ، إلى فشل ميثاق نيسان " إبريل " لبناء دولة الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق ، إلى الدعوة إلى الحركة العربية الواحدة ، وبناء السد العالي ، وبناء المصانع ، والقطاع العام ...ومن تهديد "إسرائيل" لسورية ، إلى هزيمة الخامس من حزيران" يونيه " 1967 ، إلى لاءات الخرطوم ، وحرب الاستنزاف ، وانقلابات ليبيا ، والسودان ، ومبادرة روجرز ، وأيلول الأسود الملكي على الفلسطينيين في الأردن ، إلى الرحيل الحزين 28 أيلول " سبتمبر " 1970 ...

( 3 )

لقد تبيّن فيما بعد ، أن جمال عبد الناصر كان عليه أن يواجه ذلك كله ، وعليه يقع عبء القرار ، وأن القلة ممن كانوا حوله ، كانوا يوافقونه الأهداف العظيمة ، وينفذون بإخلاص ، وأن الكثرة ، الكثيرة ممن كانوا حوله كانوا يضمرون العداء ، أو التآمر ، ويكظمون الغيظ ، بدليل أن الأجهزة ، ونظام الحكم برمته ، باستثناء بعض الرجال المخلصين قد انقلب على ما كان جمال عبد الناصر يعمل لتحقيقه ، ليعكس اتجاه الأحداث ، والمواقع ، والمواقف ، فبجهود ، وأفعال رموز ذلك النظام تحولت مصر ، التي كانت جمهورية عربية متحدة ، من قاعدة متقدمة لحركة التحرر العربية ، إلى قاعدة مضادة لها ، يرتع فيها الصهاينة ، وقوى الهيمنة الدولية ..

يأخذ البعض على جمال عبد الناصر أنه لم يقيم نظاماً ديموقراطياً ، وإنه كان ديكتاتوراً ... وفي المقابل يأخذ عليه البعض الآخر أنه كان وسطياً وأنه لم يكن ثورياً حاسماً ، وأن فكرة " تحالف قوى الشعب العامل " تعبر عن " البرجوازية الصغيرة " ...إلى آخره .

إن مشكلة طبيعة النظام في مصر ، ومن ثم في الجمهورية العربية المتحدة ، وفي الإقليم الجنوبي فيما بعد الانفصال ..كانت مشكلة المشاكل التي واجهت جمال عبد الناصر، ذلك أن جمال عبد الناصر جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري ، على أنقاض نظام ملكي ، في بلد محتل من الناحية الفعلية بجيش الاحتلال البريطاني الذي كان هو الحاكم من الناحية العملية ، أما بنية الأحزاب السياسية فكانت بنية هشة بفعل هيمنة القصر ، وقوات الاحتلال ، والباشوات ، وبالتالي فإن تلك البنية ، لا تحتمل مشاريع ثورية كالإصلاح الزراعي ، وتحرير مصر من الإحتلال البريطاني ، ومواجهة العدوان الثلاثي ، وأحلام الوحدة العربية ، وإحياء مجد الأمة ، وتحرير فلسطين ، والثروات العربية ، والتنمية ، والعدالة الاجتماعية ... ودعم حركات التحرر ، لهذا كان من الطبيعي أن يفكر جمال عبد الناصر بالبدائل ، والبدائل كانت محاولة بناء تنظيم سياسي بديل ... يحمل راية الأهداف الثورية التحررية لجمال عبد الناصر ، وقد كرر المحاولات لبناء ذلك التنظيم من " هيئة التحرير " في بداية تحول الإنقلاب العسكري إلى ثورة ، ثم مع " الاتحاد القومي " مع بداية التحول من الدولة الإقليمية إلى دولة الأمة العربية النواة " الجمهورية العربية المتحدة " ، ثم إلى " الاتحاد الاشتراكي العربي " مع بداية التحول إلى البناء الاشتراكي ، ثم إلى " الحركة العربية الواحدة " مع بداية التحول من وحدة الصف العربي ، إلى وحدة الهدف ، ثم إلى التنظيم الطليعي ، وطليعة الاشتراكيين ، ومنظمة الشباب الاشتراكي ، وأخيراً بيان 30 آذار" مارس " 1970 .

لقد فشلت تلك المحاولات جميعاً ، وإن كانت قد أدت أدواراً مرحلية محدودة ، وهذا الفشل لم يكن لأن جمال عبد الناصر كان على قمة السلطة ، مما يجعل تلك الهيئات صنيعة السلطة ، وحسب ، ولكن لأن لوثة الحزب الواحد ، والحزب القائد ، والحزب الحاكم ، كانت قد تسربت إلينا من الاتحاد السوفيتي ، ومعسكره الاشتراكي الذي كان حليفاً لنا في مواجهة العدوان الصهيوني ، والإمبريالي الذي لم يحمل إلينا إلا الاستعمار ، والاحتلال ، والتجزئة ، والاحتكارات ، ونهب الثروات ...

على أية حال ، فإن أنور السادات الذي قاد الانقلاب على نهج جمال عبد الناصر قد استخدم أدوات النظام ذاتها بما فيها أجهزته الأمنية ، وأجهزته السياسية ، فأجهزة المخابرات ، والاتحاد الاشتراكي كانوا في صلب الانقلاب ، وللأسف الشديد ، فإن الذين حاولوا تقليد جمال عبد الناصر ، من الحكام في الوطن العربي ، لم يأخذوا عنه إلا نظام الحكم الذي انقلب عليه ، كانوا، وما زالوا ، كأنور السادات ، بالضبط كأنور السادات ، أخذوا تركيبة النظام ، للتفرد بالسلطة ، والانقلاب على المبادئ حتى الذين جاؤوا بأحزاب إلى السلطات طوعوا تلك الأحزاب فيما بعد لتكون خادمة لتلك السلطات ، عوضاً من أن تكون موجهاً لها ، ولم يأخذوا شيئاً من إخلاص جمال عبد الناصر للمباديء ، وتفانيه لتحقيقها .

( 4 )

ربما أخذتني مشاعري ، وهواجسي بعيداً ، عما أردته من هذا الحديث ، الآن سأعود ...

منذ أكثر من خمس وثلاثين عاماً كتبت ما معناه ، وبعد أن بدأت حروب الردة عن القومية العربية تنطلق من القاهرة ، ومن غير القاهرة شاملة وطن العرب ، علناً ، وعلى رؤوس الأشهاد ، قلت : إن ما يحدث لا يمكن أن يكون مرتجلاً ، إنه تنفيذ دقيق لمخططات مدروسة بعناية ، وكان تنفيذها ينتظر غياب ، أو تغييب جمال عبدالناصر ، وبما أنهم لا يبنون عادة على الرمال ، فإن تغييب جمال عبد الناصر كان حجر الزاوية في تلك المخططات المعادية للأمة العربية ..وبالتالي فإن تلك المخططات لم تكن تنتظر الصدفة ، لم نكن نملك معلومات ، ولكن أي تحليل يعتمد البحث العلمي ، والتداعيات التي حصلت ، سيصل إلى هذه النتيجة .....

اليوم ، الأستاذ محمد حسنين هيكل ، وبعد أربعين عاماً يقدم الدليل ، وهو الآتي :

" إن جهاز مخابرات الجمهورية العربية المتحدة تمكن من زراعة أجهزة تنصت بالغة الدقة في سفارة دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن ذلك وفر معلومات بالغة الأهمية في مجالات مختلفة ذكر الأستاذ هيكل أمثلة على بعضها ، ما يهمنا ، وما يدخل في نطاق هذا الحديث ، أنه بتاريخ 6 ديسمبر – كانون الأول 1969 تم تسجيل لقاء على مستوى عال بين الوزير المفوض الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة " بدولة إسرائيل " ومديرة مكتبه ، وبين السفير الأمريكي في القاهرة ، وممثل المخابرات المركزية الأمريكية في الجمهورية العربية المتحدة ..

وبما أن الحدث هام ، وعاجل فقد نقل الشريط إلى الرئيس جمال عبد الناصر ليستمع بنفسه على التسجيل الذي جاء فيه :

- إن جمال عبد الناصر هو العقبة الرئيسية في قيام علاقات طبيعية بين المصريين و" الإسرائيليين " .

- إن هناك حالة من الإلتفاف الشعبي المصري ، والعربي حول عبد الناصر تجعل السلام مع إسرائيل بالشروط الأمريكية مستحيلاً ، وأن مصر التي كان من المفترض أنها مهزومة تبدو منتصرة ، في حين أن إسرائيل التي كان من المفترض أن تبدو منتصرة تبدو مهزومة بسبب حرب الاستنزاف .

- إن سمعة " موشي دايان " أكبر بكثير من إمكانياته .

- إن قادة إسرائيل "جولدا مائير ، موشي دايان ، أهارون ياريف ، إيغال آللون" قد أجمعوا على أن بقاء إسرائيل ، ونجاح المشروع الأمريكي في المنطقة مرهون باختفاء جمال عبد الناصر من الحياة وأنهم قرروا اغتياله بالسم ، أو بالمرض ..

- إن "غولدا مائير" رئيسه وزراء " دولة إسرائيل " قالت بالنص ، وبالحرف الواحد ( we will get him ) " سوف نتخلص منه " وإلا فإن العالم العربي ضائع ، وسيخرج عن نطاق السيطرة الأمريكية ...

يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل أن عملية " عصفور " هذه ، وهو رمز عملية التنصت على السفارة الأمريكية في القاهرة ، كانت محصورة بعدد قليل جداً من رجال عبد الناصر ، علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف ، وأن جميع المعلومات التي كانت ترد عن طريق هذا المصدر كانت محصورة بهم ، وان أوامر الرئيس جمال عبد الناصر كانت أن لا يعلم أنور السادات بسر تلك العملية ..

يضيف الأستاذ هيكل ، أن جمال عبد الناصر كتب تلك المعلومات المتعلقة بحياته ، بخط يده على ورقة ، ويقول : "لقد ظلت في ذهني باستمرار ، وأنا في غرفة جمال عبد الناصر في اللحظات الأخيرة من حياته ، وفي الجنازة التي لم أستطع استكمالها للنهاية ... كنت أسأل نفسي .. هل هناك معنى في هذا .. إني أتذكر صوته .. وهو يقرأ ما يرتب له لإنهاء حياته ، لأن إسرائيل تعلم أنه العقبة الأساسية .."

( 5 )

أخطر ما في تلك القصة ، هو ما جرى بعد رحيل جمال عبد الناصر .. يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل ، أن علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف كانوا قلقين بعد رحيل جمال عبد الناصر ، من أن يعرف أنور السادات ، أي رئيس الجمهورية الجديد بالعملية " عصفور " ، وكانوا يخشون عليها منه ، بل أنهم رأوا في بعض ما وصلهم عبر تلك العملية ما قد يدين رئيس الجمهورية الجديد ، ويستوجب محاكمته ..

لكن ، وهنا كانت المفاجأة ، أن الرئيس أنور السادات لم يعلم بتلك العملية إلا عندما أخبره الأستاذ محمد حسنين هيكل ذاته ، فقد كان أنور السادات وأسرته في زيارة للأستاذ هيكل في مزرعته ، في برقاش ، حيث أفشى الأستاذ هيكل للرئيس السادات بالسر ، وأخبره بالعملية ، فذهل السادات ... وكان ذلك قبيل إنقلاب السادات على الثورة في 15 مايو 1971 .. واعتقال كل ما تبقى من رجالاتها في السلطة ، ومنهم كل أولئك المشرفين ، والعارفين بأمر تلك العملية المخابراتية ، البالغة الخطورة ...

المهم كيف تصرف السيد الرئيس أنور السادات ..؟ ، لقد استدعى الرئيس ، على الفور ، السيد كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية التي يصفها الأستاذ هيكل نفسه أنها الأبنة الشرعية للمخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA .. وقد أخبر السادات الأستاذ هيكل أنه أفشى السر للسيد كمال أدهم ، ووصف الموقف " إن الواد كمال كان هيقع من طوله لما أخبرته بالأمر " وبالطبع فإن الأمر وصل على الفور إلى السفارة الأمريكية في القاهرة التي طلبت أجهزة متطورة لإبطال مفعول الميكروفات المزروعة داخل قاعات السفارة الأمريكية ، وسكت العصفور عن التغريد ..

ولعل لنا رأي آخر ، من خلال دراسة شخصية الرئيس السادات ، فهو لا يمكن أن يكون قد ترك شرف تقديم البلاغ للمخابرات المركزية الأمريكية عن تلك العملية للسيد كمال أدهم ، وإنما لابد انه قام هو عن طريق قناة الاتصال الخاصة به ، بالإبلاغ ، ومن ثم أعلم كمال أدهم ، لينسب إليه أنه هو الذي أبلغ المخابرات المركزية الأمريكية ، بالأمر ...لا أكثر ولا أقل ....

على أية حال أن هذه الحادثة تثير تساؤلات عديدة ، نرى أنه لابد من إثارتها ، ولعل الأستاذ محمد حسنين هيكل معني بها أكثر من أي أحد آخر والإجابة عليها قد تضع الأمور في نصابها الصحيح .

أولاً : لماذا سكت الأستاذ محمد حسنين هيكل على هذا السر طوال تلك الـ 40 سنة البالغة الخطورة في تاريخ أمتنا العربية ومصرفي القلب منها ..؟

ثانياً : إذا كان الرئيس جمال عبد الناصر لا يثق بأنور السادات ، وإذا كانت بعض الدلائل التي غرد فيها " العصفور " تلقي بالشبهة عليه ، وإذا كان الرئيس جمال عبدالناصر قد تأكد أن حياته في خطر ، فكيف يترك أنور السادات نائباً لرئيس الجمهورية في تلك المرحلة الدقيقة ، وهل صحيح أن قرار إعفاء أنور السادات من مهامه كان جاهزاً وأن أحداث أيلول الأسود قد أخرت إعلانه ، ثم إذا كان السادة علي صبري ، وشعراوي جمعة ، والفريق محمد فوزي ، وسامي شرف تساورهم تلك الشكوك ، بل وأكثر من الشكوك ، كيف وافقوا على أنور السادات رئيساً للجمهورية بعد رحيل جمال عبد الناصر ، بينما كانوا يمسكون بمفاصل السلطة المرّكزة في أيديهم ، هل كانوا معاً ، أو أن كل واحد منهم على حدة ، قد توهم أنه يستطيع أن يحكم من خلال أنور السادات الضعيف ..... ألم يخبرهم " عصفور " أن الهدف من التخلص ، من جمال عبد الناصر ، هو بقاء إسرائيل ، ونجاح المشروع الأمريكي في المنطقة ، وإزاحة العقبة الرئيسية عن طريق قيام علاقات طبيعية بين المصريين و"الإسرائيليين" ..؟

ثالثاً : لماذا أبلغ الأستاذ محمد حسنين هيكل أنور السادات بسر " عصفور " رغم أوامر جمال عبد الناصر ، وتشكك أبطال العملية ، والعارفين فيها بأنور السادات ..وفي تلك المرحلة بالذات التي كان يستعد فيها السادات للانقضاض على ما تبقى من ثورة يوليو ، وليس مجرد التخلص من طامعين بالسلطة ، الأستاذ هيكل لم يفصح عن تلك الأسباب ، لكن ، ربما تكون أن الأستاذ هيكل كان حسن النية ، أو أنه قد قدر أن أنور السادات ، وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية لم يعد من الجائز إخفاء أسرار عنه . وإذا كان هذا هو السبب فهو محق في ذلك ، لكن تصرف الرئيس السادات بعد أن عرف بالأمر ، قد نقل الريبة إلى اليقين ، عندما أبلغ المخابرات المركزية الأمريكية بالأمر ، وأنهى تلك العملية ذات الفائدة القصوى للدولة في الجمهورية العربية المتحدة ، خاصة في تلك المرحلة التاريخية الحاسمة .. ذلك أن ما قام به الرئيس السادات بهذا الصدد هو فعل جرمي بكل المقاييس تتوفر فيه الدوافع المادية ، والمعنوية ، لجريمة الخيانة العظمى ، حيث قام موظف بمنصب رئيس جمهورية بإفشاء أسرار الدولة لمخابرات دولة حليفة لدولة عدوة هي " دولة إسرائيل " كانت ، في حينه ، في حالة حرب مع دولة الجمهورية العربية المتحدة .

وبالتالي ، فإن الواجب الوطني كان يفرض على الأستاذ محمد حسنين هيكل تقديم بلاغ إلى النائب العام في الجمهورية العربية المتحدة ، ليضع يده على تلك القضية ، وإحالتها إلى المرجع القضائي المختص ..

رابعاً: إن تلك الأحداث وقعت قبيل انقلاب أنور السادات في 15 مايو"أيار" 1971 على الخط الذي رسمه جمال عبد الناصر ، وبالتالي فإن أنور السادات لم يكن في مجال تصفية حسابات شخصية ، وإنما كان يمهد الطريق لقيام العلاقات الطبيعية مع "الإسرائيليين" بعد أن زالت العقبة التي كانت متمثلة بجمال عبد الناصر ...

( 6 )

هنا يثور سؤال بالغ الأهمية ، من حقنا على الأستاذ محمد حسنين هيكل ، وفاء للاحترام ، والتقدير الذي يكنه له تيار واسع من الجماهير العربية ، وأنا واحد منهم ، أن نوجهه رغم معرفتنا بحساسيته ، السؤال هو : لماذا وقف الأستاذ محمد حسنين هيكل هذا الموقف الحاسم ، في تلك الأيام الحاسمة مع الرئيس أنور السادات في مواجهة الرجال الذين مهما تنوعت الآراء فيهم كانوا أوفياء ، على طريقتهم ، لخط جمال عبد الناصر ، منهم من قضى ، ومنهم من ينتظر ، واختاروا الزنازين ، والسجون على ان يسيروا بالخط الذي أدخل الصهاينة إلى قلب القاهرة ، وساهم أخيراً ، بإدخال الأمريكان إلى قلب بغداد ، فيما بعد ...؟؟!

إنني أعرف مدى حساسية السؤال .. لكنني على ثقة أن الأستاذ هيكل لديه الجواب ، وربما كان يعلم عن تلك المرحلة مالا نعلم ، لكن إذا كان ذلك كذلك ، فقد آن لنا أن نعلم ...! خاصة ، وأن الذين عاصروا تلك الأيام الحاسمة في تاريخ أمتنا يجمعون على انه لولا الموقف الحاسم الذي وقفه الأستاذ محمد حسنين هيكل إلى جانب أنور السادات ، والذي يعتبر البعض انه تجاوز فيه كل الحدود ، وساهم بتقديم صورة كاريكاتورية لأولئك الرجال ، الذين أطلق عليهم " مراكز القوى " تجاوزت حد التجريح الشخصي ، باعتبارهم ذوات شخصيات متنافرة يحضرّون الأرواح ، ويؤمنون بالخرافات ، ويلاحقون المنجمين ، والسحرة ، ويتقاتلون على السلطة ، وإلى آخره ...ويضيف ذلك البعض ، أنه لولا ذلك الموقف الحاسم من قبل الأستاذ هيكل مع أنور السادات في تلك الأيام الحاسمة ما كان له أن يكون رئيساً للجمهورية .. السؤال الآن ، وبعد تلك الأحداث المفجعة ، الهائلة ، هل يعتقد الأستاذ محمد حسنين هيكل أن هناك خطأ ، ما ، ارتكب في ذلك الموقف ؟ ، هل هناك حاجة إلى اعتذار واجب ؟؟ ، أم أنه مازال يعتقد أنه كان على صواب ، وأن لديه مبرراته ..؟

قد يكون لي الحق ، ولغيري كذلك ، أن نتكهن ، لكن الجواب ، اليقين ، يبقى ملك للأستاذ محمد حسنين هيكل ، دون سواه ، لكنني أريد أن أؤكد ، وبأكبر قدر من الصراحة التي عودنا الأستاذ هيكل أن نسمعها منه ، إنني أتفهم إلى حد كبير الخلافات التي عصفت بعلاقات الأستاذ هيكل برجال جمال عبد الناصر ، أو ما عرف بمراكز القوى ، وأتفهم أنهم حاولوا أن ينالوا منه ، وبالتالي من حقه أن يبادلهم المحاولة ، ولعل تلك كانت السمة العامة التي ميزت أية مجموعة في التاريخ البشري تلتفّ حول زعيم استثنائي ، ثم عندما يغيب فجأة ، تتفجر بينهم جميع الألغام التي كان وجود الزعيم يعّطل مفعولها .. لكننا هنا امام حدث تجاوز الخلاف ، إلى الانقلاب ، والردة ، وما كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل ، بالذات ، عن أنور السادات ، من خريف الغضب ، وحتى آخر ما يقوله الآن ، ينبئ أنه كان على معرفة بما يدور حوله ، له ، ومعه ، السؤال ، هل أن حقيقة نهج أنور السادات لم تتكشف للأستاذ هيكل ، إلا بعد ذلك ، وبالتالي ، فإنه فوجئ كما فوجئنا بالمدى الذي ذهب إليه ، وصولاً إلى كامب ديفيد ، وما بعد كامب ديفيد...؟

لن أنساق وراء الكثير من الأسئلة ، سأترك الموضوع بين يدي الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يطل علينا أسبوعياً راجياً أن لا يترك أسئلة بدون جواب ، وأتذكر أنني منذ سنوات قليلة صرخت مستنكراً في زنزانتي المنفردة عندما أعلن الأستاذ محمد حسنين هيكل أنه قال ما عنده ، واعتزل .. قلت يومها بيني وبين نفسي ، لأنه لم يكن لدي من أقول له ... لا .. مازال لديك الكثير ، الكثير مما نحتاج أن نسمعه منك ... وكنت واثقاً انك ستعود ، وكنت سعيداً أنك عدت ..!

( 7 )

إن هذا يقودني للحديث عن الرجل ، الذي طالما تحدث إلينا ، عن الأستاذ محمد حسنين هيكل ، ومكانته ، موقعه ، ووقع أحاديثه علينا .. وأثرها فينا ..!

لعل القاسم المشترك الذي كان يجمع غالبية ابناء جيلنا من المحيط حتى الخليج إعتباراً من نهايات العقد الأول من الصف الثاني من القرن العشرين ، هو أننا بدون اتفاق ، بدون تنظيم ، كانت لنا نواميس محددة تجمعنا ، كان من أهمها أننا في مساء الخميس الأول من كل شهر نتحّلق جماعات حول المذياع للاستماع إلى حفل أم كلثوم ، وفي مساء الجمعة من كل أسبوع نتحلق حول المذياع للاستماع إلى حديث محمد حسنين هيكل "بصراحة" من صوت العرب ، ذلك ان الأهرام كان نادراً ما يسمح لها بالوصول إلينا ، وكذلك ، كان يتكرر المشهد عندما كان يحين موعد يلقي فيه جمال عبد الناصر خطاباً ، أو في الذكرى السنوية للثورة حيث ننتظر حفل أضواء المدينة ، لنستمع جديد الأغاني الوطنية ، أم كلثوم ، وعبد الوهاب ، وعبد الحليم ، ونجاة ، وفريد ، وفايزة كامل ، وفايزة أحمد ، وشادية ، وصباح ، وعبد المطلب ، ونجاح سلام ، وفهد بلان ، والدوكالي ، وإلى آخرهم ...

هكذا كانت أحاديث محمد حسنين هيكل بالنسبة لنا ، صوت الثورة ، صوت جمال عبد الناصر ، بل ربما في يوم ما حمّلنا تلك الأحاديث فوق ما تحتمل ، فاعتبرنا أن الأستاذ هيكل يقول ما لا يستطيع جمال عبد الناصر أن يقوله باعتباره حاكماً لدولة .. وبات جزءاً حيوياً ، ليس مما حدث ، ويحدث ، وحسب ، وإنما ناطقاً رسمياً باسم أحلامنا على امتداد الأمة ، والأرض العربية ، وكان التهجم عليه ، بالنسبة إلينا ، هو تهجم على الثورة ، والحلم معاً ، والدفاع عنه هو دفاع عنهما .. إلى أن غاب جمال عبد الناصر ، وانقضت الأشهر الثمانية الأولى على الغياب، عندها تفجرت أحداث 15 "مايو" ايار 1971 يومها فجع الشارع العربي القومي تحديداً بما حصل ، وافترقت المواقف .. ترى أين الحق ..؟ أنور السادات يمتلك الماكينة الإعلامية الهائلة التي بنتها الثورة ، ومحمد حسنين هيكل، الناطق باسمنا ، يتبنى موقف أنور السادات بالمطلق في تلك الأيام .. حتى بعد انقضاء أحداث "مايو" وإيداع ما سمي يومها "مراكز القوى" السجون ، بقي الأستاذ هيكل على موقفه ، وفي موقعه إلى جانب السادات خلال انتفاضة الطلاب ، ومظاهرات الجامعات في "فبراير"شباط 1972 ، حيث أضيف إلى معتقلي "مايو" السابقين من " مراكز القوى في النظام " معتقلين آخرين من الطلاب ، ومن خارج أجهزة النظام ، د . عصمت سيف الدولة ، ورفاقه ، باتهام غريب على الأذن العربية هو : "التآمر على إسقاط الأنظمة العربية والعمل لإقامة دولة الوحدة العربية " فللمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث ينصّب نظام إقليمي نفسه وكيلاً عن كافة الأنظمة العربية ، ومدعياً عاماً يسجن الناس باسمها ، كان الأستاذ محمد حسنين هيكل يومها في لندن ، حيث التقاه على عجل المرحوم الأستاذ محمد الجندي ، وأخبره بأنه قرر قطع رحلته ، والعودة إلى القاهرة على الفور لأن السادات اعتقل عصمت سيف الدولة ، ففوجئ رحمه الله بجواب الأستاذ هيكل : " ما يعتقلوا... وإيه يعني " ، على أية حال تمت تسوية الأمر بين الرجلين حيث جمعهما السادات في سجن واحد في "سبتمبر" عام 1981 ، لكنني أشير إلى تلك الواقعة ، فقط ، في معرض بيان الموقف الحاسم للأستاذ محمد حسنين هيكل إلى جانب أنور السادات في حينه ..

أقصد من ذلك كله ، القول أن صوت أنور السادات ، ومن معه ، وفي المقدمة صوت الأستاذ محمد حسنين هيكل ، كان عالياً ، بينما الصوت الآخر بات مخنوقاً خلف الزنازين .. وبالتالي لم يكن هناك توازن فيما يصل إلينا .. وبالتالي أحدث ذلك خللاً ، وتخلخلاً في الصفوف ، والمواقف ..!

( 8 )

لقد أتيح لي بعد ذلك أن ألتقي الأستاذ محمد حسنين هيكل في منزله بالقاهرة ، في شتاء عام 1975 ، كنت يومها منشغل بالحوارات الجادة ، والهامة التي كانت تدور في نوادي الفكر الناصري في الجامعات ، حول أسلوب ، وهوية "الحزب الناصري" الذي يجب أن يتم تأسيسه ، وكنت أكرر ، وأعيد على مسامع الأخوة ، والمناضلين الذين التقيتهم في تلك الأيام الحاسمة تجربة ، أو تجارب العمل الناصري في سورية باعتباره بدأ إثر الانفصال 28 أيلول "سبتمبر" 1961 بينما بدأ في مصر بعد غياب جمال عبد الناصر 1970 ، وكنت حريصاً أن لا تتكرر الأخطاء ، والخطايا ، وكنت ، ومازلت متحمساً للعمل القومي العربي التنظيمي الموحد ، وكنت ، ومازلت أرى أن تنظيماً قومياً عربياً يتم تأسيسه على قاعدة صلبة في مصر ، مركز هذه الأمة ، سيوفر بداية جادة نحن بأمس الحاجة إليها ، وكان الأخوة ، والأصدقاء ، الذين ألتقيهم منشغلين بالواقع في مصر ، ومشكلاته المتشعبة ، ويجنحون إلى تأسيس "حزب ناصري مصري" ، وكانت لهم أسبابهم ...، وكانت لي أسبابي أيضاً ، على أية حال هذا حديث لانهاية له .......

المهم ، أنني وبرفقة بعض من أولئك الأخوة ، والأصدقاء زرنا الأستاذ محمد حسنين هيكل في منزله ، كان بضيافته الدكتور عبد الملك عودة عميد كلية الإعلام يومها .. بعد الترحيب ، والتعارف توجه الأستاذ هيكل بالسؤال إليّ : ما هي أخبار المشرق ..؟ كانت إتفاقيات فصل القوات في سيناء ، والجولان قد تم وضعها موضع التنفيذ ، وكانت "المقاومة الفلسطينية" قد رحّلت من الأردن إلى لبنان ، وكانت جبهة لبنان متوترة ، و" فتح لاند " تتوسع في جنوب لبنان ، وتتمدد إلى بيروت ، وإلى ما هو أبعد ...

كنت اعرف أنني لن أضيف إلى معلومات الأستاذ محمد حسنين هيكل أي جديد ، فهو بالتأكيد يمتلك من المعلومات أكثر بكثير مما لدي ، لكنني قدرت أنه كان يريد أن يعرف الطريقة التي أقرأ بها الأحداث ، ربما ليتعرف على الشخص الذي يلتقيه للمرة الأولى .. قدمت وجهة نظري بطريقة مختصرة قدر الإمكان ، وقد علق على ذلك بأنه يشاركني تخوفي من اتجاه الأحداث ، ثم وفجأة أحسست ، وكأنه يخفي انفعالاً هائلاً ، قال : هل استمعت إلى ما قاله أنور السادات ؟ ، كان أنور السادات يومها في دولة الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان قد صرّح لإحدى الصحف الأمريكية : " أن محمد حسنين هيكل عميل للمخابرات المركزية الأمريكية " قلت : للأسف نعم ، قال : سأرد عليه قريباً ، وفي الوقت المناسب ، ليس باللغة العربية فقط ، وإنما باللغات العالمية كلها لأبين من هو عميل المخابرات المركزية الأمريكية .. ؟ ، وكانت لدي رغبة بالخروج من هذا الموضوع ليس لأنه يسبب انفعالاً للأستاذ محمد حسنين هيكل ، وحسب ، ولكن لأن تصريح السادات يبدو هذلياً ، ولا يستحق الوقوف عنده ، يكفي أنه يصدر عن أنور السادات الغارق في مشاريع المخابرات المركزية الأمريكية إلى ما فوق أذنيه وبالتالي يفتقد أية مصداقية بهذا الشأن .. وينطبق على ذلك قول الشاعر : " إذا أتتك مذمتي من ناقص ..." وبالتالي لا أريد أن أضّيع هذا الوقت الثمين ....

( 9 )

على أية حال كنت قد وضعت هدفاً ، وحيداً ، لذلك اللقاء ، وهو أن أنقل للأستاذ هيكل هواجسي حول ضرورة بناء التنظيم القومي ، للخروج من المحنة ، وكنت أعوّل كثيراً على رأيه ، خاصة ، وأن لرأيه تأثيراً كبيراً على الشباب ، وعلى الأخوة الذين رتبّوا موعد هذه الزيارة ، ورافقوني .. وكذلك خاصة داخل نوادي الفكر الناصري ، وقد فاجأني الأستاذ هيكل ، وكأنه يعلم هواجسي ، فما أن بدأت التمهيد للدخول في هذا الموضوع ، حتى وقف الأستاذ هيكل ، واستأذن الحاضرين بأنه يود الحديث معي على إنفراد ، وبالفعل اصطحبني إلى صالة داخلية في منزله ، وما أن استقر بنا المقام حتى اقترب مني ، وقال بلهجة حاسمة : حبيب يجب أن تباشروا على الفور بناء التنظيم ، وعلى الفور ، كررها ثانية ، على الفور ، أجبته في محاولة لالتقاط الأنفاس : يا أستاذ هيكل ، ألست أنت صاحب نظرية أن الأعلام في العصر الحديث يغني عن التنظيم الحزبي ، لأن الأعلام يحقق الاتصال المباشر بين الزعيم ، والجماهير ، وخاصة في حالة علاقة جمال عبد الناصر بالجماهير ..؟

قال : لا ، أنا قلت ، أن قيام الإعلام بدور تحقيق الاتصال المباشر بين جمال عبد الناصر ، والجماهير يعيق ، وقد أعاق فعلاً بناء التنظيم السياسي القومي ، أما الآن فإن هناك ضرورة تاريخية لبناء التنظيم السياسي ، ولا بديل عنه .. وكان ذلك مدخلاً مناسباً كي أشرح للأستاذ هيكل هواجسي ، بأن الشباب الناصري في مصر ، ومن خلال لقاءاتي المتكررة في نوادي الفكر الناصري منشغل ، وقد يكون محقاً في ذلك بالأوضاع في مصر ، وأن الرأي السائد لدى الغالبية منهم ، هو ضرورة بناء تنظيم ناصري يهتم بهموم الناس في مصر ، المعاشية ، والحياتية أولاً ، ومن ثم الانطلاق إلى العمل القومي ، وتشعب الحديث ... ، إلى أن أكد لي في النهاية موقفه ، الذي كنت واثقاً منه ، وأنه لابد أن يصدر عن قامة عالية في تاريخنا العربي المعاصر كالأستاذ هيكل ، قال لي بحسم ، أنه مع بناء التنظيم على الصعيد القومي ، وأنه لن يتردد في بذل الجهد لذلك ، وهكذا غادرت ، وأنا أكثر احتراماً وتقديراً للرجل ، لكن ما أن اختليت مع نفسي حتى أحسست بحاجة إلى ساعات وربما أيام أقضيها معه ، لكن للأسف الشديد ، وبسبب ظروف قاهرة ، كان ذلك اللقاء هو اللقاء اليتيم ، حتى الآن ...

( 10 )

الآن ، وقد دخلنا أواخر خريف العمر ، أمد الله بعمرك يا أستاذ هيكل ، هل ستتيح لنا الأيام لقاء آخر .. أرجو ذلك ، لكن في زمن أرجو أن يكون مختلفاً عما نحن فيه ، في زمن تكون هذه الأمة قد تلمست طريقها للخروج من محنة طالت أكثر مما ينبغي ، وحتى يتحقق ذلك سنبقى على الموعد مع الأستاذ هيكل مساء كل خميس نستمع إليه ، ولعله يحس بأصواتنا ، وهواجسنا ، ولن ننسى يوماً ، أن له في أعناقنا ديناً لن نوفيه إياه ، وهو أنه ربما الوحيد الذي يمتلك من الوثائق ، والمعلومات ما يفيد الجيل العربي الجديد في تلمس طريق الخلاص .. والأهم من ذلك أنه يمتلك البوصلة ، ويضع ذلك كله في سياقه ... وما أحوج هذا الجيل العربي الجديد لاستيعاب التجارب المرة ، واستخلاص الدروس ، حتى لا يضل الطريق مرة أخرى ، وحتى يحصّن مواقعه من المتسللين ، والأدعياء .. وحتى يعرف في أية ساحة يقدمّ الشهداء للتحرير ، وليس للتخريب ، ويرى الصورة بشموليتها للوطن وللأمة ...وكل عام ، وأمة جمال عبد الناصر العربية تنادي :

"يا بلادي لا تنامي ، وادفعي الصف الأمامي"

دمشق 15/1/2010

حبيب عيسى

سليم حجار 01-27-2010 07:54

على بساط الثلاثاء 61
 
على بساط الثلاثاء

61

يكتبها : حبيب عيسى





من ...

" مقاومات "... الأمر الواقع

إلى ...

" مقاومة "... الأمة



















( 1 )

سنطرح للحوار على بساط هذا الثلاثاء قضية ، لطالما كانت المواقف منها حادة إلى حد التصادم ، ولطالما كان ذلك المصطلح " المقاومة " موضع تنازع بين أطراف عدة ، هناك من يدعيه لنفسه احتكاراً ، وهناك من ينفيه عن الآخر جملة ، وتفصيلاً ، وامتد الاختلاف حول هذه القضية حتى شمل التعريف ذاته ، فمن هو " المقاوم " في الوطن العربي ..؟ ، وما هي هويته ..؟ .

وللحديث حول هذه القضية مناسبته ، فاليوم هو اليوم الأول من عام /2010 / ميلادية ، وهو يصادف الذكرى الـ45 لميلاد أم المقاومات العربية المعاصرة ، وأبوها " فتح " التي ولدت بدورها من رحم مقاومات عربية طردت جيوش الاحتلال الأجنبي من المحيط الذي كان هادراً إلى الخليج الذي كان حالماً بالثورة ، تلك الجيوش الغازية التي خلفتّ وراءها دولاً كيانية على أشلاء أمة مقسمّة ، وفي القلب منها مستوطنات صهيونية تحمل جنسيات دول النظام العالمي الذي كان جديداً في حينه ، وكان هذا كله كافياً لتحفيز مخاض ولادة مشروع للنهوض القومي العربي التقدمي التحرري ، في خمسينات القرن المنصرم الذي استولد من رحمه مشروع المقاومة " فتح " في منتصف عقد الستينات من القرن ذاته .. بعد أن انصرفت قوى عربية أخرى إلى محاولات انقلابية ، وحركات سياسية متعددة..

قد ينسب البعض هذا الكلام إلى ما يسمونه اللغة الخشبة ، التي فات زمانها .. ، وقد لا يتوقف الجيل العربي الجديد عند هذا الخطاب ، ليس لأنه لم يعاصر تلك الأيام ، وحسب ، ولكن لأن النتائج كانت كارثية بالنسبة إليه ، من حيث الواقع المعاش ، هزائم ، وخيبات يكتوي بلهيبها حاضراً مريراً ، ومستقبلاً مجهولاً ... لكن قبل ذلك كله ، وبعده ، لأن الأمة العربية لم تتمكن بعد من استئناف مسيرة النهوض ، والتنوير ، ليس للخروج من المحنة ، وحسب ، ولكن لإنصاف أجيال من المقاومين العرب شهداء ، وأحياء لم يبخلوا بالدماء ، والأرواح ، وإن كان افتقاد البوصلة قد عبث بالدماء ، والأرواح ، وبالأحياء أيضاً ... وبالتالي فإن التشويه لم يعبث بالحاضر فقط ، وإنما تم العبث بالتاريخ ، وطغى السلب على الإيجاب إلى حد تغييبه تماماً في محاولة للتيئيس ، والاستلاب ، والإحباط ..

( 2 )

لسنا هنا في وارد التأريخ للمقاومة المعاصرة في الوطن العربي ، فهذا حديث ذو شجون ، جلّ ما نأمل فيه هو أن تتواضع المقاومات الراهنة في الوطن العربي ، وتقبل الدعوة إلى الحوار ، والكلمة السواء حتى لا تهدر دماء الشهداء التي سفكت ، وتلك التي تنتظر ، كما سفحت دماء الشهداء خلال العقود المنصرمة على أوراق اتفاقيات ، ومعاهدات ، وصفقات لا تستحق قطرة دم واحدة للمساومة عليها ، وإن كانت ستضيف تكاليف جديدة من الدماء الذكية للتخلص من آثارها المدمرة .

نحن هنا ، ومن موقع التصادق ، والهم المشترك نأمل أن تصل هذه الرسالة إلى كل من يعنهم الأمر ، للتداعي إلى الكلمة السواء تفادياً لتكرار أخطاء ، وخطايا مرت على رؤوسنا جميعاً ، ذلك أننا نرى أن أزمات المقاومات الراهنة ، أو ما تبقى منها تكاد تكون تكراراً لأزمات أدت بالمقاومات السابقة عليها إلى ما أدت إليه ، والخطاب التبريري الراهن ، يكاد يكون هو ذاته ... !

إن العودة لذكرى ، وتداعيات ميلاد " فتح " لها ما يبررها هذه الأيام ، ذلك أن فهم ما يجري داخل " المقاومات الراهنة " في الوطن العربي ، وحولها يتوقف على فهم جذر المشكلات التي رافقت ولادة " فتح " ، وما تلاها من " مقاومات " حتى الآن .

لقد كان إعلان ميلاد " فتح " في اليوم الأول من عام 1965 حدثاً عربياً بامتياز ، ذلك أن المقاومة العربية في فلسطين التي شارك فيها مغاربة الوطن ومشرقييه عبر رموز لا مجال لحصرها الآن دخلت فلسطين لمقاومة الغزو الصهيوني من عز الدين القسام ، إلى فوزي القاوقجي ، إلى عزيز علي المصري ، إلى مجموعات فدائية تحت مسميات مختلفة من كتاب الفداء العربي ، إلى جيش الإنقاذ ، وإلى آخرهم ، أولئك الفدائيين العرب تفاعلوا مع المقاومين على أرض الواقع العربي في فلسطين عبر رموز فدائية لا يمكن حصرها أيضاً من أمين الحسيني وإلى قائمة طويلة من الفدائيين ، تلك المقاومة العربية على تنوعها ، والتي أشهرت السلاح في النصف الأول من القرن العشرين ، تم سحب البساط من تحت أقدامها ليس على يد الصهاينة ، وإنما على يد النظام الإقليمي العربي الذي أنتجته معاهدات سايكس بيكو ، وسان ريمو ، ومالطا ، ويالطا وإلى آخرها ، حيث دخلت تلك الجيوش "العربية" لترسم حدود ما عرف بعد ذلك بـ " دولة إسرائيل " .

ميلاد " فتح " عام 1965 بالنسبة لمشروع التحرير ، والنهوض العربي كان يعني استعادة للراية من أياد تلوثت بالصفقات ، والمساومات ، والخيانات ، والعجز .. ، وكان المعيار الذي سيحكم على تلك الخطوة نجاحاً ، أو فشلاً يتمثل في موقع الراية ، وهويتها ، وليس بمجرد انتزاعها .

( 3 )

لم تمهل الأحداث "حركة فتح" طويلاً ، فبعد عامين ونصف على إعلان ميلادها حدث زلزال الخامس من حزيران " يونيه " 1967 حيث تأكد المؤكد ، بهزيمة جيوش النظام الإقليمي العربي ، هزيمة مذلة ، وبالتالي فإن الأنظار العربية اتجهت نهائياً إلى المقاومة علهّا تبلسّم الكرامة العربية المجروحة ، وتنافس الجميع على تلك الساحة ، فلم تعد " فتح " وحيدة ، وبدأ التنافس داخل ساحة المقاومة ، وعليها ، حركة القوميين العرب أفرزت الجبهة الشعبية التي توالدت جبهة ديمقراطية وجبهة فلسطينية ، وقيادة عامة , و... ، وحزب البعث العربي الاشتراكي أفرز الصاعقة من دمشق ، وجبهة التحرير العربية من بغداد ، وهكذا ... , ومنظمات أخرى حملت هويات ناصرية ، وهويات شتى ...، ومنظمة تحرير فلسطين تم أقملتها إلى "منظمة التحرير الفلسطينية" .

ما يعنينا ، هنا ، أن المشهد في أواخر الستينات من القرن المنصرم يكاد يكون متطابقاً مع المشهد الحالي مع تغير الأسماء ، مقاومين ، وداعمين ، ومناهضين ، كان الحوار داخل المقاومة ، ومن حولها يدور حول هوية المقاومة ، هل هي عربية ، أم فلسطينية ؟ أم فلسطينية في إطار عربي ، أو غير عربي ، ثم ما هو موقع المقاومة ، وما هو الموقف منها ؟ هل يجب أن نساهم في تحديد هويتها ، ومسارها ..؟ ، أم هل يجب أن نلتحق بها ، كما هي ؟ وكانت التبريرات للمواقف الإقليمية جاهزة ، فالصهاينة يسعون للقضاء على "الهوية الفلسطينية" ، وبالتالي "فلسطنة" المقاومة مبررة ، وهذا يروق للأنظمة "العربية" التي تريد أن تلعب بالمقاومة كورقة ، وبالتالي فإن السعي إلى "القرار الفلسطيني المستقل" مبرر ، طالما أن الأنظمة العربية وافقت جميعها على عملية السلام مع "إسرائيل" ، وهذا يبرر أن تنخرط " المقاومة " في تلك العملية ، وأن لا تترك " عملية السلام " تجري من وراء ظهرها ...، وبما أن المقاومة لا يمكن أن تقوم إلا بالاستناد على تحالفات تمدها بالمال ، والسلاح ، فإن هذا يبرر لها تحالفات مع قوى ، وأنظمة تضطهد ، وتستبد بالشعب العربي ، ولو كانت تسعى للتسوية مع " إسرائيل " ..، وهكذا انحدر الخط التنازلي لمطالب المقاومة من تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، إلى "دولة ديمقراطية تضم الإسرائيليين والفلسطينيين " ، ثم إلى " سلطة " في الضفة وغزة إلى جانب "دولة إسرائيل" ، ثم إلى دولة في غزة ..والمناقصة مازالت مستمرة ...

لقد اختلفت المواقف في حينه ، هناك من قرر الالتحاق " بالمقاومة " كما هي ، وكان له مبرراته ، فالمعركة مع الصهيونية دائرة ، ولا تحتمل التفلسف ، والتنظير ، وهناك فريق آخر رأى أن " المقاومة " تتجه إلى الطريق المسدود ، وبالتالي فإن من الملح إنقاذ " المقاومة " من نفسها ، قبل فوات الأوان ، وكان لهذا الفريق مبرراته أيضاً .

دعونا هنا نقرأ بإمعان هذه الفقرة من رسالة وجهها عصمت سيف الدولة إلى الشباب العربي بعد مرور عامين على الخامس من حزيران " يونيه "1967 قال :

" أيها الشباب العربي لا تهربوا من مسؤولياتكم ... إن القادرين على النصر مسؤولون عن الهزيمة ، فأنتم المسؤولون ، وأن تخذلوا أمتكم بدلاً من أن تنصروها ، فلن يجديكم شيئاً أن تتهموا العاجزين عن النصر ، أو المخربين ، إنكم لستم أول أمة خاضت معارك التحرير ، إن وحدة العدو ، ووحدة الساحة ، ووحدة المرحلة تفرض عليكم أن تكونوا جبهة واحدة مع كل الذين يقاتلون ، والذين يقاتلون فعلاً فئتان مفرزتان عقيدة ، وغاية ، فلا تختلطان ، انتم القوى القومية التي تخوض في الأرض المحتلة معركة التحرر العربي في سبيل الوحدة ، والقوى الإقليمية التي تخوض المعركة من أجل إزالة آثار العدوان ، أو من أجل تحرير فلسطين ، ثم لا يزيدون ، أولئك حلفاء المرحلة رضيتم ، أم أبيتم ، وإن أبيتم فإنكم لا تخذلون سوى أمتكم ، ولا تعزلون سوى قوتكم ، ولن تجديكم عزلتكم فتيلاً ، والحلف غير الوحدة فلا يجديكم في المعركة شيئاً أن تطلبوا وحدة المقاومة مضموناً ، وتنظيماً ، تلك وحدة تنطوي على أسباب الفرقة ، فلم تلبث حتى تمزق الصفوف كرة أخرى ، إنما هي الجبهة العربية الموحدة ، بين القوى القومية ، والقوى الفلسطينية المقاتلة ، كذلك فعل كل الذين أحرزوا من قبلكم النصر في معارك التحرير ..."

هكذا ناشد عصمت سيف الدولة الشباب القومي العربي أن ينخرط في المعركة ، وأن لا ينتظر قيام التنظيم القومي ، بل ، ومن خلال التحام القوميين العرب المقاتلين في المقاومة ، يتم تشكيل في كل مكان من الوطن العربي " كتائب الأنصار " ، لتكون القواعد الجماهيرية العربية حاضنة للمقاومة تحمي ظهرها ، وتؤمن في البداية ، ودائماً ، وحتى النهاية سمتها القومية ، وتكون المقاومة العربية هي القبضة الضاربة لتلك الجماهير ، وليكن شعار المرحلة : التنظيم من أجل التحرير ، والتحرير من أجل الوحدة .

لقد أراد عصمت سيف الدولة من ذلك أن تمول المقاومة العربية نفسها ذاتياً من خلال قاعدتها الجماهيرية بشرياً ، ومادياً ، وذلك لحل مشكلة الإرتهان لأي قرار إقليمي ، أو دولي ، ذلك أنه كان قد شخص الواقع في ساحة المقاومة كما يلي :

" في الساحة منظمات تابعة لبعض الدول الإقليمية حيث امتدت أصابع الدول الإقليمية في شكل منظمات ترتدي ملابس الفدائيين على أجساد الموظفين ، والموظفون ملتزمون بأن يقولوا ، ويفعلوا ، أو أن يكفوا عن القول ، والفعل طبقاً لما تقرر حكوماتهم ، أليس غريباً أن دولاً لها حكومات ، وجيوش ، وقادة ، وأموال ولها جبهات مشتركة مع العدو ، أو أن الجبهات المشتركة مفتوحة لها إن أرادت تستغل إخلاص بعض الشباب المناضلين ، وحاجتهم إل ما عندها من مال وسلاح لتفرض عليهم أن يكونوا ممثلين لها في ساحة النضال الجماهيري المسلح في الوقت الذي تعفي قواتها المسلحة من عناء القتال ، ويحتفظ البعض بها " شرطة " لحراسة مقاعد الحكم ؟ ، قد يسأل البعض وما الضرر ما دامنت الحصيلة أن شباباً قد وجدوا عدة القتال في الساحة ؟ ، الضرر أن هؤلاء الشباب سيجدون أنفسهم أرادوا أو لم يريدوا منفذين إرادة الدول التي ربطتهم إليها بالمال ، والعتاد ، وتولت قيادتهم من بعيد عن ساحة المعركة ، الضرر أنهم سوف يضربون متى أرادت ، ويكفون عن القتال متى شاءت ، سواء اقتضت ظروف المعركة هذا ، أم لم تقتضيه ، الضرر أن فصائل من الشباب المناضلين سيتحركون في ساحة القتال الخطير في مسالك ترسمها لهم الدول الإقليمية فإذا هم فصائل متعارضة ، متناقضة ، متصادمة ، وإذا بالتجزئة الإقليمية التي فتكت بوحدة الجماهير العربية تنتقل بكل سلبياتها المخربة إلى صفوف المقاومة لتفتتك بوحدة المقاتلين .." ، "6 حزيران " يونيه " 1969".

( 4 )

بعد عام من تلك الرسالة التي وجهها عصمت سيف الدولة إلى الشباب العربي للالتحام بالمقاومة ، لكن في إطار المشروع القومي العربي التقدمي ، أصدر مفكر عربي آخر هو ناجي علوش كتاباً تحت عنوان " الثورة الفلسطينية أبعادها وقضاياها " صدر ضمن "سلسلة المفكر العربي عن دار الطليعة في بيروت" وجه فيه انتقاداً حاداً لما قاله عصمت سيف الدولة .

قال ناجي علوش : ( إذا كان الدكتور عصمت سيف الدولة يطرح فكرة " كتائب أنصار المعركة " فلا شك بأن تطور المعركة مع الصهيونية سيدفع قطاعات أوسع فأوسع من الجماهير العربية لدخول المعركة من أبوابها المختلفة ... ) ، وأضاف السيد علوش : ( إن الثورة الفلسطينية لم تحدد برنامجها القومي حتى الآن ، كتابة .. إن هذا القصور ليس ناتجاً عن أن الثورة الفلسطينية ، إقليمية ، ولكنه ناتج عن أن بين الثورة الفلسطينية والجماهير العربية حواجز ، وسدوداً ، لم يكن بإمكانها أن تجتازها مرة واحدة ، ولا في سنة واحدة ، ولكن الثورة الفلسطينية تتخطى هذه الحواجز والسدود واحداً ، فواحداً .. وما أظن الوقت الذي تعلن فيه برنامجها القومي بعيداً ، هل يدرك المثقفون العرب هذه الحقيقة ؟ .. إن الكثيرين منهم مازالوا يرفضون إدراكها لا ، لأنهم يواجهون مشكلة معقدة ، ولكن ، لأنهم يناقشون القضايا مناقشة سطحية ، وسفسطائية ، ويطلقون الأحكام جزافاً .. إن الفرق بين الدكتور عصمت سيف الدولة مثلاً ، وبين رؤوف نظمي ، وكلاهما مثقف ، وكلاهما من الجمهورية العربية المتحدة ، هو أن الدكتور رؤوف نظمي انضم إلى قواعد المقاتلين ليخدمهم بكل ما يملك ، وليساعد الثورة على البقاء ، والنمو ، والتقدم ، وهو من داخل صفوف الثورة ينتقد ، ويوجه ، ولكنه يعرف أن مهمته الأساسية هي أن يساهم في تثبيت وجود الثورة ، وتنميتها ، وتطويرها ...أما الدكتور عصمت سيف الدولة فقد اختار أن يبدأ من خارج الثورة لماذا ؟ لأن الثورة إقليمية ، وهو قومي ، والقومي لا يساهم في ثورة إقليمية على الرغم من أنه يعترف بأن الثورة الإقليمية هي وحدها التي ستخلص لقضية التحرير حتى النهاية ، ومع ذلك فهو يعلن للجمهور واثقاً ، ومؤكداً ، بأن المقاومة الإقليمية لن تنتصر ، لأن الذي سينتصر هو نفيها ، أو نقيضها القومي ، ويلذ للدكتور عصمت سيف الدولة أن يؤكد على الصفة الإقليمية للثورة الفلسطينية ، لأنه قومي ، والقومي بالطبع ضد الإقليمية ، ولكنه يعلم ان التركيز على الإقليمية صفة للثورة ، والتركيز على نقدها ، لا يخدم الثورة حتى لو ارتبط بالتأكيد على دعمها ، لأن التأكيد على الإقليمية صفة للثورة لا يطرح قضية تطويرها ، بل يطرح قضية إيجاد بديل قومي لها .. ولقد وقع الدكتور عصمت سيف الدولة في الشرك ... نسي عصمت سيف الدولة أن القوى المضادة التي تريد أن تطعن الثورة يهمها ان تطعنها في المقاتل لتشوهها ، في نظر جماهيرها .. ) ،( حزيران – يونيه 1970 ) .

( 5 )

لن أعلق بكلمة واحدة على ما قاله عصمت سيف الدولة ، ولا على الردود التي جاءت على لسان ناجي علوش ، ولكنني أردت من هذا العرض الموجز لموقف رجلين لاشك في إخلاصهما لفكرة المقاومة ، ولفكرة القومية العربية ، معاً ، كل من منهجه ، أن يطل الجيل العربي الجديد على تلك المرحلة التاريخية من الواقع المعاش هذه الأيام ، هل المقاومات الراهنة في الواقع العربي تتعّزز ، وتقوى ، وتتطور ، بالحوار ، والنقد ، وتصحيح المسار ، أم بالالتحاق بها ، واعتبار أي نقد لها يخدم القوى المعادية ، والصهيونية ، والإمبريالية ...؟ ، سأترك الجواب للأخ "أبو إبراهيم" الأستاذ ناجي علوش ذاته ، الذي أعاد طبع الكتاب ذاته " الثورة الفلسطينية أبعادها وقضاياها " في "طبعة ثانية" ، وكتب هو ذاته مقدمة "الطبعة الثانية" التي صدرت في أيلول – سبتمبر 1978 ، أي بعد ثمانية سنوات فقط من "الطبعة الأولى" ، كان خلالها ناجي علوش يكتوي بنيران التجربة المرة من داخل الثورة الفلسطينية ، في الوقت الذي كان فيه عصمت سيف الدولة يواصل رفع الصوت للمقاومة الفلسطينية ، ويحذرهم : " أنتم تتقدمون ، ولكن على الطريق المسدود " ويكتوي في الوقت ذاته بنيران الإقليمية ليس في فلسطين ، وحسب ، وإنما في مصر أيضاً ... فماذا قال الأستاذ ناجي علوش في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه المشار إليه ...؟ ، قال ، وبالحرف الواحد مراجعاً نفسه ، وهو من القلائل الذين امتلكوا الشجاعة ليقول كلمة الحق ، ولو كانت على نفسه ، قال ناجي علوش ، بالحرف : (إن هناك قضايا عدة جاءت في هذا الكتاب "الطبعة الأولى" ، وهي بحاجة إلى بحث ، ومناقشة ، من هذه القضايا ما يتعلق بالمصطلحات ، والمفاهيم ، ومنها ما يتعلق بالتحليل ، والمواقف ، وسأورد هنا بعضها ... رؤوف نظمي ، وعصمت سيف الدولة ... كنت قد أقمت مقارنة بين رؤوف نظمي ، وعصمت سيف الدولة الأول ماركسي جاء ، وانضم إلى صفوف الثورة ، والثاني اتهم الثورة بالإقليمية وطالب بتكوين كتائب عربية تعطي الثورة قوميتها ، اعتبرت موقف الأول صحيحاً ، والثاني سلبياً ، ولقد أثبتت الأحداث ، أن رؤوف نظمي الماركسي ، الممارس جاء لخدمة اليمين الفلسطيني ، اعطى الأولوية المطلقة للممارسة ، على النظرية ، ووضع القوانين النظرية الثورية في خدمته ... ، أما عصمت سيف الدولة ، فقد ظل يدافع عن أفكاره عن الثورة العربية ، والوحدة ، والديمقراطية ، ولم ينظرّ للسادات أو للنظام السعودي ، إن هذه التجربة تعلمّنا أن الممارسة وحدها لا تكفي وأن الممارسة الفردية التي لا يحكمها منهج ، ولا برنامج لا تؤدي إلى شيء ، وأن .... " الأفاقين الثوريين " يلعبون أدوراً تخريبية ، أما بالنسبة لفكرة عصمت سيف الدولة ، فقد كنت أنا من مؤيديها ، وطرحتها في مجلة " الثورة الفلسطينية " أوائل سنة 1969 كما طرحت بديلاً لها في كتابي هذا .. قلت : إن المشاركة العربية الفعالة ، والمنظمة ، هي التي تحول الثورة الفلسطينية إلى ثورة عربية ، وذكرت العوامل التي تحكم ذلك ... ، لقد قسوت على عصمت سيف الدولة آنذاك ، لأنني أردت أن يكون المناضلون إيجابيين ، وأن ينغمسوا في المعركة ، ولذلك أبرزت دور رؤوف نظمي ، وقد سقط رؤوف نظمي ، فيما بعد .. ولكن الفكرة التي أردت إعطاءها آنذاك مازالت قائمة ، وهي عندما تتحرك الجماهير ، هل ننغمس في نضالها ، أو نجلس منظرين لثورة مثالية ؟ ، هذه هي القضية ، أنا مع الانغماس في الثورة ، والتفكير داخلها ، وقد يدخلها أفاقون ، وسقط ، وحتى جواسيس لن يلبثوا أن ينكشفوا ...) "أيلول – سبتمبر 1978" .

( 6 )

في العام ذاته 1978 سرّب "برونو كرايسكي" مستشار النمسا ، أن بلاده تقوم بدور الوسيط بين " دولة إسرائيل " ، و"منظمة التحرير الفلسطينية" ، وأن الأخ أبو عمار أكد له أن منظمة التحرير الفلسطينية على استعداد للاعتراف " بدولة اسرائيل " مقابل " عملية سلام " تؤدي إلى " دولة فلسطينية " إلى جانب " دولة اسرائيل " .

كان الخبر في حينه صاعقاً ، ويصعب تصديقه ، حضر الدكتور عصمت سيف الدولة إلى دمشق ، حيث اصطحبه الأخ هاني الحسن ( أبو طارق ) إلى بيروت ، اجتمع مع قيادة المنظمة برئاسة أبو عمار ، وقد تعمّد الدكتور عصمت سيف الدولة أن يكون الحوار مع أبو عمار بحضور جميع " الأبوات " الذين ذهب أغلبهم شهداء ، الآن .. قال عصمت سيف الدولة : هل صحيح ياأبو عمار أنك ستعترف " بدولة إسرائيل " تحت أي ظرف ، أو مبرر .

قال : لا .. يا أخ "أبو محمد" لن يحصل هذا ، أبداً .

- إذاً ، ما هذا الذي قاله كرايسكي .. ؟

* كذب ... ، يا "أبو فلان" ... أنزل إلى الأرشيف ، وأحضر للأخ أبو محمد التكذيب الذي نشرناه في الصحيفة ذاتها التي نشرت تصريح كرايسكي .

في المساء عاد الدكتور عصمت سيف الدولة إلى دمشق ، قلت ، ما الأخبار ؟ قال لي : عدت بهذا ، ودفع إلي ورقة في وسطها خبر صغير يتضمن ، أن مصدر رسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية نفى ما جاء على لسان برونو كرايسكي ، لم ننام يومها ، فقد كان من المؤكد بالنسبة إلينا أن " المنظمة " ستضطر لذلك حصاراً ، أو إرغاماً ، أو عجزاً ، لأن النظام الإقليمي العربي الذي أقام " دولة إسرائيل " أولاً يريد أن يشهر علاقته بها أخيراً .. وأن يلقي عن كاهله مسؤولية القضية الفلسطينية ، فطالما أن "منظمة التحرير الفلسطينية" تسعى إلى الحصول على "القرار الفلسطيني المستقل" ، فإن النظام الإقليمي "العربي" ، يريد أخيراً أن يمنحها هذا الشرف ، " بالقرار المستقل " ، لتعترف " بدولة إسرائيل " ، أولاً ، حتى يكون اعترافه بها بعد ذلك ، تحصيل حاصل ...

( 7 )

عام 1982 كان عاماً حاسماً ، فقد دخلت "إسرائيل" بيروت ، وكانت فرصة تاريخية ذلك ان "إسرائيل" لم تدخل لبنان " الدولة " فقط ، وإنما بات "الجيش الإسرائيلي" بين يدي المقاومة اللبنانية ، والمقاومة الفلسطينية ، والآلاف من الشباب العربي من كافة الأقطار الذين التحقوا بالمقاومات الفلسطينية ، واللبنانية في حينه ، وكان الحلم ، أن ذلك سيفرض ، أن تنتقل المقاومة من مرحلتها الفلسطينية ، واللبنانية ، إلى مرحلتها العربية ، لكن الواقع الموضوعي في الأمة العربية ، والواقع الذاتي للمقاومات ، كان أبعد ما يكون عن اقتناص الفرص التاريخية ، فقد كان المشروع القومي العربي الهضوي التنويري التحرري ينحدر بتسارع مخيف إلى الكارثة بفعل تفتت بنيته ، وفقدان السمت الصحيح إلى الأهداف الكبيرة التي أكسبته الشعبية الكاسحة ، أولاً ، أما المقاومات ، لبنانية ، وفلسطينية فقد كانت تعاني من انعكاس ذلك الواقع الموضوعي على حركتها ، وبالتالي فهي محاصرة من الجهات الثلاث ، الواقع العربي الموضوعي المتردي ، والأزمات الذاتية ، والعدو الصهيوني ، الذي يدق أبواب بيروت .. وكانت النتيجة أن ألقي بالمقاومة الفلسطينية ، ومن التحق بها من العرب ، إلى البحر ، وقد توزعت على ثلاث قوافل بحرية ، الأولى باتجاه تونس ، والثانية باتجاه طرطوس ، والثالثة باتجاه الحديّدة .. ورغم انه قيل يومها أن الذين تم إلقائهم في البحر ، هم المقاومين الفلسطينيين ، أو من تبقى منهم ، فإن تلك اللحظة المأساوية شهدت أن جميع أولئك العرب الذين كانوا قد التحقوا بالمقاومة في لبنان كان عليهم أن يخوضوا البحر مع القوى التي كانوا قد التحقوا بها على البر اللبناني .

ترتب على ذلك مواقف ، ومسارات أدت إلى ما أدت إليه ، فيما بعد ، نتوقف عند بعض المحطات .

أولاً – على صعيد ما تبقى من المقاومين في لبنان ، كان عليهم أن يواجهوا مصيرهم ، "بعد أن غادر الحلفاء" ، بمواجهة الجيش الصهيوني الذي اقتحم عاصمتهم ، وبالفعل بدأت بوادر مقاومات فردية ، أولاً ، ثم توسعت ... شارك فيها مقاومون من مختلف الطوائف ، والمذاهب ، ثم ، ومن قوى سياسية مختلفة ، أجبرت العدو الصهيوني على إعادة الحساب ، ووضع الخطط للهروب من الشعب العربي في لبنان ، المتحرر من قيود أجهزة دولة إقليمية ، تقيّد حركته ، وتمنع مقاومته ، لكن الفراغ الذي خلفهّ انحسار المشروع القومي العربي ، التحرري ، وانهيار البني الحزبية للأحزاب السياسية في لبنان ، إضافة إلى الوضع الإقليمي العربي ، وغير العربي ، المحيط ، ترافق مع انتعاش قوى طائفية ، ومذهبية ، ودينية ، لسد الفراغ .. وأنتج ، فيما بعد ، ما أطلقنا عليه " مقاومات الأمر الواقع " ، فعوضاً من انتقال المقاومة إلى المرحلة القومية العربية ، انتكست إلى مرحلة مادون الإقليمية ....

ثانياً – على صعيد المقاومات الفلسطينية تداعت إلى مجلس وطني في الجزائر للإجابة على السؤال : هل تعترف منظمة التحرير الفلسطينية "بإسرائيل" ..؟ ، أم آن الأوان للتخلص من الأساليب الإقليمية الفاشلة ..؟ ، وكان الخيار الأول أكثر واقعية بالنسبة للبعض تحت إدعاء أنه لا بدائل في واقع عربي مترد ، وظروف دولية معقدة ... وكان السؤال عن البديل يطرح بصيغة تعجيزية ، وكأنه لا بديل ..!! فتوجه عصمت سيف الدولة إلى المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر ، وطرح عليهم "البديل" ، ودعاهم للحوار قال لهم : ( نعم ، هناك بديل ، لابد أن تكون معارك بيروت قد أقنعت منظمة التحرير الفلسطينية بجدواه بعد تردد طويل ) مذكراً بما كان قد كتبه للمنظمة في كانون الثاني – يناير 1975 عندما قال : ( إن الثورة الفلسطينية قد اقتربت – وهي تتقدم – من نهاية المطاف ، وعليها أن تتمرد على ذاتها لتكون قابلة للالتحام العضوي مع القوى القومية التقدمية إيذاناً بمولد الثورة العربية ) ، وأضاف : (بكل الإخلاص الصادق الذي لا نملك غيره – الآن – نقول أن مرحلة " الثورة الفلسطينية " قد أوشكت على نهايتها ، وحققت أقصى ما تسمح به طاقتها ، وظروفها الإقليمية ، وعليها أن تعّد نفسها من الآن ، لتكون جزءاً عضوياً من متطلبات المرحلة المقبلة : الثورة العربية .. إن مسؤولية هذا الميلاد التاريخي لا تقع على الثورة الفلسطينية وحدها ، وإن كانت تتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية عنه ، اما باقي المسؤولية فيقع على أولئك الذين يطيب لنا الحديث عنهم تحت عنوان "القوى القومية التقدمية" .. فإن كانت الإقليمية داخل المقاومة الفلسطينية ، وخارجها قد حالت دون ان تتطور الثورة الفلسطينية ، إلى ثورة عربية بإقامة حواجز بينها ، وبين الجماهير العربية العريضة .. فها هي معارك بيروت قد ألقت بالثورة الفلسطينية في محيط الجماهير العربية بعيداً عن الحصر الإقليمي .. هاهي قد أعادتها عنوة إلى رحم أمتها العربية ، لتولد من جديد ، ثورة عربية ، وهي قادرة الآن على أن تتطهر من جراثيم الإقليمية داخلها ، وهوام الإقليمية خارجها ، وهذا بديل ، أكثر البدائل حسماً في معركة تحرير فلسطين ..."

فانقسم المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتقاتل المنتفضين مع المنتفض عليهم ... وانتهى الأمر إلى مدريد ، ثم أوسلو ، ثم...

ثالثاً – القافلة البحرية من المقاومين ، والتي نزلت ميناء طرطوس حملت معها العديد من الأخوة ، والأصدقاء ، والمناضلين العرب ، الذين كانوا قد التحقوا بالمقاومة ، وانخرطوا في صفوفها ... منهم من غادر على الفور ، ومنهم من استقر لفترة زمنية ... أحد هؤلاء الأخوة من "الإقليم الجنوبي" ، اتصل بي في منتصف ليلة باردة من أواخر عام 1982 ، وقال أنه مضطر للقاء بي ، في الحال ، وأغلق الهاتف .. بعد برهة قصيرة ، كان على باب البيت ، وبرفقته ثلاثة من الشباب يرتدون ثياباً سوداء ، ويطلقون لحى كثيفة ، وبينما كنت أمد يدي للترحيب بهم ، كان صديقي يعرفني بهم : الأخ أبو حسين ، الأخ أبو الباقر ، الأخ أبو رضوان ..

أكمل صديقي التعريف ، بعد أن جلسنا ، قال : أن الشباب كانوا رفاق نضال له ،عندما كان في بيروت ، وكانوا معاً في فصيل ، من فصائل الحركة الوطنية في لبنان ، وأن الشباب حضروا من لبنان ، للقاء بي ، فبادر واحد من الشباب إلى الحديث قائلاً : إننا نعرفك من خلال كتابك " السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي " ونتفق مع الكثير من الأفكار الواردة فيه ، وأننا بعد خروج " المقاومة الفلسطينية " قررنا تشكيل مقاومة مركزها جنوب لبنان ، لطرد العد الصهيوني ، وأن لدينا رغبة ، وحاجة أن تكون بيننا ، وأننا حضرنا فعلاً لاصطحابك .. ، ونرجو أن لاتخيّب أملنا ....

كان الجو ثقيلاً ، ورائحة الدماء من مجاذر صبرا وشاتيلا تعبق في سمائنا ، وتلك الدعوة التي يحملها هؤلاء الفدائيين قد تكون مخرجاً من الأزمة الذاتية ، على الأقل ، والداعون إليها يبدون في منتهى الجدية ، والمصداقية .. ودار حوار طويل ، لا تتسع له هذه العجالة ، كان لابد من الاستفسار ، من قبلي ، وكانت المصارحة من قبلهم بدون تحفظ ، فالمقاومة الوليدة هي " حزب الله " والظروف الموضوعية تقتضي تركيبة معينة ، تحددها الطبيعة الديموغرافية في جنوب لبنان ، والحاجة إلى المدد بالمال ، والسلاح تحتمّ علاقات بعينها مع . .. ، وأن العدو الصهيوني في البيت ، ومواجهته لا تحتمل التأجيل ، والتنظير ..

كان لابد أن يكون جوابي بذات الصراحة ، والتصادق ، باختصار شديد شرحت وجهة نظري ، وقدمت للأخوة قراءة عن التجارب المرة مع المقاومة لتحرير فلسطين ، وكيف فتكت جرثومة الإقليمية بنا ، وبالمقاومة معاً .. وأنني أرى أنه قد آن الأوان للانتقال إلى المقاومة العربية ، وليس الانحدار إلى ما هو أدنى من الإقليمية ، إلى المذهبية ، كنت اتمنى أن أرى بينكم عمر ، وجورج ، ومعروف . على الأقل .. خاصة وأن العدو الصهيوني لا يستثني بيتاً واحداً في لبنان من العدوان عليه ، وأن المقاومين ، والشهداء يتسابقون لمواجهته ، الآن ، من سائر فئات الشعب ، وطوائفه ، ومذاهبه ، فلماذا تريدون حصر المقاومة ، وحصارها في مذهب معين ؟؟ ... إنني أشكركم على ثقتكم ، وأتشرف بهذه الدعوة .. لكن الأسباب ذاتها التي ابتعدت بالمقاومة الفلسطينية عن حاضنتها القومية العربية ، وجعلت منها هدفاً سهلاً للعدو .. أراها ، للأسف ، ترافق ولادة ما تدعون إليه ، لهذا فإني أرجوكم إعادة النظر ، لبناء مقاومة ، هويتها ، هي بالذات هوية الأمة العربية ، عند ذلك ، وعند ذلك فقط ، سنكون معاً ، وسأكون على استعداد لمرافقتكم على الفور ... تشعب الحديث ، وطال ، وكان الواقع المتردي يمد الأخوة بالكثير من الحجج ، والأدلة على ما يعتقدونه من صوابية موقفهم .. ، واستمر الحوار إلى أن أنطلق آذان الفجر .. فنهض الشباب للصلاة .. وغادروا على أمل العودة لاستكمال الحوار ... لكن تلك العودة ، للأسف ، لم تتم ..!!!

( 8 )

رابعاًً : بتاريخ 14 كانون الأول – ديسمبر 1992 انعقد في بيروت المؤتمر العالمي الرابع لدعم " الانتفاضة الإسلامية في فلسطين " ، ورغم أن الانتفاضة حينها كانت شاملة عرب فلسطين بتوجهاتهم السياسية ، وأديانهم ، وبالتالي لا مبرر لحصر تسميتها بتيار إسلامي معين ، فإنني لبيّت الدعوة ، وكان حضور حزب الله ، وحماس طاغياً ، يومها ، للمرة الأولى التقيت بالأخ حسن نصر الله ، وأهديته كتابي " الدولة القومية شرعية الأسا س مشروعية التأسيس " ، وكان الإهداء لمقاوم عربي ... ، وقد استمعت من عمائم متنوعة من حيث الألوان ، والتشكيل ، إلى نعي للتيار القومي العربي ، وتردد التساؤل أكثر من مرة : أين هم أولئك القوميون العرب ؟ يومها قدمت مداخلة ، قلت فيها : ( إن الذين يتنادون لدعم الانتفاضة في فلسطين يجدون أنفسهم لو تبصروا واقعهم أنهم أولى بالدعم ليرتقوا إلى مستوى الانتفاضة في فلسطين ، أو إلى مستوى قريب منها ، فيتنكبّون مسؤولياتهم التاريخية لتوسيع دائرة الانتفاضة كي تشمل وطن العرب بأكمله ، بل وأوطان الشعوب المقهورة في هذا العالم أيضاً ، ويحاصروا مراكز العدو ، وقواعده ، واحتكاراته ، ومصالحه فبذلك ، وبذلك فقط يتم فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين .. إن القاعدة الصهيونية في فلسطين ليست إلا قاعدة إنذار مبكر لقوى الهيمنة الدولية في قلب الوطن العربي مهمتها الأساسية صيانة ، وتقديم قطع الغيار لتلك الكيانات الإقليمية التي تحتل أرض الوطن العربي ، وتزرع الاستبداد ، والتعسف ، والطغيان في كل مكان ، وتؤمّن لقوى الهيمنة الدولية طرق النهب ، والاستهلاك بالطرق المناسبة من جهة ، وتسهر على شل مقدرة الأمة العربية من جهة أخرى لأن السيطرة على الوطن العربي تعني أن ما يليه شرقاً في آسيا ، وما يليه جنوباً في أفريقيا أصبح تحت السيطرة ، والتحكم ... لقد كان أولى بتلك الحجارة التي تدمي رؤوس العدو الصهيوني في فلسطين أن تحّفذ عقولنا ، وإراداتنا لإبداع أساليب ، وتحرير إمكانيات ، وتحريك أدوات قادرة على تهديد مباشر ، لقواعد ، ومراكز ، وقوى دول الهيمنة الاستعمارية المنتشرة في الوطن العربي ، ليس بهدف فك الحصار عن الانتفاضة في فلسطين ، ولكن لفك الحصار عن إرادتنا ...، لقد كان الاجتهاد في الإسلام عامل تطور ، وتقدم ، وتعامل حي مع الظروف البشرية المتغيرة ، تحّمل عن طريقة أجدادنا الأوائل مهام حمل الرسالة ، والإجابة على الأسئلة المستحدثة ، والإشكالات المتجددة ، بعد انقطاع الوحي ، ووفاة خاتم النبيين ، لكن الفتنة ، وما تبعها ، وما ترتب عليها ، من ظلم ، وجور ، واستبداد ، واقتتال ، وتفرقة ، وفتك ، وخوف حتى أضحت الكلمة تساوي الحياة ذاتها ، تلك الفتنة ، وضعت حدوداً فاصلة بين أصحاب تلك المذاهب ، فتعمق الافتراق ، والاغتراب ، وتحّول حملة بعض تلك المذاهب إلى جماعات خائفة ، أو مخيفة ، قاتلة ، أو مقتولة ، وأدى هذا بدوره إلى الثأر ، والثأر المضاد ..ولست أنا الآن ، هنا ، بصدد البحث عن الحق والباطل في كل ما جرى ، فالحق بيّن ، والباطل كذلك ، وعلى الحق أناس من المذاهب كافة ، ومع الباطل كذلك .. ، البحث هنا محصور ، بنتائج تلك الفتنة ، فقد سالت دماء غزيرة .. وقد ترتب على ذلك كله خطاب قطعي حاسم ، كل طرف ينسب إلى نفسه الإسلام ، ويحجز الجنة لصالحه ، بحيث لا مكان للآخرين فيها .. لقد مر على الفتنة حوالي ألف وأربعمائة عام ، وأدت إلى الكوارث التي تعرفون ، وتعيشون ، فهل خطر ببال أحد منكم أن يضع حداً حاسماً لها ..؟ ، إنني لا أدعو إلى التسوية بين الحق ، والباطل : فالحلال ، حلال أبداً ، والحرام ، حرام أبداً ، ولكنني أدعو إلى وقفة حق يتداعى فيها الجميع إلى كلمة سواء يتبادلون المعارف ، ويدققون المواقف ، ويخرجون على الناس بخطاب إسلامي واضح ، لا لبس فيه ، ولا غموض ، فمن غير المعقول ، ولا المقبول أن يبقى الخطاب الديني العدائي الذي صيغ في ظل المذابح ، والاقتتال ، والاضطهاد ، والفتن ، هو الخطاب السائد ، حتى الآن .. ، وبغض النظر عن الجواب ، فإن الخطاب التلاعني ، التكفيري ، العدمي ، الذي أنتجته الفتنة ، في كل فئة ، اتجاه الفئات الأخرى ، آن له أن يعاد النظر فيه ).

( 9 )

خامساً : بتاريخ 27/10/1997 انعقد "المؤتمر القومي الإسلامي" في بيروت ، وكانت العلامة الفارقة في جلسة الافتتاح كلمة الأخ حسن نصر الله ، التي قال فيها : ( تعاني الأمة من أخطار مباشرة : إن ظواهر الانعزال القطري تنمو على حساب الوحدة ، ويواجه عدد من البلدان العربية ، والإسلامية أشباح حروب أهلية أليمة ، ومخاطر اهتزاز الوحدة الوطنية ، وتواجه دول أخرى مخاطر تقسيم فعلي .. إن الدعوة ، والعمل على الوحدة العربية ـ وهي في صلب أساسيات الفكر القومي ـ مثال على ما نقول ، إننا لا ننظر إلى الوحدة العربية باعتبارها عاملاً تجزيئياً للعالم الإسلامي ، على ما شاع في بعض الأدبيات ، بل إننا نرى أن أي شكل من أشكال الوحدة ، وبأي مستوى ، ليس فقط أمراً طبيعياً ، ومطلوباً ، بل ، وعامل قوة ، وأيضاً حافزاً إضافياً لمزيد من الوحدة والمنعة .. إن المقاومة من صلب واجبات جميع أبناء الأمة ، دون استثناء ، ومن دون اعتبارللتصنيف الفكري ، أو السياسي ، أو الاجتماعي ، ولا نظن أننا نحتاج للإيضاح ، أن المقاومة ليست فقط عملاً عسكرياً مباشراً ، ويومياً .. وإنما تتخذ أشكالاً مختلفة ، وتعبيرات شتى تستطيع الأمة استنباطها في ضوء تطورات الأيام ، وتعقيدات المواجهة .. إن تيار المقاومة أصبح مركز الإجماع الوطني الوحيد ، وحصل على التفاف ، وتعاطف شعبي من قبل كافة الطوائف ، والفئات اللبنانية ، تحّول لاحقاً إلى إجماع سياسي نادر ، بالرغم من أن البلد خرج بالكاد من الحرب الأهلية .. بل إن هذا التعاطف الشعبي انتقل كما تعلمون إلى مجمل الشارع العربي ، والإسلامي ، وقد كان لدعوتنا إلى ابتكار صيغة مرنة تتيح مشاركة الشباب اللبناني في عمليات المقاومة من دون التوقف عند الخلفية السياسية ، أو الفكرية ، أو المذهبية ، المزيد من القبول ، والاهتمام ، وسنعلن عن هذه الصيغة في غضون الأيام القليلة المقبلة ، وأود أن أؤكد ، أن أي تيار سياسي ينخرط في أعمال المقاومة ، والقتال ضد العدو سيحظى بالقبول ، والامتداد الشعبي المتنامي بالرغم من أننا نعتقد أن ما يقوم به شرف له ، وواجب عليه ، وهو في ذلك يسهم تلقائياً في تجذير خط المقاومة ، والممانعة في الأمة ، ويسهم بدوره في تعزيز المناعة ، والوحدة الوطنية الداخلية ...) .

ولعليّ ، لا أنسى ، أننا في " المؤتمر القومي الإسلامي " صفقنا بحرارة لما قاله الأخ نصر الله ، وخاصة للفقرة الأخيرة المتعلقة بفتح أبواب المقاومة ، لتتجاوز بنيتها المذهبية .. لكن هذا ، وبكل أسف ، لم يتحقق ...!

فبعد أكثر من عامين عل ذلك في 21/1/2000 وفي افتتاح " المؤتمر القومي الإسلامي "أيضاً ، قال الأخ نصر الله : " لقد وصلنا إلى المرحلة التي يشعر الناس فيها أنهم أمام فتنة طخياء عمياء يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، يلتمسون فيها علائم الحق ، وعلامات الطريق ، وسيخشون فيها إن هم قاموا أن يخوضوا في فتنة ، وإن هم قعدوا أن يتركوا الواجب ، ويحيدوا عن الصراط ..." ، أدركت يومها كم يعاني ... لقد عبّر تماماً عما يجول بخاطري من إحباط ...

( 10 )

سادساً : لن أدخل في تفاصيل السنوات العشر الأخيرة ، بعد ذلك ..رغم الجراح ، والآلام ، والمآسي .. ذلك ، أننا ، وتماشياً مع ما قاله الأخ ناجي علوش في بداية هذا الحديث ، لا نريد أن نقول ما تستغله القوى المضادة التي تريد ان تطعن المقاومة ، ويهمّها أن تطعنها في المقاتل ، لتشوّهها في نظر جماهيرها ..

لكننا في الوقت ذاته ، لن نتهرب من مسؤوليتنا التاريخية ، التي تحّتم علينا أن نصدق المقاومين القول " المقاومة على مختلف مذاهبها الآن " باعتبارها ، للأسف الشديد ، مقاومات مذاهب دينية ، موضوعياً ، مهما كانت تسمياتها ، أن نصدقها القول ، لا أن نصّدقها ، لأنها بأمس الحاجة إلى ذلك ، في وسط ، من ضجيج المنافقين لها ، وقرقعة سلاح الأعداء المتربصين بها ...

هناك اعتراف واجب ، يجب أن نسّجله هنا حتى يتم وضع هذا الحديث في مكانه الصحيح ... فنحن القوميون العرب ، الذين نحلم باستئناف مشروع النهضة ، والتحرير ، والتنوير ، والتقدم ، والعدالة ، والمساواة .. مدينون لتلك المقاومات ، مهما كانت مذاهبها .. وأقاليمها ... تلك المقاومات التي برزت إلى الوجود بسبب تعثر مشروع التحرر القومي العربي ، والفراغ الذي أحدثه هذا التعثر .. ذلك أن الواقع الموضوعي لا يحتمل الفراغ من جهة ، كما أن هذه الأمة العربية أثبتت عبر تاريخ مديد من المحن ، والغزو ، والطغيان ، والاستبداد ، وغياب مرجعية مؤسساتية واحدة ، فلا دولة ، ولا جيش ، ولا اقتصاد ، ولا .. بل على العكس من ذلك تعّج الأرض العربية ، بمؤسسات تنتهك وحدة الوطن ، والأمة ، وتمارس الاستبداد ، والطغيان ، والنهب ، والفساد ، وانتهاك الحريات والحرمات ... ، ورغم ذلك كله ، ما أن يتعثر مشروع للمقاومة ، حتى يبرز مشروع مقاوم آخر .. من حيث لا يدرك الأعداء ذلك ..يؤكد أن هذه الأمة العربية أقوى من المحن ...

نقول ذلك ، لنؤكد أن الأمة مدينة للمقاومين ، أياً كانوا ، حتى للذين لا يعرفون ، أو لا يعترفون على هويتها ، فهم من أبنائها البررة ، والأمة مدينة لدماء الشهداء ، وللمقاومين الأحياء الذين حافظوا ، ويحافظون على جذوة الحياة في هذه الأمة ، والتي ترفض الموت ، والاندثار ..

لكن هذا لا يعني أن تبقى الأمة العربية في حالة رد الفعل ، أو في حالة الدفاع عن النفس ، بالممكن المتاح ... فقد آن الأوان أن يتنادى المقاومون العرب ، المقاومون بالثقافة ، المقاومون بالفكر ، المقاومون بالعلم ، المقاومون بالاقتصاد ، المقاومون بالحريات العامة ، وحقوق الإنسان ، المقاومون بالعدالة ، والمساواة ، والمقاومون بالفنون ، والمقاومون بالسلاح أيضاً .. إلى الكلمة السواء ، لبناء مؤسسات نهضوية ، ومقاومة ، ومدنية ، تصون دماء الشهداء ، وتحفظ حياة كريمة للأحياء ...

وبما أن أي مشروع جدي للنهوض ، والتحرر يبدأ من الواقع ، كما هو ، وبما أن هذا الحديث خاص بالمقاومة المسلحة ، فإن المقاومات المسلحة التي افرزها الواقع خلال العقود المنصرمة مدعوة للحوار ، والمراجعة ، وهذه مسؤولية تشمل سائر القوى ، والعناصر الحية في المجتمع العربي .. للخروج من المحنة التي استوطنت هذه الأمة العربية أكثر مما يجب .

إنني أقدّر أهمية خصوصية هذا الحديث ، وكم كنت أتمنى أن تتيح لي الظروف الصعبة ... سبل الحوار ، وجهاً لوجه ، لكن تعثر ذلك ، فرض عليّ هذا الحديث ، لأنني ، وبكل التصادق ، ورغم كل مظاهر القوة التي تبديها المقاومة ، أشعر بخوف شديد عليها ، ربما أكثر من أي وقت مضى ، وعلى رموزها أيضاً ، وقد رأيت أن من واجبي أن أقرع جرس الإنذار ، رغم أنه يتعذر علي أن أنقل كل هواجسي ... عبر هذه الكلمات ......

قد يسأل الأخوة في المقاومات الراهنة ...ما العمل ..؟؟ ، هل المطلوب أن تتوقف المقاومة ، وتلقي السلاح ، بانتظار أن يتغيّر الواقع العربي ....؟؟ ، ثم أين هي تلك القوى العربية القادرة على تغيير هذا الواقع ...إلى الأفضل ....؟؟ .

نجيب على الفور ، وبحسم ، لا .... ليس المطلوب إلقاء السلاح ، المطلوب هو العكس تماماً ، المطلوب تعزيز السلاح ، وتحصينه ، وهذا لن يكون ، على المدى الاستراتيجي إلا بأن يكون السلاح ، سلاح الأمة ، كل الأمة ، بحيث لا يمكن حصر وجوده في مكان دون آخر ، أو بجماعة دون أخرى ........

وإننا إذ نقر بمشروعية تلك الأسئلة ، ننبّه إلى أن الواقع العربي يعج بالأسئلة الصعبة من كل الأطراف ، ولكل الأطراف بما في ذلك المقاومة ، وعلينا أن نستمع إلى بعضنا البعض ، بدون تعال ، أو غرور ، من أي طرف كان .... إننا ، وبقدر ما يطيق هذا الحديث ، نقول أن مسؤولية تغيير الواقع العربي إلى الأفضل ، لا تستثني المقاومة ، كما أن مسؤولية تحصين المقاومة لا تستثني القوميين العرب التقدميين ، فالمقاومة ، والمقاومة المسلحة تحديداً ، عنصر هام من عناصر التغيير الإيجابي في الوطن العربي ، لها مكانتها ، وموقعها ، وحيثياتها ، في قلب مشروع النهوض ، والتحرير ، والانعتاق ، من الطغاة ، والمستبدين ، والمستغلين ، والفاسدين ، والغزاة ، وهذا يقتضي أن تكون المقاومة في القلب من مشروع النهوض ، والتحرير القومي ، تعززّه بالمقاومة ، والتضحيات ، ويعززّها باحتضانها ، ومدّها بكل ما تحتاجه من إمكانيات بشرية ، ومادية ، ومعنوية ...، ويحّصنها في الوقت ذاته من الأرتهان لقوى مضادة ، أو محاصرتها من أية جهة كانت ، فلا يتم العبث بدماء الشهداء ، أو هدر الدماء في غير مكانها ، وزمانها الصحيحين ، هكذا نرى أن المسألة تتعلق بالتكامل بين عناصر مشروع النهوض ، والتحرير ، والتقدم في الوطن العربي ، بما في ذلك المقاومة ، بل إن المقاومة في القلب من ذلك المشروع ....، أمّا أن يضع أي من عناصر النهوض ، والمقاومة ، نفسه خارج المشروع النهضوي القومي ، فإن ذلك يكشف المقاومة ، ويعّرضها للهلاك ، كما أنه ، وفي الوقت ذاته ، يجعل مشروع النهوض القومي كسيحاً غير قادر على الانطلاق ، بل قد يؤدي للأسف الشديد إلى تصادم هذين العنصرين ، فيضع المقاومة في خنادق مضادة تحت تبرير التعامل مع الظروف ، والضرورات التي تقتضيها المرحلة ، وفي المقابل تتخلى الأمة عن احتضان مقاوميها ، فتنكشف ، وينكشفون ، للأعداء ........

إن كون المقاومة مسلحة ، وتمتلك إمكانيات كبيرة ، وكون مشروع النهوض القومي العربي منحسر ، وأعزل ، ومحاصر بالعدوان ، وكيانات التجزئة ، وبالاستبداد ، والفساد ، والغزاة ، لا يعني أنه يحق للمقاومات الراهنة أن تتعالى على مشروع أمتها العربية ، أو تخرج من حاضنتها الجماهيرية العربية ، وإنما عليها أن تضع نفسها في سياق مشروع أمتها ، وإلا فإنها ستكون مهددة بالضياع ، والتصفية ،مهما امتلكت من القوة ، والإمكانيات ....

إننا ، وبكل وضوح ، نقول أنه لا يعيب المقاومة في جنوب لبنان أنها لم تكمل مشوارها جنوباً لتحرير فلسطين ، وأن المستعمرات الصهيونية آمنة في الجليل ، كما لا يعيب المقاومة في غزة أنها لم تكمل مشوارها شمالاً ، وشرقاً ، وأن المستعمرات الصهيونية آمنة هناك ، ذلك أن أقصى ما استطاعته ، بواقع تكوينها ، وتركيبتها ، وإمكانياتها ، هو أن تشّكل قوة ردع تمنع العدو الصهيوني من التغلغل مرة أخرى في جنوب لبنان ، أو غزة ، وهذا بحد ذاته ليس بالهين ، على أية حال .. ، وكذا الأمر في العراق ، وغير العراق ، بين المحيط والخليج ....... لكن المقومة بمفهوم الأمة هي التي ستقتلع المستعمرات الصهيونية من فلسطين ، وهي التي ستطرد الغزاة الأمريكيين ، وغير الأمريكيين من العراق ، ومن غير العراق ، وستزيل كل العوائق لتقوم دولة العرب على كامل الأرض العربية ، وبالشعب العربي كله ، دولة العدل ، والمساواة ، والتنمية ، والديموقراطية ، والعلم ، والحقوق المصانة لكل أبنائها ، دولة التقدم التي تسّخر كافة الإمكانيات لبناء حضارة تليق بهذه الأمة ، دولة لا تعتدي ، ولا تقبل العدوان من أحد ....

إن المقاومة القادرة على حمل مشروع الأمة العربية ، تحريراً ، ونهضة ، ووحدة ، هي المقاومة التي تحمل هوية الأمة ، حصراً ، وبناء مشروع الأمة في النهوض ، والتنوير ، يقتضي التأسيس له من الواقع ، كما هو ، والواقع كما هو مقاومات متنوعة تتهددها المخاطر ، ومشروع نهوض قومي متعثر ، والمطلوب حوار ، وتصادق يؤدي إلى تقاسم المهام ، فالعمل قسمة ، في إطار المشروع الواحد ، فلا تنزلق المقاومة إلى تناقض مع مشروع أمتها للتحرر ، والوحدة ، وكذلك لا ينزلق القوميون التقدميون تحت أي اعتبار للتخلي عن احتضان المقاومة ، وإنقاذها من الأعداء ، ومن نفسها إذا اقتضى الأمر ذلك ، فليتداعى هذين العنصرين الرئيسيين إلى الحوار ، والكلمة السواء من موقع المساواة ، والتصادق لبناء مشروع التحرير ، والنهوض ، والتنوير في هذه الأمة

والكلمة السواء تقتضي شيئاً من التواضع .. وفي هذا الإطار أستذكر قول لواحد من قادة المقاومة ، قال فيه : " إن دولة إسرائيل أوهى من خيوط العنكبوت ." ، إنني إذ أصادقه على ذلك تماماً ، فإنني أقول ، من موقع الحرص ، والقلق ، للمقاومات الراهنة .. وأنتم كذلك إذا لم تسارعوا لتأخذوا مكانكم الصحيح في مشروع تحرير أمتكم ، ونهضتها ، وتتجاوزوا مذهبياتكم ، وإقليمياتكم ، بالانتقال بالمقاومة إلى مرحلتها القومية العربية ، ولا تدعوا الغرور يذهب بكم إلى مقتل ، كما ذهب باللذين من قبلكم ... والسلام على من اتبع الهدى ......

دمشق : 1/1/2010 م – 16 محرم1431



حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

--

سليم حجار 02-10-2010 09:58

على بساط الثلاثاء

62


يكتبها : حبيب عيسى


إلى ...

"إعلان دمشق"

رسالة ... ورجاء







المحامي الموضوع : إعلان دمشق

حبيب عيسى التاريخ 1/12/2009


تلقيّت من السادة في "إعلان دمشق" رسالتين متبادلتين بين "الاتحاد الاشتراكي" ، و"الأمانة العامة" لإعلان

دمشق ، وطلب مني رأياً مكتوباً، فكانت هذه الرسالة .


رسالــــــة... ورجــــــــاء ...!


الأخوة ، الأصدقاء ، الرفاق ... !

- الجارية عضويتهم في "إعلان دمشق" ، والمتجمدة فيه ، والمستنكفين عنه ...!


( 1 )


تحية عربية لمن يرغب ، وتحية وطنية بالمعنى الذي يشاءه من يشاء ، ويتمناه ، ذلك أنني انتميت في يوم ، ما ، لإعلان دمشق ، وارتضيت مواثيقه ، ومضامينه ، تلك التي تتوافق مع أفكاري ، وقناعاتي ، والأخرى التي تتعارض ، ربما ، ذلك أنني كنت أعلم مسبقاً أنني أنتمي إلى "جماعة" من خصائصها الأساسية ، التنوع ، والاختلاف ، ليس لي الحق أن أفرض عليها قناعاتي كاملة ، وليس لها أن تناقض قناعاتي ، مطلقاً ، يكفي أنها تحمل بعض من قناعاتي ، وأنني أقتنع بالبعض من مواثيقها ، نتقدم جماعة بما نتوافق عليه ، وندير بيننا حواراً حضارياً حول ما نختلف عليه ، لكن ليس من حقي ، ولا من حق غيري ، أن تحمل بيانات "الجماعة" ، وهي هنا "إعلان دمشق" أفكار فريق من الجماعة تتناقض مع أفكار الفرقاء الآخرين ، لقد غمرني الفرح بولادة "إعلان دمشق" ، وعادت الأحلام تراودني ، بعد عقود من الخيبات ، والانكسارات ، بلوحة جميلة تتداخل فيها تلك الألوان المتعددة ، لتظهّير لوحة رائعة لوطن بالغ الروعة عصّية على الشروخ ، والتزييف ، والتزوير . حيث لا يطغى لون على آخر ، وإنما تتضافر جهود تلك "الجماعة" في "إعلان دمشق" لصيانة تلك اللوحة التشكيلية ، ورتق الشروخ التي أحدثتها المحن المتعاقبة ..

إنني أردت ، أولاً ، بذلك الانتماء إلى " إعلان دمشق " ، في ذلك الوقت ، أن أشهر على الملأ موقفي ، بأنني تخليت تماماً ، ونهائياً عن أفكار ، وإيديولوجيات ، ديكتاتورية اللون الواحد ، والحزب الواحد ، والأفكار الواحدة ، الوحيدة المطلقة ، ونزلت عند قول الشاعر " والضّد يظهر حسنه الضّد " ، وبالتالي فإن الحسن في أفكاري لن يظهر إلا بين الأضداد ، وأدركت أن البيئة النقية ، والمناخ المناسب يؤديان إلى نمو هذا التعدد ، بينما العكس لن يؤدي إلا إلى تغوّل الفردية لتلتهم العناصر الأخرى ، ثم تلتهم نفسها في نهاية المطاف ...

ثم ، ربما ، أنني كنت بذلك الانتماء إلى " إعلان دمشق " ، ودون أن أقصد ، قد أردت الاعتذار ، من جميع من يعنيهم الأمر ، عن مرحلة مريرة من تاريخنا اعتقدت فيها ، كما اعتقد غيري ، أن كل واحد منا قد امتلك الحقيقة المطلقة ، وأن انتصار أي واحد ، منا ، لن يتحقق إلا بتوجيه الضربة القاضية ، للآخر ، حيث أدت تلك الطريقة المدمرة في التفكير ، إلى ذلك الصراع العبثيّ بين مشاريع النهوض ، والتنوير ، ذلك الصراع ، الذي أخلى الساحة ، لقوى الظلام ، والتفرد ، أولاً ، وأدى ، ثانياً ، إلى انكسار أحلامنا جميعاً في النهوض ، والتنوير ، فانهزمت أنا ، وانهزم الآخر في المشروع النهضوي الآخر ، وطغت علاقات ما قبل المواطنة ، من مذهبية ، وطائفية ، وأثنية ، وإقليمية ، ومناطقية ، ومتخمة ، وجائعة ، فرضت نفسها موضوعياً على ما سواها ، إلى درجة أن الانتماءات الوطنية ، والسياسية يميناً ، ويساراً ، باتت مجرد قشور واهية ، عاجزة عن ستر عورة هذا الانحطاط القاتل ..

هكذا ، فإن هذا الموقف ، بالانتماء إلى " إعلان دمشق " لم يأت من فراغ ، وإنما كان حصيلة تجربة مرة ، وحالمة تخللتهّا لحظات فرح عابرة ، وأزمنة ثقيلة من الخيبات ، والانكسارات ، والأحزان مازالت مقيمة تقبض على أعناقنا إلى درجة الاختناق ، وحتى هذه اللحظة .

دعونا نعترف ، أيها الأعزاء ، أننا جميعاً ، وعلى مختلف توجهاتنا ، وعقائدنا ، وأفكارنا أبناء تجربة بالغة القسوة من جوانبها المختلفة ، الذاتية ، منها ، والموضوعية دفعت بنا فرادى ، وجماعات إلى اصطفافات توهمّنا من خلالها أن الحدود بينها مكتظة بالألغام ، وأن شعار : لا صلح ، ولا تفاوض ، ولا اعتراف ، قد تم سحبه من التداول مع العدو الصهيوني ، وبات محصوراً بتفعيله ، بين مشاريع النهضة في الوطن العربي ، فلا صلح ، ولا تفاوض ، ولا اعتراف ، ولا تعايش مع الأخر في الوطن ، وترسّخت تلك القاعدة المرضية ، بالوهم ، أنه لا انتصار لمشروع أي واحد فينا إلا بدفن ورجم المشاريع الأخرى .. مما أدى بنا جميعاً إلى المأزق الذي نحن فيه ، الآن ، حيث انتصرنا جميعاً في هزيمة بعضنا ، بعضاً ، وفي تهشيم ، وتحجيم ، وتشويه بعضنا ، بعضاً ، ثم نجح الاستبداد المديد من الأعلى ، والتخلف ، والردة من قاع المجتمع في إتمام المهمة ، فانهارت مشاريع النهضة ، والتنوير ، وتهدد النسيج الاجتماعي ، ومازال مهدداً ، تهديداً شديداً .. ، وتأبد الاستبداد ...


( 2 )


هكذا ، فإن الواقع الموضوعي ، كان يستدعي ولادة "جماعة" ، ما ، تحمل قيم النهضة ، على شكل : تحالف ، تكتل ، لا يحمل أمراض الواقع ، ولا يتعالى عليها ، وإنما يشخصّها ، ويناضل للبراء منها ، "جماعة" ليست أداة بيد أحد ، ضد آخر ، وليست بديلاً عن أحد ، "جماعة" لا تتصّرف بردود الأفعال ، لا تواجه الطائفية بالطائفية ، ولا المذهبية بمثلها ، ولا الظلم بالظلامة ، ولا التفرد بالتفرد ، ولا الاستغلال بالاستغلال ، ولا العنصرية بمثلها ، ولا الهيمنة بالهيمنة ، وإنما ، بجماعة تحمل في ذاتها ، وفي العلاقات التي تحكم المنتسبين إليها ، وفي علاقاتها بالمجتمع ، وبالدولة ، تحمل النقيض من ذلك كله في شتى المجالات ، تحمل قيمّ ، الحرية ، والإنسان السيد ، والمساواة ، والعدالة ، وتجسّد ذلك ممارسة في علاقاتها الداخلية ، وفي علاقاتها مع الآخر ، جماعة منظمة ، مرنة الحركة ، تشّكل بتنوع عناصرها، نموذجاً حضارياً ينسج ، نسيجاً اجتماعياً ، وسياسياً متماسكاً ، يحصّن المجتمع من الفتن ، حيث تتعاقد تلك الجماعة ، وتدرك ، ابتداء ، أنها تمثل تحالفاً مؤقتاً مهمته الأساسية تقديم نموذجاً مغايراً ، عما أنتجه التخلف الاجتماعي من علاقات سلطوية استبدادية ، وما أعاد الاستبداد إنتاجه في المجتمع من تعزيز التخلف الاجتماعي عن طريق حصر الصراع داخل المجتمع ، بتكفيّر بعضه ، للبعض الآخر ، وهكذا فإن المهمة الأساسية لإعلان دمشق كانت تقديم هذا النموذج المختلف من علاقات المواطنة بين مكوناته ، ثم الدفع باتجاه حياة ديمقراطية سليمة في الوطن ، تتيح للقوى ، والأحزاب ، والجماعات ، والأفراد المنضوية تحت راية هذا التحالف ، وغير المنضوية ، التنافس الديمقراطي أمام صناديق الاقتراع ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل ، وبالتالي ، لابد من التعاقد ، ابتداء ، أنه ليس من حق أية جماعة ، أو حزب ، أو فرد ، أن يطلب من هذا التحالف تبنيّ أي موقف سياسي ، من أية قضية مختلف عليها ، داخل هذا التحالف ... مقابل ذلك ، فإنه ، لكل من تلك الجماعات ، والأحزاب ، والأفراد أن تعبّر عن مواقفها السياسية من خلال منابرها الخاصة ، وليس من منبر "التحالف" الذي يجب أن تتفق مكوناته على إنجاز هدف واحد ، وحيد ، هو شد النسيج الاجتماعي ، ورتق الشروخ التي أحدثتها المحن ، وإعلاء قيم المواطنة ، والمساواة ، والعدالة ، وحرية الرأي ، واحترام الرأي الآخر ، والدفع باتجاه حياة ديمقراطية سليمة في ظل قوانين ، وأنظمة ، ولوائح تتيح تحقيق العدالة ، والمساواة ، والنزاهة ، والاحتكام لرأي الناس ...وإن كان "التحالف" ، بالإضافة إلى ذلك ، ساحة حضارية للحوار البّناء ، الإيجابي بين مكوناته المتنوعة ....

هكذا ، عندما نقلت إليّ إحدى الإذاعات في " زنزانتي المنفردة " نبأ تشكيل " إعلان دمشق " في خريف عام / 2005 / ، ورغم أنني لم أتمكن من الإطلاع على وثائق تأسيسه ، فقد حاولت أن أصيغ له من مخيلتي وثائقه ، وحمّلته كل ما تستدعيه ظروف " الزنزانة المنفردة " من أحلام ، وتمنيات ، وراودتني الأحلام ، مرة أخرى ، بأن الأعاصير التي عصفت ، بربيع دمشق ، قد تنحسر ، وأن أزاهير "ربيع دمشق" ستعاود التبرعم من جديد ، وأن التجارب المرة لابد أنها مازالت حاضرة في الأذهان وأن " الإعلان " لن يكرّر التجارب الفاشلة ، ولن يستنسخ الأخطاء ، والخطايا التي رافقت "ربيع دمشق" ، وسيتجاوز المشكلات التي رافقت تجربة " التجمع الوطني الديمقراطي " وأعاقت تفعيله على مدى السنوات المنصرمة .. كما أعاقت تفعيل منتديات ربيع دمشق ، بعد ذلك .


( 3 )


لهذا كله ، فإنني ، ومنذ لحظة مغادرة الزنزانة لبيّت ، دون تردد ، الدعوة للانضمام إلى " إعلان دمشق " دون أن أتوقف لحظة واحدة عند بعض المصطلحات التي وردت في وثائق تأسيسه ، والتي كنت أتمنى إعادة صياغتها ، فقد كانت الروحية العامة لهذا "الإعلان" تكفيني ، وتوخيّت أن الممارسة الجادة الإيجابية ستؤدي إلى تفعيل " الإعلان " في تأدية دوره كمحرك أساسي في إعادة ضخ الحيوية في مفاصل المجتمع الأساسية ، وشد الأواصر بينها ، لإعادة إحياء مشروع النهوض ، والتنوير ، ثم ، وفي "المجلس الوطني الأول لإعلان دمشق" الذي انعقد في تموز / 2006 / حرصت أن لا أدخل في السجال السياسي ... وتقدمت بورقة مكتوبة ضمّنتها رؤيتي لطبيعة المرحلة ، ودور "إعلان دمشق" ، ووسائل تحصينه ، والمهام الملقاة على القوى ، والأحزاب ، والشخصيات المنضوية تحت لواءه ..

لكن تلك "الورقة" التي قدمتهّا للمجلس الوطني ، في حينه ، لم تكن ، على ما يبدو ، تستحق أن يلتفت إليها أحد ، بدليل أنني لم أسمع كلمة واحدة تؤيد ما جاء فيها ، أو ترفض ، أو تنتقد ، وسارت الأمور بعد ذلك باتجاه اصطفافات حادة ، ومواقف متصارعة ، ووجدت نفسي في خضّم من الصراعات ، لا ناقة لي فيها ، ولا جمل ، والأنكى من ذلك ، فإن المطلوب مني ، أن أقف مع هذا ، ضد ذاك ، أو العكس ، وإذا لم أفعل ، فأنا برأيهم ، بلا موقف ، ورغم أنني قبلت أن أكون " بلا موقف " فقد تم توجيه اتهامات حادة إليّ من هذا الفريق ، أو ذاك ، بأنني منحاز ضده ، حتى أن الإحساس بدأ يراودني ، أنني لست بلا فائدة ، وحسب ، وإنما قد يكون وجودي في "الإعلان" يؤدي دوراً سلبياً ، فقررت الاعتزال متمنياً أن يجد " الإعلان " مخرجاً لأزمته ، فلا يواصل انحداره إلى الطريق المسدود .

لكنني تلقيتّ ، والألم يعتصر قلبي ، ما حصل في "المجلس الوطني الثاني لإعلان دمشق" في مطلع كانون الأول 2007 ، وقد حاولت مع عدد من الأصدقاء ، بتدخل غير مباشر ، أن لا ينفكّ عقد " الإعلان " لكن منطق التفتيت ، والاتهامات كان أقوى ، على ما يبدو ، فتجّمد البعض ، وزج ، بالبعض الآخر في السجون ، وواظب فريق ثالث نشاطه في حدود المتاح ..


( 4 )


أيها الأعزاء ، لقد حرصت طيلة السنوات الماضية ، أن لا أتناول ما جرى في "إعلان دمشق" ، وما جرى له ، وقد تعزز هذا الموقف خاصة بعد الزج ببعض رموزه ، الأخوة ، والأعزاء ، والأصدقاء في السجون ، حتى أنني لم أتقبل أية أفكار تتعلق بتحالف آخر ، أو بديل ، طالما أن أولئك الأعزاء في السجون ، إلى أن استلمت تلك الرسالة التي تطالبني بموقف من رسالة وجهها "الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي" ، ومن رسالة جوابية عليها وجهتها "الأمانة العامة لإعلان دمشق" .

أصدقكم القول ، أيها الأعزاء أنني ترددت طويلاً قبل أن أجيب ، ذلك أنني خشيت أن توضع رسالتي هذه في خانة طرف ، ضد آخر ، أو أن أواجه بالاتهام القديم ، الجديد أنني ، بلا موقف ، وأنا لا أريد هذا ، ولا ذاك ، لكنني حزمت أمري ، أخيراً ، وقررت ، فكانت هذه الرسالة ، وذلك للأسباب ، والاعتبارات التالية :

أولاً : اقتراب الإفراج عن الأخوة ، والأصدقاء ، والأعزاء من السجون ، وبالتالي ، فإن الحديث عن إعلان دمشق ، سيتجدد بقوة ، ومن غير اللائق عدم المشاركة فيه .

ثانياً : إن توجيه رسالة من الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي ، والرد عليها من الأمانة العامة لإعلان دمشق ، هو موقف إيجابي من الطرفين ، وإن كان الفريق الأول يأخذ على الفريق الثاني أنه لم يرسل الرد مباشرة ، لكن ، لابد من تثمين العودة للحوار ، بغضّ النظر عن مضمون الرسالتين ، لأن ذلك تراجع عن موقف القطيعة ، والرفض للآخر ، نقدرّه من الطرفين ، ونرجو أن يكون فاتحة لحوار جدي صادق ، يتوسع مستقبلاً ، ليشمل جميع مكوّنات إعلان دمشق ، والتي رافقت تأسيسه .

ثالثاً : لقد آن الأوان أن أحدد موقفي ، وأقدم قراءتي ، لتجربتي في إعلان دمشق ، لذلك فأنا لا أعتذر عن الذاتية التي اتسم بها هذا الحديث ، فقد كنت قاصداً لذلك ، ذلك أن الذاتي ، هنا ، ليس منفصل على الإطلاق ، عن الموضوعي .

رابعاً : ومنعاً للتكرار فإنني أؤكد على تبنيّ الورقة المكتوبة المقدمة من قبلي إلى المجلس الوطني الأول لإعلان دمشق في تموز 2006 وأعتبرها جزءاً لا يتجزأ من هذه الرسالة راجياً قراءتهما معاً ، وتعميمهما كرسالة واحدة .

خامساً : إن أهمية إعلان دمشق ، ومبرر وجوده ، هو تنوع مكوناته ، وبالتالي ، فإن التجميد ، أو الانسحاب ، أو الإقصاء ، لأي مكون من مكوناته ، يعني ، أننا لم نعد أمام " إعلان دمشق " الذي لا يملك أي فريق بمفرده تمثيله ، لهذا فإن الخطوة الأولى تبدأ بالعودة إلى طاولة الحوار ، وأن الرسالتين المتبادلتين بين الاتحاد ، والأمانة ، رغم أهميتهما ، لا تغنيان عن الحوار المباشر الإيجابي الهادف إلى إعادة الحيوية لإعلان دمشق ، ولهذا لابد أن تتسع دائرة الحوار ، لتشمل كافة مكونات الإعلان المتجمدة ، والسائلة ، والمستنكفة .


( 5 )


ألتمس العذر ، أيها الأعزاء ، لأنني لن أدخل في تفاصيل ما ورد في الرسالتين المتبادلتين ، ذلك أنني شديد الحرص على أن تكون كلماتي هذه في نقطة ، ما ، "وسط" ، يلتقي فيها المتحاورون ، وهذا لا يعني أنني بلا موقف ، ولكن يعني أن هذه النقطة الوسط التي أدعو للقاء فيها هي بالضبط "إعلان دمشق" ، وهذا يعني أنني شديد الحرص ، وبالدرجة نفسها لإعادة وصل ما انقطع ، وهذا يرتبّ عليّ واجباً لن أتهرب منه ، ويفرض علينا جميعاً ، التصادق ، والمصارحة ، والمراجعة ، ونقد الذات ، وهذا ، ما أرجو أن نتقبله ، جميعاً ، بصدر رحب ، ولو كان جارحاً ، لهذا ، وانطلاقاً من ذلك ، وإضافة لما ورد في ورقتي المكتوبة المقدمة للمجلس الوطني لإعلان دمشق عام 2006 ، فإنني أود تسجيل الملاحظات التالية :

أولاً : أن الرسالة الموجهة من الاتحاد الاشتراكي ، والرد عليها من الأمانة العامة ، تميزتا رغم ما ورد فيهما من مقترحات هامة يمكن تأسيس الحوار عليها ، بالنبرة العالية الهادفة إلى تسجيل المواقف ، والنقاط ، من كل طرف ، على الطرف الآخر ، وأن تلك النبرة العالية ، كانت غالبة ، وهذا ، رغم سلبيته يمكن تجاوزه بالحوار المباشر ، لهذا ، فإنني أقترح الدعوة لاجتماع عاجل بين ممثلي الطرفين مهمته الوحيدة وضع جدول أعمال ، لطاولة حوار بينهما ، يكون البند الأول فيه ، مراجعة كل فريق لمواقفه ، هو ، وتقييمها ، وقراءة ما جرى ، بلغة نقدية ، هادئة ، ذلك أن نقد الذات أجدى من توجيه النقد للآخر .. إن العامين المنصرمين ، وما جرى فيهما ، قد أتاحا الفرصة لكافة الأطراف ، كي يراجعوا الأخطاء التي ارتكبت ، بالاعتراف بها ، وتصحيح المواقف ، وليس بمحاولات التنصل منها ، وإلقاء المسؤولية على الآخر ..

ثانياً : إن "إعلان دمشق" لا يمكن أن يحقق أهدافه عن طريق المحاصصة ، وبالتالي فإن الأمور لا تقاس بحجم هذا الفريق ، أو ذاك ، ولا بالحصة التي يستحقها كل فريق ، ذلك أن جميع الفرقاء عليهم أن يدركوا أنه لا مكاسب يمكن التنازع عليها ، وإنما مهام ، وتضحيات يجب التسابق ، لبذلها . واعتماد الصيغة الديمقراطية يعطي مصداقية للإعلان ، وللقوى المشاركة فيه ، فقبل أن نطالب بالنهج الديمقراطي من الآخر ، علينا أن نكون ديموقراطيين أولاً ...

ثالثاً : إن "إعلان دمشق" يضم مؤسسات حزبية ، وشخصيات مستقلة ، وهذا ما يميزه عن التجارب السابقة ، وبما أن المؤسسات الحزبية تمتلك برامج محددة فإن أي كادر من كوادرها يمكن أن يمثلها في "إعلان دمشق" ، وبالتالي فإن ممثل واحد عن المؤسسة الحزبية في كلّ من مؤسسات "إعلان دمشق" كاف لتمثيلها مهما كان حجمها ، وفي هذا المجال ، فإننا نرى أنه من الضروري أن تتمعن تلك المؤسسات الحزبية في اختيار مواصفات من يمثلها في إعلان دمشق ، ذلك أن هناك فرق شاسع بين المناضل الحزبي المؤدلج ، الذي لا يقبل إلا من يتطابق مع أفكاره ، وبين الكادر السياسي الذي يتقبل الرأي الآخر ، الكادر الحواري ، ويتعامل معه بموضوعية ، واحترام ، ذلك أن ممثل المؤسسة الحزبية في "إعلان دمشق" يجب أن يكون مزدوج المهمة ، بمعنى أنه يمثل مؤسسته الحزبية في إعلان دمشق ، وفي الوقت ذاته عليه أن يمثل " إعلان دمشق " لدى مؤسسته الحزبية ، وعليه أن يضع مؤسسته الحزبية في سياق برنامج إعلان دمشق ، وليس العكس ... .

رابعاً : إن إعلان دمشق ، مظلة لجميع المكونات التي انضوت تحت لوائه ، وليس أداة بيد مكوّن من مكوناته ، مهما كان حجمه ، وتأثيره ، وبالتالي فإن مكوّنات إعلان دمشق ملزمة بتنفيذ قرارات ، وتوصيات الإعلان ، ووضع إمكانياتها ، بتصرفه ، وليس العكس .

خامساً : إننا نقترح أن تقوم الشخصيات المستقلة بدور الحكم بين المؤسسات الحزبية ، وبالتالي يترك لها تولي المراتب التمثيلية للإعلان ، لأن ذلك يحصّن مؤسسات الإعلان من الانزلاق ، لصالح هذا التوجه ، أو ذاك .

سادساً : إن الشرط الديمقراطي ، يجب أن يحترم ، وذلك عبر توجه الإعلان ، لبناء مؤسساته المستقلة في مختلف الأحياء ، والأرياف ، ووضع اللوائح التنظيمية ، لفرز مراتب الإعلان ديمقراطياً ، وذلك وصولاً إلى مجلس وطني ، تمثيلي ، لإعلان دمشق ، يفرز بدوره مؤسسات تنفيذية تمثيلية . دعونا نعترف أيها الأعزاء أن إعلان دمشق لن ينهض بالدور الملقى على عاتقه إلا في حالة واحدة ، وهي أن تبدع مؤسسات الإعلان الوسائل ، والأدوات المناسبة للانتقال بالإعلان من وضعه الراهن النخبوي إلى حاضنته الجماهيرية الواسعة عبر نشاط جماهيري يعيد الحيوية للمجتمع ، وللنشاط السياسي ، والحقوقي في الوقت ذاته .

سابعاً : إن "إعلان دمشق" ليس مطالباً في هذه المرحلة ، ولا في أية مرحلة قادمة من البتّ في قضايا فكرية ، وعقائدية ، وإستراتيجية ، ذات طبيعة إشكالية مختلف عليها بين القوى السياسية عامة ، وبالتالي مختلف عليها بين مكونات إعلان دمشق ، فإذا كان ليس من حق القوميين العرب أن يضمّنوا مواثيق الإعلان النص على وحدة الأمة العربية ، فمن الأولى أنه ليس من حق أحد أن يضمّن تلك الوثائق نصاً مناقضاً لذلك ، وإذا كانت القوى السياسية مختلفة حول موضوع الصراع العربي الصهيوني فليس من مهام "إعلان دمشق" تبنيّ موقفاً ضد آخر ، وإذا كان البعض يتبنىّ مفاهيم الاشتراكية ، والعدالة الاجتماعية ، فإن البعض الآخر يتبنى اقتصاد السوق ، وبالتالي ليس لإعلان دمشق أن يتبنى أحد الموقفين ، وهكذا .... دعونا نحدد أن "إعلان دمشق" تحالف مؤقت ، مهمته الوحيدة فتح الأبواب إلى حياة ديمقراطية ، لتمكين الشعب من الاختيار ، عندها ، وعندها فقط يقرر الشعب البرامج السياسية ، والفكرية واجبة التطبيق .

ثامناً : على الأحزاب السياسية المنضوية تحت مظلة "إعلان دمشق" ، والمتحالفة في الوقت ذاته في "التجمع الوطني الديمقراطي" ، أن تنسّق مواقفها في التجمع ، لينعكس ذلك إيجاباً على "إعلان دمشق" ، ففي هذا تفعيل إيجابي للتجمع ، وللإعلان ، في الوقت ذاته .

تاسعاً : إن الغاية الأساسية لإعلان دمشق هي احترام المواطنة ، وتحقيق معاييرها ، وهذا يستدعي اعتبار المواطنة وعاء يستوعب مكوناتها الأساسية ، وبالتالي من الواجب على مكونات الإعلان احتواء الانتماءات المذهبية ، والإثنية ، والدينية ، والمناطقية ، ويتم التعبير عن ذلك بمؤسسات حزبية وطنية ذات أهداف سياسية محددة ، وهنا يكون الاختلاف حول الرؤى السياسية حصراً ، وهذا يتناقض مع تشكيل أحزاب إثنية ، أو مذهبية ، أو ... فإعلان دمشق يتعامل على قدم المساواة مع المواطنين كافة ، ويدير حواراً هادفاً لتطوير الأحزاب ، لتكون أحزاباً وطنية ، بالمعنى الحقيقي للكلمة مفتوحة على قدر المساواة لكل المواطنين ، وبالتالي ليس هناك مطالب للأقليات ، وأخرى للأكثريات ، بل إن مطالب كل فرد ، وكل جماعة ، هي مطالب المواطنين جميعاً . ولعل هذا الحديث موجه بشكل عام ، وعلى وجه الخصوص ، بكل الحب ، والاحترام للأخوة المواطنين من الأكراد ، فقد كانت الثورة ضد الاستعمار ، وكذلك حركات النهوض ، والتحرر ، وأحزابها تضم كوادر مناضلة ، ولم يخطر على بال أحد في حينها التفريق بين المناضلين ، من أية إثنية ، أو دين ، بل لم يكن من الممكن معرفة ذلك ، الآن نحن في معرض استئناف مشروع النهوض ، والتنوير ، واستئناف التقدم إلى الزمن الأجمل ، فلا حاجة لأحزاب كردية ، أو غير كردية ، سواء كانت إثنية ، أو مذهبية ، أو طائفية ، فالساحة الوطنية ، تتسع للجميع ، وبالمواطنة ، والوطنية ، تتحقق مطالب الجميع ، ويرتفع الظلم ، والحيف عن الجميع ، وبالتفتيت يخسر الجميع ......

عاشراً : ليس هناك ما يمنع من مراجعة المواثيق التأسيسية لإعلان دمشق ، فلا مقدسات بهذا الشأن ، وبالتالي ليس هناك ما يمنع من طرح هيكلية إعلان دمشق ، للحوار العام ، وإعادة الصياغة ، بعد الاستفادة من تجارب السنوات السابقة ، ودراستها ، دراسة نقدية شاملة .


أيها الأعزاء ، في مختلف مواقعكم ، أتقدم منكم بالشكر ، والتقدير ، راجياً أن تكللّ جهودكم الخيّرة في إعادة إطلاق "إعلان دمشق" ، كتشكيل وطني عام ، يساهم في استعادة مشاريع النهوض ، والتنوير ، وتهيئة مناخ من المواطنة الحّقة ، والديمقراطية ، والحرية ، والمساواة ، والعدالة ، وإعادة الهيبة للمؤسسات التي تمثل المجتمع ، وتحصّنه ، من حزبية ، ونقابية ، وجمعيات ، ومنتديات ، ومؤسسات رأي ، وكذلك إنتاج مؤسسات تمثيلية على مستوى السلطات التنفيذية ، والتشريعية ، والفصل بين السلطات ، عبر قضاء مستقل ، وعادل .


وتفضلوا بقبول فائق الاحترام ، والتقدير


دمشق : 1/12/2009

المحامي

حبيب عيسى

سليم حجار 02-15-2010 10:39

على بساط الثلاثاء

63

يكتبها : حبيب عيسى


الوحدة العربية :

ضرورة وجود إستراتيجية...؟

أم تلبية لتحديات مرحلية ...؟

أم حلم مستحيل ...؟






( 1 )

لقد مرت قضية الوحدة العربية ، منذ بداية عقد الخمسينات من هذا القرن ، بمراحل مدّ ، وجذر متعاقبة في العقل العربي ، وفي الواقع العربي :

* في مراحل المّد ، بدت هذه القضية ، وكأنها تيار جارف لا يمكن مقاومته ، وأن على الذين يتناقضون معها في الواقع العربي أن يستعدّوا للتعايش مع هذه القضية ، وتغيير أفكارهم ، وأيديولوجياتهم ، لتقبلّ وجود الأمة العربية على أرض الوطن العربي ، والكف عن التشكيك بوجودها .
* وفي مراحل الجّذر ، بدت قضية الوحدة العربية ، وكأنها انهزمت ، وان على الذين رفعوا رايتها في الوطن العربي أن يتعايشوا وأن يغيرّوا أفكارهم وأيديولوجياتهم ، ليتمكنوا من التعامل مع البدائل المنتشرة على السطح ، من أول الدول "الفعلية" العديدة ، العتيدة القائمة ، إلى آخر الدول المقترحة ، والتي يمكن إضافتها إلى خريطة الأمة العربية التي تتزاحم عليها "الدول" ... الكبيرة منها ، والصغيرة .

1. يقول أنصار قضية الوحدة العربية :

إن الأمة العربية اكتملت تكويناً عندما تمكنّ العرب من طرد جيوش الإمبراطوريتين الفارسية ، والبيزنطية ، وإجلاءهما عن الأرض العربية ، مما أتاح للقبائل ، والعشائر ، والشعوب المنتشرة بين المحيط ، والخليج أن تتفاعل مع بعضها البعض ، وأن تتوحد لغة ، ودولة ، وأن تختص بالأرض العربية ، وتستقر عليها ، وأنه ، حتى عندما امتدت جيوش الإمبراطورية العربية بعيداً عن الأرض العربية ، بهدف إبعاد الخطر ، أو نشر الرسالة ، فإن هذا الامتداد لم يحّول الأمم التي كانت قد اكتملت تكويناً إلى جزء من الأمة العربية ، وإن كانت قد أصبحت أجزاء من الإمبراطورية الإسلامية ، ويضيفون أن ما حصل بعد ذلك من تقسيم للوطن العربي ، وللشعب العربي ، كان نتيجة لعدوان خارجي ،تفاعل مع تآمر داخلي – وهم في هذا مذاهب – ، لكنهم يجمعون في النهاية ، أن هذه التجزئة مهما استمرت ، لا تتغير طبيعتها ، كعدوان على وجود محققّ على الأمة العربية ، لا بد أن يزال ، بانتصار قضية الوحدة العربية .. ، أما كيف يتم الانتصار...؟ ، فهم في هذا مذاهب ، أيضاً .

2. يقول أنصار التجزئة :

أنه لا يوجد امة عربية أصلاً ، وأن هذه المنطقة تضم شعوباً ، وأمماًَ كثيرة لها حضارات ممتازة ، ومتميزة عن بعضها البعض ، وأن هناك أعراق ، وديانات ، وأقاليم ، لكل منها حق تقرير المصير المستقل . وأن ما يسمى القومية العربية ، وبالتالي الوحدة العربية ، ما هو إلا خيال شاعري عاصر مرحلة غزو القبائل المنطلقة من الجزيرة العربية لأراض ، وشعوب ، وأمم لها حق الاستقلال ، أما ، ما هي حدود تلك الأمم ، والشعوب ، أرضاً ، وشعباً ، فهم في هذا مذاهب عديدة تبدأ " بأوطان ، وشعوب " ، معاهدة " سايكس – بيكو " ، ولا تنتهي ، إلى ما هو أوسع أحياناً ، وإلى ما هو أدنى أكثر الأحيان . لكنهم يجمعون في النهاية أنه لا بد من التحرر من آثار "الغزو العربي" ، " لأممهم " ، و " أوطانهم " ، أما كيف يحققونّ أهدافهم ، فهم في هذا مذاهب أيضاً .

3. يقول نفر ثالث :

إن المسألة لا تحتمل كل هذه التعقيدات ، وأن الموقف الصحيح ببساطة هو التعامل مع المتغيّرات الدولية ، بفهم ، وموضوعية ، وأن هذا العالم محكوم بقوى عظمى قادرة على فرض إرادتها على العالم ، وبالتالي لا جدوى من مقاومتها ، فلنترك لتلك القوى أن ترسم الدول ، والحدود ، والمجتمعات كما تريد . والشاطر ، هو الذي يعرف ماذا تريد تلك القوى العظمى ، ويضع نفسه في الطريق الذي تختاره له ، وهكذا فإن الذكي ، حاكماً ، أو محكوماً ، هو من يجيد الرقص على تلك الحبال ، لا من يتمسك بحبل أمته ، ووطنه ...

4. يقول نفر رابع :

علينا الانسجام مع هذا العالم المتغير ، وما يجري فيه ، ففي عصر التكتلات الكبيرة ، يجب أن نتكتل ، وفي عصر التعددية ، دعونا نتعدد ..

( 2 )

هكذا تتعدّد الآراء ، والمواقف من قضية الوحدة العربية وفق المنطلقات ، والغايات ، للأفراد ، والجماعات البشرية المنتشرة الآن في الوطن العربي ، فما هي حقيقة الأمر . ..؟

نقول ابتداءً ، أننا لا ندعي الحياد حيال هذه القضية ، ونسّجل ، أننا ننحاز بشدة للأمة العربية التي ننتمي إليها . وإلى الوطن العربي الذي نختصّ بأرضه ، ولا نرى في الواقع الراهن ، رغم قسوته ، إلا أنه عدوان مدبرّ ، مركبّ شديد التعقيد ، يستهدف وجود الأمة العربية ، وإن المعركة لم تحسم بعد ، كما يتوهم البعض ، وأن الأمة العربية لم تندثر ، وأن المحن التي تعاقبت خلال العقود القليلة المنصرمة لم تتمكن من إلغاء الوجود القومي للأمة العربية ، وإنما أدتّ إلى توهج حقيقة الصراع الدائر على الأرض العربية ، بعد أن ثبت عجز التعددية ، والتجزئة في أن تحقق تقدماً ، أو استقلالاً حقيقياً ، أو حضارة ، أو حتى كفاية ، أو تنمية وانحصرت إنجازاتها ، بالتبعية الاقتصادية ، والسياسية ، وحتى الاجتماعية ، للخارج ، ولتصبح تلك التبعية مفروضة على الأجزاء قهراً ، وخوفاً ، وحاجة ، واستجداء .

( 3 )

لقد تعرضّت الأمة العربية ، وتتعرّض لعدوان مكثفّ من الخارج ، وعسف ، وقهر ، واستبداد ، من الداخل ، وتستخدم ضدها كل الأسلحة المتاحة ، من أول أسلحة التدمير الشامل إلى أسلحة الفتك الاجتماعي ، والاقتصادي ، والإقليمي ، والثقافي .. الأمة العربية ، هذه ، وصلت إلى حالة من التمزق ، والوهن أغرت الكثيرين على الاعتقاد أنها قد تلاشت واقعياً لصالح كيانات ، ودول ، وطوائف ، وأعراق مختلفة ، وأن هذه المنطقة من العالم ، قد استقرت فيها دولاً ، وشعوباً تنتمي إلى ما يسمونه منظومة "دول الشرق الأوسط " ، تضم جنسيات مختلفة ، وشعوب متباينة ، بل وصل الأمر بمقدرة أسلحتهم على الفتك ، بالأمة العربية إلى درجة الإعلان أن كل دولة ، من تلك الدول ، تضم قوميات ، وشعوباً ، وأعراقاً ، وأدياناً ، تصلح ، لأن تكون دولاً عديدة ، لو جاء الظرف المناسب .

إذا كان هذا كله يبدو واضحاً بجلاء على سطح الحياة العربية ، وإذا كانت القوى التي تدعيّ التمثيل الشرعي للأمة العربية ، تعّد الصكوك النهائية ، لتثبيت ما هو قائم من أوضاع تقسيمية ، وانفصالية ، وانعزالية ، كبديل عن الوجود القومي التاريخي ، والمعاصر ، والمستقبلي للأمة العربية ، فإن نفر من أبناء الأمة العربية الحالمين يرددون بثقة ، وهدوء : " إنها محنة ، وستمضي " اعتماداً على ما تعرضت له هذه الأمة من أهوال ، ولم تندثر ، فهي واثقة بمقوماتها الصلبة ، والراسخة التي استعصت على قوى التحطيم ، رغم شراسة ، وتنوع ، ومقدرة أسلحة تلك القوى على الفتك ، والتدمير .

( 4 )

لقد أدىّ هذا الواقع ، شديد التعقيد ، إلى اختلاط الأوراق ، وتميّيع المواقف . ونعتقد أن المرحلة الراهنة قد وصلت إلى غايتها ، وأن الصراع الحقيقي ، والرئيسي في الوطن العربي هو الصراع بين الأمة العربية ، التي تريد أن تنهض ، وتسّتقل ، وتتقدم ، بقدر ما تملك من طاقات بشرية ، ومادية ، من جهة ، وبين قوى الهيمنة العالمية ، وامتداداتها من أنظمة الطغيان ، والاستبداد ، التي تسّتغل أوضاع التجزئة المحلية . وأن هذه التكوينات الراهنة ، قد فشلت ، أو أثبتت التجارب عجزها عن القيام بأعباء النهوض ، والتحرر ، وبالتالي ، فإنه لا بد من أن تتغيّر طبيعة النضال العربي ، ووسائله ، وأساليبه ، لتحقيق الأهداف ، كما يلي :

1. الخطوة الأولى على طريق التغييّر ، تبدأ بإعادة فرز القوى على الساحة العربية ، فرزاً علمياً ، وموضوعياً ، تنتهي معه حالات التداخل ، والاختلاط بين فصائل الثورة العربية ، من جهة ، وبين فصائل الحركات الإقليمية ، والتقسيمية ، من جهة أخرى .

لقد دفعت الجماهير العربية ثمن هذا الاختلاط دماء غزيرة ، وهزائم نكراء ، لذلك فإن لهذا الفرز ما يبرره علمياً – ذاتياً ، وموضوعياً – خاصة بعد أن تبيّن من الوقائع ما يثبت أن الحركات الإقليمية ، والطائفية ، حققت للحركة الصهيونية ، ما هي عاجزة عن تحقيقه ، بقواتها الذاتية .

وهذا يعني أن الثوريين العرب أصبحوا أمام طريق واضح ، ومحدد المعالم ، لا خيار لهم في اختياره . وهو طريق الوحدة العربية ، لبناء دولة العرب القومية الديموقراطية ، التقدمية ، العادلة ، والتخلي نهائياً عن كافة أنواع المراهنات على القوى الإقليمية ، أو على بعضها ، مهما قرعت تلك القوى على طبول الكلمات الكبيرة المتطرفة ، خاصة ، بعد أن أثبتت التجربة المريرة ، أيضاً ، أن تلك القوى لا تتناقض مع مخطط التجزئة للوطن العربي ، وإن كانت تختلف مع بعضها البعض في بعض التفاصيل .

2. والخطوة الثانية تكون بإيقاف هذا النزيف المستمر ، من جسد التيار القومي العربي التوحيدي ، والحد فوراً من هذه الهجرة المخططة ، والمدروسة ، باتجاه الحركات الإقليمية ، والتقسيمية .

وإذا كان البعض يدعّي ، أن التيار القومي العربي التقدمي ، يعاني من أزمات فكرية ، وتنظيمّية ، فإننا نقول : إن مهمة الثوار العرب تكمن في إيجاد الحلول العلمية ، لهذه الأزمات ، وتلك المشكلات حيثما وجدت ، وليس بالانحراف ، والارتداد ، والردة ، عن المسيرة القومية العربية .

وإذا كان البعض الآخر يحتج بصعوبة تحقيق الأهداف القومية ، ومخاطر السير على طريق تحقيق الوحدة العربية ، فإننا نقول ، إن الصراع مع أعداء الأمة العربية ، لن يكون بأي حال ، من الأحوال ، رحلة سياحية حالمة ، وبالتالي فإن على الذين سيختارون طريق المواجهة ، أن يدركوا منذ البداية مشقة السير على هذا الطريق ، أما الذين يتهيّبون مخاطر سلوك هذا الطريق ، فهذا حقهم ، لكن عليهم إعلان ذلك صراحة ، وليس بالتبرير ، والتلفيق .. ذلك انه بعد كل هذا الذي جرى في الوطن العربي ، من غير المسموح فيه رفع راية الوحدة العربية ، من جهة ، والاتجاه ، في الوقت ذاته إقليمياً ، وطائفياً ، تحت ادعاء الواقعية .

3. وتكون الخطوة الثالثة : بمواجهة الأسئلة الصعبة التي تعترض تحديد مسار الثوار العرب بإجابات علمية ، ذلك أن شللاً من الانهزاميين في الوطن العربي يبررون إنهزاميتهم ، بإثارة أسئلة استفزازية " تعجّيزية " ، ويغلقون بأنفسهم كل الطرق إلى النهوض . وأنه لا فائدة ، وأن المخطط الإقليمي ، والعالمي منتصر لا محالة ، وأن مواجهته غير ممكنة .. ثم – وهذا هو المهم – تكون النتيجة ، التي يدعون إليها ، هي الخلود للراحة ، والسكونية ، واجترار النضالات السابقة ، وعدم مواجهة الأخطار التي تتعرض لها الأمة العربية ، حاضراً ، ومستقبلاً .
4. باختصار شديد ، نعتقد أن الأمة العربية تخوض ما يعتقد الأعداء ، أنه الجولة الأخيرة ، حيث يحشدون كل ما يستطيعون من قوى ، وإمكانيات ، بينما ، الأمة العربية ، لن تستطيع أن تواجه هذا العدوان الشامل ، إلا بفرز طليعة عربية ، وحدوية استفادت من التجارب التي انقضت ، لتتمكن من مواجهة الظروف ، بالغة القسوة ، التي تفرضها قوى الهيمنة الدولية ، ووجود الكيان الصهيوني في القلب العربي ، وتسلط أنظمة الاستبداد ، والتخلف التي تفرض سطوتها على الأرض العربية ، والشعب العربي .

أما كيف يتم هذا .....؟ ..

( 5 )

تعترض استمرارية حديثنا عن الوحدة العربية ، ذكرى غالية على قلوبنا ، نحن العرب القوميون ، هي : "الجمهورية العربية المتحدة" ، ذلك أن تلك الذكرى تضعنا وجهاً ، لوجه أمام الحلم ، من جهة ، وأمام التجربة المرة من جهة أخرى ، هناك من أراد أن يعتبر تلك التجربة دليل على الفشل ، ودرس في الإحباط ، بينما نعتقد نحن أنها كانت تجربة على الطريق الطويل إلى الحلم ، هامة في دلالتها ، ونتائجها ... لا يمكن المرور عليها دون توقف عندها ، تأملاً ، ودراسة ، واستنتاجاً ... ذلك لأن الجمهورية العربية المتحدة شّكلت بولادتها برهاناً ساطعاً ، على إمكانية انعتاق الأمة العربية من حالة الاستلاب ، والهزيمة ، بينما شّكل انفصال الإقليم الشمالي ، منعطفاً خطيراً ، توقفت بحدوثه مسيرة الصعود التوحيدي العربي ، وعادت مسيرة الانحطاط ، التمزيقي ، تسـتأنف مسيرتها باتجاه المرحلة الخطيرة التي لازمتها ، ومازالت حتى هذه اللحظة التاريخية التي نعيش .

( 6 )

ففي صبيحة 28 " سبتمبر " أيلول 1961 تمكنت عصابة من "الجيش الأول" في الإقليم الشمالي من توجيه ضربة قاصمة ، إلى دولة الوحدة النواة ، ومن إعادة الخريطة الاستعمارية ، التقسيمية ، في الوطن العربي ، التي رسمت في معاهدات " سايكس – بيكو " ، و " سان – ريمو " ، وعشرات الاتفاقات ، والمعاهدات السرية ... إلى مكانتها البارزة ، كبديل عن دولة الأمة ، أي عادت الحال إلى ما كانت عليه ، وأسوأ ، قبل قيام الجمهورية العربية المتحدة . تلك الجمهورية ، التي بدت ، وكأنها الضربة التحطيمية الأولى ، لتلك الخريطة المشوهة للأرض العربية . وللشعب العربي ... ، تلك "الجمهورية العربية المتحدة" التي اهتزت بقيامها أحلام قوى الهيمنة العالمية ، وقوى التفتيت ، والعصبية ، والتخلف ، في الوطن العربي ، وبدأت بقيام العربية المتحدة أحلام العرب بالتوهج ، وبدت التجزئة ، ودولها ، وكياناتها ، وأجهزتها ، كنمر من ورق ، وكأنها مرحلة استثنائية حدثت في غفلة من الزمن ، وأنها كانت تعبيراً عن " محنة وستمضي " .. لكن في 28 " سبتمبر " أيلول 1961 انقلبت المعادلة ، وعاد التوحيديون العرب إلى مواقع الدفاع عن ما تبقى من هذه الأمة ، ونفش الإقليميون ريشهم من جديد ، ليعلنوا أن التجزئة هي الباقية إلى الأبد ، وأنها واقع موضوعي تقوم عليه دول متنوعة ، وأنظمة حكم من كل الأشكال ، والألوان ، تصدح فيها الأناشيد الوطنية ، وترفرّف عليها الأعلام ، ويظللها الاعتراف الدولي ، والدعم الدولي ، والحماية الدولية ... وأن الجمهورية العربية المتحدة كانت حدثاً استثنائياً ، حدث في غفلة من العيون المفتوحة جيداً على الوطن العربي ... وأن الاحتياطيات اللازمة ، قد اتخذت ، وتتخذ ، بكل الوسائل ، والأساليب ، والإمكانيات ، وعلى أرفع المستويات ، لمنع تكرار "العربية المتحدة" مرة أخرى ، وأن كل الأسلحة المتطورة ، من أول أسلحة التدمير الشامل ، إلى الأسلحة الفردية ، تجوب البحار ، وتخزّن في القواعد ، التي تحميها الأنظمة العربية ، بسخاء ، قد وضعت بتصرف أصحاب الشأن ، المسؤولين عن حماية الدول العتيدة القائمة فيما يسمونه الشرق الأوسط ، من أول الدولة الصهيونية " إسرائيل " ، إلى آخر الدول المنتشرة في كل الاتجاهات بين المحيط ، والخليج . وأن الأقمار الصناعية ترصد ، فيما ترصد ، استقرار تلك "الدول" ، وتراقب عمل المخافر على حدودها التي تقسّم الوطن العربي ، وتأمر بإغلاق البوابات ، أو فتحها حسب الحاجة ، وهي تحت المراقبة الشديدة ... ثم ، ومع كل ذلك ، قبله ، وبعده ، اعتمدت القوى المعادية ، على قوى التحكم " عن بعد " ، وعن قرب " ، واستخدام كل ما يتيحه العلم . والعلوم من أسلحة تدميرية ، للوجود الإنساني ، والثقافي ، والحضاري ، والاجتماعي ، والاقتصادي ، للأمة العربية ، مع التركيز على الإنسان العربي تحطيماً ، وتشويهاً ، وتصنيع نماذج من البشر لا تكتفي بتنفيذ ما تطالب به قوى الهيمنة الدولية ، وإنما تبدع ، و"بكامل إرادتها" ، وسائل متطورة ، لتحطيم الوجود الحضاري للأمة العربية ، تاريخاً ، وحاضراً ، ومستقبلاً .

كل تلك الأسلحة ، وأكثر ، مع خبراء التشغيل ، وتأهيل الكوادر اللازمة ، وضعت بخدمة "القراصنة" الذين يختطفون الوطن العربي ، بما ، يعيش عليه من الشعب العربي . وبما ، يختزن داخله من ثروات ، حتى لا تتكرر تجربة دولة الجمهورية العربية المتحدة ، مرة أخرى ، وبشكل أعمق ، وأكثر اتساعاً ، فقد عرفت القوى المعادية ، كيف تحطمّ الجمهورية العربية المتحدة ، التي مضت ، لأن ذلك كان متاحاً بسبب جملة من الظروف الموضوعية ، والذاتية ، الشديدة التعقيد .. لكن الأعداء ، قد يعجزون عن مواجهة جمهورية عربية قادمة ، خاصة إذا عرف ، وعلم ، أو تعلم ، ووعى ، وأدرك ، واستدرك ، وحسم ، الجيل العربي الجديد ، كيف سيقيم الجمهورية العربية المتحدة ، وكيف يحميها من التحطيم ، وكيف يحصّنها من مؤامرات الأعداء .

( 7 )

وحتى لا يتوهم أحد ، أننا نلقي ، باللوم ، والمسؤولية على عاتق قوى التقسيم ، والتفتيت ، والإقليمية ، وبالاستناد إلى قوى الهيمنة الخارجية ...، نقول ، إن تلك القوى ، التي تخاصم مشروع النهوض القومي ، وتعاديه ، على مختلف توجهاتها ، تعمل ما يجب عليها عمله لتحقيق أهدافها في هزيمة التيار القومي التقدمي العربي ، لأن نجاحه يعني هزيمتها . فقط ، أردنا ، ونريد القول إن عرب الوحدة لم يقوموا بواجباتهم ، ومهماتهم ، كما يجب ، لذلك استحقوا الهزيمة التي يعانون منها هذه الأيام ، وإنهم ، يوم أن يدركوا ما يجب عليهم فعله ، ويمارسون هذا الفعل واقعياً ، فإنهم عندها ، وعندها فقط ، يستحقون النصر . وأردنا أن نقول أيضاً ، إن حجم التدخل الخارجي في الوطن العربي كثيف إلى درجة كبيرة لم تشهدها أمة من الأمم ، وبالتالي ، لا بد من أخذ هذا الجانب بعين الاعتبار .

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، وحتى لا يتحول هذا الحديث إلى حلقة من الندب ، ولطم الخدود ، والبكاء على الأطلال ، أو إلى حديث استعراضي عن الذكريات ، أو إلى مجرد تمنيات عاطفية عن حلم ومض ، وتوهج ، ثم انطفأ ... حتى لا يحدث شيء من هذا ، فإننا نتوجه إلى الجيل الجديد من الشباب العربي ، بقصد ، محدد المنطلقات ، والغايات ، هو إثارة أكبر قدر من "الجدل الاجتماعي" – ليس حول أحداث ، وحوادث دولة الجمهورية العربية المتحدة التي مضت - وإنما ، حول الدروس المستفادة منها ، لبناء جمهورية عربية متحدة قادمة ، تكون عصّية على التحطيم ، قادرة ، مقتدرة ، لا تكرّر الأخطاء ، والخطايا ، التي أدّت إلى الكارثة ، التي نعيش ، ونحيا ، ونعاني . جمهورية عربية متحدة قادمة ، قادرة على المواجهة ، وتحقيق الانتصار ، وتحرير الأرض ، وتوحيدها ، وتحرير الإنسان العربي ، ورفع الظلم ، والاستغلال ، والاستلاب ، والاستبداد ، عن كاهله ، وبناء الدولة القومية المتكاملة في الوطن العربي ، على أنقاض الدويلات المتناقضة القائمة الآن في الوطن العربي تنفيذاً لمعاهدات القراصنة الدوليين ، وليس تحقيقاً لحق الشعب العربي في تقرير مصيره .

( 8 )

ولعل أول الدروس المستفادة من تجربة دولة الجمهورية العربية المتحدة هو أن العمل التوحيدي في الوطن العربي لا يمكن تحقيقه إلا بضربة حاسمة ، ومفاجئة للقوى المعادية التي تمتلك قواعد ، وأسلحة ، وقدرات شديدة التأثير ، وبالغة التنوع . بمعنى ، أنها تستطيع إذا أعطيت الوقت الكافي أن تجهض أي عمل توحيدي عربي ، ولعل التجارب الكلامية ، والضجيج حول الوحدة ، وتأخير الوحدة ، بحجة دراسة الخطوات الوحدوية ، وإلى آخر تلك الأساليب ... تستخدمه القوى المعادية ، لتنقضّ على مشروع دولة الوحدة قبل ولادتها ، وهذا ما أثبتته التجارب المرة عن تلك المشاريع ، والخطوات الوحدوية ، التي أثير حولها الكثير من الضجيج ، والتي لم تشهد النور ، وظلت مجرد حبر على ورق ، وتحولت في بعض الأحيان لتأجيج الصراعات الإقليمية ، ولتحويل قضية الوحدة العربية ، في أحيان أخرى ، إلى شكل كاريكاتوري ، ساخر ، وأدت ، وتؤدي من حيث النتيجة إلى نتائج ذات طبيعة كوارثية على مستقبل الوحدة العربية ، وتحولت الفترات الزمنية الفاصلة بين الإعلان عن الخطوة الوحدوية ، أو الميثاق الوحدوي ، وبين الوقت المفترض لتحقيقه ، إلى فترة تستفيد منها القوى المعادية لقضية الوحدة ، في استنفار قواها ، والانقضاض على الذين فكرّوا ، مجرد تفكير جدي ، في إقامة دولة الوحدة . وتسقط أوهام الذين اعتقدوا أنهم سيستخدمون تلك الفترة في دراسة مشروع الوحدة لتحقيق وحدة مدروسة ، غير ارتجالية . ومن حيث المحّصلة استخدمت الكيانات الإقليمية في الوطن العربي تلك الأساليب ، لكشف بعض الفعاليات العربية الجديّة في توجهها الوحدوي ، كمقدمة للتخلص من تلك الفعاليات الوحدوية ، بالأساليب المناسبة .

( 9 )

ولعل الدرس الثاني الذي يمكن استخلاصه من الكيفية التي قامت بها دولة الجمهورية العربية المتحدة ، والظروف الموضوعية ، والذاتية التي رافقت قيامها ، هو أن النضال التوحيدي العربي لا يمكن تحقيقه ، إلا في ظل مّد جماهيري عربي قومي يشل فعالية أجهزة السلطات ، والكيانات الإقليمية ، والتجمعات الطائفية ، والعرقية ، ويمنعها من ممارسة التخريب المنظم ، والقمع الفعال . فلا بد من أن تتحول حالة التحدّي ، والتمرّد الجماهيري ، إلى ظاهرة جماعية عريضة تصعب عمليات السيطرة عليها ، وتصمد أمام محاولات الاحتواء ، والتحريّف ، والتخريب ، وتغيير الاتجاه ، وهذا يفرض على القوميين العرب التقدميين الانخراط على أوسع نطاق مع كافة مكونات المجتمع العربي في نضال دؤوب لانتزاع الحياة الديموقراطية ، والحريات الأساسية للمواطنين العرب ، فقد ثبت أن الاستبداد ، والطغيان ، والتضييق على الحريات العامة ، وحرية الرأي ، هي العوامل الرئيسية التي تعيق الجدل الاجتماعي ، وبالتالي تعّطل ، وتعيق التطور باتجاه الوحدة العربية . وفي حالة دولة الجمهورية العربية المتحدة ، كانت الجماهير العربية قد تحولت طيلة سنوات عقد الخمسينات من القرن المنصرم ، والتي سبقت قيام العربية المتحدة ، وأعقبت المهزلة التي انهزمت فيها الكيانات الإقليمية " العربية " في فلسطين ، أو هزمت نفسها أمام الصهيونية ... تحولت تلك الجماهير العربية الغاضبة في الإقليم الشمالي ، وفي أجواء من الديموقراطية النسبية ، إلى سيل جارف ضد فساد التجزئة ، وأجهزتها ، وكياناتها ، ففرضت ولادة الجمهورية العربية المتحدة .

( 10 )

ولعل الدرس الثالث هو أن المد الجماهيري العفوي " على السجية " ، وإن كان يصلح لوقف الانهيار ، وتحقيق بعض الخطوات الايجابية ، في مراحل تاريخية معينة ، فإنه عاجز عن تحقيق تقدم مطرّد ، صاعد ...، صحيح أن فوران ، حماس الجماهير العربية في الخمسينات حققّ دولة الجمهورية العربية المتحدة ، لكن تلك الفورة ، والحماسة ، لم تستطع مواصلة المسيرة العربية باتجاه وحدة بحجم الأمة العربية ، بل ، حتى لم تستطع حمايتها ضمن حدودها المحدودة .

لقد أدىّ عجز البنى السياسية للحركات ، والأحزاب التي رفعت راية التوحيد العربي عن استيعاب المد الجماهيري القومي ...، كما أن أجهزة دولة الوحدة عجزت عن ذلك أيضاً ، ممّا أدى إلى كارثة في المحصلة النهائية ، للتجربة ، فكان انفصال العربية المتحدة ، مجرد نتيجة مباشرة ، أما النتائج الأبعد مدى ، فهي الأخطر ، وهي التي أدّت ، فيما أدّت إليه ، إلى انحسار المد القومي العربي التقدمي ، وانتعاش الكيانات ، والقوى ، والأفكار ، والتجمعات العنصرية ، والطائفية ، والمذهبية ، التي ترى في المشروع التوحيدي العربي خطراً جسيماً على كيانيتها ، وانعزاليتها ، وتخلفها .

( 11 )

ولعل الدرس الرابع هو أن دولة الوحدة العربية ، عندما تتمكن الجماهير العربية من تحقيقها ، لا بد أن تقام على أسس ديموقراطية ، وقانونية ، وإدارية ، وتشريعية صلبة ، بمعنى أن على دولة الوحدة العربية ، حتى في حدودها ، المحدودة ، كتجربة العربية المتحدة .. عليها أن تتخلص من مرتكزات السلطات الإقليمية التي قامت على أنقاضها ، وأن لا تهادن في ذلك تحت أي ظرف ، وأن تقيم على الفور مؤسسات دولة الوحدة ، بمواصفات مؤسساتية عالية التنظيم ، واللوائح .. ذلك أن بقايا الكيانية الإقليمية داخل دولة الوحدة العربية ، ستبقى ألغاماً جاهزة للانفجار في أي وقت ، وستبقى مصدراً للتوتر ، والتفجير ، والتخريب لدولة الوحدة تتحين الفرص للانقضاض النهائي عليها . وهذا ما حصل بالضبط داخل دولة العربية المتحدة . ذلك أن تردد دولة الجمهورية العربية المتحدة في استبدال الأجهزة الإقليمية داخل الإقليمين أدى إلى نتائج أودت بتجربة الوحدة ، وإلى نتائج سلبية بعيدة المدى ، مزدوجة في خطورتها ... ، فهي أولاً أدت إلى نتائج تخريبية جاهزة للانقضاض على دولة الوحدة من خلال أية ثغرة ضعف ، يمكن أن تظهر ... هكذا ، على سبيل المثال ، وجد الانفصاليون في الإقليم الشمالي أجهزة الدولة الإقليمية للدولة السابقة على الوحدة ، جاهزة لاستخدامها ضد دولة الوحدة : فالنقد الإقليمي كان جاهزاً يصدره البنك الإقليمي ، لتقوم عليه دولة الانفصال ... كما أن الوزارات ، وكوادر الأجهزة الإقليمية كانت جاهزة ليقيم الانفصاليون عليها ، دولتهم الانفصالية البديلة ... بل ، حتى الجيشين ، كانا في دولة الوحدة ، من حيث التركيبة الديموغرافية الأساسية ، جيشين منفصلين ، كل في إقليمه ، ولم يتحولا إلى جيش واحد ، بل إن عمليات وجود الضباط الكبار هنا ، وهناك أدت إلى نتائج عكسية ، حيث استخدمت الأخطاء التي رافقت ذلك ، لتأليب مؤسسة الجيش الإقليمية ، في الإقليم الشمالي ، للانقضاض على دولة الوحدة .

( 12 )

ولعل الدرس الخامس هو أن دولة الوحدة في حال قيامها بين قطرين عربيين ، أو أكثر لا يمكنها الركون إلى هذا النصر المؤقت ، ومن غير المسموح به ، إطلاقاً ، للقائمين على دولة الوحدة أن يتوهمّوا ، للحظة واحدة ، أن "الدول" ، والكيانات الإقليمية التي تحتل ما تبقى من الأرض العربية يمكن أن تتعايش مع دولة الوحدة ، اعتماداً على ما يتوفر من قوى ، وإمكانيات داخل دولة الوحدة ، فإما أن تتحول دولة الوحدة العربية إلى نقطة ارتكاز للجماهير العربية القومية المنظمة ، داخل دولة الوحدة ، وخارجها ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، تنطلق منها في زحفها الكبير بين المحيط والخليج ، تحريراً لكل قرية ، وبلدة ، ومدينة عربية ، وإما أن تستعيد القوى المعادية للوحدة العربية زمام المبادرة ، فتحاصر دولة الوحدة العربية ، وتسحق المشروع الوحدوي ، وهذا يعني ، أن على التوحيديين العرب عندما يحررون جزءاً من الأرض العربية ، ويقيمون عليها نواة دولة وحدة عربية ، أن لا يقعدهم النصر الجزئي ، الذي تحقق ، عن مواصلة الطريق ، ففي ذلك مقتلهم .

( 13 )

ولعّل الدرس السادس هو أن أجهزة السلطات الإقليمية ، بفعل النشأة ، والتربية ، والوظيفة ، والممارسة ، لا يمكن إلا أن تكون معادية لدولة الوحدة العربية ، وللمناضلين الحقيقيين من أجل الدولة القومية ، وبالتالي ، فإن من أشنع الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها المناضلون التوحيديون العرب ، اعتمادهم على تلك الأجهزة تحت ضغط وهم أنهم سيوجهّونها قومياً ، سواء حصل ذلك في ظل دولة الوحدة الجزئية ، أو في ظل اعتلاء بعض القوميين التوحيديين ناصية تلك الأجهزة ، في هذا الكيان الإقليمي ، أو ذاك .

فقد تجاهل البعض من القوميين التوحيديين العرب ، الحقائق الموضوعية الثابتة التي تؤكد أن تلك الأجهزة الإقليمية لا يمكن أن تعمل ضد نفسها ، أو تقاتل ضدّ كياناتها الإقليمية ، وبالتالي ، فإنها عندما تنحني في بعض المراحل التاريخية أمام زحف جماهيري لا مجال لمقاومته ، فإنما تفعل ذلك لتحقيق عدة أهداف ، دفعة واحدة .. فهي ، من جهة ، انحناءة لتمرير العاصفة التوحيدية ، وهي من جهة ثانية اختبار لصلابة القوميين التوحيديين فتبتلع العناصر " الرخوة " السهلة ، وتنفخ فيها ، وتستخدمها لضرب ، وسحق ، وتهميش العناصر ، والكوادر التوحيدية الصلبة ، وهي من جهة ثالثة تنشر قدراً كبيراً من الارتباك ، والفوضى عندما تبدو تلك الأجهزة الإقليمية ، وكأنها ترفع راية الجماهير العربية التوحيدية ذاتها ، وتنسب إلى تلك الراية القومية ، كل الموبقات ، والعسف ، والاستغلال ، والاستبداد الذي تمارسه تلك الأجهزة عدواناً على جماهير الأمة . وهي من جهة رابعة تقوم بدور تخريبي بالغ الفعالية على الصعيد القومي عندما تقترب أجهزة التفتيت الإقليمي من فصائل النضال القومي العربي لتصبغ النظام الإقليمي بصبغة قومية ، بينما هي تعمل من حيث النتيجة على فرز حقيقي ، فتبرز إلى الواجهة العناصر الانتهازية ، والوصولية ، وتضفي عليهم ، وتقدمهم على أنهم فصائل التوحيد القومي العربي ، وتقوم في الوقت ذاته بسحق ، أو محاصرة ، أو تهميش العناصر ، والكوادر القومية الثورية الحقيقية التي تستعصي على محاولات الأحتواء ، والتخريب .

( 14 )

ولعل الدرس السابع ، والحاسم في دلالته ، هو أن دولة الوحدة الجزئية التي لا يقيمها ويحميها تنظيم قومي عربي ، توحيدي ، تقدمي ، لا يمكن أن تستمر ، حتى لو توفرت لها قيادة تاريخية ، استثنائية ، فذة ، كقيادة جمال عبد الناصر .

ذلك أن دولة الوحدة الجزئية ، يجب أن تسّخر ، كأرض محررة ، وإمكانيات ، بشرية ، ومادية ، بتصرف شعب الأمة العربية كله ، ليحّولها إلى قاعدة انطلاق للتوحيد القومي الشامل ، من جهة ، ويبني عليها في الوقت ذاته النموذج الحضاري الذي يبشر به ، لأمة عربية محررة ، موحدة ، ديموقراطية ، تقدمية ، يحرّر الأمة ، ويعتقها من الاستغلال ، والاستبداد ، والتخلف ، ويفتح أمامها المجال رحباً ، للتقدم ، والتطور ، واستخدام الإمكانيات المتاحة في بناء حضاري شامخ ، تستحقه أمة بحجم ، ونوع ، وعراقة ، وإمكانيات الأمة العربية .

إن أي خلل في تحقيق هذه المعادلة ، يعني أن فراغاً قد تشّكل ، وبالتالي ، فإنه يغري الكيانيات الإقليمية ، والتقسيمية ، بملء هذا الفراغ فكرياً ، وسلوكياً ، وتكون المحصلة كارثة على النضال القومي ، التوحيدي العربي ، بكل المقاييس .

( 15 )

هكذا نطل على ذكرى ذلك اليوم 22فبراير- شباط – 1958 بعد 52 عاماً ، ليس ً لنحتفل فيه بالجمهورية العربية المتحدة ، علنّا نتنفسّ ذلك الحلم الجميل ، وحسب ، وإنما قبل ذلك ، ومعه ، وبعده ، لنرسم خطاً في العقل ، وفي الواقع ، إيذاناً بالانطلاق إلى جمهورية عربية متحدة قادمة ، وإذا كانت القوى المعادية للنضال التوحيدي العربي ، قد ربحت جولة في 28/أيلول – سبتمبر - 1961، فمن المهم التأكيد أن المعركة لم تحسم ، كما توهم البعض ، رغم كل هذا الزبد ، الذي سيذهب جفاء ، والذي يطفو على سطح الحياة العربية ، هذه الأيام ... بل نقول ، بعد استقراء عميق للواقع الموضوعي العربي ، إننا ، ربما نعيش زمن السقوط الأخير للإقليميين في الوطن العربي ..، ولكل ما أنتجوه من طائفية ، ومذهبية ، وعنصرية ، وفساد ، وأن هذا الزمن هو زمن المخاض ، لانطلاقة عربية قومية توحيدية جديدة ..

إننا في ذكرى العربية المتحدة ، نستذكر وقفة العز ، والشموخ ... لقائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، لكننا لن ننسى ، ولن نكرّر ، الأخطاء ، والخطايا ، التي وأدت العربية المتحدة ، لن ننسى ذلك اليوم الأسود الذي وقع فيه الانفصال ، ولن ننسى ذلك العدوان الذي قضى على دولة الجمهورية العربية المتحدة ، والذي مهّد لعدوان /5/ يونية " حزيران " 1967، والذي مهد بدوره لما حصل ، ويحصل إلى الآن ... في هذه الذكرى نقول إن دولة الوحدة العربية الديموقراطية التقدمية ، وحدها ، هي سبيلنا للتقدم والتطور والحرية ، وهي الوسيلة الحيدة التي تنقذ الأمة العربية مما هي فيه ، الآن ، من هوان ، وإذلال ، وعدوان ، وإنها معركة طويلة ، ستحسم في النهاية ، لمصلحة القوى التي تمتلك عناصر ، ومقومّات ، وأسباب النصر ، فتحقيق الأهداف العظيمة لا يتم بالتمّني ، وإنما بالنضال الدؤوب ، وإذا كان الطرف الإقليمي ، التقسيمي قد ربح جولة بوأد العربية المتحدة ، فإن قوى التوحيد القومي العربي مطالبة بتلبية ، نداء التاريخ ، والحاضر ، والمستقبل ، لتحقيق مقومّات النصر في ذواتهم ، وفي الواقع الموضوعي ، أساساً ، والنصر في النهاية لمن يستحقه . وعلى الذين ينشدونه ، أن يلبوا استحقاقه .....

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 02-26-2010 07:12

على بساط الثلاثاء
64

بقلم : حبيب عيسى


ليس باسمنا ...
يا سيادة اللواء ...!!








( 1 )

لم يكن الشعب العربي ينتظر شهادة اللواء عبد الكريم النحلاوي كي يحدد موقفاً مما حدث صبيحة يوم 28 أيلول – سبتمبر – 1961 ، كما أن الشعب العربي ليس بحاجة لمن ينكأ جراحه ، ويذكرّه بما جرى ، ذلك أن تلك الجراح لا تنسى ، فهي مازالت نازفة بغزارة منذ ذلك التاريخ بين المحيط ، والخليج...
وإذا كان من حق الحالمين بأمة عربية موحدة ( ذات سيادة ، واستقلال ، متحررة من الهيمنة ، والاحتلال ، والاستيطان ، والاستغلال ، والاستبداد ) ، اعتبار ذلك الحدث الانفصالي ، جريمة ، وأن الذين صنعوه مجرمين .. وأن جريمتهم مستمرة ، يستولدونها جرائم جديدة في كل يوم ، منذ ذلك التاريخ ، باعتبارها أم الجرائم ، وأبوها ... فإن من حق الذين خططوا ، ودبروا ، ونفذوا انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة أن ينفشوا ريشهم ، ذلك أنهم غيرّوا مسار الأحداث في الوطن العربي ، بحق ، بالاتجاه المعاكس ، وكان لذلك اليوم الإنفصالي الطويل .. ما بعده .. ولهم أن يفخروا ، بأن كل هذا المشهد السائد في الوطن العربي ، هذه الأيام .. هو من صنع أيديهم ... لقد حرروا الشعب العربي في سورية من الاحتلال المصري ، ومن الديكتاتورية ، والاستبداد ، والقمع ، والفساد ...كما أن النتائج التي تمخضت عن فعلتهم في ذلك اليوم المفصلي ، واضحة للعيان .. تكفي نظرة عجلى على الواقع العربي الراهن هذه الأيام ، حيث الحرية ، وحقوق الإنسان العربي مصانة ، وحيث العدالة ، وسيادة القانون ، والمساواة ، والمواطنة ، وحرية الرأي ، والديمقراطية ، والمؤسسات المنتخبة ، وفصل السلطات ، والتنمية ، والتقدم ، ووضع الثروات العربية بتصرف الشعب العربي ، وحيث الوطن العربي يأخذ دوره اللائق في هذا العالم ، لا يعتدي ، ولا يعتدى عليه ، وحيث الحكم للشعب ، وبالشعب لا تسلط عليه ، ولا تعسف ، ولا انتهاك لحقوقه الأساسية ، وحيث تحترم حدود الأمة ، وسيادتها على كامل أرضها لا مستوطنات للصهاينة في قلبها ، ولا احتلال لأجزاء من وطنها من دول الجوار ، ولا هيمنة على ثرواتها ، ومقدراتها من قوى الهيمنة والتسلط الدولية ، وحيث المواطنة هي سيدة الموقف في الوطن العربي فلا تكفير ، ولا إقصاء ، ولا تفرد ، ولا استئصال ، ولا فتن ، ولا اقتتال ، ولا نعرات طائفية ، ولا عنصرية ، لا مذهبية ، ولا إقليمية ، ولا قبلية ، ولا عائلية ... وإنما مجتمع متكامل متضامن يصيغ التقدم ، والنهضة ... فشكراً للانفصال ، وللانفصاليين ، الذين صنعوا لنا هذا النعيم .
( 2 )

من حق الانفصاليين إذن أن يفخروا بما صنعت أيديهم ، فقد خلصّوا الأمة العربية ، وحرروها من تسّلط الجمهورية العربية المتحدة ، وقمعها ، ومن ديكتاتورية جمال عد الناصر التي كانت تعيق تقدم الأمة ، وتطورها ، وحريتها ..ووصلوا بها ، ومعها إلى ما هي عليه الآن ، فكيف كان لهذه الأمة أن تنعم بما تنعم فيه هذه الأيام لولا نجاحهم في فصل عرى الجمهوريةة العربية المتحدة ...؟! من أين كان للأمة الغربية كل هذا النعيم الذي تغرق فيه هذه الأيام ؟؟ ، فالحكام اليوم ، يختارهم الشعب ، ويحكمون بإرادة الشعب ، ويتداولون السلطة دورياً ، بإرادة الشعب ، وحقوق المواطنين العرب بين المحيط والخليج ، مصانة والمؤسسات ديموقراطية ، وتكافؤ الفرص بين الجميع ، وقيم العدالة ، والمساواة هي السائدة ، لا مخبرين ، ولا زنازين ، ولا تعسف ، بعد التخلص من ديكتاتورية جمال عبد الناصر ....
( 3 )

هكذا ، فإن المشهد الراهن في الوطن العربي ، تختلط فيه مشاعر المآسي ، بمشاعر السخرية ، فمنذ نصف قرن ن تقريباً ، اختفى أولئك المنفذين ليوم 28 أيلول ، سبتمبر ، 1961 بعد أن قبضوا أجورهم ، وتركوا الساحة ، لمن يستثمر ما فعلوه .. وبما أنني استند دائماً إلى حسن النية ، فقد راودني الظن ، بأن جنرالات الانفصال ، قد تواروا عن الأنظار خجلاً من فعلتهم ، بعد كل هذا الذي ترتب عليها في الوطن ، والأمة .. لكن ظني ، على ما يبدو ، كان من بعض الظن الأثم ..
وحتى بعد الإعلان عن أن سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، سيطل علينا شاهداً على العصر ، فإنني لم أبرح موقفي ، وتوقعّت أن سيادته ، وبعد نصف قرن على الحدث ، وبعد أن دخل سيادته المرحلة الأخيرة من أرزل العمر ، سيقف وقفة رجل موضوعي ، يقيمّ ما جرى ، في ضوء ما يجري ، أو على الأقل يعتذر لأنه ، ربما لم يكن يتوقع أن تكون نتيجة الانفصال ..هي النتيجة التي آلت إليها الأمور .. لقد كنت أتوقع أن يبّرر التآمر على الجمهورية العربية المتحدة ، بالأخطاء التي رافقت ولادتها ، وقيامها ، لكن لم أتوقع كل هذا التضخيم ، أو الانتقاء ، أو الاستغراق في التفاصيل ، المنتقاة ، لم أتوقع أن يغفل الخطايا التي ترتبت على فصم عراها ، لم أتوقع أن تحجب عنه جزمة جمال عبد الناصر التي أشهرها في وجه اعداء الأمة ، والمتآمرين عليها ، كل تلك الجزم ، والزنازين ، وسياط الطغاة ، وقذائف الغزاة ، وفساد المفسدين ، وقمع المستبدين التي تقرع رؤوس العرب صباح ، مساء من جراء تداعيات الانفصال .. لم أتوقع أن كل تلك الخرائب ، والفتن ، والهزائم ، والاستلاب ، والتخلف ، والفساد ، والطغيان الذي أعقب الانفصال ، لم يحجب عن ذاكرة سيادة اللواء التفاصيل الصغيرة عن سيطرة الضباط المصريين ، على المؤسسة العسكرية السورية ....، كما أنه لم يرف له جفن ، وهو يفخر بأنه نجح في وقف زحف " الغوغاء " من العرب الذين التفوّا حول مشروع جمال عبد الناصر التحرري التوحيّدي العربي التقدمي مغادرين خنادق الانفصاليين التي يتراكم فيها تراث طويل من الطائفية ، والعنصرية ، والمذهبية ، والإقليمية ، والقبلية ، فها هي الأمة العربية ، تعود بعد الانفصال ، وبفضله ، لتتمسك بذلك التراث العظيم من البطولات فتخوض بالدماء حتى الركب وفاء لداحس والغبراء ، والجمل ، وصفين ، فلا صوت يعلو على الصوت بالثأر ، فكل عربي هذه الأيام قاتل ، وقتيل ، شاء هذا أم أبى ، لكن من منّ هذا الثأر ، ولمن ..؟ ، هذا الثأر أياً كان مصدره ، ومهما كان لبوسه ، يستهدف أمراً واحداً ، هو أن يبقى حال الأمة على ما هو عليه ..توليّ وجهها شطر الماضي تطحن بعضها بعضاً ، وتدير ظهرها للحاضر ، وللمستقبل ، وتنغمس في معارك الماضي ، فتقتل نفسها بأيدي أبناءها ، وتترك الحاضر ، والمستقبل ، للطغاة ، والغزاة ، والمفسدين في الأرض ...
( 4 )

لقد كنت ، قد آليت على نفسي ، ومنذ عقود أن أنأى عن أي حديث شخصي يتعلق بولادة ، وانقضاء الجمهورية العربية المتحدة ، لأن الأبطال الذين صنعوا الانفصال ، والأبطال اللاحقين الذين استثمروه فيما بعد ، حوّلوا تلك التجربة الواعدة ، والمريرة ، في الوقت ذاته ، إلى فخ ينصبونه للقوميين العرب التقدميين ، التوحيديين ، النهضويين ، لينشغلوا بما جرى عن ما يجري ، أو عن ما سيجري عن طريق الخلط بين مفهوم السلطة ، ومفهوم الأمة ، واعتبار أخطاء السلطة في الجمهورية العربية المتحدة دليل على فشل المشروع الوحدوي العربي برمته ، فما حدث برأيهم ليس فشل تجربة ، وإنما دليلاً لنقض الأهداف ، والاستراتيجيات ، والمبادئ القومية العربية من أساسها .. تحدثهمّ عن حق الأمة العربية في الوحدة ، فيحدثونك عن مخابرات دولة الجمهورية العربية المتحدة ، تحدثهمّ عن حق الأمة العربية في السيادة ، والاستقلال ، والتحرر ، ورفض الهيمنة ، فيحدثونك عن الديكتاتورية ، والاستبداد ، وسيطرة المصريين على دولة الوحدة .. المهم ، بالنسبة إليهم ، هو إشغال المشروع النهضوي القومي العربي التقدمي ، عن التقدم ، وإلصاق كافة لأخطاء ، والخطايا ، بالتجربة ، وبالتالي إلزام القوميين التقدميين بالدفاع حتى عن الأخطاء ، والخطايا ..، رغم أنهم هم الوحيدين المتضررين من تلك الأخطاء ، والخطايا ، وأن الانفصاليين هم المستفبدين منها ، لهذا كله ، كان لابد من الخروج من هذا المأزق بفرز القوى ، والأفكار ، والقضايا ، والتخلص من هذ الخلط المريب ، فالمشروع القومي العربي التقدمي هو المتضرر أولاً ، وأخيراً من جميع مظاهر الأخطاء ، والخطايا ، والقوميون العرب التقدميون النهضويون هم الأولى بمواجهة الأخطاء ، والخطايا ، حتى لو كانت من إنتاج أفعالهم ، فهم يتمسكوّن بالفضيلة المتمثلة بالتراجع عن الخطأ ، لهذا فقد كان عليهم الصدق مع النفس ، والتصادق مع الآخرين ، فلا يحيدون عن الطريق الذي ارتضوه ، والكف عن إلقاء اللوم على الرجعية ، وعملاء الاستعمار ، والانفصاليين ، والرجعيين ، والإمبرياليين ، والصهاينة ... والبحث عن العلة في أنفسهم ، وسد الثغرات في صفوفهم ، وسد الذرائع ، بشكل عام ، وعليهم الاعتراف بحقوق الآخر ، فإذا كان من حقهم السعي لتغيّير الواقع باتجاه مصير عربي مختلف ، فإن من حق القوى التي تستثمر هذا الواقع الدفاع عن مصالحها ، وبناء عليه :
للانفصاليين حق اللجوء إلى كافة الوسائل حفاظاً على التجزئة ، وبالتالي ، فإن سعيهم ، لفصم عرى الجمهورية العربية المتحدة ، ولو عن طريق التآمر له ما يبرره من وجهة نظرهم ، ولا يلامون في السعي لمقاومة قيام أية جمهورية عربية متحدة قادمة ..
ومن الطبيعي أن تسعى قوى التخلف ، والفتن لمقاومة مشاريع النهوض ، والتنوير .
ومن الأولويات التي يعتمدها الطغاة ، والمستبدين التضييق على الحريات العامة للمواطنين ، وقمع حرية الرأي ، وانتهاك الحقوق الأساسية ، والتسلط على البلاد ، والعباد ...
ومن الأساليب المستخدمة من قبل الفاسدين ، والمفسدين انتهاك حرمة القوانين ، والأنظمة ، وتخريب المؤسسات العامة ، وإشاعة قيم اللصوصية والرشوة ، والنفاق ، وتشريع العلاقات المافاوية في المجتمع .
ومن حق قوى الاحتلال ، والسيطرة ، والهيمنة الدولية في الواقع العربي ، من أول الصهاينة ، إلى المستبدين ، وإلى آخر الإمبرياليين في هذا العالم ، مقاومة كافة مشاريع التحرّر ، والتغيّير ، ودفع المجتمع العربي إلى الاستكانة ، والاستلاب ، والتسليم ، بالأمر الواقع .
وليس للذين يحملون المشروع النهضوي القومي العربي التحرري التقدمي أن يحتجّوا ، للحظة واحدة على فشلهم بتحميل المسؤولية لهؤلاء ، أو أولئك .. لهذا ، فإن المشروع النهضوي التحرري في الوطن العربي وقع في الخطأ الجسيم عندما أغفل مواجهة السلبيات في تكوينه ، وبنيته واتجه لتبرير هزائمه ، وانتكاساته بتوجيه الشتائم للإمبريالية ، والصهيونية ، والرجعية ...

( 5 )

وإذا كنا قد اعتدنا أن نحتفل كل عام بيوم 22 شباط – فبراير - 1958 ذلك اليوم الذي شهد ولادة الجمهورية العربية المتحدة ، رغم الأحزان ، والمآسي لنتنفسّ ذلك الحلم ، الذي كان ، ومازال جميلاً ، نستذكر فيه الشموخ ، والتحدي وطلة جمال عبد الناصر ، فإننا لن نسمح للذين صنعوا الانفصال أن يفسدوا علينا عيدنا ....
ورغم أنني لن أغادر موقفي بعدم الدخول في سجال حول طريقة إدارة السلطة في الجمهورية العربية المتحدة ، لأن هذه القضية تتعلق بالسلطة ، أية سلطة ، مهما كانت طبيعتها ، تكوينها ، تركيبتها ، لكن ذلك لا علاقة له على الإطلاق بمشروع النضال القومي التحرري النهضوي العربي .. إلا من حيث الغائية النهائية ، بمعنى أن ذلك المشروع يهدف إلى إقامة دولة الوحدة العربية الديمقراطية العادلة التي تتطابق حدودها مع حدود وطن الأمة ، ويتساوى في مواطنيتها كامل شعب الأمة ، وبالتالي لابد من إزالة هذا الخلط المشبوه بين شرعية السلطة ، ومشروعية الأمة ، فالفقه القانوني متواتر حول أركان الدولة ، وهي الشعب ، الوطن ، السلطة ، فالسلطة هنا قد تكون مشروعة ، أو غير مشروعة ، ويعتمد ذلك على مدى تمثيلها لإرادة الشعب من جهة ، وعلى مدى بسط سيادة الدولة على أرض الوطن ، لكن عدم مشروعية السلطة ، لا يغيّر من مشروعية الشعب ، والوطن ، لإنها الركن الثالث الذي يعتمد على الركنين الأول ، والثاني ، لهذا قد نجد أنفسنا بمواجهة سلطة غير مشروعة ، إلا أن هذا لا يبرر المس بمشروعية وحدة الشعب ، والوطن ، على العكس من ذلك ، فإن على قوى الشعب الحية أن تناضل للتغييّر ، وتقويم المسار لإقامة سلطة مشروعة تمثل إرادة الشعب ، لكن ، وتحت كل الظروف تندرج جميع الأفعال ، والممارسات للمس بوحدة الوطن ، والشعب ، أعمالاً إجرامية تعاقب عليها كافة القوانين الوضعية ، على اختلافها ...

( 6 )

دعونا نحاول أن نطبق هذه القواعد القانونية الثابتة على الجمهورية العربية المتحدة ..، وبدون الدخول في أية تفاصيل ، سنعتبر كل ما قاله ، ويقوله ، وسيقوله سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، صحيحاً ، وانه لا يكذب ، فنحن أمام دولة تدعى الجمهورية العربية المتحدة يدعيّ السيد اللواء أن السلطة كانت ديكتاتورية فيها لا تمثل إرادة الشعب ، ليكن .. هنا نسأل : كيف تتم معالجة ذلك ..؟ هل يتم ذلك بفصل عرى الدولة ؟ ، وتقسيمّ الوطن ، والشعب ، أم بمعالجة الأخطاء ..؟ ، وإقامة سلطة تمثل إرادة الناس ، كل الناس ..؟ ، هل هذا ما سعى إليه سيادته ..؟ ، هل هذا ما فعله ؟ ، أم ، أنه ، ومن معه انقضّوا على الوطن ، والشعب ، وفصلوا إقليماً من وطن العربية المتحدة ، ليقيموا عليه سلطة انفصالية ، لن نتحدث عن الديموقراطية التي آلت إليها .. ولن نقول فيها شيئاً ، الآن ..؟ ولن نلاحق تداعياتها ، وإلى أي درك انحطتّ بالوطن ، والشعب ...

( 7 )

القضية ، هنا ، في الوطن العربي ، أكثر تعقيداً ، والجريمة التي ارتكبت صبيحة يوم 28 أيلول –سبتمبر 1961 أبعد أثراً .. ذلك أننا في القرن العشرين ، قد دخلنا عصر الأمم .. والهيئة الدولية ، رغم كل تحفظاتنا على دورها ، وممارساتها ، والقوى النافذة فيها ، هي "هيئة الأمم المتحدة" ، وليس هيئة الدول المتحدة .. يترتب على ذلك أن ، شخص القانون الدولي المشروع ، هو الدولة التي تمثل أمة ..ونحن أمة عربية ، هناك من يجادل بحقها في الوجود ، ليكن حرية الرأي حق للجميع ، ونحن من هذا الجمع ، فمن حقنا أن نسعى لوحدتها ، ورغم الاختلاف فإن هناك شبه توافق ، حيث لا ينكر أحد في الوطن العربي ، أو في العالم أن الأمة العربية معتدى عليها من الخارج هيمنة ، ومعاهدات قسمّتها ، وطناً ، وشعباً ، ومعتدى عليها من الداخل سلطات استبدادية تدمر حتى النسيج الوطني في الأجزاء ، هنا نعود إلى صلب الموضوع الذي نعالجه ، حيث بدأ شق الطريق إلى الجمهورية العربية المتحدة ... في خمسينات القرن المنصرم ، عندما بلغ التمرد العربي أوجه ، بعد ما عرف ، بنكبة فلسطين ، انقلابات ، ثورات شعبية ، مقاومات في الأجزاء المحتلة ، حراك جماهيري واسع ، أجهزة قمع إقليمية ضعيفة ، لم تكن قد تغوّلت بعد ، كاريزما بطل شعبي تجاوز حدود التجزئة هو جمال عبد الناصر ، هذا كله أثمر في إقامة دولة نواة للوحدة العربية هي الجمهورية العربية المتحدة ، على جزء من أرض الأمة العربية في سورية ومصر ، وبغض النظر عن طريقة نظام الحكم ، والسلطة فإن الأفعال ، والممارسات لاستكمال إقامة دولة الأمة المتطابقة مع أرض الوطن ، وشعب الأمة هي أفعال ، وممارسات مشروعة ، وعلى العكس من ذلك ، فإن جميع المحاولات بالاتجاه المعاكس هي اعتداء ، وجرائم يطالها القانون .. ولا يمكن تبريرها بطبيعة السلطة ، وتركيبة نظام الحكم ، وسلوك الحاكمين ... وشواهد التاريخ البشري لا تحصى في هذا المجال ...
هذا من حيث المبدأ ، لكن ، وحتى لا نخرج عن موضوع البحث ، هل أن ما دار ، ويدور بين سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، والأستاذ أحمد منصور ، يتعلق بالبحث عن الحقيقة ..في طبيعة نظام الحكم ، والسلطة في دولة الجمهورية العربية المتحدة ..؟
لو كان الأمر كذلك ، فإن علينا أن نرحب ، ونوّثق ، ونضمّ كل ما يقال في تلك "الشهادة" إلى ملف الجهورية العربية المتحدة ، لنتفادى الأخطاء ، والثغرات ، والهنات التي دفعت سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، ورفاقه إلى فصم عرى الجمهورية العربية ، لا أكثرمن ذلك ولا أقل .. ؟ ، وذلك لتلافي الخلل في المستقبل ، وبالتالي تقديم شكر لهما يستحقانه ..
لكن ، وللأسف الشديد ، ليس هذا ما جرى في تلك الحلقات ، حتى الآن ، ومن الواضح ، أنه ليس هذا هو المنهج المتبع ....

( 8 )

الأستاذ أحمد منصور إعلامي متمّيز ، وكون له موقفاً معادياً من القومية العربية ، وبالتالي من الجمهورية العربية المتحدة ، ومن جمال عبد الناصر ، لا ينال من موهبته ، وهذا رأيه على أية حال علينا أن نحترمه ، ونحاوره ، وكونه صحفي ، فإن هذا لا يعني أن يتخلى عن موقفه ، ذلك أن الطبيعة البشرية لا تعرف الحياد المطلق ، أو الموضوعية الكاملة ، وبالتالي علينا أن نحترم رأيه ، وموقفه بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف ، فقبل أن نعطي أنفسنا الحق في الرأي ، والموقف علينا أن نحترمه من الآخر المختلف ، لكنني ، وبكل التصادق اقول للأستاذ أحمد منصور ، ولسيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، أن المثل العربي يقول : أن العربي يأخذ بالثأر ، ولو بعد أربعين عاماً ، والجمهورية العربية المتحدة قد مضى على فصم عراها نصف قرن ، وجمال عبد الناصر مضى على غيابه ، أو تغييبه أربعين عاماً ، والظروف الموضوعية الراهنة في الأمة العربية تقتضي وقفة مع الذات ، ومع الضمير ، الأمر جلل أيها السادة ، نحن ، في الأمة العربية ، في خطر ، وأنت يا سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي في سورية ، في خطر ، وأنت يا أستاذ أحمد منصور في أمتك الإسلامية ، في خطر ، وبالتالي ، آن لنا ، ولكما أن نتعامل مع تقييمّ الجمهورية العربية المتحدة ، وناصرها بقليل من الموضوعية ، الإنصاف ، وأن لا يغيب الواقع الراهن الخطير علينا جميعاً ، والذي هو من تداعيات الانفصال عن تقييمنا ، بعيداً عن منطق الثأر ، والتبرير ، وتصفية الحسابات ، فهذا أجدى لنا ، ولكم ، وللمستقبل الذي ننشده نحن ، ولا نشك أنكم لا تنشدون لهذه الأمة إلا الخير ، فدعونا ندقق من أين يأتي هذا الخير ؟ ، قبل أن نكتشف ، بعد فوات الأوان ، أننا جلبنا لها الشر من حيث لا ندري ، دعونا نتحاور بموضوعية مهما كان التباين .
وهنا لابد أن نقف مع مفهوم "الشهادة" التي يدلي بها ضيوف الأشتاذ أحمد منصور ، وأن نضع شهادة اللواء عبد الكريم النحلاوي في إطارها فقد سمعنا بهذا الشأن شهادة المرحوم حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية ، وسمعنا شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي ، وسمعنا شهادة اللواء جمال حماد ، وأرصفة الشوارع في المدن العربية تتزاحم عليها المذكرات والشهادات من كل حدب ، وصوب ، ونحن نستمع اليوم لشهادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، ونستمع عبر نافذة أخرى ، من الفضائية ذاتها ، إلى شهادة مستمرة من الأستاذ محمد حسنين هيكل ...
هل يملك أحد أن يجيب على السؤال :
أي تلك الشهادات نصّدق ...؟
لن أبحث عن جواب ، فلنستمع إلى الجميع ، لكن هل كانت السلطة في الجمهورية العربية المتحدة شراً مطلق ..؟ وهل كان جمال عبد الناصر ديكتاتوراً ، وحسب .؟!
إنني لا أسعى إلى التوسع في هذا الموضوع ، فهو مفتوح لحوار دائم ، لكنني سأعود إلى شهادة اللواء عبد الكريم النحلاوي ، باختصار شديد ، لأنني أرغب فعلاً أن أخرج منها بأسرع ما يمكن ، فأنا أتفهم هواجس اللواء النحلاوي باعتباره ينتمي إلى المؤسسة العسكرية في سورية ، تلك المؤسسة التي تم تأسيس مكوناتها في ظل الاستعمار الفرنسي ، وفي ظل ظروف معقدة ، واستكمل ذلك البناء بعد تنفيذ خريطة سايكس بيكو ، وتحديد حدود دولة الجمهوية السورية بحدودها الحالية ، وقد تأثرت المؤسسة العسكرية في سورية ، كغيرها في الوطن العربي بالأحداث الكارثية في فلسطين التي أدت إلى قيام دولة المستوطنات الصهيونية فانعكس ذلك عليها خاصة ، قلقاً ، وتمرداً ، وتمثل ذلك في انقلابات عسكرية متلاحقة شهدتها سورية في واقع موضوعي قلق ، ومتفجر ، في وسط من الغضب الشعبي العارم أدى من حيث النتيجة إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة وكان من طبيعة الأشياء أن جميع القوى المتضررة بين المحيط والخليج ، وفي سائر أنحاء العالم ، وفي الإقليميين الشمالي ، والجنوبي للعربية المتحدة أن تحاول استرداد أنفاسها ، ومن ثم الانقضاض لفصل إقليمي دولة الوحدة ، لأن التعايش مستحيل ، فإما أن تتصاعد مسيرة الوحدة باتجاه حدود الأمة ، وإما أن يتم القضاء على دولة الجمهورية العربية المتحدة ، هذا هو جوهر الموضوع بغض النظر عن التفاصيل ...
( 9 )

ونحن هنا ، كما أكدنا ، لن ندخل في سجال مع اللواء النحلاوي ، ولن نلاحق التناقضات ، فتارة يقول ان الضباط المصريين كانوا يحكمون سورية ، وتارة أخرى يقول أن عبد الحميد السراج كان الحاكم المطلق ، وأن المشير عبد الحكيم عامر كان مشغولاً بتعاطي " الحشيش " ... هذا كله لم يستفذني ...الذي استفذني قول سيادته أن الشعب السوري بات ناقماً على الوحدة ، ليبرر بعد ذلك أن الانفصال كان مجرد تنفيذ للإرادة الشعبية ..وأن سيادته ، ومن معه كانوا مجرد منفذين لتلك الإرادة الشعبية ، ونحن سنتناول هذه المسألة حصرياً ، وباختصار شديد وللأسباب التالية :
أولاً : إذا كان سيادة للواء يبحث عن مبررات لإنفصال العربية المتحدة ، فإننا لن نقابل ذلك بتبرير التوجه الوحدوي ، أو تبرير الأخطاء ، والخطايا التي ارتكبت ، ولن ، نحمّله المسؤولية ، ولن نحملهّا للظروف الموضوعية ، أو للتآمر الداخلي ، أو الخارجي ، فمسؤولية الوحدة تقع أولاً ، وأخيراً على عاتق الوحدويين ، ومسؤولية صيانتها على كاهلهم حصراً ...
ثانياً : إن بنية السلطات في الوطن العربي ، ومن بينها ، بنية المؤسسات العسكرية ، والأمنية تحديداً ، ليس متعلقاً بقضية الوحدة العربية ، فمؤسسات دولة الجمهورية العربية المتحدة ، لم تكن استثناء ، وهي في السياق العام قبل الوحدة ، وأثناءها ، وبعدها تعاني من خلل شديد ، في بنيتها ، ولم يكن من الممكن معالجة هذا الخلل في فترة الوحدة المحدودة ، ولكن هذا لا يعني ، أننا نبرّر ، لذلك نعترف أن الفشل في وضع خطة استراتيجية للمعالجة الجذرية في ظل دولة الوحدة هو الذي أدى في الأساس لنجاح مخطط الانفصاليين ...
وإذا كان الأستاذ أحمد منصور ، قد عقبّ مستنكراً على استفاضة سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي في الحديث عن فساد المؤسسة العسكرية في العربية المتحدة ، قائلاّ : كيف يمكن لهذا الجيش أن يحارب إسرائيل ..؟ ..وإذا كان قد قفز من مقعده استنكاراً كيف يعين ضابط ، مراقب أفران ، فإننا لن نحرجه بالسؤال بعد نصف قرن على فصل العربية المتحدة عن حال جيوش الأنظمة العربية في محاربة إسرائيل ..؟ ، وإن كانت تدق أبواب القدس هذه الأيام ...؟
ثالثاً : لقد استفاض سيادة اللواء باعتبار قرارات يوليو الاشتراكية 1961 اعتداء على السوريين ، يبرر الانفصال ، وتلك المسألة ، على أية حال قد تكون المسألة الجوهرية ، في الانفصال ، فالوحدة العربية ليست مشروعاً فوقياً ، وإنما تتعلق بتحرير الإنسان العربي من سائر وسائل القهر ، والقمع ، والاستغلال ، وإقامة الدولة العادالة ، والمساواة ، والتكافل الاجتماعي ، وكسر هذا التفاوت الحاد في توزيع الثروة بين شرائح المجتمع ...
لكن إلى أي حد نجحت العربية المتحدة في ذلك ..؟ فهذه مسألة خاضعة للحوار ، والتصويب ، لكن من عير الممكن الحكم على التجربة ، ذلك أن الانفصال وقع بعد ثلاثة أشهر فقط من تلك القرارات ..
رابعاً : لن نقف عند الشهادة الثابتة تاريخياً ، والتي أدلى بها المرحوم الملك سعود عندما كان منفياً من أسرته في الاسكندرية ، والتي اعترف فيها للرئيس جمال عبد الناصر ، بالملايين التي دفعتها المملكة للذين نفذوّا الانفصال ، وبالوكالة عن من تم ذلك ... ذلك أننا ، وكما قلنا من حق الذين يخشون الوحدة العربية الدفاع عن أنفسهم .
خامساً : من الثابت في علم القانون أيها الأستاذ العزيز أحمد منصور ، أن الذي يقوم بفعل ، أو يصنع حدثاً ، ما ، سواء كان جرماً ، أو يفترض ذلك ، لا تقبل شهادته عليه ، وإنما يحتاج إلى من يشهد عليه سلباً ، أو إيجاباً ، لكن يمكن في علم الإجراءات استجوابه ، أو سماع إفادته ، وفي الإقليم الشمالي ، وبعد استفحال دور الأجهزة الأمنية ساد مصطلح " استنطاقه " ، وقد أطلقوا على الذي يقوم بذلك مصطلح " المستنطق " ، وسيادة اللواء قام بفعل محتلف عليه ، البعض يعتبره جرماً ، والبعض يعتبره ثورة تحررية ، وبالتالي فإن ما نشهده هو " استنطاق " ، وليس شهادة ، لكنني أشهد أننا أمام " استنطاق " ممتاز .
سادساً : دعنا نصدق كل ما قلته ، وتقوله يا سيادة اللواء عن " الاحتلال المصري " لسورية وعن القمع الذي مارسته الأجهزة البوليسية ، وعن قرارات التأميم الاشتراكي ، والإصلاح الزراعي .. لكن هل أدى هذا كله إلى أن الشعب العربي في سورية ، كان ضد الوحدة ؟، أو ضدّ الجمهورية العربية المتحدة ؟ ، وأن سيادتك ومن معك قمتم بفعيلة الانفصال ، باسمنا ..؟!
الجواب يا سيادة اللواء ليس رأياً ندلي به ، يستند إلى موقف معاد للانفصال ، وإنما هو شهادة حقيقية أدلى فيها الشعب العربي في سورية برأيه الصريح ، ودفع ثمنها دماء غالية ، وبالتالي فهي شهادة لا تنقض ... ذلك أنه في صبيحة يوم 28 أيلول " سبتمبر " 1961 نجحتم ياسيادة اللواء في احتلال هيئة أركان الجيش الأول ، والإذاعة في دمشق ، وأعلنتم الانفصال ، ونقلتم المشير عامر إلى المطار ليغادر إلى القاهرة ، وأسرتم الضباط المصريين ، ورحلتموهم إلى الإقليم الجنوبي ، وانتهى بذلك دور سلطات القمع التي كانت أجهزة عبد الحميد السراج تمارسه على الشعب في الأقليم الشمالي ، والذي أودع السجن ، وانتهت جميع مظاهر الاحتلال المصري لسورية ، وانزاحت جزمة جمال عبد الناصر عن رقاب الشعب السوري ، فماذاحصل ..؟ ، صحيح أن الشعب العربي في الإقليم الشمالي أصيب بالذهول ، لم يصدّق في البداية ما يحدث ، ولم يكن مستعداً لمواجهة الإنفصاليين لأسباب تنظيمية تتعلق بقصور بنيان دولة الوحدة ، وليس بسبب بطولات الإنفصاليين ، لكن في الأحوال كلها واجه الشعب العربي في سورية الانفصال ، بالرفض ، منذ اللحظة الأولى ، ولم يجد الانفصاليون من يحتفي بهم ، على العكس من ذلك .. بدأ العصيان المدني : إضرابات مستمرة ، مظاهرات يومية ، مواحهات مع الإنفصاليين ، توتر دائم داخل المؤسسة العسكرية ، انقلابات ، وصراعات .. كان في الإقليم الشمالي جامعة واحدة في دمشق ، وفي كل مدينة ثانوية ، او عدة ثانويات ... كان التظاهر شبه يومي ، وكان الشعب يرفع الصوت في جميع ربوع ، وجبال ، وصحاري ، ووديان الإقليم الشمالي " بدنا الوحدة باكر باكر مع هالأسمر عبد الناصر " ألا يكفي ذلك كله جواباً حاسماً ، لايمكن نقضه ، على ما يدعيه سيادة اللواء عبد الكريم النحلاوي هذه الأيام ..؟!
سابعاً : بعد الانفصال ، وليس قبله ، في ظل الانفصال ، وليس في ظل الوحدة ، ولدت في الإقليم الشمالي ، الحركة الناصرية ، باكورة الأحزاب ، والحركات الناصرية في الوطن العربي ، حركات ، وأحزاب ، وتجمعات تنادي بالوحدة ، والرد على الانفصال ، وترفع صور عبد الناصر تحدياً للانفصاليين ، فإذا كان الإقليم الشمالي ، وبعد الانفصال ، بات مهد الناصرية في الوطن العربي ، فإنه بذلك ، قد أثبت بما لايدع مجالاً للشك ، أن الانفصال لم يتم باسم الشعب العربي في سورية ، وإنما باسم أعدائه ، ويكون هذا الشعب قد حدّد موقفه من الانفصال ، والانفصاليين الذين نفذوا الانفصال ...
( 10 )

أيها الشباب العربي .......
إنني إذ أعتذر لكم عن مضمون هذا الحديث ، فإنني لاأجد من أتوجه إليه في هذه الأيام الحالكة ، سواكم ، لاتنشغلوا بما يدور بين آبائكم من مناكفات ، عن الحاضر الذي يجب أن تعيدوا بنائه ، أو عن المستقبل الذي يليق بكم ، وبإمتكم ، تمردوّا علينا ، غادروا خنادق الحقد التي حفرناها ، لاتنشغلوا بصراعات جيلنا ، فقد باتت من الماضي ، إعذرونا فنحن جيل عانى الويلات ، نحن جيل معطوب ، مقعد ، لاتلتفتوا إلينا ، إنهضوا أنتم ، قلعّوا شوككم بإيديكم ، لاتقتدوا بنا ، تمردوّا على مختلف الصعد ، أنتم لستم أمام معركة سياسية ، وحسب ، أنتم أمام معركة وجود ، ولهذا فأنتم الأولى بالحديث في هذا اليوم ، لإن هذا اليوم يومكم ، سرق منكم في غفلة من الزمن ، وعليكم أن تستعيدوا روحيته ، وجوهره ، فهذا اليوم ، هو يوم الوحدة ، يوم للذين صنعوا الوحدة ، وللذين يبحثون عن الطريق القويم إليها ، وليس يوماً للإنفصاليين ، ليس لأقوالهم ، وليس للرد عليهم ...وليس للذين فشلوا في إعادة بناء جمهورية عربية متحدةعصية على الانفصاليين ، لذلك فإن هذا اليوم هو للجيل العربي الجديد الذي يواجه الأسئلة الصعبة ، ولايتّهرب منها .....
أيها الشباب العربي ....
الوحدة العربية كانت حلماً مشروعاً ، وستبقى ، والجمهورية العربية المتحدة فرضها الشعب العربي في لحظة نهوض ، وشموخ ، والتجربة بالغة الثراء ، والدرس كان بليغاً ، الصفحة الأولى فيه تقول : أن مشروع الوحدة ، ليس بالبساطة ، واليسر الذي توهمناه ، نحن ، في حينه ، دونه عقبات ، وأهوال ، لكن عليكم أن تستدركوا كل الأخطاء التي حصلت ، وأن تسدوا بوعيكم ، وعملكم ، وتصميمكم ، كافة الثغرات ، وأن تتبينوا كيف تبدأون الخطوة الأولى ، وكيف تتمسكون بالبوصلة ، فلا تضلون الطريق مرة أخرى ..
أيها الشباب العربي ...
إن عمّكم جمال عبد الناصر كان أبناً باراً لأمته ، كان نموذجاً ، يجب أن يحتذى ، أن يقتدى به ، لا أن يصّنم ، بأي شكل من الأشكال ، وضع هدفاً منذ أن حاصره الصهاينة في فالوجة فلسطين ، وانطلق من فك الحصار هناك إلى فك الحصار عن الشعب العربي في مصر تحريراً ، ودفاعاً ، ومقاومة ، وبناء ، وبات رمزاً للمقاومة ، واستنهاض الأمة العربية ، فبات رمزاً لتحررها ، وتوّج ذلك بميلاد الجمهورية العربية المتحدة ، ومقاومة الانفصال ، بعد ذلك ، وحّول القاهرة إلى قاعدة لحركات التحرر ، ليس في الوطن العربي ، وحسب ، وإنما في مختلف أرجاء العالم ....
أيها الشباب العربي ....
لقد كان عمّكم جمال عبد الناصر نموذجاً للتمسك بالمبادئ ، والأهداف النبيلة ، كان عصّياً على الاحتواء من قوى الداخل العربي ، ومن خارجه ... في البداية حاول "الأخوان المسلمون" في مصر احتوائه ، وعندما استعصى عليهم حاولوا قتله .... كرر الشيوعيون المحاولة بعد ذلك ، وعندما فشلوا حاولوا احتواءه فكرياً ، وفشلوا أيضاً ... على الصعيد الدولي تعرّض للمحاولات ذاتها ، حاول قطبي الحرب الباردة ، بالتناوب ، إحتواء عمّكم جمال عبد الناصر ، دون جدوى ، الاتحاد السوفيتي حاول احتواءه ، وكررت الولايات المتحدة ذلك .. لكنه كان دائماً جمال عبد الناصر الوفيّ لأمته ، فاتهمه الأمريكان بالسفوته ، واتهمه السوفييت بالأمركة ، كان عمّكم جمال عبد الناصر منفتح على الإنسانية ، والتجارب الإنسانية ، لكنه لا يقبل التبعية ، يقاوم العدوان ، والاحتواء ، والهيمنة ، وعلى من يريد أن يتعامل معه ، عليه أن يحترم قضايا الأمة العربية .
أيها الشباب العربي .........
إن عمّكم جمال عبد الناصر دخل معركة الأمة ، من أجل الحرية ، ولم يغادر ساحة المعركة لحظة واحدة ، وبالتالي ، فإن الحكم عليه خارج مقتضيات ساحة المعركة ، هو حكم ظالم ، وفي غير مكانه ، لقد أصاب وأخطأ ، انتصر وانهزم ، تقدم وتراجع ، هادن وقاتل ، لكن على الطريق الذي ينشده لأمته ، لم يحد عنه بوصة واحدة ، ويصدق فيه قول أحد أجدادكم العظام " ليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن سعى إلى الباطل فأدركه " ، وعمّكم جمال عبد الناصر ، أيها الأبناء ، كان على طول الخط قاصداً الحق العربي ، أصابه أحياناً ، وأخطأه أحياناً أخرى ، لكنه لم يحد عنه أبداً ، بعكس أولئك الذين سعوا ، ويسعون إلى الباطل ، فأدركوه ، ويدركونه ، حتى الآن ... هذا هو جوهر الموضوع ، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل .
أيها الشباب العربي ...........
ليكن هذا اليوم ، يوم ميلاد الجمهورية العربية المتحدة ، يوماً للإنطلاق إلى المستقبل المنشود ، وليس مجرد يوم للذكرى ، يريدونكم أن تبقوا غارقين في الماضي ، وفي التفاصيل ، وفي ما حدث ..لاتستكينوا ، ولوّ وجوهكم شطر المستقبل ، فساحة النضال ، والفعل ، والممارسة هي الحاضر ، الواقع المعاش ، كقاعدة للانطلاق إلى المستقبل المنشود ، غادروا ساحات داحس والغبراء ، وساحات صفين ، والجمل ، وكربلاء ....
أيها الشباب العربي .............
المسألة الآن ، كيف تتعاملون مع الواقع الراهن ؟ ، ومن أين تبدأون الإنطلاق باتجاه جمهورية عربية متحدة جديدة حدودها حدود الأمة بين المحيط والخليج ... تشمل أبناء الأمة جميعاً مواطنين أسوياء ، متساوين في الحقوق ، والواجبات ، يتمتعون بكامل الحقوق الأساسية ، وبالعدالة ، والمساواة ....
أيها الشباب العربي .............
كنت قد حزمت أمري أنني في هذا العام سأفرش لكم بساط الثلاثاء بالورود ، والرياحين ، وسأكتفي بعبارة واحدة تلون هذا البساط تقول :
"أيها الشباب العربي استنفروا كل طاقاتكم كي تكونوا بخير في الأعوام القادمة "
ثم سأغني لكم رغم حشرجة صوتي :
وحدة مايغلبها غلاب .....
أنا واقف فوق الأهرام وقدامي بساتين الشام ....
عرف الشعب طريقه وحّد الشعب بلاده ...........
يابلادي لاتنامي وادفعي الصف الأمامي ..........
وبعض الغناء بكاء................
دمشق : 22 شباط – فبراير - 2010


حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-15-2010 12:34

على بساط الثلاثاء

65

يكتبها :حبيب عيسى

عصمت سيف الدولة

كلمات منثورة على الطريق

من الذكرى السنوية الأولى للرحيل , وحتى الذكرى الرابعة عشر

وإلى ما سيأتي من الأيام ...

ستبقى أفكارك منارات على الطريق العربي الطويل إلى الحرية ....





( في 30 مارس "آذار" 1996 غادر عصمت سيف الدولة هذه الحياة الدنيا بعد أن ترك لنا تراثاً غنياً في المنهج ، والنظرية ، نحن الآن في أمسّ الحاجة لاستخلاص العبر والدروس واستنباط الوسائل والأدوات لاستئناف مسيرة النهوض والتنوير إلى الحرية ، ووفاء للذكرى العطرة لشيخنا الراحل ستكون كافة الحوارات على بساط الثلاثاء من الآن وحتى نهاية آذار "مارس" من وحي الدعوة إلى النهوض والتنوير والحرية والوحدة والاشتراكية ، وسنستعيد اليوم النص الحرفي للكلمة التي ألقيتها في "المنتدى القومي العربي" في بيروت بتاريخ : 2/4/1997 بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيله ، تحت عنوان :"عصمت سيف الدولة : جدل الإنسان رسالة إلى الأجيال العربية"

أيها الحفل الكريم :

إنني إذ أشكر لكم هذه المشاركة الممتازة في إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل شيخ القوميين العرب عصمت سيف الدولة ، فإنني أجد نفسي مشدوداً إلى مستقبل الأمة العربية ، وإلى مستقبل الإنسانية جمعاء ، كما رسمه الراحل العظيم ، حيث الإنسان متحرر من العبودية ، والاستبداد ، والاستغلال ، والاستلاب ، وحيث تحيا الأمة العربية ، بما تملك ، وتنتج ، وتجهد ، وحيث يختفي من العالم التمييز العنصري ، والمناطقي ، والطائفي ، والمذهبي ، والطبقي ، والاجتماعي ، وحيث يختفي هذا النظام العالمي ، القديم ، الجديد ، الذي يستمد قوانينه من أعراف القراصنة ، وتجار العبيد ، ورعاة البقر ، وحيث تسود الإنسانية عدالة اجتماعية يستحقها الإنسان ، في كل مكان ، وعلى امتداد الزمان .

(1)

وقبل أن أدخل إلى موضوع البحث الذي خصّني فيه "المنتدى القومي العربي" لابد أن أتقدم بشكر ، وباعتذارين ، إثنيّن :

- أما الشكر ، فهو للجنة التنفيذية "للمنتدى القومي العربي" (رئيساً وأعضاء) ، ليس لأنها تحيي الذكرى السنوية الأولى لشيخنا الجليل الراحل ، وحسب ، (وهذا ليس بالقليل على أية حال) ، ولكن أيضاً لأنها حتى الآن لم تفكر بتغيير اسم "المنتدى القومي العربي" رغم هذا الحشد من اليافطات المذهبية ، والطائفية ، والإقليمية المعروضة في سوق النخاسة هذه الأيام ، مع الإغراءات ، والهدايا ، وهذا يؤكد أن المعركة مستمرة ، وأن الحديث عن "وفاة العرب" سابق لأوانه.... هم ، الأعداء ، يقولون أنهم كسبوا جولة.... ، ونحن نقول : إنها محنة ، و ستمضي ....

- وأما الاعتذار الأول ، فهو ، في حقيقة الأمر ، اعتراف ، و إقرار بأنني لن أدعّي الحياد ، وأنا أتحدث إليكم عن منهج : "جدل الإنسان" ، لأن هذا مالا أستطيعه . فأنا قادم لأصدقكم القول ، فيما أعتقد ، أنه الصحيح ، لا من أجل المجاملة ...... ، فالموقف عصيب ، والأمة جريحة ، والأعداء يرتعون في كل مكان ، والذين أمسكوا العصا من منتصفها ، لسنوات طويلة ، يمسكونها الآن من الطرف الذي يختارونه ، أو يجبرون عليه ، بالعجز ، وقلة الحيلة ، ولا فرق في ذلك ... .

وإذا كان أجدادنا ، قد قالوا سابقاً : ( آفة الرأي الهوى) ، فأنا أعترف أمامكم ، أنني أهوى ، وأنني متيمّ بمن أهوى إلى حد اليقين ، وبالتأكيد ، فإن أجدادنا ، لم يقصدوا ، بأية حال ، أن يكون الإنسان بلا موقف يدافع عنه ، ويمنحه حياته كلها ، إذا اقتضى الأمر ، ذلك ، بل كانوا يحرضوّن على موقف كهذا ، خاصة إذا كانت الأمة معتدى عليها ، من خارجها ، استعلاء ، ومن داخلها ، خيانة ، واستبداداً ، تدق في ساحاتها ساعة النفير إلى موقف حاد ، كحد السيف ، في زمن يشهر فيه الأعداء ، والخونة سيوف الغدر ، ويقهقهون حتى تنفسخ أشداقهم على مشاهد أشلاء شهدائنا ، ويزرفون الدموع ، حتى تجحظ عيونهم ، على قتلى الأعداء ، فقد حتمّ على جيلنا ، أن يخوض معاركه الفكرية ، في خنادق معركة الدفاع ، عن الوجود ، وعن الحياة ذاتها .

- وأما الاعتذار الثاني ، فهو أنني لن أتمكن في الدقائق التي حددها لي "المنتدى القومي العربي" ، أن أفي موضوع البحث حقه ، فجدل الإنسان ، الذي استغرق عمر صاحبه ، وجهده ، وبحثه ، لا يمكن أن أحيط في جوانبه المتعددة بدقائق ، لكنها دقائق ثمينة ، على أية حال ، وهي فرصة نادرة ، بالنسبة إليّ ، أن أخاطب هذا الحضور الممتاز ، من أبناء أمتي .

(2)

- وللحديث الجاد عن منهج " جدل الإنسان " لابد من الوقوف في محطات رئيسية ثلاث :

- المحطة الأولى : هي الظروف ، والملابسات الفكرية ، والفلسفية ، التي هيأت لولادة منهج " جدل الإنسان " وجعلت منه ضرورة ، وحاجة ...!

- المحطة الثانية : هي المنهج ذاته " منهج جدل الإنسان " .

- المحطة الثالثة: هي التطبيقات ، والنتائج التي ترتبّت على إعمال المنهج ، في الواقع.

(3)

عن المحطة الأولى نقول: أن العالم ، كان قد نفض غبار الحرب العالمية الثانية منشطراً ، انشطاراً حاداً ، إلى كتلتين رئيسيتين ، تتصارعان معاً ، لكنهما تتفقان ، من غير اتفاق ، على مجابهة أية كتلة ثالثة. ولكل من هاتين الكتلتين منهج محدد ، وتجارب في بناء النظم ، والحياة ، والتفكير تريدان نشرها في العالم كله :

- الكتلة الأولى : فيها بريق الحرية الفردية ، " دعه يعمل، دعه يمر" ، لكنها انتهت إلى عنصرية استعمارية للعالم ، واستغلال حاد للبشر، وإحياء لأعراف القراصنة في العلاقات الدولية، باختصار شديد فإن التجربة الرأسمالية التهمت ما سمي عصر الأنوار ، وعصر النهضة في أوربا ، وأكلت حتى الليبرالية ، و المساواة ، والعدالة، وأصبح قانون المنفعة الأمريكي ، هو السائد.

- الكتلة الثانية : فيها بريق العدالة الاجتماعية ، والتخطيط الاجتماعي ، وإلغاء استغلال الإنسان ، للإنسان لكن ديكتاتورية البروليتاريا ، انتهت إلى ديكتاتورية الأمين العام ، ثم ، إلى تأبيده.. ، وباختصار شديد أيضاً فإن التجربة هناك أكلت أحلام ثوار أكتوبر بالتنمية ، و التطور ، والعدالة، وأكلت أحلام الإنسانية جمعاء ، ببناء تجربة نموذجية ، لمواجهة قراصنة الرأسمالية ، الذين يجوبون العالم .

- ثم إلى جانب تلك الكتلتين ظهرت كتلة ثالثة ، تتلمس طريقها. يقودها رجال أفذاذ ، حاولوا رسم ملامح طريق ثالث أخذوا فيه من الجدلية المادية، ومن القانون الطبيعي ، ومن الأفكار المحلية ، والدينية تحت شعار عريض يقول : " نأخذ ما يناسبنا ، ونطرح ما سواه " ، لكن التجربة ، أكلت الحلم ، مرة أخرى ، وأكلت قادته الأفذاذ . فتبيّن ، أن هذه الكتلة أخذت أسوأ ما في الكتلتين الأخريين .

(4)

الوطن العربي كان في القلب ، من ذلك كله ، وأطراف الصراع الدولي على العالم كانت نشيطة هنا، وتجلياتها الفكرية ، والنظرية ، والمنهجية كانت تتصارع في ساحة الوطن العربي ، صراعا عنيفاً ، وعندما بدأت حركة القومية العربية تتبلور ، بأطر تنظيمية ، في الخمسينات ، من هذا القرن ، فان القضايا السياسية الملحة ، لمواجهة الاعتداء الكثيف على وجود الأمة ، احتلت الأولوية ، وأصبح الاهتمام ، ببلورة منهج فكري محدّد ، يحتل المرتبة الثانية ، من الاهتمام ، وعندما بدا أن حركة القومية العربية انتقلت إلى الهجوم بإقامة دولة "الجمهورية العربية المتحدة" ، وبضرب القوى المعادية ، ضربات موجعة ، بين المحيط والخليج ، وعندما بدا أن عروش حكام الدول الواقعية العدوانية ، التي تحتل أرض الأمة ، بين المحيط والخليج ، تهّتز ، اهتزازا عنيفاً ، فإن الحماسة ، والشعارات ، والانخراط في المعارك اليومية شغل الحركة القومية العربية ، عن الالتفات إلى التأصيل الفكري ، والمنهجي ، والنظري حيث لا وقت للتفلسف ، خاصة ، وإن الإنتاج الفكري للإنسانية ، عبر التاريخ ، معروض لمن يريد ، فلماذا نضيّع الوقت في إنتاج نظري لا حاجة لنا فيه ...؟ ، ولماذا هذه "الشوفينية" في المطالبة بنظرية من إنتاج العرب خاصة ...؟

لكن المسألة ، لم تكن بهذه البساطة ، خاصة بعد الإنذار بالغ الدلالة صبيحة يوم 28 أيلول / سبتمبر 1961 عندما استطاع حفنة من الانفصاليين أن يغتصبوا الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة ، بينما الجماهير العربية الهادرة ، بالحماسة ، عاجزة ، مذهولة رغم غلبتها العددية الساحقة فلا تعرف كيف تواجه الانفصاليين ، ولا تعرف كيف تعيد الوحدة ، كما لم تعرف من قبل كيف تحصّن "الجمهورية العربية المتحدة" ، وتمد حدودها إلى حيث حدود الأمة ، بين المحيط ، والخليج .

في هذه المحطة بالذات بدأ الإدراك يتبلور ، بأن الحاجة إلى منهج يكون ضابطاً للحركة المطرّدة إلى التقدم ، والوحدة ، ليس ترفاً ، وأن منهج " دعه يعمل دعه يمر " لم يؤد إلى سعادة البشرية ، وحريتها ، وإنما إلى استغلال مزدوج ، فالرأسماليون يستغلون شعوبهم ، ثم يجندونهم ، لاستغلال البشرية بأسرها ، وأن منهج " ديكتاتورية البروليتاريا " لم يؤد إلى العدالة الاجتماعية ، فالاستبداد هناك بات نموذجاً ، لأنظمة الطغيان في العالم كله ، وأن منهج التلفيق ، والتجريب ليس ناظما لحركة مضطردة إلى التقدم ، وأن منهج العودة إلى المذاهب ، والأديان ، لا يعني ، أكثر من العودة ، إلى أوحال الفتنة ، والنزول بالأديان إلى ساحة الخلط بين مفاهيم الانتماء الوطني ، والانتماء الديني ، وحدود كل منهما .

تلك كانت هي الأرضية التي انطلقت منها الحاجة إلى منهج جديد يتجاوز المناهج التي تدمّر الإنسانية ، هذه الأيام . إن لم يكن " جدل الإنسان " فليكن سواه ، وباب الاجتهاد مفتوح ، على أية حال ، المهم ، أن يكون اجتهاداً ، لا فتنة .

أريد من ذلك ، كله ، أن أقول ، باختصار شديد ، أن المناهج الفكرية ، والفلسفية ، لا تولد من فراغ ، وليست منقطعة الصلة بالواقع ، وإنما ، وإن كانت ، في النهاية ، من إبداع فردي ، لرجل معين تحمل أسمه ، فيما بعد ، فإنها حصيلة لجملة من الإرهاصات الفكرية ، والتفاعل ، والتجريب ، والهزائم ، والانتصارات ، والتراكم الفكري ، فكل إنتاج فكري ، يتضمن شيئاً من النتاج الفكري ، السابق عليه ، ثم إضافة إليه ، يبدعه صاحبه ، ليتحول بدوره إلى تراث فكري ، وهكذا .. فالمناهج النظرية ، هي حاجة للبشرية ، بعد إن تكون المناهج السابقة ، قد استنفذت أغراضها .

(5)

ومنهج "جدل الإنسان" الذي أبدعه عصمت سيف الدولة لم يأت من فراغ ، وليس مقطوع الصلة بالإنتاج الفكري الإنساني ، فهو يتضمن شيئاً من هذا النتاج ، وإضافة من مبدعه ، من جهة ، وهو استجابة لحاجة قومية ملحة ، في أخصب مناطق العالم ، التي تتعرض لعدوان عنيف لا يوّفر فيه المعتدون استعمال أي سلاح ، من أي نوع . وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يأتي الحل ، من هنا ، مرة أخرى ، في عصر يطرح فيه المترفون ، الذين يستنذفون ثروات العالم ، ويلوثون أجواءه ، بأن "عصر الإيديولوجيات" ، قد انتهى ، ليس لأنه انتهى فعلاً ، ولكن ، حتى لا يفكر أحد في تغيير هذا النظام العالمي الفاسد ، الظالم ، التي يتربّع فوقه ، حفنة من القراصنة ، واللصوص ، بينما الملايين من البشر ، في القاع ، يعانون أقسى ظروف القهر ، والظلم ، التي عرفتها البشرية ، حتى ، في عصورها الأولى .

(6)

عن المحطة الثانية ، التي تتعلق بالمنهج ذاته.... "منهج جدل الإنسان" ، فإننا نجد أنفسنا مشدودين للحديث عن مبدع هذا المنهج ، بعد أن تحدثنا عن الظروف الموضوعية التي أحاطت ، به .

يقول التاريخ : انه في بداية عقد الخمسينات من هذا القرن توجهت فصائل من الفدائيين العرب المصريين إلى قناة السويس لخوض غمار حرب فدائية ضد جنود الاحتلال البريطاني ، ويضيف كتاب التاريخ ، أنه ، قد كان بين تلك الفصائل كتيبة يقودها "عصمت سيف الدولة" ، وأن ما دفع المؤرخ للحديث ، خاصة ، عن تلك الكتيبة بالذات ، والتي كانت تحمل اسم "كتيبة محمد فريد" ، أنها الكتيبة الوحيدة التي حملت معها ، بالإضافة إلى العتاد ، والسلاح ، والزاد ... حملت ، مكتبة ضخمة ، بحيث كان أفرادها ، يقاتلون ، ثم يتناوبون على القراءة ، وهكذا ...

ثم ، يقول التاريخ مرة أخرى ... أن مجموعة من الشباب العربي في مصر ، وأثناء معركة القناة ، عام 1956 ترسّخت لديها قناعة بأن معركة الأمة العربية ، واحدة ، وأنه لا بد من تشكيل حزب قومي عربي ، لتوحيد الأمة العربية ، وعندما عاد أحد أفراد هذه المجموعة من جولة له في بلاد الشام ، أعلمهم أن مجموعة من الشباب العربي ، في بر الشام ، قد أسسوا حزباً قومياً عربياً أسموه حزب البعث العربي الاشتراكي ، فاتصلت تلك المجموعة ، بالحزب ، واتصل الحزب بها ، وجرت محاورات ونقاشات جادة ، حول مفهوم القومية العربية ، ويقول د. جلال أمين عن تلك الفترة : " كنا قد أنشأنا فرعاً "لحزب البعث العربي الاشتراكي" في مصر ، في منتصف الخمسينات، ولم يعمّر هذا الفرع ، أكثر من ثلاث سنوات ، إذ اضطررنا لحله ، تنفيذاً للاتفاق الذي تم بين جمال عبد الناصر ، وحزب البعث ، عندما اتفقا على إنشاء وحدة مصر ، وسورية ، في مطلع عام 1958" ، ويضيف د. جلال أمين: " اتصل بنا ، وقتها ، عصمت سيف الدولة ، الذي كان يكبرنا ، بنحو عشرة أعوام ، كان متحمساً ، طلق اللسان ، واسع الثقافة ، قاطعاً كحد السيف ، في أحكامه ، وعنيفاً في تقييمه للناس ، والأحداث ، مما جعلنا نتهيب من انضمامه للحزب ، فترددنا في قبوله ، ولم نكن ندري ، وقتها ، أنه ، سيصبح عما قريب ، ملء السمع ، والبصر ، ورائداً ، من رواد الفكر القومي العربي ، ومناضلاً صلباً ، من أجل القومية العربية ، والعدل حتى آخر لحظة في حياته ، نادر المثال ، في جرأته ، وإصراره على المبدأ " .

ثم يقول التاريخ ، أنه ، إثر انفصال الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، وخلال فترة المراجعة ، والدعوة لتأسيس "الاتحاد الاشتراكي العربي" بديلاً عن "الاتحاد القومي" ، أصدر "عصمت سيف الدولة" مجموعة من الكتيبات ، تحت عناوين : ( قومية عربية يعني إيه ؟ ) ، ( حرية يعني إيه ؟ ) ، ( وحدة يعني إيه ؟ ) ، ( اشتراكية يعني إيه ؟ ) .

(7)

تلك الإرهاصات ، كلها ، موضوعياً ، وذاتياً . أدت ، إضافة إلى عوامل أخرى ، أن يبدع عصمت سيف الدولة "منهج جدل الإنسان" ، الذي ظهر أول مرة ، بتاريخ 15كانون الثاني ( يناير) 1965. حيث تضمنه كتاب "أسس الاشتراكية العربية" ....

جاء في المقدمة : " المنهج العلمي ، يجب أولاً ، وقبل كل شيء ، أن يكون علمياً ، أي مجرداً من التحيّز ، والتعصب ، والخوف . لهذا ، كان على أي عربي ، يريد أن يؤدي دوراً فكرياً ، في هذا الميدان ، أن يبدأ من أصعب النقاط : من الصفر ، لا تبهره الانتصارات ، فيجنح إلى تبريرها ، ولا تخيفه النكسات ، فيحتاط لها ، ولا تستفزه الاعتداءات ، فيتعصب لنفسه ، أو لغيره ، ولا تضغطه الشعارات ، فيجري وراء الجماهير يرفض ما ترفضه ، ويقبل ما تقبله ، وتلك بداية ثقيلة ، إن تجاوزها ، وجد نفسه أمام تراث فكري عريض ، كل تيار فيه ، بالغ الخصوبة ، وعليه عندئذ أن يقبله كتراث ، وأن يستفيد منه ، وأن يطهّر نفسه ، تماماً ، من التعصب معه ، أو ضده ، وأن يفهمه على ضوء الأحداث التي صاحبت نشوءه ، ثم يعزله عنها ليختبره على ضوء الأحداث التي يعيشها ... ثم ، لو استطاع أن يهتدي إلى قاعدة علمية بسيطة أصبح محتوماً عليه أن يعود مرة أخرى إلى أمته ليختبر مقدرة القاعدة التي اهتدى إليها ... تجيب عن الأسئلة التي تطرح ، عن الإنسان كفرد ، والإنسان في جماعة ، والجماعة في الطبيعة ، وحركة كل هذا في الزمان ... كل هذا على ضوء مشكلات العصر ، الذي يعيش .. فيه ... " .

ماذا يعني هذا في الواقع العربي ؟

"يعني ضرورة تجاوز الفراغ العقائدي ، إلى عقيدة ، وتجاوز "التجربة ، والخطأ" إلى منهج علمي ، وتجاوز التجمعات الجماهيرية المتعددة ، إلى حركة جماهيرية واحدة ، ذات منهج علمي ، وعقيدة واضحة ، تعلو بها ، على وحدة الصف ، أو وحدة الهدف ، أو التضامن ، أو المنظمات الحزبية ، والجماهيرية الإقليمية ، وتتجاوز ، بها ، حتى طاقة الحكومات ، ومقدرتها ، بالقوة التي تستمدها من طاقة الجماهير ، ومقدرتها .. "

ثم يقول عصمت سيف الدولة عن "منهج جدل الإنسان" : لقد أعطيته كل ما أمكنني من جهد ، واستطعت فيما أعتقد ، أن أوفر له من ضمانات البحث العلمي ما قدرت عليه من نفسي ، فجاء مجرداً من التحّيز ، والتعصب ، والخوف ، أمّا المضمون فهو كل ما عندي من اجتهاد ، مهما كنت مقتنعاً به ، فإني مقتنع أيضاً ، بأن مناط الصواب ، والخطأ ، هو الحقيقة الموضوعية ، لا ما يدعيه المؤلفون ... ولمّا ، أن رأيت أن تلك الفكرة الواحدة قد استطاعت أن تكون قاعدة لمفاهيم عديدة ، دون تناقض بينها ، توهمّت أنني قد أتيت بشيء يستحق أن يخرج للناس ، وربطت بينه كقاعدة انطلاق ، وغايته كحياة مقبلة ... " .

(8)

إن "منهج جدل الإنسان" يرتكز على أربعة قوانين أساسية ، ثلاثة منها هي : قوانين الجدل ، التي جاء بها هيجل ، وأعملها في الفكر المجرد ، وحملت اسم "الجدلية المثالية" ، ثم أخذها عنه كارل ماركس ، وأعملها في المادة الصماء ، وحملت اسم "الجدلية المادية" ، ثم أخذها عنهما عصمت سيف الدولة وأعملها في الإنسان ، باعتباره ظاهرة نوعية ، تنفرد بأنها " وحدة من الذكاء والمادة " ، وحملت اسم "جدل الإنسان" ، وبذلك يقوم "منهج جدل الإنسان" على القوانين التالية :

1 - إن كل الأشياء ، والظواهر منضبطة حركتها من الماضي إلى المستقبل ، بقوانين حتمية معروفة ، أو يمكن معرفتها ، وأن الإنسان نفسه ، لا تفلت حركته ، من هذا النظام .

2- كل الأشياء ، والظواهر يؤثر بعضها ، في بعض ، خلال حركتها ، التي لا تتوقف ، فتلحقها تغيرات مستمرة ، وهذا قانون كلي ، يضبط حركة كل الأشياء ، والظواهر ، بما فيها الإنسان .

3- في نطاق القوانين السابقة ( التأثير المتبادل ، والحركة ، والتغير ) تخضع حركة كل شيء ، وأي شيء في الكون ، لقوانينه النوعية .

4- ينفرد الإنسان "بالجدل" قانونا نوعيا " للتطور" ، وذلك ، لأن "الجدل" قانون للتطور ، والإنسان وحده ، والمجتمعات البشرية وحدها ، تتطور ، أما الأشياء ، والظواهر الطبيعية الأخرى ، فهي تتحول .

وبذلك نصل إلى النتيجة القائلة : أن التغيرات التي تصيب الأشياء ، والظواهر عامة ، تتضمن نوعين :

أولهما : " التحول " ، وهو ، ما يصيب كل الأشياء ، والظواهر من تغيرات تلقائية ، بفعل التأثير المتبادل ، فيما بينها ، خلال حركتها ، التي لا تتوقف .

وثانيهما : " التطور " وهو إضافة للأشياء ، والظواهر ، ما كان لها أن تتحقق تلقائياً ، بفعل التأثير المتبادل بين الأشياء ، والظواهر خلال حركتها التي لا تتوقف ، إلا بتدخل ( واع ) بفعالية في القوانين التي تضبط حركة الأشياء ، والظواهر ....، والإنسان " قادر " على استخدامها ، لتغيير الأشياء ، والظواهر إلى ما يريد " .

يمكن القول ، بناء على ذلك : أن " التحول " يصيب المادة في كل جزئياتها ، وأنواعها ، من أول الذرات إلى آخر المجرات ... أما "التطور" فلا يصيب إلا الظواهر الإنسانية حيث تخضع حركة الإنسان وحده لقانون " الجدل " ، بالإضافة إلى خضوعه ، للقوانين الأخرى .

(9)

إن أعظم دروس "الجدل" على الإطلاق هو : " أولوية الإنسان " لا بأي مفهوم ميتافيزيقي ، أو مثالي ، أو أخلاقي ، ولكن في حركة التطور الاجتماعي ، يعتبر الإنسان وحده ، هو أداة تغيير واقعه ، وأن الناس وحدهم هم أداة الخلق في التطور الاجتماعي ، وبذلك نقول :

يتوقف "التطور الاجتماعي" من حيث مضمونه ، واتجاهه ، ومعدل سرعته ، ونصيبه من النجاح ، أو الفشل ، على العنصر البشري ، في أي مجتمع ، وكل ما عداه من قوى الطبيعة ، وموادها ، فهي إمكانيات متاحة ، والبشر ، وحدهم ، قادرون على استخدام تلك القوى ، والمواد في صنع "التطور الاجتماعي" .

أما كيف يسير قانون "الجدل" في الإنسان ... ؟ فيقول عصمت سيف الدولة :

" في الإنسان نفسه ، يتناقض الماضي ، والمستقبل ، ويتولى الإنسان نفسه ، حل التناقض ، بالعمل ، إضافة فيها من الماضي ، والمستقبل ، ولكن تتجاوزهما ، إلى خلق جديد " .

والنقيضان في "جدل الإنسان" هما الماضي ، والمستقبل ، اللذان يتبع أحدهما الآخر ، ويلغيه ، ولا يلتقي به ، قط ، ومع هذا يجمعهما الإنسان ، ويضعهما وجهاً لوجه ، في ذاته .

(10)

لكن ، كيف يسير "قانون الجدل" في المجتمع ... ؟ ، يقول : عندما نرّد الفرد " الإنسان " إلى مجتمعه ، لنرى ما يؤثر في فعالية قانونه ، وما يتأثر بها ، نجد : أن الواقع الاجتماعي ، هو محصلة تطور تاريخي ، وهو الذي يسهم في إثارة المشكلات ، وهو محدد موضوعياً ، لذلك فإن الحل الصحيح لأية مشكلة اجتماعية محدد موضوعيا ، والإنسان يشق طريقه الحتمي إلى الحرية ، بقدر ما يكتشف الحل الصحيح ، وينفذه ، ويفشل في تحقيق الحرية ، بقدر ما يجهل ، ذلك الحل الصحيح ، فلا ينفذه بالعمل ، ويهتدي الناس في مجتمع معين إلى الحل الصحيح بالجدل المشترك ، أو ما نسميه " الجدل الاجتماعي " أي المعرفة المشتركة ، بالمشكلات المشتركة ، والرأي المشترك ، في حلها ، والعمل المشترك تنفيذاً للحل ، فيتحقق به ، إضافة تحل بها المشكلات الاجتماعية ، وتثور بها مشكلات اجتماعية جديدة ، فتحل ... وهكذا ... فإن المجتمعات تتطور من خلال حل مشكلات الناس فيها ، بالعمل .

وبما أن الناس يختلفون في درجة معرفتهم ، وفي تقديم الحلول الصحيحة ، لمشكلاتهم ، فإنه ينشب بينهم صراع اجتماعي ، و"الصراع الاجتماعي" يكون حتمياً لإزاحة أية عقبة تقف في سبيل الجدل الاجتماعي ، ويتوقف التطور على قدر ما يستنفذ الصراع الاجتماعي ، من قوة ، إلى أن تزاح العقبة التي أقامها موقف الذين حاولوا تعويقه .

(11)

إذن ، فالتطور الاجتماعي ، استناداً إلى " جدل الإنسان " ، ثم إلى " الجدل الاجتماعي " ، يبدأ من الواقع الاجتماعي ، كما هو ، بالمجتمع ، كما هو ، بالبشر في واقعهم المعين المشترك ، كما هو ، ولا يتم التطور إلا بقدر ما يشارك الناس في طرح المشكلات الاجتماعية ، ومناقشتها ، ومحاولة معرفة حلولها الصحيحة ، والمساهمة في العمل لحلها .

بعد ذلك يمكن تحديد صيغة واحدة "لقانون التطور الاجتماعي" كما يلي :

" في حدود الكل الشامل للطبيعة ، والإنسان ، كل شيء مؤثر في غيره ، متأثر به ، وكل شيء ، في حركة دائمة ، وكل شيء ، في تغير مستمر ، وفي هذا الإطار الشامل ، يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي ، وينفرد الإنسان ، بالجدل ، قانوناً نوعياً لتطوره ، وفي الإنسان نفسه ، يتناقض الماضي ، والمستقبل ، ويتولى الإنسان نفسه حل التناقض ، بالعمل ، إضافة ، فيها من الماضي ، ومن المستقبل ، ولكن تتجاوزها إلى خلق جديد " .

يترتب على ذلك ، أن أية محاولة لتغيير الواقع ، على ضوء "جدل الإنسان" تفرض علينا أن نبدأ ، بتحديد واقعنا البشري ، من خلال الإجابة على السؤال ؟ من نحن ... ؟ ، وعندما نعرف ، من نحن ؟ ، وما هو مجتمعنا ؟ ، فلن تكون عملية التغيير ، تجريداً .

ويترتب على ذلك ، أن لكل أمة ، أبعاداً ثلاثة ، هي :

*

البعد الأول : يحددها ، من حيث علاقتها بالجماعات البشرية ، الخارجة عنها .
*

البعد الثاني : يحددها ، من حيث علاقتها بالجماعات الإنسانية ، الداخلة فيها .
*

البعد الثالث : يحددها ، من حيث مسيرتها ، كأمة .
*

بالإضافة ، إلى حدها الرابع " الحد الزماني " الذي هو الواقع الاجتماعي للأمة ، في وقت معين .

(12)

لماذا "جدل الإنسان" ؟ ، وما هي ضرورة المنهج ... ؟

إن المسألة ، لا تتعلق بترف فكري ، ولا بالمباهاة بإنتاج نظري ، ولا مماحكة أصحاب المناهج الأخرى ، والدخول معهم في معارك لا تنتهي ، وإنما يتعلق الأمر كله ، بأمة عربية ممنوع عليها أن تتطور ، ممنوع عليها أن تعيش بما تملك ، ممنوع عليها أن تقول ـ أنها موجودة ، هكذا ، ممنوع علينا ، أن نكون عرباً ، كونوا ما شئتم ، إلا أن تكونوا عرباً ، ولا أتحدث عن العروبة ، هنا ، بمعنى الانتماء ، ولكن بمعنى الفعالية ، والشخصية الاعتبارية، والتأثير في عالم ، هي جزء منه... ممنوع عليها ذلك كله .. فإن قلتم إن هذا المنع جار بقرار دولي... فهو صحيح ، وإن قلتم أنه جار بخيانة من بعض أبناء الأمة ذاتها ، فهذا صحيح أيضاً ، وان قلتم أنه نتيجة عجز أبناء الأمة المخلصين ، فهذا صحيح كذلك .. ما يعنينا ، هنا ، هو معالجة هذا العجز، هو الانتقال ، من هذه السلبية التي تضع الكتلة الكبيرة من جماهير الأمة في موقع الفرجة على ذبح الأمة ، وتقطيع أوصالها ، إلى حالة يتحمل كلٌ مسؤوليته .

وهذا يعني ، أن الذي يعنينا ، هو الفكر المسمى "قومي تقدمي" ، أو ما ينسب إليه ، وهو كثير ، وأزمة المنهج فيه واضحة ، ففيه يتحدث الكثيرون عن الأمة العربية ، والقومية العربية ، وعن الوحدة العربية ، وعما يجب ، أو لا يجب في الوطن العربي ... دون أن نستطيع معرفة كيف توصلوا إلى ما يتحدثون فيه ، إلا أن يكون ترجمة لشعورهم ، بالانتماء القومي ، والشعور ، بالانتماء القومي ، قد يكون ذا دلالة صحيحة على وجود أمة ينتمي إليها المتحدث ، ولكنه لا يصلح مصدراً لمعرفة منطلقات تغيير الواقع القومي ، وغايته ، وأسلوبه ، يترتب على هذا ، أن الوحدة الفكرية ، بين القوميين التقدميين ، متوقفة على حل مشكلة المنهج في الفكر القومي التقدمي ، ذلك ، أننا في حاجة ماسة ، إلى معرفة كيف يكون الوجود القومي ، الذي هو محصلة تاريخ ماض ، ضابطاً لحركة تصنع المستقبل ...؟ ، كيف يكون الانتماء القومي السلبي التزاماً حركياً ايجابياً ....؟ ، ونحن لا نعرف هذا ، إلا إذا عرفنا القوانين ، التي تضبط حركة المجتمعات ، من الماضي ، إلى المستقبل .

(13)

- أما عن المحطة الثالثة : المتعلقة بالتطبيق ، والنتائج التي ترتبت على إعمال المنهج في الواقع ، ودراسة المشكلات ، والظواهر ، بالاستناد إلى "منهج جدل الإنسان" نلحظ موقفاً استراتيجياً ثابتاً ، من مجمل القضايا المبحوثة ، يصمد أمام المتغيرات العنيفة ، فعلى مدى ثلاثين عاماً ، بدءاً من عام 1965 ، عالج د . عصمت سيف الدولة ، كافة القضايا المطروحة ، والملحّة ، التي عاصرها استناداً إلى "منهج جدل الإنسان" ، فلا نعثر على تناقض بين موقف ، وآخر ، وإنما خط متسق من المواقف ، لم تقطعّه الأحداث ، والمتغيرات ، وكأنه سبيكة متجانسة ، لمواجهة الظروف المتغيّرة ، والصمود في وجه أعاصيرها :

1- إن المجتمعات تتطور ، خلال حل المشكلات التي يطرحها واقعها مستهدفة دائما إشباع حاجاتها المادية ، والثقافية المتزايدة ، أبداً .

2- ما دمنا أمة عربية واحدة ، فإن هذا يعني أن تاريخنا ، الذي قد نعرف كل أحداثه ، وقد لا نعرفها ، قد استنفذ خلال بحث أجدادنا عن حياة أفضل كل إمكانيات ، العشائر ، والقبائل ، والشعوب ، قبل أن تلتحم لتكوّن أمة عربية واحدة ، وأنها عندما اكتملت تكويناً ، كانت بذلك تقدم دليلاً موضوعياً ، غير قابل للنقض ، على أن ثمة وحدة موضوعية ، قد نعرفها ، وقد لا نعرفها ، بين كل المشكلات التي يطرحها واقعنا القومي ، أياً كان مضمونها ، وإنها بهذا المعنى ، مشكلات قومية ، لا يمكن أن تجد حلها الصحيح ، إلا بإمكانات قومية ، وبقوى قومية ، في نطاق المصير القومي .

3- إن وحدة الوجود القومي ، تحتم وحدة الدولة فيها ، بمعنى أن الدولة القومية ، التي تشمل الشعب ، والوطن ، كما هما محددان تاريخياً ، هي وحدها ، التي تجسّد سيادة الشعب ، على وطنه القومي ، ومشاركته التاريخية ، فيه .

4- إن التقييم القومي ، للدولة الإقليمية ، أنها مؤسسة ، رجعية ، وفاشلة ، وهذا يصح بالنسبة إلى جميع الدول الإقليمية ، بدون استثناء .

5- إن الأحزاب الإقليمية ، نماذج مثالية ، للفشل ، لأن أقصى نجاح لأي حزب إقليمي ، هو أن يستولي على السلطة في دولته الإقليمية ، التي هي ذاتها ، مؤسسة فاشلة ، فإن فشل في الاستيلاء على السلطة ، فهو أكثر فشلاً من الحاكمين أصحاب الدولة الإقليمية .

6- ليس صحيحاً أن القومية ، هدف برجوازي ، وأن العمال لا وطن لهم ، فقد ثبت ، أن للعمال وطن ، وأن البرجوازيين لا وطن لهم ، وأنهم يبحثون وراء الربح إلى أقصى موقع في هذا العالم ، ويتعاونون عن طريق الشركات متعددة الجنسيات ، وجواسيس الدول المهيمنة ، على النظام الدولي ، في سرقة ثروات الشعوب ، في كل مكان متاح لهم ، في هذا العالم .

7- إن فلسطين ، كجزء من الوطن العربي ، إقليم مملوك ، ملكية مشتركة ، للشعب العربي كله ، وليس ملكاً خاصاً لشعب فلسطين ، وأن الشعب العربي كله ، ومن باب أولى شعب فلسطين وحده ، لا يملك الحق في التنازل ، أو التفريط ، أو المساومة على حرية فلسطين ، وأن مسؤولية تحرير فلسطين واقعة على الشعب العربي كله ، وليس على الشعب الفلسطيني وحده ، وأن كل الاتفاقيات ، أو المعاهدات ، أو القرارات ، والدساتير ، والمواقف ، والتصريحات ، سواء كانت صادرة عن دول أجنبية ، أو عن دول عربية ، أو عن بعض الفلسطينيين ، في الماضي ، أو الآن ، أو في المستقبل ، تمس حرية فلسطين ، غير مشروعة قومياً ، فهي ليست حجة على الأمة العربية ، ولا قيداً على حقها ، في تحرير فلسطين.

8- لما كانت الأمة العربية ، تكويناً تاريخياً ، فإن اشتراك الشعب العربي ، في الوطن العربي ، هو مشاركة تاريخية بين الأجيال المتعاقبة ، وهذا يعني أنه ، ليس من حق الشعب العربي كله ، من المحيط إلى الخليج ، ولو كان ممثلاً في دولة الوحدة ، أن يتنازل عن أرض فلسطين ، أو أن يقبل الوجود الصهيوني على الأرض المغتصبة ، إنه بهذا يتصرف فيما لا يملكه وحده ، لأنه ملك مشترك بينه ، وبين الأجيال العربية القادمة ، ولو فعل ، لما كان ما يفعله حجة على الأجيال القادمة من الشعب العربي ....

(14)

لم يترك د. عصمت سيف الدولة ، حدثاً يمر ، دون أن يشارك فيه ، لم يجامل أحداً ، منذ عام 1965، فقد أدرك أنه ، واستناداً إلى "منهج جدل الإنسان" ، أن الأمة تتعرض لمخاطر جسيمة ، وأن على الجماهير العربية ، أن تنتظم ، بتنظيم قومي ، فصاغ بياناً تأسيسياً لذلك ، حدد فيه كيف يمكن أن يولد هذا التنظيم ، من القاعدة ، إلى القمة ، وهو البيان الذي طاف الوطن العربي ، في تلك الأيام ، وأطلق عليه الشباب العربي في ذلك الوقت أسم ( بيان طارق ) تعبيراً عن حرق المراكب مع الإقليمية تماماً ، ثم أصدر كتبه عن الطريق إلى الوحدة ، والطريق إلى الاشتراكية ، والطريق إلى وحدة القوى العربية التقدمية ، والطريق إلى الديمقراطية ، ثم حلتّ بالعرب نكسة 5 حزيران ، يونيه ، فصاغ رسائله الشهيرة إلى الشباب العربي تحت عنوان ( ما العمل ؟ ) ، وعندما رحل جمال عبد الناصر ، أحس د . عصمت سيف الدولة ، بالخطر الداهم ، فجمع أوراقه كلها ، ودفعها إلى بيروت لنشر كتابه " نظرية الثورة العربية " ، وما كاد المخطوط يصل إلى بيروت ، حتى كان عصمت سيف الدولة قد أودع السجن ، تحت لائحة اتهام ، بأنه كاتب بيان " طارق " من جهة ، وأنه يؤسس لتنظيم قومي يهدف إلى إزالة الدول " العربية " كلها ، وكانت المفاجأة ، أنه لم ينف التهمة الأولى ، ولا الثانية ، وإنما قدم دفاعاً ، أو هجوماً ، لا سابق له في تاريخ القضاء ، استند فيه إلى "منهج جدل الإنسان" ، وإلى ، أن الثورة القومية على دول التجزئة ، هي عمل مشروع قانوناً ، ثم ، وعندما خرج من السجن جمع أوراق السجن في كتابه " إعدام السجان " ، وعندما وقع الرئيس السادات اتفاقية فصل القوات الثانية أرسل رسالة تاريخية إلى مجلس الشعب في مصر يحذرّه فيها من التصديق على المعاهدة ، لأنها خرق للدستور ، ثم اتبعها بكتاب تم توزيعه سراً تحت عنوان " حكم بالخيانة " تضمن إصدار حكم قضائي باسم الشعب العربي في مصر ، بإعدام الرئيس السادات ، وترك تنفيذ القرار للشعب العربي ، بالطرق المناسبة ، ثم كتب عن الأحزاب ، ومشكلة الديمقراطية في مصر ، وكتاباً آخر عن النظام النيابي ، وتقدم بدفاع تاريخي عن المشاركين في مظاهرات 18 و 19 يناير 1977 صدر بكتاب تحت عنوان " دفاع عن الشعب " وقد تقدم بدفاع آخر عن الجماعات الشيوعية في مصر صدر بكتاب آخر تحت عنوان " دفاع عن الوطن " ثم تقدم بدفاع هام عن جماعة الجهاد وتلاه كتاب عن جمال عبد الناصر ، ثم زج به الرئيس السادات بالسجن مرة أخرى ، في أواخر أيامه ، وعندما ألقى الصهاينة ، بعرب فلسطين ، بالبحر أمام شواطيء بيروت عام 1982 ، التحق بهم في "مجلسهم الوطني" في الجزائر ، يناشدهم ، أن لا يعترفوا "بدولة إسرائيل" تحت أي ظرف ، وأنه ، إذا لم يعرفوا كيف يحررون فلسطين ، فليكفوا على الأقل عن التفريط بها ، ثم عاد إلى مصر ، ليدافع عن "ثورة مصر" ، ويقدم مرافعة ، قل نظيرها ، في التاريخ ، وليكتب عن "العروبة والأسلام" كتابه الهام الذي حمل الاسم ذاته ، يدافع فيه عن الأمة ، وهويتها ، وأصالتها ، وعن الدين الحنيف معاً ، ويحّذر فيه من الفتنة ، ومن الخلط بالمفاهيم ، ونراه يتحدث عن فصائل الحركة العربية القومية ، التي بدأت في المشرق خلال الفترة الأخيرة ، من الحكم العثماني ، مثل " المنتدى العربي " ، و " الجمعية القحطانية " وإلى آخرهم ثم يتساءل ( هل كان القادة مسلمين ، أو غير مسلمين ؟ ) ، فيقول : هذا سؤال لا ننزلق إلى أوحال الإجابة عليه ، نحن نعرفهم جميعاً ، عرباً ، دافعوا عن أمتهم ، واستشهد الكثير منهم في سبيل الدفاع عنها ، ونعرف منهم دفعة واحدة من الذين استشهدوا ، على أعواد مشانق السفاح التركي " جمال باشا " ، وبعد أن يعدد أسماءهم ، يتساءل مستنكراً ، ( فمن الذي يجرؤ أن يخوض في دماء شهداء الأمة العربية ليبحث عن الدين الذي كانوا إليه ينتمون .... ؟ )

ثم يقول : ( لا يمكن الاحتجاج بالإسلام لإنكار الوجود العربي ، ولا الاستناد إليه في موقف مضاد للقومية العربية ، إلا إذا أنكرنا على الإسلام ، مضمونه الثوري الحضاري ، الذي أسهم في تكوين الأمة العربية ، و من ناحية أخرى ، لا يمكن إسناد الوجود العربي ، إلى الإسلام وحده ، لأن الأمة العربية كانت ثمرة تفاعل حضاري ، أسهمت فيه كل الشعوب ، والجماعات السابقة على وجود الإسلام ، بكل ، من فيها ، من مسلمين ، وغير مسلمين....).

(15)

ذلك كان بعض من "عصمت سيف الدولة" ، وبعض من منهجه ، وبعض من تراثه الفكري الخصيب الأصيل ، وذلك كان بعض من مواقفه الشجاعة الأصيلة ، فمن النادر ، أن نجد في التاريخ ، رجلاً تتسق فيه الفكرة ، مع الممارسة ، مع السلوك ، مع الموقف ، كعصمت سيف الدولة ، ففي غياب المؤسسة الاعتبارية التي تمثل الأمة العربية ، كان عصمت سيف الدولة ، يعتبر نفسه ، أنه صاحب هذه الأمة ، وأنه مسؤول عنها ، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يسكت ، حتى عن مجرد التلميح الذي يسيء إليها .

في أواخر أيامه ، دعي إلى ندوة على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب ، وأراد أحدهم ، أن يفتح حواراَ تحت عنوان " الموضوعية والواقعية " حول التطبيع مع الصهاينة ، ففوجيء الحضور ، بعصمت سيف الدولة ، يدق على الطاولة بيده ، معلناً أن " فلانا " هذا يريد أن يقول كلاماً عن التطبيع ، ثم يقول ، أن هذا الكلام قد قيل بحضور عصمت سيف الدولة ، وهذا غير مسموح فيه أبداً . إنني أفضّل الانتحار على أن ألتقي بالصهاينة ، أو أبحث ، مجرد بحث ، أو أشارك في بحث عن التطبيع معهم . ووقف معلناً فض الجلسة على الفور .

هذا هو عصمت سيف الدولة ، الذي رحل عنا ، منذ عام ، صحيح انه رحل حزيناً قلقاً على مستقبل أمته ، لكنه رحل شامخاً ، واثقاً ، بأن الأمة ستنهض لحمل رسالتها التاريخية ، وعندما تقرر الأجيال العربية القادمة ، أن تنتقل إلى ساحة الفعل القومي الثوري ، لإحياء الأمة ، والانتصار لها ، ستجد أن عصمت سيف الدولة ، قد ترك لها نهجاً ، وتراثاً ، ومدرسة لن تضل الطريق ، إن هي اقتدت ، وتمثلت . وأما ، ما لاقاه عصمت سيف الدولة ، من عداء ، واستعداء ، فلن ينال من مصداقية نهجه ، ونضاله ، وسيرته العطرة ، وأما ، ما ينفع الناس ، فيمكث في الأرض .... .

بيروت : 2/4/1997 "المنتدى القومي العربي"

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-16-2010 07:52

على بساط الثلاثاء 66 يكتبها : حبيب عيسى
 
على بساط الثلاثاء
66
يكتبها : حبيب عيسى




"تنظيم قومي"
"من أجل الوحدة الاشتراكية"



نحن مازلنا نتنسّم أريج الجمهورية العربية المتحدة ، والذكرى العطرة للحلم العربي الذي نالت منه المحن ، لكن إلى حين ، وهذا "الحين" برسم الجيل العربي الشاب ، فهو وحده القادر على وضع حد للمحن ، وهو وحده القادر على تحديد ميعاد ولادة الجمهورية العربية المتحدة لزمن عربي قادم ، وإذا كانت تلك المناسبة تترافق بذكرى رحيل رجل أعطى عمره لتصميم ، وبناء جمهورية عربية متحدة ، لا ينال منها المجرمون ، فإننا سنعّطر "بساط الثلاثاء" هذا الأسبوع بحديث منه ، وليس عنه ، حديث منه إلى الجيل العربي الشاب ، مضى عليه قرابة الأربعين عاماً ، لكنه مازال طازجاً ، حاراً يحّث الشباب العربي لامتلاك الأداة المناسبة القادرة وحدها على بناء صرح الجمهورية العربية المتحدة القادمة .
أيها الشباب العربي منذ أربعين عاماً ، وبعد أشهر قليلة من غياب قائد معارك التحرر العربي جمال عبد الناصر ، وبالتحديد في يوم : 8 يناير – كانون الثاني – 1971 توجه عصمت سيف الدولة إلى المكان المعني باستلام الدفة لمواجهة المخاطر ، والعواصف العاتية التي تحيق بالأمة ، توجه إلى جامعة القاهرة ليخاطب الشباب العربي محرّضاً على الفعل ، واستلام الراية قبل أن يدنسّها المرتدوّن ، هذا الحديث ، أيها الشباب العربي ، في جامعة القاهرة ، وفي جامعات العرب قاطبة ، وفي المعاهد ، والمدارس ، في المصانع ، والحقول ، والمؤسسات ، الآن ، بالضبط الآن ، أنتم وحدكم المعنيين فيه ، لهذا سأترك بساط الثلاثاء هذا الأسبوع ليخاطبكم من خلاله عصمت سيف الدولة ، والكلمة له :
( 1 )
أيها الشباب العربي :
1 ــ في الوطن العربي دعـــوة مستمرة إلى إقامة تنظيم قومي تقدمي يقود الجماهير العربية إلى غاياتها "دولة الوحدة الاشتراكية والديمقراطية" . وقد كسبت الدعوة قوة دافعة من نداء وجهه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر سنة ١٩٦٣ عندما أعلن أن ..الحركة العربية الواحدة ... قد أصبحت ضرورة تاريخية . وكان نــداء كالنذير عبر به القائد عن حصيلة خبرته في النضال العربي حتى ذلك الحين . كان مــّد الحركـة القومية العربية الذي بلـغ ذروته بمولد الجمهورية العربية المتحدة قد بدأ في الانحسار . نجحت طغمـة من الانفصاليين في اغتصاب الإقليم الشمالي سنة ١٩٦١ .. ووصل الصراع بين القوى العربية التقدمية ، وبين الرجعية العربية حـــد القتال المسلح في اليمن ، ودخلت الامبريالية المعركة سافرة بقوى من المرتزقة . وفشلت محاولات الوحــدة الثلاثيــــة بين الجمهورية العربية المتحدة ، والعراق ، وسوريا . وشنت القوى المعادية حربــاً نفسيـة ، واقتصادية شعواء ضـــد الحركـــة العربيـــة ، وقيادتهـــا . في ذلك الوقت كانت القوى العربية التقدمية تحــــاول أن تجمع قواها لتصمد . كانت تناضل من مواقع المقاومـة لتوقف المسيرة المتقهقرة منذ الانفصال ..وكان واضحاً أن كل أدوات المقاومة ، والصمود المتاحـة غير كافية للحفاظ على المكاسب التي تحققت ، وإيقاف الهزائم التي بدأت . وكان واضحا أن ما تفتقده الحركة القومية حتى تصمــد ، ثـــم تبدأ هجومها المضاد ليس عدالة القضية ، وليس صلابة القيادة ، وليس الجماهير المناضلـــة ، بل كانــــت تفـــتـــقد الأداة التي تجمـــع كـــل قواهـــا في قـــوة ضاربـــة واحـــــدة تواجه بها أعداءها في كل موقع . حينئذ أنـــــــذر جمال عبد الناصر بـــأن ... الحـــركـــة العربية الواحــــدة ... قــــد أصبحــــت ضـــــرورة تاريخـــــية .....
( 2 )
2 ــ ومنذ ذلك الحـــــين ، والدعوة إلى إقامــــــــــة تنـــــظيم قــــومـــي تقدمـــي قائمـــة قويـة لم تقطع استمرارها ، ولم تضعف من قوتها الأحداث العربية الإيجابية ، أو السلبية . فكلما تحّقق نصر في أية ساحة عربية اندفع دعــــــاة التنظيـــم القومي يقيمّون ما تحـــقق ويكشفون ما يواجهــه من مخاطر لينتهــــــوا إلى أن وجود التنظيم القومي التقدمي هو وحده القادر علي الحفاظ على النصر ، والانطلاق منه إلى نصر جديد . وكلما وقعت هزيمة ، ولو في حجم هزيمة ١٩٦٧ انطلقــــوا يحللوّنها ، ليردوها إلى أسبابها الموضوعية لينبهّوا إلى أن غــيبـــة التنظيم القومي التقدمي كانت السبب الرئيسي في وقوع الهزيمة . حتى عندما أثبت الشباب العربي مقدرته الثورية في ساحـة المقاومة ، وفي غمرة الانبهـــــــــار الجماهيري بضـــــوء المقاومــــــة المتألـــــــق وســــــط ظــــــلام ما بعد الهزيمة ، ذهـــب دعــــاة التنظيم القومي إلى أن مصدر الضوء في المقاومــة أنها ظرف تاريخي ملائم لمولد التنظيم القومي ، ووجهوا إلى الشباب العربي نــــذراً صارمـــة بأن فصـــائل المقاومـــة أمام اختيار دقيق فإما أن تتحـــــــول إلى قـــوة ضاربة لتنظيم قومي ، وإمـــا أن تواجـــه مخاطر الهزيــــمـــة . الهزيــــــــمة تأتيـــــــــها ، لا مــــــن أعـــدائهـا الصهاينة ، ولكن من الإقليمية فيهـــا ، والإقليميـــــــة من حولهـــــــــا . ( ..........) . حتي الآن ، ونحن نـــرى ، ونلمس عبـــث ، الدول ، والمؤسسات ، والمنظمـات الإقليمية ، بمصير الأمـة العربية ، وهي تستهلك القوى العربية في صراعاتها الطفولية حول مطامعها الحقيــرة تاركـة الجبهـــة الشرقية مفتـــوحـــة للقوى المعادية ...نقول ، لو أن ثـــمـــة تنظيمــاً قومياً تقدمياً حقـــاً ، لإلزام العابثين في المشرق العربي أماكنهم في جبهة القتال أو لصــّفاهــــم ليــؤمّن ظهر المقاتلين على الجبهة . حتى الآن ونحن ندخل مرحلة حاسمة في معركـــة التحرير نقول أن النصر لن يكــــون لمن يملك أقــــــوى الأسلحــة بل لمــــن يستطيــــع أن يتحمـــّـل مشـــاق القتـــال إلى أن يعجز خصمــــه عـــن الاستمرار ... في هذه الحــرب التي سلاحها الأول الصبر الطويـــل على أهوالها ، حيث لا يمـــد المقاتلين بالطاقات المتجددة على القتال حتى النصر إلا التحــام الجماهير وراءهـــا في تنظيم قومي عربي تقدمي واحد ...
( 3 )
3 ــ ولقد قوبلت تلك الدعوة المستمرة ، الصامــدة ، العنـــيدة ، المــصّرة ، على بلوغ غايتها بكل أشكـــال المقاومـــة من أعداء المصيـــر العربي التقدمي . ولم يكن ذلك غريبـــــــاً . إذ لا يتوقع إلا الأغبــياء أن يهـــــادن أعـــداء الأمـــة العربية ، دعــــوة إلى حفــــر قبــورهم . ولكنها قوبلت أيضا من قوى لا تنكـــــر الهـدف ، بل تشكــك في سلامـة الأداة . فقــد قــيل أن التنظيم القومي غيـــر لازم ، وتغني عنـــــه جبهـــة تجمع بين القوى التقدميــــة المنظمــــة في الوطن العربي . وأرادوا أن يمتصـّــوا الدعـــوة إلى التنظيم القومي ، فأضافوا أن الجبهــة هي المدخل الصحيـــح ، والواقعــي إلى وحـــــدة التنظيم . وقلنـــا أن الجبهة قد تكون لازمـــة للنصر في معركــــة تخوضها قوى منظمـــة مختلفة المنطلقات ، متباينــة الغايات ، تلتقــي مؤقتـــاً ، ومرحليــاً ضـــد عـــدو مشترك ، ولكنها لا تغنــي عن التنظيم القومي موحــــد المنطلـــق ، والقـــوى ، والغايــــة . إذ مآل الجبهة إلى الانفراط ، ولو بعــد تحقيق النصــر المشترك ليستأنف كل فريق مسيرته إلى غايته ، ولـــو عن طريــق الصراع ضـــد الرفاق القدامى في الجبهة المؤقتـــــة . أمـــا التنظيــم القـومي فيجب أن يحتــفظ بوحدتــــه إلى أن يحقــق غايتــه الاستراتيجية ... دولــــة الوحــدة الاشتراكية الديمقراطية .... وقلنـــــا أنـه مهمـا تكــن الأهداف المرحليـــة التي تجمــع القوى في ساحـة نضال واحدة ، فإن تجاهل الخلافات المبدئيــــة التي أنشأتها متفرقـــة منذ البدايـة ، مثالية فاشلة . ففي قلب الجبـهة ، ولو كانت موحدة القيادة يبقــى تعــــدد القوى قائمــــاً . وفي قلب وحــــدة العمــل التي تجمعها يبقـــى الصـــــراع بيـــنهـــا مستمـــراً . ومن هنا ، فليس صحيحـاً ، وليس واقعيا أن تكـــون الجبهــة مــدخلاً إلى التنظيـــم القومي التقدمــــي الواحــد . وطـــال الحـــوار حتــى دخلنا جميعا محنـــــة الممارسة . فإذا بالأحداث تثبـــت أن ما كان محسوبــاً من القوى القومية التقدمية ، لا هـــي قــــــوة ، ولا هـــي قـــومية ، ولا هــي تقدمـيـــة . وإذا بالقـــوى التي كانت تقــّـدم "الجبهــة" فيما بينها بديـــــلاً عن التنظيــم القومي ، متفــرقة ، متعاديـــة ، متصــارعة يواجـــه بعضها بعضـاً بقــوة الســلاح ، أو بقـــوة التآمـــــر . أكثـــر من هذا ما أصــاب بعض تلك القـــوى من تمـــزق داخلــي ، فلــم تستطع أن تحافظ على وحدتها الذاتيـة ، وهي التي كانت تبشرّ بطول عمر الجبهة بينها ، وبين غيرها إلى أن تصبح قــــوة موحــدة . إن الحــزب الشيوعي السوداني ، أكثـــر الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي تعاطفــا مع الحركـــة القوميــة ، وأكثر المنظمـــات جديـــة ، وإخلاصــا في الدعـــوة إلى الجبهة كبديــــــل ، أو مــدخـــل ، إلى التنظيــم القومي التقدمي ، قد انشق إلى حزبين حــول قضيـــة أبسط بكثير من قضية تحقيق الوحدة الاشتراكية . قضيـــــة مــــا إذا كان انقلاب السودان يستحــق التأييــــــد ، أم لا ؟... والواقع أن الجبهة قد تكون مفيدة ، ولكنها ليست بديلا عن التنظيم القومي التقدمي ...
( 4 )
4 ــ غير أن أقـــوى التحديات للدعـــوة إلى التنظيم القومي التقدمي جــاءت من داخـــل الجماهير المؤمنـة به ، المتطلعـــة إليه .. وكان تحــدياً في صيغـة سؤال متكرر .... كــــيف يقوم التنظيــــم القومـــــي التقدمـي ؟
إن طرح السؤال ذاتـــه كان يعنــي أن الأسلوب التقليدي لإنشاء المنظمات الجماهيرية لا يـــوفي بمتطلبات إقامـــة تنظيـــم قومي تقدمي في الوطن العربي ...والأسلوب التقليدي هو أن تجتمــع قلـــة من الطلائــع ، أو الصــفوة كما يقال لتصوغ أهداف الجماهير التي تنتمــي إليها في وثيقـــة فكريـــة تحـــدد منطلقات مسيرتها ، وأهدافها ، وأسلوبها ثـــم تدعــوا الجماهير إليها فتقيـــم منها مؤسسة جماهيرية ملتزمــة بمبادئها وتدخل بها ساحـة الصراع حتى تحقق أهدافها ، أو تـنهــــزم .. ولا شـــك أن كثيراً من القوميين التقدميين الذين يرون في أنفسهم طلائع مسؤولـة عن إنشـــاء التنظيم القومي التقدمي ، قـد فكروا بأن يتصدوا لإنشائه بهذا الأسلوب . ولعلهم أن يكونوا قــد تبـــيــّنوا أن الواقع العربي الذي يريدون إنشاء التنظيم القومي التقدمي فيه أكثر تعقيداً من أن يستجيب لــه الأسلوب التقليدي في إقامـــة المنظمات الجماهيرية . وأن مشكلة إنشاء تنظيم قومي في الوطن العربي الممزق أكثر صعوبة من أن تناسبها الحلول السهلـــة . يكفي دليلاً على هذا أن أصحاب هذا الحل السهل الذي لا يتطلب إلا قلـــة من ... الصفوة .. ووثيقة فكرية لم يستطيعوا أن يحققوه . فإما أنهم غير جادين ، وأما أن الحل السهل فاشـــل . ونحـــن ندافـــع عنهم فنقول أنهم جادون ، ولكـــن إنشاء تنظيم قومي تقدمي في الواقع العربي المعاصر لا يتحقق بقلـــة من الصفـــوة ، ولــو مجتمعــة في التنظيــم . إنها عندئذ لا تزيد عن أن تكون منظمـــة أخرى مضافة إلى المنظمات العديدة في الوطن العربي التي تسهتدف ــ فيما تعلن ــ دولة الوحدة الاشتراكية .
( 5 )
5 ــ ويمكننا أن نقدمّ سبباً على قدر كبيـــر من الجــدية ، أكثر الأسباب جدية في الواقــع ، حــال دون أن يقوم التنظيم القومي بالأسلوب التقليدي . ذلك هو أن الجماهير العربية العريضــة التي هي قــوة التنظيم القومــي ، وقواعــده لم تكـــن منظمــة تمــاماً ، ولم تكـــن منفرطـــة تمامـــاً . فعاشت فترة طويلة تنتظر ، وتتوقـــع أن تكتمل تنظيــــماً ، وبالتالي صـّــدت نفسها عن دعــــوة إنشائه بالأسلوب السهل . فمنذ سنة ١٩٥٥ ، والجماهير العربية ، أعرض الجماهير العربية ، التي لا شك في ولائهـــا لهدف الوحدة الاشتراكية تخوض معارك التحرر العربي تحـــت قيادة جمال عبد الناصر . طوال هذه الفترة كانت الجماهير العربية تـــعتبـــــر جمـــال عبد الناصر قائدها ، وتضـــع نفســــها تحــت قيــادته .
وطوال هــــذه الفتـــرة كان جمال عبد الناصر يقودها فــــعلاً في معارك التحـــرر في كل مكان من الوطن العربي من مركـــز قيادته في القاهــــرة . هذا واقــــع لا شــك فيه .
ومنــــه نشأت تلـــك العلاقـــة شبه المنظمـــة بين الجماهير العربيـــة في أنحاء الوطن العربي ، وبين قائــــد معركـــة التحـــرر العربي في القاهرة . وقد كانت تلك العلاقـــة من الـــقـوة بحيث نستطيع أن نقـــول ـ بــدون خطأ ـ أن كثيراً من القيادات في الوطن العربي كانت تستمـــد مواقعهـــا الجماهيرية من صلتها بالرئيس عبد الناصر ، أو في بعض الأوقات ادعائها أن ثمـــة صلة بينها ، وبين عبد الناصر . ولكن هذه العلاقـة القويـــة لم تصل أبــداً إلى مرحلـــة الالتحـــام بين القائد ، وجماهيره في تنظيـــم واحد ...
لماذا ، مع أن جمال عبد الناصر كان أقوى صــــــوت دعــــــا إلى التنظيــــم القومي سنة ١٩٦٣ ؟...
هـــذا سؤال أصبح تاريخيا بدخـــــول جمال عبد الناصر في ذمــة التاريخ . ما يمكن أن نقوله الآن أن قطاعــاً من أنقـــى العناصر القوميـــة التقدمية ، وأكثرها وعـــــياً كانت تتردد في أن تتصـــدى لمسؤولية إنشــاء التنظيم القومي ، بدون أن يكون عبد الناصر في قيادتـــــــه . وكانت تنتــــظر ، وتتوقـــع أن تسمح الظروف المحلية ، والقومية ، والدولية الصعبة التي كان عبد الناصر يقود فيها معركــة التحرر العربي بأن يكمل الرئيس عملية الالتحـــام التنظيمي بين القيادة ، والجماهير .
( 6 )
6 ــ وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر أصبحت الحاجــــة إلى التنظــــيم القومي أكثر حـــّدة ، وذلك من نواح عـــــّـدة .. فمن ناحية أولـــــــى تجــد الجماهير العربية العريضــة التي خاضت معارك التحــــرير تحــت قــيـــادة عبــد الناصر أنها ، وقـد فــــقدت قــائدها ، مــــهـــددة ـ جــــــديـــــاً ، بالانفـــراط ، بكـــل مـــا تــعنـــــيـــه الكلمـــة إذا لــم تلــتحــم في تنظيم قومـي يحفظ وحـــدتها . وهي تـدرك تماماً ـ لا شك تدرك تماماً ـ أن وفـاة جمال عبد الناصر قـد وضعتهـــــا وجهــاً لوجــــه أمـام مسؤولياتــــها القوميــــة . وأنها تمـــر بمرحلــة اختبـــار حاسمـة لتثبـــــت فيها ما إذا كـان ترددها في إنشاء تنظيم قومي تقدمي كان حــقـاً انتظاراً لمبادرة جمال عبد الناصر ، أم كــان استغناء بالنضـال شبه المنظـم ، وشبه المسؤول ، عن النضال المنظمّ المسؤول . وأكبر خطأ تقـع فيه هذه الجماهير أن تحــاول خلق قائد آخـــر من طراز عبد الناصر .إنها إذ تخلقـــــه ، تختلــقه . وعبد الناصر لم يخلقــه أحـــد ، ولم يختـــلقه . فقد كان إفرازاً فـــذاً لمرحلــــة تاريخية لا تتكـــــرر . يكفــي أننا لا نعـــرف ، في كل ما عرفنا في التاريخ ، قائداً واحــــدا استطاع أن يقـــود جماهير عـــريضة لا سلطــــة لـــه عليهـــا ، وبــــــدون تنــــظـــيم ، ولفتــــــرة طويلة في معـــارك ضــــارية ضـــــد قــــوى شـــرســـة ، كما فــــــعـــل عبد الناصر . إن غياب القائد فجــأة قـــد أحــال غــيـبـتـه مأساة يفــتـقـد فيـــها رأيــه في كيف تكـــون القيادة بعـــده . (......................) . وبقــي على جماهيره ـ كقائد حركــة قومية ـ أن يجدوا الإجابـــة على ذات السؤال في مســــتواه القـــومـــي .
وهــــم واجدوها بسهولـــة لأن الرئيس جمال عبد الناصر كان قد أجاب عليــــه .
ففـــي ٧ يناير "كانون الثاني" ١٩٥٨ سألـــه الوزير ، والأديب الفرنسي "بنوا ميشان" عما إذا كان يتوقـــع انهيار الحــــركـــة القوميـــة العــربية ، فيما لو توفـــي فجأة فقال رحمه الله ....
(... لا . إن القوميــة العربية هي التي خلقتني . لست أنـا الذي حركتهّــا بـــــل .....هي التي حملتنـــي . إنها قــوة هائلــة ، ولست أنـــا إلا أداتهـــا المنــفذة .....ولو لم أكـــن موجـــوداً لأوجــدت غيري ، واحداً ، عشــــــــرة ، آلافـــاً آخرين ليحّلوا .......محلـــي . إن القومية العربية لا يجســـّـدها رجـــل واحـــد ، أو مجمـــوعـــة من الرجــال ....إنها لا تتوقف على جمال عبد الناصر ، ولا على الذين يعملون معـــــه ......إنها كامنة في ملايين العرب الذين يحمل كـــل منهم قبـــساً من شعـــلة القوميـــة ... إنها تيــــــار لا يقـــاوم ، ولا تستطيع أيـــة قـــــوة في العالم تحطيمـــّها ....طالمــــــا بقــــيت محتفظــــــــة بـثـقـتـها في ذاتــــــــهــا ....)
هذا هو رأي عبد الناصر ، وتلك هــــي إجـــــابتــــــــه .........
إن البديــل عنـــــه كأداة منــّـفذة للحركـــة القومية العربية مـــتاح في ملايين العرب القوميين ، وعليهم ـ إن غــاب ــ أن يحتفظوا بـــــثقـتهم في أنفسهم ، وأن يقيمـــوا أداتـــــــهــــم من بيـــنهـــم . ولا شك في أن الجماهير العربية واعــــية هذه الإجـــابة . هذا أنهـا ـــ منــذ وفاة الرئيس عبد الناصر ــ ونشاطها الفكري ، والحــركي متجهـــة بقــــوة إلى إنشاء التنظيـــــم القومي التقدمـــــي .
( 7 )
7 ــ ومـن ناحيــة ثانـية ، فإن كل الــقوى العربيـة ، من كان منهـا في مواقــع القيادة ، ومن كان خارجــها ، تواجـــه الآن ، وتلمـس ذلك الـفرق النوعــي في ثقــل الـقوة وفعالـيـتها بين الحركــة العربية الواحدة ، والحركات العربيـــة المتعــددة . ويدركـــون بسهــولـة أن القـوي العربية ...موحــدة ... تستطيع أن تقدّم أكثـــر ، بكثــير من ...مجمــوع ... ما تقــدمـه ذات القوى ... مجـتمـعـه ... ففي مــيزان الصراع ، على المستوى الدولي مثلاً ، كانت كـل دولـة عربيـة تمـّـثل ثقــلاً واقعـــيا مـعروفـاً ، حتى لـو بالغت هي فيـه ، أو أخــفت حقــيقته . ولم تكــن أيـة دولـة عربية قادرة على أن تكسب إلا بمقـدار وزنــها الحقيقي في موازين الصراع الدولي . إلى درجـــة أن استطاع الجنوب اليمني أن يهزم بريطانيا في معركــة التحرر بقوة السلاح . إلى درجـة آن استطاعت منظــمات المـقاومـة أن تبقى في وسط محـــيط عـدائي . إلى درجــة أن تفـقد الجمهورية العربية المتحدة قواتهـــا المسلحة وتصبـح حدودها مفتوحـة للقوى المعاديــة فتندفع دول تضــم أكثر من نصـف البشر تحميها حتى تنهـــض من كبوتها . إلى درجـة أن تنهــزم الدول العربية في معركــة صريحة ثـــم ترفـض مـذلة مفاوضة الــعدو فتعفيـــها أغلبيـة المجتمع الدولي من مــذلـة المفاوضة والاستسلام . وطوال خمسة عشر سنـة كانت الدول العربية ، كــل دولـة عربية ، تعيش لا تحــت حماية قواتــها الذاتيــة ، بــل تحـــت حماية قوة أخـرى قادرة على أن تضــرب في أي وقــت في كــل مكــان من الوطن العربــي . وان تـدخل المعارك حمـــاية لأيــة دولــة عربيـــة . تلك هـي قـــوة الجماهير العربيـة شـــبه المنظـمـــة تحـــت قيــادتها في القاهــرة . هذه القـوة كانت هي الإضافـة الهائلـة إلى وزن أيـــة دولــة . ومن هذه القــوة استمــدت كل الدول العربيـة الــثــقل الذي جعلها أهــلاً للصــداقة ، يمنحهــا الأصدقاء أكثر مما تستحق بـذاتها . وأهلاً للعداوة يخشاها الأعــداء أكثر مما تقــدر بقوتهـــا . هذه القـوة هي التي فرضـــت على أعتـــى القوى في العالم ألا تمــس شعــرة أي عــربي أو تحفـــر بئـــرا ولــو في الربـع الخــراب إلا بعـد أن تدخل في حساباتها رد فـعل الجماهير العربية ، أو أن تستأذن قيــادتها في القاهـــرة . ولولا هذه القــوة وثقلهـــا لما استطاعــت أية دولــة عربية أن تكـسـب ربـــع ما كسبتــه ، ولخـفتّ موازينـــها في الصــراع الدولي إلى الحد الذي يتــفق مع وزنـــها الخــفــيف .
نقول أيــة دولـة عربية ، لإنــه لا توجــد دولـة عربية واحــدة ، حتي الدول التي يسخرّها حكامها في مناهضــة الحركـة القوميـة التقدمــية ، لـم تتــمـتع فعلياً بحماية الجماهير العربية تحـــت قيادة عـبد الناصر . ولا يوجد حاكم ، أو قــائد عربي واحد ، حتى الذين عاشوا يناهضون عـبد الناصر ، يستطيع أن يزعـم أنــه لـم يكـن يعتــبر عبد الناصر ، والجماهير العربية تحت قيادته قـــوة ستــتدخل حتـما لحمـاية الشعب العربي في دولتـه ، أو تحت قيـادته ضـــد أي عـــدوان أجنــبي ، بصــرف النظر عن موقفـه المناهض .
كل هذا يحملنا على الاعتقاد ، بإن الدول العربية ، كل الدول العربية ، تــدرك الآن أنها مهددة بأن تفقـد الثــقل القومي من موازينـــها لــو أدت غيبـة قائد الجماهير العربية إلى غيــبة ثقــل تلـك الجماهــير . مهدّدة بأن تكون على قـدر حقـيقـتها الإقلــيمـية ..
وبينما سينتهز كثيــر من العملاء هذه الفرصــة ليكملــوا تســـــليـــم دولــهـــم إلى القــوى المعـــــادية ، فإن كــل الواعيــن على حقيقة الصراع الدائر في الوطن العربي ، ومـــوازين قــواه ، سيقـفون موقـفاً إيجابياً من إنشــــاء تنـــظيم قـومي تقدمي يحفـــــظ وحــدة الجماهير العربية ، ويحتفظ بالثــقـل الــقومي في موازين الصــراع . ولعــل من أهـــم دلالات هـــذا الاتجـــاه تلــك الخــطوة الحـــذرة إلى الأمـــــام التي تمــت في القاهرة يوم ٨ نوفمبر"تشرين الثاني" ١٩٧٠ بالاتفــاق على العمـل من أجـــل إقامــــة اتحاد بين الجمهوريـــة العربية المتحدة ، والجمهوريــة العربية الليبية ، وجمهورية السودان الديمقراطية . وهي خطــوة تتفــق طبيعتهـــا مـــع طبيعة الدول التــي اتخذتها ، ولكنها تعبــر عن اتجـــاه واضــح الدلالـة على وعــي القــادة فيها على مخاطر مـــواجهة المستقــبل من مــواقع التجـــزئة . وهي ذات المخــاطر التي أصبحت فيهــا الحـاجـة إلى تنـــظـيم قـومي مــلـــحـــة حتــى مـع الاعتراف بأن تلـــك الخــطوة التــي تمـت بين الـدول ليست الطريق إليـه .
( 8 )
8 ــ ليس من الغريب في ظــل كل هذه الظروف أن يصـــبح السؤال ....كــــيف يقــوم التـنــظيـم الـقومــي ؟ ملحـّـاً ، إلحاحـاً عـصبّـياً ، وأن يكون محــل حـــوار حـــّي دائــــر على أوسـع نطاق في صــفوف الشباب العربي . وقد كنا من قبــل نطـــرح السؤال في آخـر كل حديث عـن الفكر القومي ، أو عــن التنظيم القومي ، ثـــم نجـــيب ....غـير أن هذا حديث آخر . ولـــم يكــن ذلك هــــروبـــــاً من الإجابة ، أو جهــلاً لها . بــل كان تعبيراً عن اقتناع خــاص ، بأن الحــديث عن كـــيفــيـة قيام التنظيم القومي ، لــيــس قضيـة فكــرية مجــردة أو معــزولة عن المتحدثين ، والمتحــدث إليهم عن الخطــوات العملية لإنشـــــاء تنظيم قومي تقدمي في الوطن العربي ، بل يجـــب أن يرتفـــع بجــدّيتـــه ، وبمسؤليته عن أن يكون استعراضاً للمــقدرة على الحـــوار . يرضي غرور المتحدثيّن ، أو يشــبع فضــول الآخرين . وأنــه على هـذا الوجــه حديث خاص بيــــن قــوى مفـــرزة يــنـتـقـل بـه أصحابـه مــــن مرحلـة الاجتهــــاد الفكــري ، إلى مرحلـــة الالتـــــزام الثـــوري . وكنـا ، ومـــا نزال مقــتـنعيــن ، بإن كل ثــوري مثــقف ، ولكن لــــيــس كل مثقــف ثورياً ، وبالتالي فإنــه من الخطــأ الفادح أن يتوهـــم المثــقــفون الذين حملوا مسؤوليـة الدعــوة إلى التنظيم القومي أنهـــم ــ بهذا وحــده ــ مسؤولين عن إنشائــه ، أو قـادرون عليـــه . أو أن نتوقع من كـل قــادر على معرفـة المشكـلة أن يكون قادراً على حلــها . ولما كنا ننشــط في مستوى الاجتهاد الفكـــري ، فقـد كنا نقــف في الحـــديث عنــد حــدود الدعـــــوة .
غيــــر أن الظروف العربيـة التي أشـــرنا إلى بعضها قد طـــرحــــت على دعـــاة التنظيم القومي التقدمي مسؤولية مواجهة الإلحـــاح المشــــــروع الذي أصبح طابــع السؤال .... كيف يقـــوم التنظيم القومي ؟ وكان لا بـــد من التـــوفــيق بين ضرورة الإجـــابة ، ومسؤولية إبقــــاء الحـــوار في مستواه الفكـري معاً . فقدمّنا شطراً من الإجابة في تعليق ... حول إعــلان العمـل من أجل "اتحاد عربي ثلاثي" ... نشر في مجلــــة الكاتب العدد ١١٧ ديسمبر ١٩٧٠ ...قلنـــا فيه ...
(إن ما يخص الرؤساء الثلاثـة منــه ، هو على وجـــه التحديــد :
أولاً ــ ألا يحاولوا إنشــاء ( التنظيم القومي ) وهـــم في مواقع السلطـــة من دولهم حتى لا يأتي جهازاً من أجهزة الدولــة مشدوداً بقيودهـــا الدوليـة ، والدستورية ، فلا يقــدر على ما لا تستطيـــع هي أن تقدر عليـــه .
ثانياً ــ أن يكفوّا الدول التي يحكمونها عن تعـــويق إنشــائه ، ثـــم يتركــوا للقوى القومية التقدمية في الوطن العربي أن تواجــــه مسؤولياتها بعد أن واجهوا هــم مسؤولياتهم . )
إجــــابـــة سلـــبــية .نعــــم . ولكنها في رأينا إجابـــة على سؤال شائك كان مطروحــاً دائمــاً في الحـــــوار حــول الإجــابة الإيجــابية . بقــي أن تعرف القوي القومية التقدمية كيــف توفــي بمسؤولياتها . فإذا لــم تستطع ، فإنهــا ــ برغــم كل ادعـــاء ــ تكــون غــير ناضجــــة بالقــدر الكافي لتحمـّـل تلـــك المسؤوليـة . ويكون من خير الأمـــــة العربية ، ألا تستطيع قوى غــــير ناضجــــة ، إقامـــــة تنظـــيـــم تجـــــهـــض بـــه مـــولــد التنظيـــم القومـــي المنـتظـــر. .
وإلــى أن تــعرف ، فتســـطــيع ...لا نستطيع من جانبنا إلا أن نتقـــدم إليها ، ببعض الاجتهادات الفكريـــة التي نــأمـــل أن تساعدها على معرفة الـــطريق إلى غايتها العظيمـــــة .
( 9 )
9 ــ تنظيم قومي من أجـل الوحــدة الاشتــراكية . هذه هي الغايـــة العظيمــة . كيف يــقـــوم ؟ ..... هذا هـو الســــؤال الذي لم نجــد صعوبـة في الإجــــابة عليه . وقـــد نستطيع أن نلتقـــي بالإجابــة الصحيحــة ، بتقديم عـــديد من الإجــابات اتكــــالاً على أن تصـــــح واحــــدة منها مصادفـــة . وهو أسلوب تجــريبــي أضعنــا فيه وقـــتاً طويلاً ، وهو كفـــيل بأن يستنفــذ بقيـــة أعمارنا في انتظار المصادفـــة السعيدة . فلماذا لا نحاول أسلوبا آخـــر ، فنــؤجــل الإجابة إلى أن نستولـــدها من مضـــمــون السؤال ذاتـــه ؟
فنحــاول أولا أن نعــرف خصائص التنظيــم القومــي فلعلنا ، عندما نعــرف خصائصـــه ، أن نعرف الإجابــة الصحيحــــة عن السؤال ...كيف يقوم ؟ ...
( 10 )
١٠ ــ يتــكون التنظيم القومي من ذات العناصــر اللازمـــة لقيام تنظيـــم جماهيــري . نظرية فكـــرية تحـــدد لــه المنطلقات ، والغايات ، والأسلوب . وجمــاهير تــؤمــن وتلتــزم هــذه النظريــة ، تجمـــــعــها... مؤســســـة .... وتمثلهـــا قيادة يتـــم العمـــل فيها طبقـــاً لنظــام داخــلي يحــدد حقـــوق ومسؤوليــات القـــواعد والكوادر والقيــادة . وما دمنا نستهدف الوحدة الاشتراكية ، فليس ثمــة أيــة صعوبــة جدية في توفيــر كل هذه العناصر . فصياغـــة وثيقــة فكريـــة تربط بيــن الوجــود القومــي كمنطلــق ، والوحــدة الاشتراكية كغـــايـــة ، والثـــورة الجمــاهيرية كأسلوب ، أمـــر لا يحتاج إلا إلــى الجهـــد الـــلازم ، لبلورة الفــــكر القومـــي التقدمي المتاح في وثيقــــة واحـــدة . والجماهير العربية المؤمنـــة الملتـــزمة بهـــذا الفكر القومي التقدمي تشكـــّـــل أعــرض قطـــاع في الشـــعب العربي . أمـــــا عن القـــيادة فالقيادة الجماعيـــة كفــيلــة بتوفيرهـــا . نــريد أن نقول أن المشغولين جــّـدياً ــ على الأقــل ــ بإنشاء التنظيم القومي لا يعتقدون أن أياً من هذه العناصر غير متاح ، أو من الصعــب توفيره .
ولكــــن مصــدر الصعوبـــة ، ليس هنا ....إن مثل هذا التنــظيم ، أن قــام ، فسيكون تنظيماً جماهيرياً من أجل الوحدة الاشتراكية . وفي الوطن العربي عشــــــرات من الأحـــزاب ، والجماعات المنظمــــة تتوافــــر لها كل هــذه العناصر بما فيهــا التزامهـــا الوحدة الاشتراكية غــــايــة . ونعرفها من شعارها المثلث ... الحرية والوحدة والاشتراكية ، أو أيــّـاً مــا كان تــــرتـيب الكلمـات ما دامت تعنـــي التعبيـــر عن الهدف النهائــي ... الوحــدة الاشتراكية . ومـع هذا فإن ضرورة إقامــة تنظيم قومي قائمـــة مع وجـود تلك المنظمات . بــل ، منها مــا يــــزيد ، ويعلــــــــــــن أن مـن غايـــــات نضاله إقامـــة التنظيم القومي ، والإسهام فــي إقامته ، أو الدعـــوة إليـــه . وهـــو ما يعـــني أن ثــــمـــة تسليمـاً بأن التنظيم ... القومـــي ... من أجـل الوحدة الاشتراكية يتضمـــن شيئـــاً أكثـر من مجـــرد التنــظيــم .....الجماهيري ....من أجــل الــوحدة الاشتراكية . يتضـــــمـــن أنـــه مؤسـســـة قـــوميــة ، وليس مؤسســة إقليـــمية . نقــــول ... مؤســســـة .. وننبــــّـه إلى هذا القول ، لأن التميـــيز القومي هنا ليــس منصـّـبـاً على الغايـــة بــل منصــب على طبيعــة المؤسـســة الجماهيريــة . فــفي الوطن العربي المجـــزأ قــد تكــون المؤسسـة الجماهيرية قوميــة الغايــة ولا تكــون ــ بالضرورة ــ قوميــــة التكويـــن . وعندما نستطيع أن نــعرف كيــف يكون هــذا ، وعلاقــته بالواقـع العربي ، نكــون قـد انتـبهـنا إلى أهـم خصائص التنظيم القومي الذي ندعو إلى إقامته . فنستطيــع ــ من ناحيـــــة ــ أن نعـرف لماذا لا تغني عن التنظيم القومي ، أيـــة منظمـــة قائمـــة في الوطن العربي تحت شعار الحرية والاشتراكية والوحدة . وقــد نعرف من ناحية أخــرى أن المقدرة على إنشاء التنظيم القومي متوقفـة إلى حــد كبير على المقدرة على التميــيز بين التنظيـم القومي اللازم لتحــقـيق الوحـدة الاشتراكية ، وبين المنظمات الإقليمية التي تعلــن التزامها بذات الهدف .
( 11 )
11 ـــ فلنسترجع أولا تلك الحقائق التي نعرفها ولا ننتــبه كثيـــراً إلى دلالـــتهــا ..
الشعب العربي ، الجماهير العربية ، هــي ، هــي ذاتهــا شعوب ، وجماهير الدول الإقليمية . الوطن العربي ، الوطــن القـــومي ، هـو ذاتـه المجـــزأ بين الدول الإقليمية .الإمكانيات القومية هــي ذاتها المقسمـّــة إلى إمكـــانيــات إقليمية . كل معركـة تحـرر في إقليم هــي جـزء من معركــة التحرر القومي . كــل خطوة تقدمية في إقليم هي خطوة إلى الاشتراكية العربية . كـل مــــنــا قومـي الانتـــماء إقليمي الهــويــة . في هذا الـــواقع ، لا يوجد شعب قـــومـــي مفرز . ولا أرض قوميــة خالصـة . ولا يوجــد شخص قــومي متحرر تمــاماً من هويته الإقليمية ، بمـا تتــضمنــه تلك الهــويــة من قيــود ، وحـــدود لا تتفـق مع انـــتمائه القومــي . في هذا الواقع العربي الذي نعيشه تختلــط القومية ، بالإقليمية اختـــلاطــاً يفرض على الإقليميين أن يخوضوا معارك قومـية ويسمح للمؤسسات الإقليمية بان تمــد نشاطها إلى خارج إقليمهــا ، ويسمح للفكر الإقليمي بأن يندس في الفكـر القومي ، أو أن يرفـع شعاراتـــه .
في هذا الواقع نريد أن نقيم تنظيمــاً قوميــاً . قومــياً من حيث هــو مؤسســة . نريد أن نجسّد الأمــة العربية في ... مجـــتــمــع ... مفـرز ، ومطــّـهر تمامـاً من الإقليمية ، فــــكراً ، وبشـــراً ، وقيـــادة ، وحـــركـــة . تكـــون مهمــتـه تجســيد مصيـر أمــتــه في دولة الوحدة الاشتراكية . إن هذا يعنـــي أننــا في حاجـــة إلى مقــاييس دقيــقة للتحـــقق ، ما إذا كانت ... مؤسسة جماهيريــــة ... ، هي مؤسسة قومـيــة ، أم لا ...؟ .
إن القياس أسهل عندما تكـــون تلك... المؤسسة ...إقليمية الغاية ، إقليمية القوى ، إقليمية القيادة ، فلا تثير أيـــة صعوبــة في التعرف على هويتهـــا . ولكن هذه ..المؤسسة .. الجماهيرية تصبح مضللــة إلى أقصـــى درجــة عندمـا تطــرح نفسهــا على الجماهير العربية على أنها مؤسسة قوميـة . لأنها ـــ خلافا للدولــة الإقليمية ــ غير مقــيدة بأرض ، أو حــدود ، أو قوانين دوليــة ، أو دستوريــة . فهي قادرة على أن تختار ما تشاء من أفكار ، وترفــع ما تريــد من شعارات ، وتنشط حيـث تستطيـع أن تنشط ، وتضـم إليها ما تنـــتقــي من أشخاص .
فكيف نعرف ، مـا إذا كانت مؤسســـة قومية ، أو إقليمية ؟؟.
لنستبعد أولاً ، المقاييس الذاتيـة . إن رفض ، أو قبول منظمـة جماهيرية ، كتنظيم قومــي على أساس الخبرة الذاتيـة ، بإحـــد قادتها ، أو ببعض العاملين في أجهزتها ، أو المنـتميــن إليها ، موقف غير موضوعي . لا يكشـف من طبيعـة المؤسسة ، بقدر ما يكشف من طبيعـة صاحبـــه . فكما أن وجـود القوميين في أجهزة الدولة الإقليمية ، وحتــى في قيادتها ، لا يغير من طبيعتها شيئاً ، كذلك لا يغيّر من طبيعة المؤسـســة الجماهيرية ، أن يتسلل إليها بعض الإقليميين . نحــن نقــيــّم .. مؤسسة .. ولا نحاكم أفراداً . والمؤسسة ، أيـة مؤسسة ، ستلفظ ، أو تهضـــم في النهاية ، الذين أخطأوا الاختيار ، فانتموا إلى غير مؤسستهـــم .
ولنستـبعد ثانياً ، المقاييس الدعائيــة . إن مجرد صياغـــة وثائــق مليئـــة بالحــديث عن القومية ، والوحدة ، والاشتراكية ، وإعلانهـــا ، أو حتى الالتقــاء عليها ، والتزامـــها لا يعنـي أن الذين كتبوهـــا ، وأعلنوهــا ، أو التقــوا عليها ، والتزموهــــا ، قـد أصبحوا ، بهــذا وحده ، مؤسســـة جماهيرية قوميــة . إنهم ــ على أحسن الفروض ــ جماعـة منظمة من القوميين التقدميين يريدون أن يتحولوا إلي تنظيم قومي . فهـــم ... مشروع ... مؤسسـة قومية لن يصبحوا تلك المؤسســة ، إلا عندمــا يستكملـــون خصائص التنظيــم القومي .
هذا مع التسليم بان الالتــزام العقــائدي بتحقيـق الوحدة الاشتراكية ، هو أول خصائص التنظيـم القومي ، فيه يجســـد التنــظيـم مصيــر أمتـــه .
ولنستبعد ثالثاً ، المقاييس الحركيــة . إن مجـرد مــــد التنظيــم إلي خارج حــدود الإقليم ، لا يعنـــي أن التنظيم ، بهذا وحده ، قد أصبــح مؤسسة قوميـــة . فقد عرفنــا أن الواقع القومي يفرض على الإقليميين أن يخوضوا معارك قوميــة ، ويسمـــح لمؤسساتهـم بإن تمّــد نشاطها إلي خارج أقاليمها . وليس من المستبعــد أن تأخذ القوى الإقليمية شكـــــل التنـــظيــم الجماهيري ، وأن تمـتـد إلى أكثر من إقليم ، وتدعـيّ بهذا أنهـا قـوى قومية . بـل أن هذا غطــاء جـــيد للنشاط الإقليمي في ظــل الالتـــزام المتبادل باحترام استقلال الدول الإقليمية . إذن فمجــرد الامتداد التنظيمي خارج الإقليم لا يكفي ليكوّن المنظمين مؤسسة قومــية . إنهم ــ على أحسن الفروض ــ جماعـة منظمـة من القوميين التقدمييـن يريدون أن يتحولوا إلى منظمـة قومية عن طريـق استقطاب الجماهير العربية خارج الحدود الإقليمية فهـم ... مشروع ..مؤسسة قومية لن يصبحوا تلك المؤسسة ، إلا عندمــا يستكملون خصائص التنظيـم القومــي .
هذا مع التسليم بأن رفض تجزئة الشعب العربي ، وقبول الانتمــاء من أي مكان في الوطن العربي ، من أهــم خصائص التنظيـم القومي . فيه يجسّــد التنظيــم وحدة الشعب العربي ، بــدون حاجـة إلى أن يكـــون قــد امتد فعلاً فشمـــل الأقاليـــم .
إذن ، فتجسيــد المصير القومي في التــزام عقائدي بتحقيــق دولـة الوحدة الاشتراكية ، لازم لتكـــون المؤسسة الجماهيرية تنظيمــاً قومياً ، ولكنــه لا يكفي للتمييــز بينها ، وبين المؤسسة الإقليمية التي قد تلتـزمــه . وتجسيــد وحــدة الشعب العربي بقبــول الانتمـــاء إلى المؤسســة الجماهيريــة بــدون قــيد من التجزئـــة الإقليمية لازم لتكون المؤسسة الجماهيرية تنظيماً قوميــاً ، ولكنه لا يكفــي للتمييــز بينها ، وبين المؤسسة الإقليمية التي قد تحاولـــه .
مـــاذا بقـــــى ؟
بقــي تجسيد الوجـــود القومــي ذاتــــه . تجسيد الأمـة العربية في الحقيقة الداخلية للمؤسسة الجماهيرية ذاتها . عندما تكون المؤسسة الجماهيرية هي الأمـة العربية مبلورة فهي مؤسســـة قوميــة ، وإن لــم تمـــتد قواعدها إلى أكثر من إقليــم . وإن كانت هي الإقليمية ...مصغــّرة .. فهي مؤسسة إقليمية ، وإن امتدت قواعــدها إلى كل الأقاليم . ونعــرف هذا عــادة من التركيب الداخلــي للمؤسسة . فحيث تمـــتــد الفروع ، وتشكـل القيادات متبــعة في هذا التمثــيل الإقليمي على طريقـة .. الجامعـة العربية .. تقوم شبهـــة قويــة على أننا في مواجهـة منظمــات إقليمية مجتمعـــة في مؤسسة مشتركـــة ذات شكـل قومـــي . نقول شبهــة قويــة ، ولا نجـــزم بالإقليمية . لأنــه من الممكن أن يحـــتج بان ذلك مبرر بضرورات ... عمليــة ... ونكون في حاجـــة ــ حتى نجــزم ــ إلى معرفـة العلاقــات التي تحكــم هذا التركيب الداخلي . علاقـة المؤسســـات القوميــة ( الأمـــة مبلــورة ) ممثلــة في قيادتها المركزيـــة بأحــد فروعهــــا ( الإقليميــة مصغــرة ) ممثــلاً في قيادته الإقليمية . فإذا كانت المؤسسة هي التي تقــود الفروع ، وتحدّد لــها مهماتها ، طبقاً لاستراتيجيتها القوميــة ، فهــذه مؤسســة قوميــة تنشط في الأقاليم من خلال فروعـــها . وإن كان الفرع هـــو القائـــد طبقــاً لمصالحـــه الإقليمية ، فتلــك المؤسسـة الإقليمية تنشط خارج الإقليم تحت غطــاء قـــومي .
هذا هو المقيـــاس الإضافي الذي تكتـــمل به معرفـة خصائص المؤسسة القوميــة . مفترضين ـ طبعاً ـ أن تكون ثمــة ...مؤسسة ... لها قواعـد تمثلهّا قيادات ، وتحكمهــا علاقات تنظيمية ، وتحتـــكم فيما بينها ، إلى منطلقات ، وغايات ، وأساليب واضحــة . أمـا عندما نكون في مواجهـة تجمــع جماهيري ، لا تمــثل قيادتـه ، قواعــده ، ولا تحكمـه علاقات تنظيمية تكون بها القيادة ، قائدة فعــلاً ، وتكــون بهــا القواعـد ملتـــزمـة فعـــلاً ، ولا يملــك الناس فيـه ما يحتكــمون إليه ، فإننا لا نكون أمـــام ... مؤسسة .. لا قومية ، ولا إقليمية . وقد يكــون من المفــيد حينــئذ أن نفتـشّ عن القـوة الحقيقية التي تختفي وراء شكل المؤسسة ، لتحـرك الجماهير إلى غايتهـــا ، هي ، وليس إلى غاية الجماهير.
وهو مقياس موضوعي ، لحقيقة المؤسسة الجماهيرية ، فهو غير قابل للتأثر بالمواقف الفردية . فلا ينال من صحتــه أن تتهــم القيادات بالضعــف ، أو تتهـــم الفروع بالانـحراف ، فستبقى المؤسسة ذاتها مسؤولة عن قياداتها الضعيفة ، أو فروعهــا المنحرفة . كما لا ينال من صحــته ، اتهام ... قوى ... خارجية بتخريب المؤسسة داخلياً ، فستبقى المؤسسة ذاتها مسؤولـة عن قابليتها للتخريب الذي مكـــّن منهــا من خـربوها . وأخيراً لا ينال من صحتــه اتهـــام الظروف التاريخية لنشأة المؤسسة التي أدت إلى أن تكون فروعها ، أو أحــد فروعها ، أقوى من قياداتها ، فستبقى المؤسسة حاملــة في ذاتها خطأ تاريخياً .
( 12 )
12 ــ هــل قدّم هــذا المقياس الإضافي إجــابة على السؤال ...كيـف يقوم التنظيـــم القومـــي ؟
قــدّم شطراً آخر من الإجــابة هـو ...أن التنظيم القومي من أجــل الوحــدة ، لا يمكــــــن أن يكون قومياً ، إلا إذا نشــــــــأ ديمقراطيا . إلا إذا تولتّ قــواعــده الملتزمـــة ، غــــايته ، مهمـــة إنشائـــه من القــاعدة إلى القمــة . وعندمـا ينشأ التنظيم القومي ديمقراطيـاً ، لا يبقــى قوميــاً ، إلا بقدر ما يبقــى ديمقراطيا . تختـــار قواعـده قياداتـــه ، وتحاسبهـا ، وتغيرّهـا ، وتتولى عن طريقهــا قيادة فروعــه الإقليمية ، وردعهـــا .
( 13 )
13 ــ لدينــا الآن ، إذن ، عــدة خصــائص لا بــد من أن تتـــوافـــر في التنظيم القومي من أجـل الوحـدة الاشتراكية ..
أولا ... أن يكون مؤسســـة جماهيريـة مستقلــة عن كافــة المؤسسات الرسميــة ، والجماهيريــة الإقليمية .
ثانيا ... أن يقــــوم ملتزمـــاً ، بنظريـة تحدد لــه المنطــلـق ، والغايـة ، والأسلوب في مستــواه الاستراتيجي .
ثالثا ... أن يكون الانــتمــاء إليــه غيــر مقـــيد بالانتمـــاء السياسي لأيـــة دولــة عربيـــة .
رابعا ... أن ينشأ ديمقراطيــا من القاعدة إلى القمــة ، ثــم يــــــــبقـــى ديمقراطياً .
إن كل واحدة من هذه الخصــائص تعتــبر حـــداً غير قابــــل للتجاوز في إنشاء التنظيم القومي . وكل منها سيعطينا عــدة إجابات واقعية عن الخطوات الفعلية اللازمــة لقــيام التنظيم القومي . الأولى أعطتنا الإجابة السلبية التي وجهّناها إلى رؤساء الدول الثلاث . والثانية تعطينا الإجابــة التي تفرز بــــها القـوى التي تســـهم في إنشائه ، أو تنتــــمـــي إليه . والثالثــة تعطينا الإجـــابة كيف يتجســد تحـــرره من الانـتمـــاء الإقليمي . والرابعــة تحدد لنا المسؤولين عن إقامـــة التنظيــم القومي .
إنهـــــم الشبــاب العربــي الذين يرشـــحون أنفســـهم ليكـــــونوا قــــواعـــده وكــــوادره .
( 14 )
14 ــ أمـــا عن المنظمـــات ، والجماعات المنظمــة القائــمـة في الوطن العربي ، والتي تعلــن أن غايتها الوحدة الاشتراكية ، ولا تتـــوافر لها واحــدة أو أكـــثر من تلك الخصائص فعليــها قبــــل كــل شيء أن تتحـــرر من عــقـدة الــذنب ، وهي تجـــد نفسهـــا غيـر قادرة على الــوفــاء بمتطلــبات غايتهـــا . إنها إذ تتحرر من هذا الشعـور المــدمّـر تكـــف ــ كما نأمــــل ـ عن المحاولات العقيـــمة في الدفاع عن وجــودها في مواجهــــة محاولات إنشاء التنظيم القومي التقدمي ، أو الدفاع عـن المحاولات الساذجــة لفرض وجودها على هذا التنظيم ، للتدلـــيل على براءتهـــا من تهــمـة الإقليميـــة . إنها إن كانت صادقــة في غايتها المعلنــة فيكـفيــها أنها قد حاولت ، ونجــــحت ، في أن يبقـــى شعــار المستقــبل العربي مرفوعـــاً ، ولـــو بدون تحــــقــــق ، وأن تبقـــى القــوي القومية التقدميـة متجمعـــــة ، ولـــو بــــدون وحـــدة . وإن كانت قــد فشلــت في تحقيــق غايتهــا المعلنـــة فليــس من اللازم أن يكـون مـــرجع هــذا إلى تقصــير في استخــدام قــواهــا المــتاحـــة بــل لعـــــل مرجعـــه أن يكـــون إلى أن قواهــا المتاحـــة قـاصـــرة ، بطبيعـــتها عن أن تـــوفــي بمتطلــبات الغاية العظيـــمة . وأهـــم أوجـه قصــورهـــا ، قياساً علـى خصـــائــص التنظيم القومي ، أنهـــا نشــــأت إقليـــميـــة ، ولــو كان الــــذين أنشأوهــــا قـــــوميين ، ومـا تـــزال تحمـــل ـ برغــم غــايتهــا القومية المعلنــة ــ ميـــراث نشــأتها الـــذي حـــال ، ويحـــول دون أن تتحــول إلـــى مؤســـســة قــومية . وكـــل مؤسسة منهــــــا حــاولــت هــــــذا لـــــــم تلــــبث أن مـــزقــــــهــا التــــناقـــض القائــــــم مـــــنذ مـــولدهــــــا بـــين طبـــيـعتـــها كمؤسسة إقليــمــيـة ، وبــــين غايتهـــا القـــــــوميـــة .
فلا حقــــقت غــايتهــا ، ولا احتفـــظت بوحــــــدتها . وكـــان الشــباب القومي التقدمي ، القـــــواعـــد البريـــئـــة ، هــــم الضحــــايا في كــل مـــــرة . فلا يحــــاولـن أحـــد أن يكــــــرر أخـــطاء مــن سبقـــه فيـــــزعــــم أنـــــه أكـــثــر مـقــدرة مـــن غيــــره علـــى أن يتحــــــدى الحــــقائــق الموضوعيـــة . ولـــيـّــكـــــف ، الذيـــن لــــم يخطـــــئـــوا بعـــــــــد ، عــــــــن محــــــاولـــة الخــــــطـــأ .
فإن كفــّــوا عــــن المحـــاولـــة ، والخـــطأ ، واعتـــرفــوا ، بأن مؤسســـاتهــم إقلـــيميـــة فــــــلا بـأس فـي أن يعـــترف لــــهم ، بأنـــهم قومــــيون تقــدميون مــن حــيث الغايـــة التي يستهدفونهـــا ، يعـــانون من مـــأزق انتمائهـــم إلي مؤسسات إقلــيميـــة . وتكون مشكلتهـــــم هـــــي كــيــفية الخـــروج مــــن هـــذا المأزق 0 عندئـــــذ يتـــبـيّنـــون بوضـــوح أنــــنــا إذ ندعـــو إلى إنشاء تنظيــم قومي تقدمي إنمــــا ندعـــو إلــــى إنقــــاذهـــــم .
لســـــتــم مــذنبـــين إذن إن كنـــتم صادقيـــن . بــــــل تلــــك مسؤوليـــــة تـــــاريخـــــية .
وللــــــــصدق محـــّـكات لا تخـــطئ .
أولهـــا اعـــتراف تلـــك المؤسسـات ، والجماعات المنظمـة القائمـــة في الوطـــن العربي ، أنـــــها ، بـــرغــم كل ما تقــدمــــه مـــن جهــــد ، ليـــــــست أدوات تحقيـــق الــــوحدة الاشتراكيــــة ، إنمــــا أداتهــــا التنـــظيـــم القومي التقدمي ، بكـــل خصائصـــــه . ذلك لأن تلــــك الخصـــائص ليــــــست ابتكــــاراً مثـــاليــــاً ، بـــــل هــــي متطلبــــات موضوعــــية يفرضهــــا الواقـــع العـــربــي ــ كمــــا هــــو ــ حتـــى تكـــون الأداة مناســـبة لتحقيـــق الغايـــة . وإن كـــان لا بـــد مـــن دلـيــل تعرفــــه تلك المؤسسات معـــرفــة اليـــقـين فـــهو نجاحـــــها ذاتـــــه .
إن أي مؤسسة منهــــا تنــــجح فـــي استــقــطاب الجمــاهير في إقليمـــها ستـــجــد نفســها فــي مواقــع السلطــة من دولـــتها الإقليمـــية . ويتــــبّيــن لهــا بوضوح قاطــــع أنهـــا عندمـــا تبلـــغ أقصـــى قوتهـــا تنـــتهي إلى نهايــــة الطريـــق المســــدود ، دون الوحدة الاشتراكية ، لأنــــها تنـــتــهــي إلـى أن تكـــون حاكــــــمة لدولـــة إقليميــــة ، أو شريكــــة في حكـــــمها . فتصبـــح ــ بهذا وحــده ــ أكثر عجـــزاً من ذي قبـــل ، لا عـــن تحقيق الوحدة الاشتراكية ، فحســـب ، بـــل حتــى عــــن الامتـــداد التنظيمي خارج الدولـــة التي تحكمهـــا ، والذي سيعتـــبر حـــينئـذ تــدخــــــلاً في شئــــــون الدول الأخــــرى الداخليـــة ، إن لــم تردعـــه السلطـــة فيها ، يردعــــه مجلس الأمـــن الدولي .
ثــــم يأتــي المـــحــك النهائـــي ، لصدقهـــا فيمـــا تعلـــن ، من أنهـــــا تستـــــهدف الوحدة الاشتراكيـة . بإعلان موقفها الأيجابي من التنظيــم القومي التقدمـــي ، ومحاولات بنائـــــه .
إنها إن تكـــن صادقـــة ، فـــلا بـــــد من أن تكون مــدركـة وجودها ، إن كان يتــفــق مـــع ضرورات مـــا قبـــل التنـــظيـــم القومــي ، فإنــه ليس بديلاً عنـــه ، ولا طريقـــاً إليـــه . وعليهــــا إن صـــدقت أن تعلــن ، ثـــم تبدأ مـــن الآن في تحضـــير أعضائها لمرحلـــة الانتقــال من منظمـــات الضــــرورة ، إلى التنظيم القومي . ولعـــل أفضـــل ما تعبـــر بــه عن هذا الصـــدق هــــو أن تسمــــح لـــدعــــوة التنظيم القومــي ، بــــأن تــــطـــرح على قواعـــدهــا ، وكوادرهـــا ، وأن تبـــــيح لمـــن يشـــاء من تلــك الكوادر أن يســـهم في الدعــوة إليــــه ، أو الإسهــام فــي بنـــائه . لأنهــــــا حينــــئذ ، ستكـــــون مــدركـــة الحقيقـــة ، حقيــقتها ، وحقيقـــة التنظيم القومــي . إنــــــها ليســـت منظمــــات موازيـــة لـــــه ، لا فــي المنطلقات ، ولا في الغايات ، ولا فــي القــوى ، ولا في التركيب ، فهــــــو لا يناقــــض وجــــــودهــــا ، ولكــــن يتجاوزه .
فهـــــي منظـــــمـــات الماضـــي ، وهـــــو أداة المستقبـــــــل .

( 15 )
15ـــ ثــــم يبــــقــــى أن نعـــرف كيــــف ينشــأ التنظيـم القومي ، مــــنـــبثـــقا مـــن قواعـــده ، محتــــفظــا ــ مــــنذ المـــولــــد ـــ بكافــــة خصائصــــه ...؟؟ .
لكل سؤال جــــواب .... غير أن هـــذا حديــــث آخـــــر .
عصمت سيف الدولة - جامعة القاهرة - في ٨ / ١ / ١٩٧١

(16)
أما بعد ،أيها الشباب العربي ...
هكذا ترون ، كم كانت الأسئلة صعبة منذ 40 عاماً ، ولاشك أنكم تدركون الكمّ الهائل من الأسئلة الصعبة التي راكمتها سنوات المحن التي تلت ذلك ، وحتى هذه اللحظة ، لكن دعونا نبدأ من حيث انتهى شيخنا الراحل "لكل سؤال جواب " ....غير أن "الحديث الآخر" قد دقتّ ساعته ، ولم يعد يحتمل التأجيل ، فليكن هذا حديثكم أنتم ........
حبيب عيسى
E-mail:habib.issa@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سليم حجار 03-23-2010 06:47

على بساط الثلاثاء

67


يكتبها : حبيب عيسى


جمال الأتاسي...

وحديث عن الوحدة ...

في زمن السقوط والردة...!




( 1 )

مازلنا في أجواء الجمهورية العربية المتحدة ، والحلم العربي الذي رافقها , صحيح أن الإنفصال قد نال من الوحدة ، كدولة ، وكمؤسسات ، لكنه أبداً لم ينل من المشروع الوحدوي النهضوي العربي التقدمي , من حيث الهوية ، والالتزام ، والتوجه , بل نقله إلى رحم الأمة تحتضنه ، وتحنو عليه ، وتغذيّه ، وتمّده بأسباب القوة ، والاقتدار انتظاراً لميلاد جديد , وبقدر ما كان الانفصال يتغّول على السطح ، بقدر ما كان مشروع النهوض الوحدوي ، يتجّذر في الأرض , وهكذا ما أن وقعت جريمة الانفصال ، حتى ولدت في الظل "جمهورية عربية متحدة" ، افتراضية ، لا أجهزة لها , ولا مؤسسات , ولا سلطة , روادها مفكرون , ومثقفون ثوريون ، ومناضلون أفذاذ , وإذا كنا قد فرشنا بساط الثلاثاء الأحمر في الأسبوع الماضي لرائد من الإقليم الجنوبي , هو عصمت سيف الدولة ، فإننا سنستقبل عليه هذا الأسبوع رائداً من الإقليم الشمالي هو جمال الأتاسي .

ما يجمعهما أولاً: أنهما قبضا على الحلم الذي توهم الإنفصاليون أنهم حطموه ، قبضا عليه ، كالقابض على الجمر ، وأعطوه ما تبقى من عمريهما درساً ، وتمحيصاً ، وتأصيلاً ، ونضالاً .

وما يجمعهما ثانياً: أنهما كانا من خارج مؤسسات سلطة الدولة في الجمهورية العربية المتحدة ، سواء في إقليمها الشمالي ، أو في إقليمها الجنوبي .

وما يجمعهما ثالثاً: ذلك الإصرار الصلب على الهدف ، والغاية رغم المحن ، والفتن ، والانحطاط ، والتخريب ، والتغريب.

ثم ما يجمعهما رابعاً: هو ذلك اليوم الحزين, يوم الأرض 30 آذار "مارس" حيث الأرض العربية حزينة تتعرض للعدوان ، وحيث غادرا عتبة الحياة الدنيا . عصمت سيف الدولة غادرنا في 30 آذار "مارس" عام 1996 ، وكانت آخر كلماته للطبيب : ألا يمكن لهذا القلب ، وكان يشير إلى قلبه ، أن يحتملني عامين آخرين حتى أكمل مشروعاً ملحمياً بدأت بكتابته...؟ . وجمال الأتاسي غادرنا في 30 آذار "مارس" عام 2000 وكانت آخر كلماته إليّ بصيغة تحريضية : هل تعتقد أنه بالإمكان ، الآن ، المبادرة للفعل في الواقع باتجاه استعادة المبادرة لامتلاك حلم النهوض ، والتوحيد ، والتحرر ...؟ . أجبته ، وأنا أودعه ، لأنني كنت في طريقي إلى القاهرة للمشاركة في ندوة حول الذكرى السنوية الرابعة لرحيل عصمت سيف الدولة : نعم ، ولا أرى أن أمراً في هذا الوجود يعادل أهمية الإجابة على هذا السؤال .... ، لكن ، ما أن انتهت الندوة في القاهرة ، حتى كان علي أن أغادر إلى دمشق مسرعاً ، لمواكبة جثمان جمال الأتاسي الذي توفي في يوم الأرض أيضاً 30 آذار "مارس" عام 2000 إلى مثواه الأخير.

لست هنا في وارد البكاء على الأطلال ، أو الندب على الفرص الضائعة ، أو الحزن على رجال عظام رحلوا ، والأمة التي أعطوها أعمارهم في حالة انكسار ، واستلاب ، واحتلال ، ولست في وارد الحديث عنهم , الأجدى من ذلك ، أن نتركهم يتحدثون إلى الجيل العربي الشاب عبر وثائق فكرية تركوها لنا ، ليس لحاجة الشباب العربي لمضامينها ، وحسب ، ولكن لمواجهة تلك الأمواج العاتية من الاستلاب ، والإحباط ، والتيئيس ، والفتن ، التي تضرب الرأس العربي ، صباح ، مساء ، في هذه الأيام العربية التي يلفهّا الحزن ، والحداد ، والعجز ، والإستنقاع ، مما ترك الأمة في حالة من الشلل العام الذي يضرب ربوع الأمة من محيطها إلى خليجها.....

في الثلاثاء الماضي كانت الكلمة لعصمت سيف الدولة ، تحدث للشباب العربي ، وكان حديثه ، كالنذير ، كي يتقدم لاستلام الدفة بعد غياب جمال عبد الناصر عبر تنظيم قومي من أجل الوحدة الإشتراكية , وبساط هذا الثلاثاء سنعطرّه بحديث آخر كتبه جمال الأتاسي في منتصف عقد التسعينات من القرن المنصرم ، أي بعد مايقارب من ربع قرن على حديث عصمت سيف الدولة ، لذلك فإن الوثيقة الأولى كانت عن الدعوة إلى تنظيم قومي ، أما وثيقة اليوم ، فهي عن الوحدة في زمن السقوط والردة . لأن السقوط ، والردة ، كان قد بات واقعاً مرّاً ، عندما كتب جمال الأتاسي هذه الكلمات ...

لهذا لبى جمال الأتاسي دعوة المنتدى العربي في عمان ، في خريف عام 1994 للحديث عن الوحدة في زمن السقوط ، والردة ، والكلمة له ، فليتفضّل :

(2)

أيها السادة:

1 - عندما تلقيّت دعوتكم الكريمة وقبل أن أفكر بموضوع حديثي هذا إلى منتداكم وجدتني وقد أخذت بي تداعيات الخواطر مذاهب شتى حول علاقاتي بهذا البلد الأردني وأهل هذا البلد وماكان لي في ما مضى من الأيام الغابرة من رفقة في النضال ومشاركات في العمل السياسي والقومي بل ومن رموز من هذا البلد كانت معنا وأمامنا في العمل العربي وماكان لنا من تطلعات وحدوية ومشاريع واحدة , وذهبت بي الذكريات بعيداً إلى بدايات المشاركة في العمل القومي.

2 – وأستدرك هنا لأقول أن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها أراضي الأردن وأزور عمّان وماعذري إلا أنني لعشرين سنة خلت كان هناك حرص من أهل الشأن في بلدي أن لا أغادرها, ومن قبلها ، وقد يكون لأكثر من عشر سنوات كانت مداخل قطركم مغلقة في وجهي ، ولعل ذلك جرى لأنني كنت من القائلين بسياسات أو أفكار لاتتفق مع توجهات أهل الحكم هنا ، أوهناك ، أو لما كانت عليه دواعي ضرورات الأمن المتبادل بين الأنظمة العربية المتجاورة. وهذه المسألة ، مسألة الحدود ، والحواجز الأمنية والجمركية وجملة المواقع والإجراءات التي تحجب شعوب الأمة الواحدة عن التواصل ببعضها وعن التكامل والتي تقوم في وجه تبادل وانتقال الأفكار والأشخاص والسلع والأموال بين أقطارنا التي نقول إنها أجزاء من وطن واحد لأمة واحدة تجمع شعوبها كلها مصالح مشتركة وتطلعات واحدة كما تواجهها تهديدات ومخاطر واحدة, هذه المسألة لابد أن تكون مدخلنا أيضاً لأي حوار نفتحه في وجه التحديات المصيرية التي تعترض مستقبل أمتنا وتهدد وجودها كأمة, فالحواجز تقام بين شعوب الأمة العربية وكذلك الحصار وإثارة الفرقة والإنقسامات داخلنا وفيما بيننا , بينما حدود العديد من أقطارنا وثغورها وأسواقها أصبحت مفتوحة كل الإنفتاح في وجه أعداء الأمة والمشاريع الغازية وللطامعين في أرضها ومياهها ونفطها وثرواتها ومواقعها الاستراتيجية. إن مطالب حرية التعبير وحرية المواطن داخل أقطارنا وحرية التبادل والتواصل فيما بين شعوبنا وقوانا الوطنية لم تعد مطالب تتعلق فقط بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان والمواطن بل إنها أصبحت وكأنها الضرورة التي لابد منها لإسقاط الحواجز والحدود فيما بيننا ولتوحيد مواقفنا وقوانا في مواجهة أخطر هجمة إمبريالية تتعرض لها أمتنا ومنطقتنا العربية في وقت لم يبق لنا فيه من رصيد إلا أن تعود وتتواصل وتنهض حركة الشعوب.

تلك المسألة, مسألة الحواجز والمعوقات والفرقة والإنقسامات التي تمزق أمتنا ومجتمعاتنا العربية وتعطل قدراتها ومسألة الأخطار الزاحفة بأشكال ومشاريع متعددة تتهدد وجودنا ومستقبلنا والتي ليس هناك من رد عليها يكون في مستوى خطورتها واتساعها إلا تحرك عربي وحدوي جديد يصعد من مواقع متعددة في الوطن العربي ليصنع تضامن الأمة ووحدة قواها هي المسألة التي أردت تقديمها عنواناً حين أردتم أن يدور الحديث حول وضعنا العربي واستشراف أساليب العمل القومي للتغيير باتجاه المستقبل وتحقيق الأهداف , والوحدة هي الهدف إنه هدف يراه الكثيرون مؤجلاً وبعيد المنال أو يضعونه في آخر أهداف نضالهم الوطني ، ونراه اليوم ملحاً وقريباً ، وتبقى المسألة من أين نبدأ..؟ ، وكيف..؟ .

ها أنذا قد قفزت في طرحي للمسألة إلى النتائج والمطالب قبل الخوض في الأسباب والمقدمات ليبقى الهدف واضحاً أمامنا في كل مانسوق من أفكار ومن شواهد وذكريات , وأعود وأبدأ من جديد بذكريات مضت وبتجارب كانت وجمعتني على طريق واحدة وفي نضالات وأعمال قومية واحدة مع أخوة ورفاق من الأردن.

3 – منذ أيام الشباب الأولى والدراسة الجامعية في دمشق شاركنا فيها معاً بتأسيس روابط وجمعيات وأحزاب قومية وحركات نضالية . لقد أسهمنا معاً في تأسيس حزب البعث وبعدها في انقساماته . وشاركنا في الدفع بخطى حثيثة على طريق الوحدة المصرية – السورية ثم في العمل الوحدوي الناصري بعد انفكاك الوحدة وفي عام 1956 كان لنا دور في دعم تشكيل ذلك الجسر الاستراتيجي الثلاثي الذي استبق وحدة القطرين وقام بين سوريا ومصر والأردن لتضمها في حلف عسكري وميثاق عمل مشترك للوقوف في وجه الأحلاف الغربية والتهديدات الصهيونية وإذا كانت الحلقة الأردنية هي التي تصدعت يومها من داخلها قبل غيرها فإنه يبقى دائماً في التصور والمخيلة كمرتكز استراتيجي لدفاع الأمة عن وجودها ، وعلى آثاره نشطت بعد ذلك محاولات قيام الجبهة الشرقية في الأردن في موازاة الجبهة المصرية والتي كانت تشد إليها العراق والعمق الاستراتيجي للأمة في العراق وبنصرة العراق عام 1941 بدأت مشاركاتنا وعند نصرة العراق في حاضره لابد لنا من وقفة في النهاية.

ولابد أن يكون واضحاً أمام كل عربي أن العراق ليس الدرع الواقي للأمة في وجه الغزاة والطامعين من الشرق فحسب بل هو جزء لايتجزأ من وجود الأمة وكيانها وأي تهديد لانفراط عقده الوطني هو تهديد لوجود الأمة ومستقبلها..... ، إنها تجارب كانت ، وأعود الآن إلى أولى تلك التجارب:

4- كان ذلك في ربيع عام 1941 عندما نشبت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق في وجه الإحتلال البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية. وهب الشعب السوري يطالب بنصرة العراق . كنت في السنة الأولى من دراستي الجامعية . وفي جامعة دمشق تجمعنا طلاباً من أقطار عربية عدة ونادينا بالتطوع لنصرة العراق . وذهبنا نتصل هنا وهناك بمن يدلنا إلى طريق العراق وقيادة الثورة في العراق. وفي النادي العربي حيث كان يتلاقى مناضلون عرب من شرقي الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان وجدنا مرجعيتنا. وكنا أربعة طلاب: أنا السوري وآخر لبناني وأردني من آل التل وآخر من آل عميرة – جرى اختيارنا لنذهب كطليعة أولى إلى بغداد تستكشف الطريق أمام رفاقنا ، وتزودنا برسائل توصية من رموز نضالية عروبية معروفة, على رأسهم المرحوم الدكتور صبحي أبو غنيمة من الأردن ورفيقه الدكتور حجازي, حملناها إلى قادة العراق وإلى المفتي الحسيني والقاوقجي ومن تجمع معهم من عرب إلى جانب الثورة في بغداد وتسللنا عبر الحدود ووصلنا بغداد بعد عناء فوجدناها تعج بالعديد من الزعامات الوطنية الفلسطينية والأردنية والسورية وقد اختلط فيها الحابل بالنابل. وانكسرت مقاومة الثورة قبل أن نقاتل في صفوفها وعدنا أدراجنا لنحجز في معتقلات جيش الانتداب في سورية.

5- لقد انكسرت تلك الثورة الغرة وكبل العراق بالقيود البريطانية ولكنه ماانكسر في مخيالنا وفي مخيال الطلائع القومية في الشرق ذلك التصور لضرورة الوحدة العربية في مواجهة مشاريع الهيمنة الاستعمارية. لقد انكسر من قبل مع ثورة الحسين الكبرى الجيل القومي الذي سبقنا حين لم تقو تلك الثورة أن تحقق هدفها في إقامة دولة عربية موحدة تعم أقطار المشرق, بينما أقامت الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى نظاماً للشرق الأوسط نافياً للوجود العربي والوحدة العربية ورسمت الحدود وتوازعت السيطرة والنفوذ حسب اتفاقات سايكس- بيكو واحتلت بريطانيا وهي تحمل في حجرها وعد بلفور ومشروع الكيان الصهيوني بلاد فلسطين.

تلك كانت صفحة من الصفحات التاريخية لما يسمى بالنظام الشرق أوسطي كنظام للسيطرة على منطقتنا العربية من قبل قوى الهيمنة والامبريالية العالمية وقبل تلك الصفحة وبعدها تتابعت صفحات ومشاريع ولعل أخطرها مايجري ترتيبه والعمل له اليوم على قدم وساق.

6- جيلنا ذاك الذي ناصر العراق وثورة العراق في الماضي والجيل العروبي الذي سبقه كانا يتطلعان إلى زحف تحريري للأمة ينطلق من بغداد وتلتف حوله الأمة ليطوي الحدود ويبعد الطامعين والغزاة ويوحد الأمة. ولعله كان مترسخاً في مخيالنا الجماعي السيرة التاريخية لكفاح أمتنا, ماجاء عليه الرد التاريخي والمسار الاستراتيجي لأمتنا في مواجهة الحملات الصليبية التي داهمت بلادنا المنقسمة والمتنازعة وتملكت بيت المقدس, وتبقى أمامنا سيرة نور الدين الزنكي الذي انطلق من الشرق من الموصل وحلب ليوحد العراق وبلاد الشام كمنطلق للتصدي للزحف الصليبي ومن مشارقنا ذهب صلاح صلاح الدين الأيوبي إلى القاهرة ليمسك بمصر ومن مصر بعد نور الدين انطلق صلاح الدين بقوة الأمة الموحدة نحو المواجهة والتحرير.

7- أما نحن فإننا عندما انكسرت بغداد وعاد وأمسك الاستعمار البريطاني بخناقها كما أمسك بفلسطين ومن قبلهما كان ممسكاً بمصر, ماكنا بعد في وعينا القومي والتحرري مددنا البصر إلى سيناء ومابعد سيناء, ولاكان عبد الناصر قد قام بعد في مصر ومد البصر عبر سيناء ليمسك بالدور القومي الكبير لمصر وشعب مصر, وليتقدم بمشروعه القومي لاستنهاض الأمة ومواجهة التحديات.

8- ما هذا حديث عن الماضي أو ارتداد إلى ماضٍ فات زمانه ورجاله بينما الأبصار مشدودة إلى مايجري في الحاضر – وما يجري خطير – والأفكار مشغولة بما يدبر لأمتنا ومايرتب لمنطقتنا ومايتهددنا من كل حدب وصوب, وماتستجر إليه أو ماتجرجر بعضها إليه, أنظمتنا القطرية المستسلمة والتابعة والتي تمسك هذه الأنظمة بخناق شعوبها ألا تتحرك أو تتجمع أو تقول وتوحد كلمتها في مواجهة هذا الزحف المنظم من الحلف الأمريكي – الصهيوني للسيطرة على المنطقة باسم التسوية السلمية وترتيب نظام شرق أوسطي جديد وإقامة سوق شرق أوسطية مشتركة. إن الولايات المتحدة الأمريكية على عجلة من أمرها اليوم فهي بعد أن كسبت معارك الحرب الباردة وحظيت بسقوط الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وبعد أن ضربت ضربتها في الخليج ودمرت العراق وطموحاته وفرضت حمايتها وقواعدها العسكرية على أقطار الخليج وأصبحت تتحكم في النفط وأموال النفط تريد أن تنجز مخططها الامبريالي الكبير, وأن تبقى القوة الكبرى المسيطرة في العالم , أمام القوى والتكتلات الدولية الكبرى الصاعدة في العالم والمنافسة لها في السيطرة على الأسواق العالمية.

الولايات المتحدة الأمريكية هذه التي أصبحت مرجعية للعديد من الحكام العرب والتي يستجدي المفاوضون العرب تدخلها في عملية التسوية كشريك كامل لتضغط وتدفع هذه العملية خطوات إلى الأمام , تعرف أنها ماكانت ولن تكون إلا شريكاً لإسرائيل وحدها , ولن تعمل إلا لتكون إسرائيل ركيزتها الكبرى الأقوى في قلب الشرق الأوسط هذا الذي تريده أن يمتد إلى الجوار الجغرافي ويتسع وتصاغ علاقاته وروابطه بحيث لاتقوم للعرب قائمة.

فما كان حديث الماضي إلا محاولة لمراجعة مسار هذه الأمة في محاولة لاستكشاف بعض من المرتكزات والتوجهات الاستراتيجية التي قام ويمكن أن يقوم عليها صمود الأمة ومقاومتها ولتستدل إلى الثغرات التي نفذت منها المشاريع المعادية وجاءت النكسات لتحكمنا الإنفصالية القطرية وتتحكم بنا قوى الردة.

9- إن هذا المشروع الزاحف للهيمنة على منطقتنا العربية, والذي يأخذ في كثير من جوانبه وكثير من المواقع التي احتلها شكلاً استعمارياً كاملاً, هذا المشروع الأمريكي – الصهيوني والذي قطع مراحل في التحقيق والتطبيق ليس جديداً على منطقتنا وأمتنا. فمنذ نهوض الثورة الناصرية في مصر وما أن حققت تقدمها على طريق تحرير المنطقة العربية من السيطرة الاستعمارية والتابعية السياسية والاقتصادية وحققت اختراقها الأول للنظام الشرق أوسطي القديم بتأميم قناة السويس وبانتصارها على العدوان الثلاثي عام 1956 إلا وتحركت أمريكا باتجاه المنطقة حاملة معها مشروعها البديل للهيمنة تحت عنوان مشروع أيزنهاور لملء الفراغ الذي أحدثه انحسار الإستعمار القديم من المنطقة. أما ملء الفراغ فيكون بحضور القوة الأمريكية وقواعدها وأحلافها العسكرية في المنطقة وبتكريس الكيان الصهيوني كقاعدة وقوة سيدة أولى في المنطقة وإدخال الأنظمة العربية في مصالحة وتحالف بالتابعية معها وبمد التحالف والترابط إلى إيران الشاه وتركيا, لوضع المنطقة تحت هيمنتها في مواجهة الاتحاد السوفياتي وضد تحرر العالم الثالث. وكانت تعمل لوضع الأقطار العربية وثرواتها ومواقعها الاستراتيجية تحت قبضتها ولتمسك بخناقها مجزأة في إطار هذا المشروع وكان من أهداف هذا المشروع واشتراطاته منذ البداية, الانفراد بمصر وإخراج مصر عن سياستها العربية الوحدوية. ولابد أن يكون واضحاً أمامنا جميعاً أن الولايات المتحدة الأمريكية في النهج الإمبريالي العالمي لحكامها وفي مشاريعها الشرق أوسطية السابقة واللاحقة, وفي كل سياساتها وتعاملها مع بلادنا العربية وأنظمتنا تنطلق أولاً وقبل كل شيء من نفي وجودنا كأمة عربية واحدة, ومن تسفيه قاطع لقضية القومية العربية ومن معاداة أي تحرك يقوم نحو أية وحدة عربية, وهي لاتتعامل معنا إلا كأجزاء منقسمة وأنظمة قطرية متناحرة بل وتريد دفعنا لمزيد من التناحر والانقسام. هكذا عملت في الماضي , وهكذا تعمل اليوم. لهذا وقفت في وجه عبد الناصر ولهذا قاتلتنا مع إسرائيل في حرب حزيران , ولهذا حبكت عملية "عاصفة الصحراء" وأرادت أن تجعل من حربها الخليجية ضد العراق مقبرة للقومية العربية .

10- وهكذا فالتناقض يبقى كاملاً بين المخططات والمشاريع الأمريكية وبين أي مشروع لنهوض أمتنا والسير بها على طريق بناء قوتها ووحدتها, وهذا لابد أن نضعه دائماً في الحسبان حين نتعامل مع السياسات والمشاريع الأمريكية.

لقد رفض عبد الناصر في عام 1956 بكل قوة مشروع أيزنهاور ووقف بالأمة كلها ضد الأحلاف ومشاريع الهيمنة الإمبريالية وقال عبد الناصر لافراغ عندنا بعد جلاء الإستعمار, والفراغ يملؤه حضور الأمة وتضامن شعوب الأمة في وجه التحديات , ووقف في بور سعيد بعد تحريرها منادياً: إن الوحدة العربية هي استراتيجيتنا في مواجهة أعداء الأمة وفي الرد على التحديات . وتحركت شعوب على طريق التحرير وعلى طريق الإستقلال وعلى طريق الوحدة.

صعدت شعوبنا بنضالها الوطني نحو الإستقلال وحققت الإستقلال وقلنا هاقد انزاحت عقبة كأداء عن طريق الوحدة فجاؤونا بإسرائيل وزرعوا هذا الإستعمار الاستيطاني في قلب أمتنا, وجاءت معها التحالفات والأحلاف وظلت الأنظمة على التابعية وأخذ النفط يكثر في أرضنا وتكبر الأطماع. ولكن شعوبنا تيقظت وصممت على الوحدة طريقاً للمنعة والقوة وبإصرار لامثيل له حققنا وحدة مصر وسوريا وحسبنا أن باب التاريخ انفتح لمستقبل عظيم لأمتنا . ولكن الوحدة وقتها لم تقو على أن تتقدم وتشمل . فهي مالبثت أن كبلت من داخلها وحوصرت من كل الأطراف إلى أن اغتالتها مؤامرة الإنفصال .... وحسبنا أننا تعلمنا دروساً وعبرة.

11- انكسرت الوحدة الإندماجية بين مصر وسورية ولكن مصر عبد الناصر بقيت جمهورية عربية متحدة وبقيت حاملة لمشروع نهوض الأمة وبقيت مصر كجمهورية عربية متحدة قلعة للقومية العربية ومرجعية وسنداً لكل قوى النضال العربي وعندها وحول قيادتها كانت تلتقي شعوب الأمة وتتوحد كلمتها وإرادتها, وتلك كانت القاعدة والأساس لوحدة الأمة, وكم من انتصارات وطنية تحققت في أرجاء الوطن العربي في تلك الحقبة , بل وكم من انتصارات لحركات التحرر الوطني في عالم المظلومين تحققت ودكت الكثير من مرتكزات نظام الشرق الأوسط كنظام للهيمنة الغربية وكدنا نشكل في النظام العالمي كتلة مستقلة ونهجاً جديداً وبرغم كل الأزمات والمصاعب التي مرت بها أقطار الأمة والصراعات التي تفجرت , فقد ظلت مصر عبد الناصر ممسكة بترابط قوى الأمة وبنهوض حركة شعوبها, وظلت الوعد الكبير بوحدة هذه الأمة.

12- ومن أجل هذا, من أجل تدمير هذا المرتكز العربي للنهوض والقضاء على الوعد والأمل , أحكم الحلف الأمريكي- الصهيوني تواطؤه وضرب ضربته الغادرة في حرب حزيران, وداهمتنا هزيمة حزيران تقطع مسيرة النهوض وتهدد وجود الأمة. وكادت المؤامرة تحقق أهدافها وكادت تذهب بعبد الناصر ومصر عبد الناصر, ولكن حركة الشعوب هي التي صمدت في وجه الهزيمة وكان مازال هناك شعوب وحركة شعوب, وتمسكنا بعبد الناصر وبنهج عبد الناصر في المواجهة وفي تجديد بناء القوة وتجديد بناء تضامن الأمة فما انتكسنا على أعقابنا ولاتزعزع إيماننا بقضية أمتنا ومستقبلها.

يومها كان هناك عبد الناصر وكانت حركة الشعوب تلتقي عند عبد الناصر وتتوحد بنهجه وكان هناك خط سياسي وفكري ونضال ناظم لحركة شعوب الأمة وتوجهاتها نحو أهدافها ، وقضى عبد الناصر ، وقلنا إذا ذهب عبد الناصر فقد بقيت مصر عبد الناصر وكل ماصنعته حقبة عبد الناصر في مصر وشعب مصر ولدى الشعوب العربية وبقي كل من حملوا مهمات قيادة الأمة معه ومن حوله وفي الوطن العربي وكل من يتطلعون لوحدة الأمة – ولكن حركة الردة كانت قد بذرت بذورها وتقدمت والقصورات الديموقراطية في أنظمتنا وعلاقاتنا حالت بين وعي الشعوب وأن تبصرها وتتبصر منها.

إلا أن قدراً من الاستمرارية في حركة الشعوب وتصميمها وتلاقيها على الهدف الواحد بقي يدفع. هذا قبل أن تجهز قوى الردة وأن تضرب الثورة المضادة ضربتها معززة بإرشادات الإمبريالية الأمريكية ومساعداتها التعويضية . وفي مناخ هذه الإستمرارية اندفعت الجيوش إلى القتال ووقفت شعوب الأمة كلها مع المقاتلين ، أن استمروا, وكان العبور العظيم بل وفي هذا المناخ دخل سلاح النفط العربي المعركة. ثم جاء الأمر بالتوقف وجاء التحول الخطير.

نستطيع أن نقول وبحق أن عبد الناصر هو الذي صنع العبور وبما أنجز عبد الناصر وأعد وبما دفعت إليه وحدة الأمة وتصميم الشعوب كان التقدم إلى المعركة وكدنا نسجل نصراً عظيماً . وإرادة الأمة الواحدة بدأت المعركة لتكملها إرادات غيرها ولتتدخل منها مصالح كبرى مناقضة لمصلحة الأمة. ثم كانت الثغرة وجاء التحول والإلتفاف واتفاقات فك الإشتباك. وقال السادات أنه لايقوى على محاربة أمريكا وأن بيدها 99% من أوراق اللعبة وسلم لإسرائيل بما سلم وقال هذه آخر الحروب .

13- لقد أخرج السادات مصر من الحرب وأخرجها من قيادة الأمة وكفاح الأمة ووحدة كلمة شعوبها ، وهكذا قدمت الانتصارات التشرينية للحلف الأمريكي الصهيوني كل الثمرات التي أراد أو أمل بجنيها من حرب حزيران وفشل في تحقيقها. وبعد خروج مصر انسحب سلاح النفط شيئاً فشيئاً وخرج النفط وأموال النفط من معركة الأمة ليوضعا تحت سلطة وسلطان أعدائها كما وظفا حيناً بعد حين لتنمية تابعية الأنظمة وتسلطها ولصعود طبقات الفساد والإفساد وتغذية المصالح الإقليمية.

14- لكأن تحفز الأمة في حرب تشرين أو بالأحرى في الأسبوع الأول من تلك الحرب كان الطلقة الأخيرة في مدفع الحركة الشعبية العربية الموحدة الهدف والدافعة للتعاون ولوحدة الأمة. ومن بعدها انحسر التيار وتبعثرت القوى وأخذت تتوالى حلقات السقوط بدءاً من أقطار الطوق وامتداداً إلى الأعماق الاستراتيجية لمقاومة الأمة. صعدت الردة في مصر وأخذت تصعد في أكثر المواقع العربية واستعادت مصر سيناء مجردة وخرجت بمليارين من المساعدات الأمريكية تعويضاً لما خسرته عربياً .

خرجت مصر ولم يجد العرب الذين اجتمعوا عام 1978 في بغداد لتكريس خروجها بديلاً لافي قطر مرتكز ولا في كتلة مواجهة شرقية, وبدل التجمع والوحدة حل التعادي والفرقة بل وتفجرت أقطار من داخلها وقامت حروب أهلية وتمزقت شعوب ومجتمعات إلى أن كانت الطامة الكبرى في تلك التي يسمونها حرب الخليج الثانية والتي لم تكن مجرد حرب لإخراج العراق من الكويت بل جاءت حرباً عالمية شنتها الإمبريالية الغربية الجديدة بزعامة أمريكا لتدمير العراق وما كانت قد أخذت تعد به وتتوعد قوة العراق. ولإخضاع الأمة العربية وتشتيت شملها بل ولتأديب عالم الجنوب كله. وفي هذا السياق يأتي مايتلاحق اليوم في السياسات الأمريكية ومسارات التسوية وكل ماتحبكه من مشاريع شرق أوسطية. فذلك الإهتمام المدبر الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي السابق بوش في خطاب النصر على العراق في 6 أيار عام 1991 بشؤون الصراع في الشرق الأوسط والمبادرة الأمريكية التي تقدم بها وكأنها مكافأة للأنظمة العربية التي وضعت مقاتليها تحت إمرته, نلمس اليوم وبعد المسار العسير الذي بدأ من مدريد قبل 20 شهراً إلى أي فراغ وتفريغ عربي يرمي....

15 - ذكرت في البداية ماكان من أمر مبدأ أيزنهاور في ملء الفراغ والمشروع الذي تقدمت به أمريكا عام 1956 بعد أن وقفت مع مطلب إجلاء قوات العدوان الثلاثي عن أرض مصر ونهضت القومية العربية ونهضت حركة الشعوب وقضية وحدة الأمة تملأ المنطقة, ولكن الولايات المتحدة أخذت تعد حليفها الاستراتيجي وتمده ليضرب ضربته العدوانية في حزيران عام 1967 هادفة إلى تفريغ المنطقة من القومية العربية ومن مقومات وحدة الأمة ومرتكزات صمودها وقوتها . لقد ضربت ضربتها أولاً في مصر وأخرجت مصر بعد أن كبلتها بالصلح المنفرد واتفاقات كامب ديفيد ووضعتها من حيث التابعية في حلف مشترك مع إسرائيل . ثم بعد ذلك وعندما نهضت قوة العراق استدرجت العراق لمصيدة الكويت وضربته تلك الضربة الصاعقة.

16- بقيت بعد هذا كله سورية, وسورية أياً ماتعثرت الأيام تبقى قلباً للعروبة ومركزاً محتملاً لتجديد تجمع عربي ونهوض, ولهذا كان الإلتفاف عليها ومن حولها من قبل في لبنان والإلتفاف اليوم ومن ثم في مسار التسوية وبين الوعد والوعيد تراهن الولايات المتحدة الأمريكية على وضع سورية في مسار كامب ديفيد وإخراجها أيضاً من ميدان الصراع.

وهي في عملية التفريغ هذه لاتقف عند حد. إنها مازالت تشغل وتشاغل مصر بكل الفتن التي تحبكها مع شريكها الصهيوني وكل المشاريع التي تسوقها لكي لاتقوم لمصر قائمة عربية من بعد وهي تظل تضرب في العراق لكي لايبقى من عراق وهي تداور سورية .

17 - هذا جانب من حال الأمة ومايبيت لها ولقطع طريق وحدتها ومستقبلها وإذا ماركزنا على هذا الجانب القاتم فليس لنقع في اليأس وإنما لكي لاتبقى هناك تبريرات ومخادعات للنفس . فالأمة التي نهضت في الماضي وعلمت العالم قيم الحق والعدل وأمتنا التي أمسكت بطريق التحرير والنهوض في الخمسينات والستينات من هذا القرن, مازالت تحمل كل مؤهلات النهوض من جديد وماقام النهوض إلا بإرادة الشعوب الحرة وحركة الشعوب.

والعودة إلى تلك الطريق لاتكون إلا بعودة حركة الشعوب ومبادراتها الحرة وماالسبيل إليها إلا الديموقراطية, ومعركة الديموقراطية تبقى أشرف معاركنا القومية والوطنية اليوم, وبكسبها ينفتح الطريق أمام حركة الشعوب, وأمام إمساكها بمصائرها ، وينفتح الطريق إلى الوحدة وإلى المستقبل.

18 – ولقد جئناكم اليوم ونحن نعتقد أنكم في هذا القطر العربي المناضل قد تقدمتم أشواطاً سبقتم فيها غيركم على هذا الطريق ومن هنا نعود ونبدأ حديثنا عن الوحدة.

ففي غمرة السقوط وتوالي حلقات التراجع والسقوط التي انتابت العديد من النظم العربية وعصفت بجامعة النظم العربية كان لهذا القطر العربي وشعبه العظيم وقفة مميزة نسجلها له بكل اعتزاز لأنها كانت التعبير الأقوى عن صلابة وحدته الوطنية.

كان ذلك أيام الأزمة الكويتية – العراقية وحرب عاصفة الصحراء وعلى مدى الأشهر الست التي تلاحقت فيها أحداث تلك الأزمة الكارثة. فقد تفرد هذا البلد- هذه المملكة الأردنية الهاشمية- من بين أقطار الأمة كلها بوقفة وطنية شجاعة ومسؤولة في تعبير وطني ديموقراطي وقومي موحد لكل الأردن حكومة وشعباً ولكل الشعب على مختلف أحزابه وفئاته الإجتماعية وكان إعلامه أروع وأصدق إعلام في التعبير عن مكنونات هذه الأمة وإرادة شعوبها هذا في الوقت الذي كان فيه الأردن معرضاً لأفدح الأخطار وهو على أطول جبهة مع العدو المتربص ومحاصراً بكل الضغوط والتهديدات.

كتبت يومها كلمة في نشرة " الموقف الديموقراطي" للتجمع الوطني الديموقراطي السوري وجهت فيها تحية التقدير والإعتزاز لشعب الأردن وإعلام الأردن إذ وجدت فيما يعبران به ويعبران عنه قدوة ومحصلة خطوات من التغيير الديموقراطي وقلت إن قبساً من الديموقراطية له فعله في إيقاظ وعي الشعب وتلاحم قواه الوطنية مالا يفعله أي شيء آخر وبذلك القبس من الديموقراطية قدرتم على مالم يقدر عليه غيركم من تعبير حر ومن أن يكون الموقف الرسمي تعبيراً عن إرادة الشعب وتوجهاته.

ورأينا ولابد أن نرى اليوم أكثر كيف أن الديموقراطية حين يتمتع فيها المواطن بحقوقه وكرامته وحرياته تطلق مبادراته وترقى بوعيه القومي وممارسته لمسؤولياته والتزامه بمصلحة الأمة وأهدافها.

وإذا كان الأردن قد دفع ومازال ثمناً غالياً بسبب ذلك الموقف القومي المحرك والقدوة وإذا كانت هناك عمليات حصار متعددة الأطراف وضغوط كثيرة تمارس اليوم لكي يتراجع ويتبع الموكب ويتخلى عن تجديد مثل تلك الوقفة الواعية والشجاعة فإن الذين يتطلعون لاستنهاض شعوب الأمة على طريق الوحدة يظل الأردن أمامهم يوحد ويجمع.

19- إن محنة الخليج تلك كانت من أصعب المحن التي مرت بها أمتنا ومازالت تعاني آثارها الخطيرة وكانت امتحاناً سقطت فيه الكثير من المواقع التي كنا نحسبها حصينة وسقطت من بعدها وتمزقت قوى , ولكننا هنا ومن هنا لابد أن نكون قد تعلمنا من التجربة دروساً أولها : كيف نصوغ وفي ظروف الخطر بالأسلوب الديموقراطي الوحدة الوطنية لقوانا الشعبية على مختلف اتجاهاتها لتكون إرادة واحدة. وثانيها: أن أي موقع عربي تنهض فيه مثل هذه الإرادة القومية الموحدة والحرة لشعبه, وإن لم يكن الموقع الكبير أو الأكبر , وإن أية قيادة وطنية تلتحم بإرادة شعبها وتعبر عن هذه الإرادة , لابد أن يؤدي دوراً توحيدياً, ويشكل مرتكزاً لتجمع قوى الأمة , القوى التي تعمل للوحدة والمستقبل.

وما نريد أن نبشر به وندعو له هو أن تتعدد هذه المواقع والمواقف الموحدة وتتلاقى ولايفت في عضدها وتعاضدها ماتراه أمامها من تساقط وسقوط

20 – ما أتيت إلى هنا كباحث ومنظر لأحاضر عن الوحدة العربية ومقوماتها وضرورتها فما أنا إلا رجل من العاملين في الحقل السياسي القومي ومن جيل رهن حياته وفكره من أجل العمل لتحقيق الوحدة العربية مؤمناً أن الوحدة هي طريق المنعة والقوة. ولكننا الجيل الذي سطر على جبينه ، وسجل لحساب مشروعه التحرري الوحدوي الاشتراكي أو ثورته القومية الديموقراطية ، هزيمة حزيران . ولهذا أسماه البعض جيل الهزيمة وأتشبث بأننا كنا ومازلنا جيل الالتزام وجيل التواصل والاستمرار . فمن معاناة شعبنا الطويلة ومن تاريخ أمتنا تعلمنا وعن أساتذة وقادة في النضال القومي سبقونا هنا وهناك أخذنا. وكان عنفواننا أيام صعود عبد الناصر وبمشروع عبد الناصر لتوحيد قوى الأمة في النهوض بها أخذنا ومازلنا. وحضور عبد الناصر في حياة هذه الأمة وماكان لقيادته من فعل في استنهاض حركة شعوبها كانت فرصة تاريخية كبيرة لتوحيد أمتنا فوتناها وفوتتها علينا الكثير من القوى التي تنطعت يومها لقيادة الأمة ومافعلت إلا أن شتتت مسالكها . بعد هزيمة حزيران عاد عبد الناصر وأمسك معززاً بإرادة شعوب الأمة وعاهد عبد الناصر أمته وعاهدنا معه على مواصلة الكفاح دون توقف حتى النصر في معركة إزالة كل الآثار التي خلفتها حرب حزيران وإزالة وصمة الهزيمة عن جبين أمتنا لتستأنف مسيرة تقدمها نحو أهدافها.

ولكن الردة جاءت بعد عبد الناصر وأسقطت ماأسقطت وقطعت أواصر وحدة الشعوب وتلاقيها وبعثرت قوى الأمة..

21 – وهانحن من جديد في مواجهة ظروف عربية وإقليمية ودولية لم تكن أصعب منها الظروف التي قامت الثورة الناصرية في مواجهتها وتكاد تطرح علينا المسائل ذاتها التي كانت تعترض سبيل نهوض أمتنا. وإذا كان عبد الناصر تركنا وأثقال هزيمة حزيران مازالت تثقل كاهل أمتنا فإن القيادات والأنظمة القطرية التي أعقبت سطرت على كاهل الأمة أفدح الهزائم وأخطرها وهي تلك التي استجرتنا إليها وألحقتها بنا أمريكا والحلف الصهيوني وراءها في حرب الخليج, فهي لم تكن هزيمة للعراق وحده بل هزيمة للأمة ووحدة الأمة أو هذا الذي أريد لها وبات على الأمة أن تواجه أولاً وقبل كل شيء إزالة الآثار التي خلفتها تلك الهزيمة لكي تعود الأمة وتقوى على مواجهة قضاياها وتحديات وجودها وهذا مايطرح على قوى الأمة كل قوى الأمة مهمات ليس لجيل أن يقوم بها أو ببعضها لوحده. كما أن أي زعامة تعجز وحدها عن القيام بهذه المهمات أو بعضها ، فهي بحاجة للأخذ بكل حكمة تاريخ هذه الأمة وبتجميع كل قواها على نهج واحد ومواقف واحدة في المواجهة.

22 – وبعد أن تكسّر الذي تكسّر من مرتكزات صمود الأمة وحلقات وحدتها تذهب قناعاتنا إلى أن حركة استنهاض الشعوب والدفع على طريق توحيد قوى الأمة لابد أن تعود وتصعد من هنا من المشرق مثلما بدأت من قبل. وإذا مانظرنا إلى الأمور بمنظار استراتيجي يستمد مقوماته من الخبرات التاريخية لأمتنا لوجدنا التركيز على موقعين: مصر هناك والجبهة الشرقية هنا والجسر الاستراتيجي الذي مدته تجربة الوحدة بين مصر وسوريا . وإذا كانت استعادة مصر لدورها مهمة تعود لشعب مصر وحركته الوطنية الديموقراطية فإن إحياء الجبهة الشرقية لن يكون إلا بإحياء لحركة توحيد شعبية تنطلق من المشرق العربي وتتناول أول ماتتناول مهمة الجمع بين سورية والأردن والعراق, وتلك مهمة قد تبدو عسيرة بعد كل ماقام على طريقها من عقد وعقبات. إلا أنها الضرورة التي تفرضها المخاطر التي تتعرض لها الأمة وتتهدد الجميع كما تبقى السبيل لإيجاد منفذ للتقدم نحو المستقبل وعلى هذا الطريق لابد أن نستنهض القوى الوطنية الديموقراطية لهذه الأقطار ونستنهض إرادة الشعوب.

23 – ولتكون هناك شعوب تتحرك ولتكون هناك مجتمعات وطنية وإرادة شعوب حرة تفرض نفسها لابد أن يتقدم التغيير الديموقراطي في مجتمعاتنا العربية وأن ترفع القيود التي تقيد حرية الشعوب وتفتتها داخل أوطانها فالقصور الديموقراطي في تركيب أنظمتنا السياسية وفي تكوين مجتمعاتنا المدنية وفي بناء قوانا السياسية ووحدتها الوطنية توظف كلها لصالح القوى المعادية للأمة ومشاريع الهيمنة عليها حين تعطل حركتها وقواها أو تبددها في صراعات لاتنتهي.

فراية الديموقراطية وحقوق الإنسان وكرامة المواطن وحرية الكلمة والتجمع الوطني لابد أن تبقى دائماً مرفوعة أمامنا ونحن نتقدم على أي طريق في العمل الوطني والقومي, ولاأرى من طريق نتقدم عليه ويكون في مستوى التحديات التي تواجهها أمتنا والتصدي للأخطار الزاحفة ومشاريع الهيمنة المعادية إلا طريق الوحدة. ذلك كان ومازال الرد الطبيعي والتاريخي للأمم وبه تشكلت المجتمعات الوطنية ودولة الأمة.

24 – وطريق الوحدة ليست واحدة ولاتنطلق من موقع واحد وليست طريق زعامة أو قوة واحدة ولكنها تستهدف تضامن قوى الأمة ووحدة كلمتها ووقفة واحدة لكل من تجمعهم وحدة الهدف ووحدة المصير في مواجهة مايبيت لهذه الأمة وهذه المنطقة.

ولكن الطريق إلى ذلك ليست معبدة ولابد من تذليل العقبات التي تعترض سبيلها وثمة خطوات كثيرة لابد أن تقوم ومراحل لابد أن تقطع ومواقف لابد أن تحسم ومطالب للشعوب لابد أن تتقدم ولابد لكل من يستطيع رفع صوته أن يتكلم وأن يوضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والقومية والتاريخية . ولن أدخل في تفصيل كل المطالب.

25– مطلوب أن تتحرك الشعوب وتضغط وعلى كل الأنظمة لإزالة ماخلفته حرب الخليج الأمريكية الصنع من آثار ودمار على الواقع العربي والعلاقات العربية وأن تعود الجامعة العربية لتؤدي دوراً جماعياً وفاعلاً وملزماً وأن يعود ميثاق الأمن الجماعي العربي والدفاع المشترك وأن يستبعد ويخرج ذلك النظام الأمني الدخيل الذي فرضته القوة الأمريكية في الخليج وأعادت فيه مع حلفائها القواعد والمصالح الإستعمارية إلى منطقتنا.

مطلوب رفع الحصار والمقاطعة عن العراق وليبيا وإدانة التدخل الأمريكي وضرباته العدوانية وأن تعلن الحكومات العربية مجتمعة إنهاء هذه المقاطعة وهذا لن يكون خروجاً على القرارات الدولية التي فرضت بالأصل تعسفاً من الولايات المتحدة وفي الوقت الذي لم تلزم فيه نفسها بقرارات أخرى.

مطلوب التقدم بمشروع السوق العربية المشتركة والتكامل الإقتصادي العربي وما يتطلبه من إجراءات في موجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني للسوق الشرق أوسطية. هذه وغيرها من المطالب والمواقف وبخاصة تلك الملحة والتي تتعلق بالموقف العربي الموحد في مواجهة مايطرح من مشاريع وتنظيمات شرق – أوسطية ومايرتب من مستويات وفي التصدي لاحتمالات المستقبل القريب ومايتهدد من مخاطر تفترض الدفع على طريق تضامن عربي ومصالحة إلا أن المصالحات بين الأنظمة لن تكون مجدية وتضمن المصالح العليا للأمة والشعوب مالم تأت عبر مصالحة ديموقراطية بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها بحيث تتحقق سيادة الشعوب وتنطلق حركة الشعوب.

ولابد للحكام أن يدركوا في النهاية أن الحكم وشرعية الحكم واستقراره إنما تحميه إرادة الشعوب وتحميه الوحدة والسياسات الخارجية الموحدة والاستراتيجيات القومية التي تعزز الإستقلالية عن قوى الهيمنة الخارجية والانفتاح كل الانفتاح بين قوى الأمة وأقطارها, ولاتحميه الأجهزة والمساعدات الخارجية ولن تحمي أحداً بالتأكيد الرعاية الأمريكية.

26 – ولكن هذا الذي طالبنا به ونطالب ليس بعد شيئاً من الوحدة التي نأمل وماهو إلا التمهيد وتذليل عقبات على الطريق وإنه ليس بعد الصمود على طريق الوحدة, بل هو العمل لإيقاف الانهيار وتوالي حلقات السقوط, ولكن هل نقف عند هذا وننتظر بينما الأخطار والمشاريع المعادية تزحف من بوابتنا الشرقية حتى أقاصي الغرب.

27 – نحن هنا في مشرق الأمة ونتطلع إلى حركة توحيد عربية تبدأ وتصعد من المشرق لتلم سورية والعراق والأردن ويشد أزر لبنان ولايفرق ويحمي ظهر الفلسطينيين والمقاومة ليكون للفلسطينيين كيانهم المستقل ودولتهم العربية الحرة وتنتظم في عقد الأمة الواحدة.... قلنا لنتحرك من المشرق ولتتحرك مطالب الشعوب وإرادة الشعوب لتعود وتضع قضية الوحدة في برنامج نضالنا اليومي ولتلتقي عليها برامج ومطالب أحزابنا وقوانا الوطنية كلها بعد أن طويت ووضعت كهدف مؤجل وبعيد .

قلنا بصعود من المشرق لاعلى سبيل التحديد والحصر بل نريد لو أنه يأتي من مواقع عربية متعددة . ولقد أعطت وحدة اليمنين من قبل مثلاً ودفعاً وسنكون جد سعداء إذا ماسبقتنا وبدأت من أقطار المغرب أو من مصر والسودان. وأنا من الذين ماتصوروا وعلى مدى العقود الأربعة الماضية نهوضاً عربياً وحدوياً إلا أن تكون مصر ركيزته وشعب مصر طليعته ومنطلقه . ومازال لدى شعب مصر أياً ماانقلب المرتدون رصيد وحدوي كبير ومطلوب أن تعود مصر وأن يعود شعب مصر يأخذ دوره الذي كان. وهذا لايكون إلا في نهج آخر غير هذا النهج الساري المفعول وفي دور يختلف عن ذلك الذي مارسته عربياً وأمريكياً في حرب الخليج. ودور مصر أن تكون طليعة كفاح وتحرير وتوحيد للأمة وأن تعطي القدوة وليس دورها أن تتبع أو أن تكون وسيطاً بين العرب وأمريكا وإسرائيل ولاأن تفتح أبوابها وأسواقها لترويج المشاريع الغازية...

إلا أننا هنا في المشرق والمخاطر الكبرى تتحرك في اتجاهنا ومسؤوليتنا أن نتحرك وأن نتنادى للوحدة ونتوحد فالتهديدات تحيط بنا من كل جانب زحف إمبريالي جديد للهيمنة واستعمار استيطاني يتوسع ويقوى ومياهنا تنهب وحدودنا تستباح وتزداد مطامع الجوار الإقليمي بنا, وتمضي الأمور نحو تشكيكنا بوجودنا القومي وبحقوقنا التاريخية والإنسانية وسلبنا هويتنا الثقافية والحضارية بعد أن استعمروا النفط العربي وأموال النفط بل وأصحاب النفط بالتابعية. وهكذا أصبحنا من جديد أمام تحدي أن نكون أو لانكون.

28 – ولقد سبق أن استشهدت بمعرض حديث عن القومية العربية بحكمة من قال: ( إن الأمة التي تضعها الظروف التاريخية والأخطار التي تتهددها أمام ضرورة وحدتها ولاتفعل وتقيم كياناً موحداً فإنها لاتلبث أن ترتد إلى عصر بربريتها...) .

وهذه حالنا ولكأن تلك البربرية لم تعد مجرد تهديد بل هي أخذت تجتاح عدداً من أقطارنا حروباً أهلية وصراعات ونزاعات طائفية وعشائرية وإقليمية لتعود مجتمعاتنا إلى الإنقسامات ماقبل الوطنية والقومية .

وبعد هذا أعود وأقول إن العمل من أجل الوحدة هي المهمة الملحة اليوم وليست للمستقبل مهمة الجيل العربي الراهن الذي يتصدى اليوم لقيادة مجتمعاتنا العربية في مختلف المواقع الوطنية والشعبية مسؤولية هذا الجيل وليس الذي يأتي بعده وإلا فإن الجيل القادم لن يبقى أمامه شيء ليوحده بل وقد لايعود جيلاً لأمته وإنما لأمم أخرى وأوطان غير أوطانه الأصلية هذا إذا فتحت أمامه أبواب المهاجر.

29 – وإذا كان من كلمة في الختام لاعطاء منظور أشمل للأمور فلابد من القول أننا نعيش اليوم مرحلة من الانهيارات الكبرى في العالم وكذلك من التكتلات الكبرى والتجمعات والكل يتطلع إلى ماسيستقر عليه النظام العالمي واستقطاباته والكثير من الأمم تعيد حساباتها وتوازن مصالحها أو تعيد تشكلها. ولكن أمتنا مهددة ولاتستطيع الانتظار ، ومنطقتنا ( ونقول منطقتنا العربية ولانقول الشرق أوسطية) تبقى محط الأنظار وتبقى المستهدفة ولكأنها عقدة العقد فيما يمكن أن يستقر عليه أو لايستقر نظام عالمي جديد ومن منظور وطني يرفض التابعية والخضوع, ومن منظور إنساني يرفض تسلط قوى الإمبريالية والنهب العالمي للأرض والشعوب,ومن منظور تاريخي لأمتنا وقدر أمتنا ورسالة أمتنا نقف لنقول أن لاقيام لنظام عالمي عادل وعلاقات تبادل منافع ومصالح بين الدول وعلاقات أخوة وجوار بين الشعوب وان لااستقرار في العالم وبين شمال وجنوب مالم تستقر هذه المنطقة على وجود عربي قائم بذاته لأمة عربية حرة و موحدة لاتخضع لإمبريالية تغزوها ولا لإستعمار يستوطن داخلها ولا تتبع لاستقطاب عالمي تنشد السلام في العالم وتصنع سلامتها وسلامها حين تصنع وحدتها.

جمال الأتاسي



المنتدى العربي – عمًان – الأردن - 1994


( 3 )

أما بعد أيها الشباب العربي...

مرة أخرى أنتم المعنيين بالإجابة على الأسئلة الصعبة ، وعليكم أن تأخذوا تحذيرات عمكّم جمال الأتاسي على محمل الجد ، عليكم وحدكم استلام زمام المبادرة ، وإبداع الأساليب ، والأدوات ، للفعل في الواقع المتردي ، بعد معرفته ، كما هو ، معرفة صحيحة ، وامتلاك أدوات تغييره باتجاه مصير عربي مختلف ، يليق بأمتكم ، وبكم ، وبالأجيال العربية القادمة......

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 03-30-2010 10:09

عــــلى بســـــــاط الثــــــــــلاثاء68


يكتبها حبيب عيسى

في الذكرى الرابعة عشرة للرحيل :
عصمت سيف الدولة ...

وحديث متجدد عن المستقبل العربي .


" نعترف أننا قد تعمّدنا ، ونتعمّد أن يبقى الباب مشرعاً للدخول إلى بساط الثلاثاء هذه الأيام من بوابة الجمهورية العربية المتحدة المستقبلية ، وأن نتجاوز انفصال النحلاوي ، بالإقليم الشمالي 1961 ، ثم انفصال السادات بإقليمها الجنوبي 1971 ، وبالتالي ، فنحن نتحدث عن جمهورية عربية متحدة ، إفتراضية ، يعّد العدة لها جيل عربي جديد ، وبما أننا اليوم في الثلاثين من آذار – مارس – فإننا في يوم الأرض العربية التي احتضنت في مثل هذا اليوم عصمت سيف الدولة من الإقليم الجنوبي ، وجمال الأتاسي من الإقليم الشمالي ، وهما رمزان للحلم الوحدوي العربي المتجدّد ، الذي لم ينال منه الانفصال ، شمالاً ، وجنوباً ، سنفرش بساط هذا الثلاثاء بحديث عن عصمت سيف الدولة ، والمستقبل العربي ، حيث كانت قد أقيمت ندوة في "معهد العالم العربي في باريس" تحت العنوان ذاته ، بتاريخ :28/تشرين الثاني – نوفمبر –/ 1997 ، وكان لي شرف المساهمة فيها بالكلمة التالية ، أضعها بين يدي الشباب العربي ، لاستكمال ملف التوثيق . "

( 1 )



(( السيد الرئيس .....

السادة الحضور ..

إنني أشكر لكم هذه المشاركة الممتازة في تكريم شيخ القوميين العرب عصمت سيف الدولة في إطار الحديث عن المستقبل العربي ، فإنني قد اعتقدت دائماً أن الحديث عن عصمت سيف الدولة ، وعن المستقبل العربي ، هو حديث واحد عن مفردتين متداخلتين ، وذلك استناداً إلى اعتقاد راسخ ، بأن منهج " جدل الإنسان " هو منهج القوميين العرب التقدميين لانتزاع المستقبل العربي من الأيدي الآثمة التي تضع يدها الغاصبة على الحاضر العربي استبداداً ، وطغياناً ، وهيمنة ، وقرصنة ، واحتلالاً ، وبالتالي ، فنحن نتطلع اليوم إلى مستقبل الأمة العربية ، وإلى مستقبل الإنسانية جمعاء من منظور إنساني كما رسمه الراحل العظيم ، حيث الإنسان في كل مكان من هذا العالم ، متحرر من العبودية ، والاستبداد ، والاستغلال ، والاستلاب ، وحيث تحيا الشعوب بما تملك ، وتجهد ، وتعمل ، فتحيا الأمة العربية بما تملك ، وتنتج ، وتجهد ، وحيث يختفي من العالم التمييز العنصري ، والمناطقي ، والطائفي ، والمذهبي ، والطبقي ، والأثني ، والاجتماعي ، وحيث يختفي هذا النظام العالمي القديم ، الجديد الذي استمد قوانينه من أعراف القراصنة ، وتجار العبيد ، ورعاة البقر ، وحيث تسود الإنسانية عدالة اجتماعية يستحقها الإنسان ، الإنسان في كل مكان ، وعلى امتداد الزمان ...

( 2 )



وإذا كنت حقيقة ، لا أعرف من أين أبدأ حديثي إليكم ، ولا أعرف أين أضع نقطة ، وأقول انتهى ، ذلك أن الحديث إليكم ، ومعكم ذو شجون ، لا حدود لها ، فأنتم هنا في غربة عن وطنكم ، ونحن هناك غرباء في وطننا ، إنه إذن حديث بين غربتين ، لكن الغربة هنا ، وهناك لا تنتقص من وجود الوطن ، ولا تنال من عظمة الأمة ، وإنما تؤكد أن هناك ، وهنا معركة لم تنته بعد ، هم ، في وطنكم ، وهنا في المغتربات ، وفي كل أرجاء هذا العالم يعتقدون أنهم حسموا المعركة ، فنحن ، كما يرددّون ، لم نعد إلا كائنات شرق أوسطية ، وشمال إفريقية ، لا هوية لها ، لكن ، في المقابل ، مازال في هذه الأمة من يرفع الصوت ، ويقول ببساطة شديدة ، نحن امة العرب ، امة مزروعة في وطن العرب لا ينال من وجودها ، وعظمتها العدوان الخارجي ، ولا تلك السلطات الواقعية العابثة بوجود الأمة ، وتاريخها ، والمنتشرة بين المحيط ، والخليج ، تحت حماية أساطيل العدوان ، ومستعمرات الصهاينة ، والذين تصهّينوا ... بل لعلي أقول ، أن ما يجري الآن ، هو شاهد هذا العصر ، يضاف إلى شواهد التاريخ ، بأن كل الذين تطلعّوا للسيطرة على هذا العالم ، قرصنة ، واستعباداً ، كانوا ، ومازالوا يقيسون مدى انتصاراتهم ، وهزائمهم على مدى تحقق هذه ، أو تلك في وطن العرب ، ولهذا فنحن ندرك أن قضيتنا ليست قضية محلية ، هامشية ، في إحدى زوايا هذا العالم ، بل نحن القضية المركزية فيه ، ودولة الولايات المتحدة الأمريكية الزعيم الأوحد للنظام العالمي الجديد ، تدرك أن زعامتها ، وسيطرتها ، وهيمنتها على العالم ، تتوقف على مدى وجودها ، من عدمه ، في الوطن العربي ، وهي تدرك أنها عندما ستضّطر ، لحمل مستوطنات الصهاينة ، والرحيل بها ، من ارض العرب ، ستخسر هيمنتها على هذا العالم بأسره ، وعندما يفعلها العرب مرة أخرى .. ستتغيّر قوانين القراصنة ، ورعاة البقر ، التي يسمونها ، تعسّفاً ، وكذباً ، نظام عالمي ، وقوانين دولية ، وشرعية دولية ، بهذا المعنى ، فإن انتزاع المستقبل العربي ، لصالح الأمة العربية ، يعني تغيير هذا النظام العالمي برمته ، ولهذا ، فإن الرئيس الأمريكي كان يدرك ما يقول عندما اعتبر إرسال جيوشه إلى الخليج العربي عام 1990 كان دفاعاً عن الأمن القومي الأمريكي ..



( 3 )



نحن أيها الأخوة ، والأصدقاء ، وعبر التاريخ المعروف للجماعات البشرية التي كوّنت أمتكم العربية ، ثم ، بعد أن تكوّنت ، لم يكن للعنصرية ، وجود في تاريخنا ، فالدعوات السامية للأنسنة ، والمساواة ، والتسامح بين البشر ، هي ، بلا فخر ، الدعوات التي حملها أجدادكم من الأنبياء ، والقديسين ، والأولياء ، والحواريين ، والصحابة ، والمفكرين ، والفلاسفة ، والمثقفين ، إلى الإنسانية جمعاء ، ونحن لا نقول هذا ، فوقية ، أو منة ، أو جرياً وراء امتياز على أحد ، لكن ، وبالتصميم ذاته ، نؤكد ، أننا لسنا أمة دونية ، حقوقها سائبة ، ينتهك سيادتها كل من هبّ ودبّ ، في هذا العالم ، إننا نرفض أن ينالنا نحن من الأذى ، ما نرفض أن ينال أي جماعة بشرية في هذا الكون ، منه ، نرفض مبدأ الهيمنة ، والإرهاب الدولي بالأساطيل ، وحاملات الطائرات ، والمجسّات الفضائية ، ولا نقرّ بالعدوان على أمتنا ، سواء كان من الخارج ، أو بالتواطؤ مع سلطات الأمر الواقع ، وإننا إذ لا نقر بشرعية هذا العدوان بالدول الواقعية ، غير المشروعة ، على أمتنا العربية ، فإننا نرفض أي قيد على حق الأمة العربية في بناء دولتها القومية المشروعة المتسقة الحدود مع حدود الوطن العربي ، أرضاً ، ويتسق وجودها بانتماء جميع أبناء الأمة العربية إليها ، بشراً ، حيث يختارون بإرادة حرة ، وديمقراطية سلطة مشروعة ، تمثل إرادة الناس ، وتضع الأنظمة ، والقوانين ، بما يحقق المساواة ، والعدالة ، والتكافؤ ، استناداً على ثقافة الأمة الحضارية ، لمنح الديمقراطية الأسس الإيجابية المستمدة ، من الواقع الاجتماعي ، والإنساني ، والمادي ، للأمة العربية .



( 4 )

أيها السادة ..

لقد جرب النظام الإقليمي السائد في الوطن العربي ، على مدى نصف قرن ، أن يطرح نفسه بديلاً عن دولة الأمة الواحدة ، للخداع ، والالتفاف على مشاعر الجماهير العربية ، باعتبار أنه يحمل مشاريع الاستقلال ، والتنمية ، والعدالة الاجتماعية ، وتحرير فلسطين ، وتحقيق الديمقراطية ، وبالتالي فإن الدعوة إلى دولة الوحدة العربية لا مبرر موضوعي لها ، طالما أن النظام الإقليمي قادر على تحقيق كل ما تعد فيه دولة الوحدة العربية ... الآن ، وبعد نصف قرن ماذا حقق النظام الإقليمي في الوطن العربي ...؟!

o الاستقلال الذي دفع الشهداء العرب دماء غزيرة لتحقيقه ، تحّول إلى استقلال حقيقي فقط بين الأجزاء العربية ، بين ما يسمى دول الشرق الأوسط ، بينما التبعية لقوى الهيمنة الدولية ، الاستعمارية سابقاً ، وصلت حد التوحد أحياناً ، وتجاوزت المعدلات التي كان يحققها الوجود الاستعماري المباشر ، والاستبداد الذي أعقب حقبة الاستعمار تجاوز في وحشيته على الشعب العربي ، وحشية الاستعمار المباشر ، أغلب الأحيان ..

o أما التنمية فقد ارتبطت بحاجات أسواق دول الهيمنة الاستعمارية سابقاً ، مما أدى إلى تخمة القلة ، وإفقار الأغلبية في الوطن العربي ..

o العدالة الاجتماعية ، والديمقراطية ، والمساواة ، وحقوق الإنسان العربي ، والحريات العامة .. جميع تلك المقوّمات الأساسية للتطور ، والتقدم ، والنمو تحولت إلى فولكلور يمارسه المستبدون قهراً ، وتعسفاً ، وقمعاً ...يضخوّن الفساد في المجتمع العربي ، مقابل ضخ الثروات لدول الهيمنة ، الاستعمارية سابقاً ، وإذا كان هنا ، في هذا الغرب ، انطلاقاً من المكان الذي نحن فيه الآن ، في باريس ، من يتحدث حقيقة عن الديموقراطية ، وحقوق الإنسان ، في وطننا العربي ، فإن الإنصاف يقتضي أن نصارحه ، بأن ما يجري في بلادنا ، من انتهاك للإنسانية ، وللحقوق الأساسية ، في شتى ميادينها ، هو بعض من "الفضائل" التي ذرعها النظام الاستعماري ، في وطننا ، وهذا الحصاد ، من ذاك الزرع ..

o أما تحرير فلسطين ، فإن النظام الإقليمي في الوطن العربي ، وعلى امتداد نصف قرن من الزمان ، يقف حائلاً بين الشعب العربي ، وبين تحرير فلسطين ، حتى أننا نستطيع القول ، أن دولة المستوطنات الصهيونية ، في فلسطين ، قامت ، واستمرت ، وتوسعت ، واعتدت ، وقتلت ، وتقتل ، بحماية ، ومساندة النظام الإقليمي في الوطن العربي أحياناً ، وبمشاركته ، أحياناً أخرى ، وأن كل طرف من تلك الأطراف – الإقليمي والصهيوني - ينفذ نصيبه ، من مخطط تجزئة الوطن العربي .. والدور الأساسي الموكل للنظام الإقليمي "العربي" هو ممارسة الاستبداد ، والطغيان ، والقهر ، والقمع على الشعب العربي ، كي يبقى عاجزاً عن امتلاك إرادة التحرر ، والتحرير ، والمؤسف ، أن هذا القهر ، والقمع ، والاستبداد تتم ممارسته تحت عناوين تحرير فلسطين ، وكأن فلسطين ، لا يمكن أن تتحرر ، إلا بقهر ، وقمع الشعب العربي ... وعندما فعل القمع ، والقهر ، والاستبداد ، فعله ، بات إشهار العلاقات العلنية بين النظام الإقليمي "العربي" ، والكيان الصهيوني ممكناً ، وعلى الرحب والسعة ...



( 5 )



أيها السادة ...

إذا كان هذا هو الواقع العربي المرّ ، فقد تتساءلون عن أي مستقبل عربي نتحدث ..؟ ، وهل يكفي القول ، أن الواقع العربي الراهن لا يعجبنا ، وأننا نريد مستقبلاً عربياً مختلفاً ، دون أن نمتلك أية أدوات حقيقية ، للفعل الإيجابي في هذا الواقع ، لتغييّره إلى حيث يجب ..؟

أوّد ، أولاً ، أن أشير إلى أن هناك خلط مقصود بين مستقبل الأمة العربية ، وبين حاضر الدول الفعلية القائمة في الوطن العربي ، أو ما نسميه النظام الإقليمي في الوطن العربي .. وبالتالي ، محاولة إلصاق كل ما فعله ، وما يفعله هذا النظام الإقليمي ، من جرائم ، بالأمة العربية ، فهزائمه ، وفساده ، وطغيانه ، وتبعيته ، وفشله ، هو عدوان على الأمة قبل أي شيء آخر ، والأمة بريئة منه ، وهذا يعني أن مستقبله ، نقيض مستقبلها .. فالنظام الإقليمي في الوطن العربي ، قد انهار تماماً ، ولا أقصد ، أنه ، قد انهار مادياً ، فهو الآن في ذروة إحكام سيطرته على مفاصل الحياة في الوطن العربي ، والقبض على عنق الأمة ، لكنه ، قد انهار تماماً ، من حيث تقييمه بالاستناد إلى ادعاء ذلك النظام الإقليمي ، الذي خلف الاحتلال الاستعماري المباشر للأمة العربية ، بأنه سيعمل لتحقيق الاستقلال ، والتنمية ، والحرية ، والديمقراطية ، ولأنه فشل في تحقيق أي من تلك الأهداف ، قلنا ، أنه انهار تماماً ، فقد بات واضحاً ، أن كافة الإدعاءات الإيديولوجية ، والعقائدية ، للتجزئة ، التي أدعتها السلطات ، والأحزاب ، والجماعات الإقليمية في الوطن العربي ، والتي حاولت تسويق هذا النظام الإقليمي في الوطن العربي ، كانت مجرد إدعاءات فارغة من المضامين ، الهدف منها مجرد مجابهة مشروع النهوض ، والتنوير التوحيدي العربي التقدمي ، بل أكثر من ذلك ، فقد أثبتت التجارب المرّة ، أن هذا النظام الإقليمي في الوطن العربي ، عصّي على الإصلاح ، لا من داخله ، ولا من خارجه ، ولا بأية وسيلة ، من الوسائل ، وأن على العناصر الإيجابية الحية في هذه الأمة ، أن تعتمد الوسائل ، والأدوات المناسبة ، للتغييّر ، ووضع البرامج ، والخطط التي تتناسب مع الظروف الراهنة ، للخروج من المحنة ... ، ولهذا ، قلت لكم ، أننا ، وجماهير أمتكم العربية في الوطن ، في غربة حقيقية ، وأن القوى الحية في أمتكم ، تتلمّس طريقها ، للخروج من المحنة ، وهذا بحد ذاته بالغ الدلالة على أن المعركة الدائرة حول المستقبل العربي مفتوحة على كافة الاحتمالات بين الأمة العربية من جهة ، وبين قوى التحالف المتمثلة بقوى الهيمنة الدولية ، والنظام الإقليمي الاستبدادي في الوطن العربي من جهة أخرى ، وإذا كانت الأمة العربية مكبلة بالقيود الإقليمية الطاغية للنظام الإقليمي ، فإن الطرف الآخر ، من أول أنظمة الفساد ، والاستبداد في الوطن العربي ، إلى آخر جيوش دول الهيمنة الدولية ، مدججة بالسلاح ، والإمكانيات اللامحدودة ..



( 6 )



إن هذا كله ، يحتمّ البحث عن المشكلة في إعادة تأهيل المجتمع العربي ، للنهوض ، والتنوير بعد سلسلة من الانكسارات ، والهزائم التي تسبّب بها النظام الإقليمي في الوطن العربي ، والتي طالت تهديد النسيج الاجتماعي في الوطن ، عن طريق النكوص ، عن المواطنة ، إلى علاقات التخلف ، الإثنية ، والطائفية ، والمذهبية ، والإقليمية ، وهنا ، أدعوكم ، بل أحرضّكم على أن تنفضّوا عن الفرجة على جراح أمتكم ، من خلال الشاشات ، ومحطات البث ، والانخراط ، من جديد ، في معارك تحصّين الأمة ، واستنهاضها ، واستعادة فاعلية الشارع العربي ، بانتشاله من حالات الإحباط ، واليأس ، والاستلاب ، والخوف .. ، وإذا كنت قد بدأت حديثي ، بتعريفه ، أنه حديث بين غربتين ، فإنني أعترف أمامكم ، الآن ، أنكم هنا ، في المغتربات ، قد تكونون الأقدر ، والأجدر ، على التدخل ، لإعادة التوازن ، وتوجيه دفة الصراع ، ذلك ، أن هذا التنوع الجميل الذي أراه هنا ، في اللهجات ، والأفكار ، وتوفر عوامل إعمال قانون الجدل الاجتماعي ، نفتقد تحقيقه في الوطن العربي ، ذلك أننا هناك في حظائر الإقليمية ، وانتشار أوبئة الفتنة ، والتفتيت ، والإقصاء ، والاستئصال ، والقمع ، نفتقد هذا الظرف الموضوعي الإيجابي ، الذي يتحقق بينكم الآن ، فأنتم هنا من المحيط إلى الخليج ، في قاعة واحدة ، تتاح لكم فرصة اللقاء ، بدون حدود ، ومن المعيب أن لا تستثمرون ذلك ، بما يؤدي إلى استئناف مشروع النهوض ، والتنوير في أمتكم ، لأن أي جهد إيجابي من قبلكم ، سينعكس ، إيجاباً ، على الواقع في وطنكم ، قد يقول البعض أن القضية معكوسة ، وأن النهوض في الوطن هو الذي سينعكس إيجاباً على الأوضاع في المغتربات ، وهذا في الأحوال الطبيعية ، صحيح ، لكن في الظروف الاستثنائية التي تعيشها أمتكم في الوطن من حيث التغوّل في القمع ، ومصادرة الحريات ، وحقوق الإنسان الأساسية ، يجعل من أوضاعكم في المغتربات ، أقدر على الفعل ، والتفاعل الإيجابي مع الظروف الموضوعية السائدة ... وبالتالي ، فإنني أدعوكم لمغادرة خنادق الصراعات ، والفتن الزائفة ، التي يحاول النظام الإقليمي في الوطن العربي ، بدعم لا محدود من قوى الهيمنة الدولية ، إغراقكم في وحولها ، والمباشرة حالاً بتشكيل رافعة لمشروع النهوض القومي التقدمي العربي ، أدعوكم إلى الانتقال من الفرجة على مأساة أمتكم ، إلى ساحة الصراع للخروج من المأساة ، ثم الانتقال من مرحلة الأسئلة الصعبة ، إلى البحث الجدي عن إجابات ، ثم الانتقال ، من مرحلة وضع الحلول للمشكلات ، إلى مرحلة تنفيذ الحلول في الواقع ، وامتلاك الأدوات ، للتنفيذ الجاد ...



( 7 )



أيها السادة الأعزاء ..

إننا نلتقي اليوم هنا ، في معهد العالم العربي في باريس ، على هامش الذكرى العطرة لشيخنا عصمت سيف الدولة الذي أعطى عمره كله ، لوضع الأسس ، والنواميس ، لانطلاق مشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي ، التقدمي ، في شتى المجالات ، من أول التحرير ، إلى التنمية ، والعدالة ، والمساواة ، والحرية ، وحقوق الإنسان ...والوحدة ، ونحن ، نجد في التراث الغني الذي تركه لنا ، ما يمكن أن يضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح ، للخروج من المحنة ، وإنهاء حالة الاستلاب ، والشيزوفرانيا الحادة ، التي تشل حركتنا ، بين القول والفعل ، فقد حدّد لنا :

أولاً : أن وحدة الوجود القومي للأمة العربية ، تحتمّ وحدة الدولة فيها ، بمعنى أن الدولة القومية ، التي تشمل الشعب ، والوطن ، كما هما محددان تاريخياً ، هي وحدها الدولة المشروعة التي تجسد سيادة الشعب العربي على وطنه القومي ، ومشاركته التاريخية فيه ...

وحدّد لنا ، ثانياً : أن التقييّم القومي ، للدولة الإقليمية ، أنها رجعية ، وفاشلة ، وهذا يصح بالنسبة إلى جميع الدول الإقليمية ، دون استثناء ..

وحدد لنا ، ثالثاً : أن الأحزاب الإقليمية هي نماذج مثالية للفشل ، لأن أقصى نجاح لأي حزب إقليمي ، هو أن يستولي على السلطة في دولته الإقليمية ، والتي هي ذاتها مؤسسة فاشلة ، فإذا ما فشل في الاستيلاء على السلطة ، فهو أكثر فشلاً من الحاكمين أصحاب الدولة الإقليمية ...

وحدد لنا ، رابعاً : أن فلسطين ، كجزء من الوطن العربي ، إقليم مملوك ، ملكية مشتركة للشعب العربي كله ، وليست ملكاً خاصاً لشعب فلسطين ، وأن هذا الجيل من الشعب العربي كله ، ومن باب أولى شعب فلسطين وحده ، لا يملك الحق في التنازل ، أو التفريط ، أو المساومة على حرية فلسطين ، وأن مسؤولية تحرير فلسطين واقعة على الشعب العربي كله ، وليس على الشعب الفلسطيني وحده ، وأن كل الاتفاقيات ، والمعاهدات ، أو القرارات ، والدساتير ، والمواقف ، والتصريحات ، سواء كانت صادرة عن دولة أجنبية ، أو عن دول عربية ، في الماضي ، أو الآن ، أو في المستقبل ، تمس حرية فلسطين ، غير مشروعة قومياً ، فهي ليست حجة على الأمة العربية ، ولا قيداً على حقها في تحرير فلسطين ..

وحدد لنا خامساً ، وعاشراً ، الأسس ، والمنطلقات ، والغايات ، واقترح الأساليب ، والأدوات ، لكن المشكلة ، كانت ، ومازالت فينا ، في تركيبتنا البنيوية ، وقد آن الأوان ، أن نعالج تلك المشكلة ، ونعود إلى ساحة الفعل ، والحركة ..



( 8 )



إن هذا كله ، أيها العزاء ، يضعنا وجهاً لوجه أمام المهمات الصعبة ، وعلينا أن لا نهاب مواجهة تلك المهام الصعبة ...

- إنني أدعوكم ، وأدعو نفسي أولاً ، للانتقال من حالة الفردية ، التي تمثل مرحلة العجز والمحنة ، إلى بناء المؤسسات الديمقراطية حزبياً ، وسياسياً ، وثقافياً ، لأن العمل الجماعي ، الديمقراطي المنظم ، وحده ، هو الذي ينقلنا إلى مرحلة الفعل ، والتأثير في الواقع ، لتغييّره ، باتجاه مصير عربي مختلف ...

- أدعوكم لأن يختار كل عربي ، ما يرغب ، هو ، أن يقدمه لأمته ، ووطنه ضمن حدود مقدرته ، صحيح أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ... لكن ما بوسعها ، هو مطرح للتكليف ..

- أدعوكم لبناء منتدى ثقافي قومي عربي ، يلمّ شملكم ، في المغتربات ، لتفعّيل قانون الجدل الاجتماعي ، بينكم ، ونحن سنحاول ذلك في مدن الوطن ، وبلداته ، حيث كان ذلك ممكناً ، وأنني أجتهد ، وأقدّم لكم نظاماً تأسيساً لمثل هذا المنتدى ، أطرحه للحوار العام بين الراغبين في تأسيس المنتدى الثقافي العربي ، للأخذ ، به ، أو تعديله ، أو وضع نظام تأسيسي بديل ، حسب الظروف الموضوعية ، المهم ، أن تقوم المؤسسة الثقافية العربية ...

- أدعوكم لتأسيس لجنة قومية لأصدقاء عصمت سيف الدولة تعمل على نشر منهج جدل الإنسان ، ونظرية الثورة العربية ، ووضع أفكار عصمت سيف الدولة تحت يد الشباب العربي ، وإتاحة أوسع الفرص للحوار ، والجدل الاجتماعي حولها ..

- أدعوكم ، وأحرّض الشباب العربي في المغتربات ، وفي الوطن ، للمباشرة ، حالاً ، بتأسيس " الطليعة العربية " تنظيماً قومياً تقدمياً ، بما يتلاءم مع الظروف الموضوعية ، على أسس منهجية ، وعقائدية واضحة ، مستجمعاً شرائطه الشكلية ، والموضوعية ، ليكون قادراً على حمل عبء النهوض بالأمة ، وإبداع الأساليب ، والوسائل اللازمة ، والممكنة ، في ظل الأوضاع الراهنة ..

- أدعوكم ، وأدعو الشباب العربي عامة ، أن تولوّا وجوهكم شطر المستقبل ، وإلى التعامل مع الماضي ، وفق منهج النهضة ، والتنوير ، فالماضي جامد ، لا يمكن الفعل فيه ، أو تغييره ..وبالتالي ، فإنه سيبقى مجالاً للتقييم وعلينا أن نقرأه ، ونستخلص منه العبر ، والدروس ، لا أن نعيشه ، كما حرّفه صانعوا الفتن ، بينما الحاضر ، والمستقبل ترتع فيه القوى المعادية ، للأمة .. فلنترك معارك داحس ، والغبراء ، ومعارك الجمل ، وصفين ، وملاحم كربلاء ، والمدينة ، وصولاً إلى صراعات ملوك الطوائف ، والمذاهب ، والأثنيات ، للبحث العلمي ، وللمراكز المتخصصة في الجامعات ، والمعاهد ، وأن يلتفت الجميع ، وخاصة الجيل العربي الشاب إلى معارك الحاضر ، والمستقبل ، كي يكون حاضراً ، ومستقبلاً عربياً ، بامتياز ..



( 9 )



أيها السادة .. أيها الأعزاء ....

أشكر لكم إحياء الذكرى العطرة التي تركها ، لنا ، وفينا ،عصمت سيف الدولة ، فهو كان يحثنا دائماً على العمل الإيجابي في الواقع ، عندما كنا نقول له : نحن ، كان يبادر فوراً للسؤال .. "مين انتوا" ..؟ وكنا نتلعثم في الجواب .. ، وكان يحرضّنا لتحديد الجواب ، لقد آن الأوان ، كي نعرف من نحن ..؟ ، لنكون جديرين بالانتماء إلى أمة عربية عظيمة ، لا تستحق أن تعيش المحنة التي طالت أكثر مما ينبغي ، وبذلك ، فقط ، نكون جديرين بالانتماء إلى منظومة فكرية بالغة الثراء والإحكام والتماسك زرعها فينا عصمت سيف الدولة ، وقد آن لها ، أن تنبت ، وتزهر ، وتثمر .. فتحية له ، وشكراً لكم .... ))

باريس : معهد العالم العربي : 28 تشرين الثاني – نوفمبر 1997



( 10 )



أيها الشباب العربي .....

لقد كان ما تقدم ، حديثاً اقتضته الظروف بعد عام ونصف على رحيل عصمت سيف الدولة ، الآن ، نحن في الذكرى الرابعة عشرة للرحيل الحزين ...، لا أعرف إن كان ما قلته في تلك الأيام الحزينة ، يستحق القراءة في هذه الأيام الأكثر حزناً ، لكنني أضعه بين أيديكم ...من منطلق التوثيق ، لا أكثر ... ذلك أنني أستشعر أهمية أن نسلمّكم ملفاتنا كاملة ، خاصة ، وأننا على أبواب الرحيل ....

- أما اليوم ، فهو 30/آذار – مارس – يوم الأرض العربية ...

- بحجارة الأرض حفر أطفال العرب هذا اليوم على جدار الزمن ...

- في هذا اليوم 1996 احتضنت الأرض العربية أبنها البار ، المناضل ، عصمت سيف الدولة ...

- في هذا اليوم 2000 احتضنت الأرض العربية أبنها البار ، المناضل ، جمال الأتاسي ...

- "الجمهورية العربية المتحدة" مستقبل آت ، بوعيكم ، ونضالكم ، وليست تاريخاً مضى ... النداء ، لكم أيها الشباب العربي ، النداء ، ليس لمن يبكيها ، وإنما لمن سيشيد صرحها شامخاً في المستقبل العربي .... ، النداء لمن يبنيها ، لا لمن يبكيها ..........

دمشق : الثلاثاء – 30 /آذار – مارس -/2010 .

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 04-06-2010 07:05

على بساط الثلاثاء 69 يكتبها : حبيب عيسى
 
على بساط الثلاثاء

69

يكتبها : حبيب عيسى



من عصمت سيف الدولة ...

إلى الشباب العربي ...

تحية عربية... أماّ بعد ..!


( 1 )

مازلنا نحتفي بالجمهورية العربية المتحدة ، ونتنّسم من خلالها النسائم العطرة للحلم العربي الجميل ، الذي نفتقده هذه الأيام ، لكنهم في المقلب الآخر مازالوا يحتفلون بالانفصال الذي يعيشونه واقعاً ، الآن ، وهذا يعني أن وصف الحالة الراهنة للأمة العربية يفيد ، أنهم منتصرون ، وأننا في مواقع الهزيمة ، محاصرون ، لكنه يعني ، أيضاً ، أن الصراع مازال قائماً ، ومستمراً بين التوحيديين العرب التقدميين على مختلف مشاربهم ، ومواقعهم ، وبين الانفصاليين على تنّوع أروماتهم ، بل إن الواقع العربي ، المتردي ، الراهن الذي تم تشكيله ، بكل مكوناته ، من عناصر انفصال عام : 1961 ، قد يؤجج هذا الصراع إلى أقصاه في القادم القريب من الأيام ، فالانفصاليون سيستخدمون الوسائل ، والأدوات كافة في الداخل ، والخارج ، حتى لا يتكرر على رؤوسهم كابوس الوحدة العربية ، مرة أخرى ، وبالمقابل فإن التوحيدييّن العرب لم يعد أمامهم مهرب من خوض معركة الهوية ، والوجود ، والتحرر ، للخروج من حالة الحصار ، والمحنة ، والهزيمة ، والانكسار ... هذه هي طبيعة الصراع ، وتلك هي أطرافه ، وما عدا ذلك مجرد تفاصيل ....

( 2 )

وإذا كان الانفصاليون قد اضطروا لنفض الغبار عن الذين نفذوّا جريمة 1961 بعد أن فقد الذين يستثمرون الانفصال ، هذه الأيام ، بريقهم ، فإننا لن نلتفت إلى ذلك ، وسنستمر على نهجنا بفتح وثائق هامة ، نضعها بتصرف الجيل العربي الشاب ، تتعلق بمجريات ما جرى ، ويجري ، خاصة ، وأن عيد الجمهورية العربية المتحدة يحّل ضيفاً ، هذا الأسبوع - 30 آذار – مارس – على يوم الأرض العربية الذي سطرّه أطفال العرب بحجارة تلك الأرض ، وبالسواعد الغضة ، كما أن هذا اليوم شهد احتضان الأرض العربية لرمزين من رموز الجمهورية العربية المتحدة الافتراضية ، القادمة ، وهما عصمت سيف الدولة من الإقليم الجنوبي ، وجمال الأتاسي من إقليمها الشمالي ...

وإذا كان بساط الثلاثاء قد استضاف في الأسبوع قبل الماضي جمال الأتاسي يعرض على الجيل العربي الشاب خلاصة تجربته ، ونضاله ، ورؤيته ، فإن بساط هذا الثلاثاء سيستضيف عصمت سيف الدولة من خلال وثيقة هامة مضى عليها حوالي 40 عاماً ، لكنها مازالت راهنة ، قد يجد فيها الجيل العربي الشاب زاداً مهماً ، وهو يبحث ، ويخّطط ، لمصير عربي مختلف ، يحتاج على الطريق إليه إلى ما يحصّنه ، ويشّد همته ، لتجاوز عثرات جيلنا ، والإمساك بزمام المبادرة ، ليقلعّ شوكه ، بيديه ...، وتلك الوثيقة عبارة عن "رسالة" حملت جواباً على أسئلة هامة ....

( 3 )

وقبل أن أدعو عصمت سيف الدولة لتوجيه رسالته إلى الجيل العربي الشاب ، بعد أن كان قد وجهّها إلى جيلنا ، أرى ضرورة التعريف بتلك الرسالة ، وظروفها الموضوعية ، وبما أنني أعرف أن عصمت سيف الدولة لا يطيق المقدمات ، فإنني ، وباختصار شديد ، سأستخلص هذا التعريف من إشارة عصمت سيف الدولة ، ذاته ، إلى تلك الرسالة في مذكرة الدفاع التي كتبها في زنزانته بعد اعتقاله في 15 شباط – فبراير – 1972 مستشهداً فيها للرد على اتهام النيابة العامة ، وموضّحاً رؤيته لبناء التنظيم القومي ، فأنصار الطليعة العربية ، هم ، أنصاراً لبناء تنظيم الطليعة العربية ، وليس ، هم ، بحد ذاتهم تنظيم ، وكانت تلك الرسالة تمثل رداً حاسماً على من يدعو لتحويل الأنصار إلى تنظيم ، وعلى من كان يطالبه بقيادة ، أو تزّعم ، أو توجيّه "الأنصار" لتحقيق غاياتهم ، ذلك أن رأيه كان أن عليهم ، هم ، أن يتدبرّوا أمرهم بدون زعيم ، وبدون قائد ، وبدون وصاية من أحد ، ثم عندما يعقدون مؤتمرهم القومي ، ويؤسسون "الطليعة العربية" سيتقدّم عصمت سيف الدولة بطلب للانتساب إليها ...

يقول عصمت سيف الدولة في "ملاحظات للدفاع في القضية 37لعام 1972 أمن دولة عليا" عن تلك الرسالة : ( ... الأستاذ تركي حداد "أبو محمود" أمين سر نقابة المحامين في عمّان "الأردن" صديقي ، ومن أخلص "أنصار الطليعة العربية" ، ومن الأوائل الذين اطلعّوا على "بيان طارق" ، والواقع أنه هو الذي تلقّى الدراسة التي وضعتها من صديق له في سورية ، فأعجبته ، فأسماها "بيان طارق" ، تعّرفت عليه في سبتمبر 1968 في مؤتمر اتحاد المحامين العرب الذي انعقد في دمشق ، والتقيت به مرة ثانية في عمّان خلال إلقاء محاضرات بدعوة من نقابة المحامين ، والتقيته للمرة الثالثة في مارس – آذار- 1971 في القاهرة ...وفي هذا اللقاء الأخير دار بيننا خلاف فكري حول دعوة "أنصار الطليعة العربية" ، وكان رأيه أنها دعوة مثالية غير قابلة للتنفيذ ، وبطيئة ، وأنه يفّضل تحول "الأنصار" إلى تنظيم ... ولم يكن يضيرني أن يكون ثمّة تنظيم للأنصار في الأردن ، ولكنه كان يقترح ، وقد عرف أنني صاحب "بيان طارق" ، أن أكون على صلة ، ولو بالتوجيه الفكري ، بالأنصار ، عندما يتحولون إلى تنظيم ، وأن ردي ثابت بالرسالة الموجهة مني إلى الأستاذ تركي حداد ، والتي تتضمن رأيي في تحّول الأنصار إلى تنظيم ، في هذه الرسالة التي سلمتها له باليد في مطار القاهرة مودعّاً ، قبل صعوده إلى الطائرة مباشرة .... ، وقد أثبّت أوصاف هذه الرسالة في المحضر ، فقد كانت على ورق مسطور ، بخطي ، تبدأ : عزيزي أبو محمود ...) .

ثم ، يضيف عصمت سيف الدولة ، في ذات وثيقة الدفاع : ( إن بيان طارق هو دعوة مني لتأجيل إنشاء التنظيم القومي إلى ما بعد مرحلة تمهيد فكري يتكاثر خلالها "أنصار الطليعة العربية" في كل الأقطار العربية إلى أن يستطيعوا "هم" أن يعقدوا "هم" مؤتمراً يؤسسون "هم" فيه تنظيمهم القومي ، لو أن كل هذه الشروط تحققّت ، وقبض عليّ ، وأنا منصرف – مثلاً – من المؤتمر التأسيسي ، لكانت تهمة النيابة العامة جدّية ، بأن تنسب إلي ما نسبته ، ولكنت به جد سعيد ... أما أن تنسب إليّ "النيابة العامة" ، أنني ، وثلاثة شباب من مصر ، قد أنشأنا تنظيماً ، فهي تهمة غير مشروعة ، ولو كان التنظيم يستهدف دولة الوحدة الاشتراكية ... ذلك ، أنني لم أفعل شيئاً في "بيان طارق" إلا أن أحذّر من هذا الأسلوب ، فأدنته ، ونصوص التحذير ، والإدانة واضحة الدلالة ، ولا تحتمل أيّ تأويل ...وإلى آخره ) .

على أية حال ، فإن النص الكامل لمذكرة الدفاع ، تلك ، تجدونها "على بساط الثلاثاء" في الحلقات من 11 ، وحتى 17 ...

الآن نترك منبر بساط الثلاثاء ليتحدث من خلاله عصمت سيف الدولة إلى الجيل العربي الشاب ، عبر تلك الرسالة التي وجهها في حينه إلى الأخ العربي العزيز تركي حداد "أبو محمود" ، وهي جديرة أن توجه الآن إلى الجيل العربي الشاب ، فليتفضّل شيخنا الجليل :



( 4 )

أيها الشباب العربي

تحية عربية ، أما بعد ...!

بمناسبة يوم الأرض العربية كنت أتمنى أن أقول لكم "كل عام وأنتم بخير" لكنني اعرف أنكم لستم كذلك ، ولن تكونوا ، إلا إذا كانت أرضكم العربية بخير ، وهي ليست كذلك ، بل ، إن مصير أرضكم العربية ، وأن تكون عربية ، فعلاً ، في الآتي من الأيام ، يتوقف عليكم ، أنتم ، أنتم ، لهذا أرجو أن تحزموا أمركم ، لتكون أرضكم العربية بخير ، فتكونون كذلك .

سأتلو عليكم نص رسالة وجهتها إلى "عمكمّ أبو محمود" منذ حوالي أربعين عاماً ، لكنكم أنتم المعنيّين ، بها ، الآن ، بالضبط الآن ، لن أنتقص منها حرفاً ، ولن أزيد عليها ، فاسمعوا ، وتنبهّوا .....



عزيزي أبو محمود

- لقد قرأت مرات ، ومرات "بيان طارق" على ضوء ما ذكرته لي من صعوبات يلقاها "أنصار الطليعة العربية" في شق طريقهم إلى غايتهم العظيمة. وحاولت بقدر ما استطعت أن أسترجع كل كلمة قلتها لي ، كي أكون أقدر ما أكون على أن أكتب لك الرأي الذي طلبته مني. وهاك ما انتهيت إليه آملاً أن يكون مفيداً لك ، ولإخوانك:

أولاً- إن الجوهر الحقيقي المفيد ، لدعوة "أنصار الطليعة العربية" هو كونها أسلوب ديمقراطي لتحقيق غاية في المستقبل. وهذه الغاية هي : أن يقوم في الوطن العربي تنظيم قومي تقدمي يقود نضال الشعب العربي إلى الوحدة الاشتراكية الديموقراطية.

هذه هي غايتها إذاً: أن يقوم تنظيم قومي، لا أن تكون هي تنظيماً قومياً. أما الدور الذي يقوم به "أنصار الطليعة العربية" للوصول إلى هذه الغاية ، فهو الإعداد الفكري ، والبشري الذي ينتهي ، بانعقاد مؤتمر تأسيسي.. هو الذي يقيم التنظيم القومي!

- والإعداد الفكري ، والبشري على قدر ما فهمت من البيان، يعني أن "أنصار الطليعة العربية" ليسوا ملتزمين نهائياً بشكلٍ مسبق ، واشتراطي ، بمضمون فكري مبلوّر يدعون الناس إليه ، ويشترطون قبوله ، كما هو.. ليكون النصير ، نصيراً. بل ، إن الوصول إلى هذا الفكر هو غايتهم النهائية التي يسعون لتحقيقها. ومؤدى هذا أنهم يبدأون بالتجمع حول (خط فكري عام) هو ما يمكن تسميته: الفكر القومي التقدمي الذي ينطلق من الوجود القومي مستهدفاً الوحدة الاشتراكية. يجمعون هذا الفكر من كل مصادره ، أيا كانت ، ويقبلون الاجتهاد فيه جميعاً ، دون تحفظ. ويديرون الحوار حوله ، لينتهي في النهاية إلى أكبر قدر من الوضوح ، والتحديد ، كمشروع ، يقدمّونه إلى المؤتمر التأسيسي للتنظيم القومي الذي يكون من حقه وحده أن يعيد النظر فيه من جديد لإقراره ، وإعطائه صفة الإلزام.

- إذاً فليس من مهمات أنصار الطليعة العربية ، وليس من واجبهم ، أو حقهم أن يلزموا أنفسهم ، أو يلزموا غيرهم بفكر معين يكون هو مناط اللقاء بينهم ، ومقياس الانتماء لعملهم. إنهم لو فعلوا ذلك لصادروا مهمتهم الأساسية بالذات على المستوى الفكري. أي لما كان ثمة مبرر لدعوتهم على الإطلاق، ولوجب عليهم أن يفتشّوا لأنفسهم عن اسم آخر ، أو عمل آخر ، لا يعنيني على الإطلاق!

.. هذا على المستوى الفكري ، أما على المستوى البشري ، أي مستوى تحضير ، وإعداد الناس. فعلى قدر ما فهمت من البيان ليس "أنصار الطليعة العربية" حزباً، ولا منظمة، ولا جمعية ، أو مؤسسة ، من أي نوع.. بحيث لا يكون النصير ، نصيراً ، إلا إذا انضم إليها ، وأصبح عضواً فيها ، أو قبلت هي ذلك.

أعتقد أن هذا واضح ، نصاً ، وروحاً في "بيان طارق" الذي حذرّ ، تحذيراً صريحاً من فكرة انسلاخ الشباب عن انتماءاتهم التنظيمية القائمة ، أو دعوتهم إلى هذا ، بحجة الانضمام إلى "أنصار الطليعة العربية" لأن هذه الأخيرة ليست تنظيماً جديداً ، أو بديلاً عن التنظيمات القائمة ، بل هي دعوة فكرية ، وبشرية من أجل تأسيس التنظيم القومي. ويرى البيان أن هذه الدعوة ينبغي أن تتمكن ، ويتمكن الداعون لها من تحقيق نشاط مفيد ، ومثمر في الواقع، أي داخل التنظيمات القائمة ، وخارجها، من أجل تحضير الكوادر الفكرية ، والبشرية التي تحقق الانتقال السليم إلى التنظيم القومي عندما تصبح قادرة فعلاً على تأسيسه.. وليس قبل ذلك!

- أنصار الطليعة العربية ، إذاً ، هم أنصار التنظيم القومي الذي يدعون له ، ويحضّرون أنفسهم أقصى ما يستطيعون للانخراط في صفوفه عند قيامه، وليسوا حزباً ، أو منظمة ، أو تنظيماً يسمى (أنصار الطليعة العربية) يدعو لنفسه ، ويستقطب الناس ، لعضويته!؟

بتعبير آخر : "أنصار الطليعة العربية" هي صفة الموقف من التنظيم القومي ، ودعوته ، وأهدافه، وليست أسماً ، أو عنواناً ، لأي تنظيم، إلا إذا كان هذا يخفي أمراً آخر ، لا علاقة له بهذا الهدف ، ولا يؤدي له على أي وجه ، من الوجوه.


.. مقابل هذا ، فإني أعتقد ، أن كل من يقف مع دعوة التنظيم القومي ، كهدف مستقبلي. ويسعى لتحقيقه طبقاً للأسلوب المحدد الذي جاء في بيان طارق.. هو من أنصار الطليعة العربية ، والتنظيم القومي ، سواء أسمى نفسه كذلك ، أو حمل اسماً آخر ، أو لم يحمل اسماً بالمرة . وسواء اتخذ هذا الموقف نتيجة اطلاعه على "ببان طارق" ، أو نتيجة وعيه الذاتي ، بضرورة أن يقوم تنظيم قومي ، بشكل ديموقراطي من القاعدة إلى القمة . وأن تسبقه مرحلة تحضير حقيقي تشارك فيه أوسع القواعد ، والأفراد المنظمين ، وغير المنظمين من الشباب القومي التقدمي.


ثانياً- انطلاقاً مما سبق أستطيع التأكيد إليك ، أن أخطر ما تتعرض له دعوة "أنصار الطليعة العربية" ، حالياً، إنما يأتي من طرف بعض أتباعها الذين يريدون ابتلاع مرحلتها الأساسية ، والتنصل من مهامها ، والقفز إلى غايتها دون أي أساس!

لقد فهمت ، أن هناك من يرى ، ويتصرف بطريقة تحويل دعوة الأنصار رويداً (بحجة نموّها الفكري ، والجماهيري) إلى ذات التنظيم القومي. وكل ما في الأمر ، أن تبقى حاملة اسم "أنصار الطليعة العربية" ريثما يستطيع هؤلاء تبديله باسم التنظيم القومي ، أو أي اسم يشاؤون!

إن هذا أسلوب آخر لإقامة التنظيم القومي. يبدأ بمجموعة تنمو ، وتستقطب بعض الأتباع ، ريثما تتمكن من الإعلان عن نفسها. أما مسألة الاسم فهي لا تغيّر شيئاً من حقيقة هذا الأسلوب ، أياً كانت الأسماء التي يستخدمها هؤلاء لاعتبارات ظرفية. إن هذا الأسلوب هو في حقيقته أسلوب البناء التنظيمي من القيادة إلى القاعدة. أي أسلوب التنظيم الجاهز مسبقاً ، الذي أدانه "بيان طارق" جملة ، وتفصيلاً ، للأسباب الواردة فيه، خصوصاً ، إعدام الأسلوب الديمقراطي. لهذا يستحسن مراجعة هذه الأسباب من جديد!

- إن هذا يجعلني أتصّور أن هناك من يريد أن يفرض مشيئته ، وقيادته على التنظيم القومي ، منذ الآن ، وقبل قيامه. فيطمس نهائياً الفارق العظيم بين دعاة التنظيم القومي ، وأعضائه. وبين أنصار الطليعة العربية ، ومؤسسي التنظيم القومي. أي أنه يطمس الفارق الكبير بين مهام التحضير الديمقراطي ، ومهام العمل ، والبناء. وهو يكتفي بالادعاء أنه قيادة الأنصار الآن.. لا لشيء إلا ليصبح تلقائياً قيادة للتنظيم القومي العتيد عندما يعتقد أن الوقت أصبح ملائماً لتبديل الاسم فحسب!

إن لهذا الأسلوب أنصار ، وأصحاب أصليين. لهذا فإن الأولى بالذين يغريهم هذا الأسلوب ، أن يضمّوا جهودهم إلى أصحابه الحقيقيين ، عوضاً عن إيهام أنفسهم ، وتضليل غيرهم ، أنهم يتحركون في إطار "بيان طارق" ، وتحت رايته!


ثالثاً- الواقع ، أن هذا الاتجاه موجود للأسف. وهو يناقض "بيان طارق" مناقضة صريحة، ويلغي جوهر دعوة الأنصار تماماً. كما يصادر الجهود الحقيقية القائمة في الوطن العربي ، لبناء التنظيم القومي بناءً ديمقراطياً. وأسباب ذلك هي ما يلي:

1. - لأنه يتقدم بأفكار معينة نهائية على أساس ، أنها ، فكر التنظيم القومي.
2. - ويتخذ مواقفه من الآخرين كما لو كان ، هو ، التنظيم القومي.
3. - ويستقطب حوله الأتباع كما لو كانوا ، هم ، مؤسسو التنظيم القومي!

ولا شك ، أن ثمة عواقب وخيمة أخرى لهذا الاتجاه. وجميعها تشكل انحرافات صريحة عن بيان طارق ، ونسف مرحلة التحضير ، ومهامها الحقيقية. وهذا يؤكد أحد أمرين ، أو كلاهما. وهما : أن البعض لم يستوعب "بيان طارق" نهائياً ، أو أنه لا يقدر على تأدية الالتزامات الثقيلة الحقيقية التي يلزمه بها البيان!

وفي هاتين الحالتين لا بد من الاعتراف ، أن العناصر التي تبوأت دعوة أنصار الطبيعة العربية لم تنضج لهذه المرحلة ، عدا عن النضوج ، لما هو أعلى منها. والأدهى من ذلك ، هو أن عيوبها تتصدر العمل القومي ، وتقوده للهلاك ، لأنها تفرض وصايتها عليه ، وتطمس مراحله جميعاً!

في الواقع ، أن تجنب هذا المحذور ، هو أهم ما يميز بيان طارق ، ويؤكد صحته. إذ لا يخفى عليكم أن كل ما يُلاحظ من عدم وضوح فكري ، وعدم التزام ، ونزوع فردي ، للقيادة ، وغيرها.. كل هذا كان قميناً أن يتسرّب إلى التنظيم القومي نفسه ، لو أنه قام دون تحضير حقيقي . وهو الخطر الذي نبّه إليه بيان طارق. ومن أجل تلافيه ، وحماية التنظيم القومي منه ، بلوّر في الأساس فكرة "أنصار الطليعة العربية" ، لتكون مرحلة تحضير حقيقي يمنع سحب هذه العيوب ، وأمثالها على التنظيم القومي عند قيامه..

وربما من المفارقات الصحيّة أن يثبت بعض الذين التزموا بيان طارق بمسالكهم الخاطئة هذه، أنه بيان صحيح لأسلوب صحيح لبناء التنظيم القومي على أسس صحيحة تمنع الوصول إليه من خلال هذه العيوب نهائياً.

رابعاً- في تقديري أن تلك الانحرافات ترجع إلى أسباب موضوعية، وأخرى ذاتية :

- أما الأسباب الموضوعية فهي تتمثل في أن الأحداث خاصة منذ هزيمة 67 شدّت انتباه الشباب العربي إلى قضايا عاجلة أتاحت الفرصة لكثير من القوى ، والمنظمات التي كان يجب أن تموت ، لتحيا الأمة العربية ، وأن تتم تصفيتها ليقوم التنظيم القومي، أتاحت لها الفرصة لادعاء أحقيتها في الاستمرار ، والإبقاء على كيانها ، بأي ثمن. أضف لهذا ظهور حالة ملحّة للنضال ضد "إسرائيل" من خلال منظمات مسلحة جذبت كثيراً من الشباب العربي الذي كان يتجه موضوعياً نحو مهمة تأسيس التنظيم القومي. حيث ظهرت في الساحة شعارات أكثر ثورية ، وجاذبية. وأساليب في النضال أكثر قرباً من مشاعر الشباب العربي الذي كان يتململ تحت مظلة اليأس ، والخيبة من أشكال النضال السلمي. وهذا المناخ الجديد الذي صادفته دعوة "أنصار الطليعة العربية" بهّت صورة المستقبل في الأذهان ، وجعل دعوة التنظيم القومي تواجه صعوبات جديدة ، لتحرير العقول من ضغوط المرحلة، وتنبيهها إلى متطلبات المستقبل ، ومهام الإعداد لأجله..

وكل هذا طبيعي، كان ينبغي فهمه ، والتعامل معه ، إذا ما توفرت الأسباب والإرادة الكافية لهذا، وهو ما لم يتم للأسف!

- أما الأسباب الذاتية ، فهي تتمثل في عجز بعض الشباب عن تحرير أنفسهم من رواسب العادات ، وطرائق التفكير ، والأساليب النضالية ، والتنظيمية التي تربّوا عليها. ولن أستطرد في هذه النقطة.. لكني أوشك على القول آسفاً ، أنهم تحررّوا بالفعل من الالتزامات ، والقواعد التي تضمّنها "بيان طارق" ، دون سواه!!

خامساً- لقد أدى هذان العاملان (الموضوعي والذاتي) إلى أن بعض أنصار التنظيم القومي جعلوا أنفسهم مشلولين أمام الأحداث ، والقوى ، والدعوات الأخرى.

أقول "بعض أنصار التنظيم القومي" ، وليس دعوة أنصار التنظيم القومي. لأني أعتقد أن تلك الأحداث أدت هي نفسها إلى انتشار ساحق لصالح هذه الدعوة دونما أي التزام ببيان طارق بحد ذاته. وهذا دليل جديد على صحة الأسلوب الذي دعا له. كل ما في الأمر أن بعض الأنصار نسوا مهمتهم ، أو لم يستوعبوا ما جاء فيها. فلم يفطنوا إلى ما يجري تحت أنوفهم. وهكذا وجدوا أنفسهم مشلولين في عزلة تامة. وإليكم الدليل..

سادساً- إن هذه الأحداث ، وعمق تأثير الهزيمة ، والفشل المتلاحق الذي مني به العمل العربي تحت وطأة القوى الإقليمية ، لمواجهة النكسة. وعلى وجه خاص فشل المقاومة ، وتعرضها للتصفية بفعل القوى الإقليمية.. كل هذا أدى لعملية فرز عميق يدور الآن في الوطن العربي :

1- فعلى المستوى الفكري تنكرّ كثيرون لأفكارهم ، أو استبدلوها ، بأفكار أخرى. وذهبت لسلة المهملات أغلب الكتابات ، والأفكار المنشورة قبل عام 67. ورويداً يتبلور الفكر القومي التقدمي ، ويقترب من أكثر مضامينه الديمقراطية ، نضجاً!

ألم تكن عملية الفرز ، والبلورة هذه ، من مهمات الشباب العربي. بل أغناها ، و أحوجها على الإطلاق!

لقد قامت الظروف بتأدية هذه المهمة دون أي جهد إيجابي من هؤلاء. بل ، ربما تصدى بعضهم، ممن اعتبروا أنفسهم من غلاة الأنصار، لاعتراض هذه المهمة ، ونصب كل العراقيل ، والأفخاخ أمامها.

يكفي مراجعة المواقف الفكرية ، لكثير ممن كان يقال عنهم مفكرين قوميين ، أو مفكرين ماركسيين ، أو غيرهم ، لنرى يوضوح أن هزيمة 67 وما بعدها قد كشفت.. وفضحت.. وصححّت.. وبلورّت ، كثيراً من المواقف ، والاجتهادات الفكرية التي كانت تتزاحم على أبواب التنظيم القومي ، لتكون هي الأفكار التي يقوم عليها ، بينما قامت مرحلة التحضير للتنظيم القومي من أجلها أصلاً ، لكنها منعت من ذلك!

2- وعلى المستوى البشري تأخذ عملية فرز القوى شكلاً حدّياً. ويتحّرر الجهد المبذول لقيام التنظيم القومي من عشرات ، بل مئات الأفراد ، الذين ما كان يمكن تصور قيام التنظيم القومي بدونهم. فإذا بهم الآن وقد ألقت بهم الهزيمة في مواقعهم الحقيقية ، فلا هم قوميون ، ولا هم تقدميون ، ولا هم من أنصار التنظيم القومي!

يكفي التأمل فيما يجري الآن في سورية على وجه خاص على أيدي هؤلاء. إنه يثبت كيف كان من حسن حظ الأمة العربية ، أن التنظيم القومي لم يتم تأسيسه من قبل، وإلاّ لضم في صفوفه جميع هؤلاء الذين يكشفون الآن ميولهم الحقيقية التي كان ينبغي ظهورها قبل فوات الأوان!؟

ألم تكن عملية الفرز هذه لاكتشاف هذه العيوب قبل انفجارها ، هي إحدى أهم مهام الشباب العربي. لقد تكّفلت الظروف بتحقيق هذه المهمة دون أي جهد إيجابي منهم!

3 - أكثر من هذا ، فإن الأسلوب الديموقراطي في بناء التنظيم القومي ، يمكن أن نسمّيه أسلوب الشباب العربي ، بامتياز.

فمن ناحية ، انقضى الجانب الذاتي للناصرية الذي كان يمثله الولاء الشخصي للرئيس. لكن الناصرية لم تنقضِ ، بل أصبحت أكثر وضوحاً ، بمعناها الموضوعي ، وهو الولاء لخط فكري ، وسياسي كان لعبد الناصر موقع القيادة فيه ، وهو يحتل قدراً مهماً من الفكر القومي التقدمي.

ومن ناحية أخرى فإن وفاة الرئيس عبد الناصر قضت على أكبر الآمال التي كان يتطلع إليها الشباب العربي في بناء التنظيم القومي من القيادة إلى القاعدة ، أي من قيادة عبد الناصر ، إلى قاعدته الشعبية . ذلك أن هذا الأمل كان يستمد بقاءه ، وقيمته من شخص الرئيس عبد الناصر. ووفاته ، إذ تنهي هذا الأمل ، فهي لا تبقي إلا أسلوب بناء التنظيم القومي ، من القاعدة إلى القمة ، ديموقراطياً ، وهذا هو أسلوب الشباب العربي بامتياز. لهذا ليس غريباً أن نرى أخلص الناصريين في الوطن العربي يتطلعّون الآن لبناء التنظيم القومي ، والانفتاح عليه ، بدءاً من القواعد إلى القيادة بعد أن قطعوا فترات طويلة من رهن هذه المسؤولية بشخص الرئيس عبد الناصر .

سابعاً- إن هذه المعطيات تكاد تجعل الشباب العربي في وضعية تماثل الوضعية التي دعا لها البيان من حيث بناء التنظيم القومي ، ديموقراطياً ، من القاعدة إلى القمة. لكن هذه المعطيات جميعاً ، فاتت عن وعي البعض ، لأنهم لم يستطيعوا رؤية إلا أنفسهم ، بحسبان أنهم الأصل ، وكل ماعداهم شيء طارئ ، أو عَرَضي:

1 - فهم لا يرون ، ولا يساهمون ، ولا يدفعون حركة التبلور الفكري ، لأنهم بلورّوا أنفسهم بالفعل على فكر جاهز اختاروه لأنفسهم ، وأصبحوا يشترطونه على الآخرين ، كما هو. فأغلقوا عقولهم عن أوسع الأفكار ، والآراء التي كانت تتبلور بالفعل ، وكان يتوجب عليهم مساعدتها في التبلور ، ودفعها للأمام ، طيلة فترة التحضير للمستقبل.

2 - وهم لا يرون ، ولا يساهمون ، ولا يدفعون حركة الفرز البشري. لأنهم تشللوّا ، وأصبحوا تنظيماً (بحسب ظنونهم) يطلب انضمام الناس إليه. فعزلوا أنفسهم عن الناس جميعاً.. بما فيهم ، أولئك الذين كانوا يسعون من مواقعهم الخاصة لإقامة التنظيم القومي ، بشكل ديمقراطي!

3 - وهم لا يرون ، ولا يساهمون ، ولا يدفعون التحركات التي تشغل أعرض الشباب العربي ، خصوصاً الذي يسمى ناصرياً. والذي أحسب أنّ قضيته تسبق جهودهم ، وما يحسبون!

ثامناً- لو أن الذين قرأوا البيان "بيان طارق" أدركوا جوهر دعوته ، وهي الإعداد الفكري والبشري لبناء التنظيم القومي ديمقراطياً. لكان هؤلاء رأوا أن الشباب العربي يتكاثر بالفعل دون أن يقرأ البيان ، أو يعرفه. وأن حركة الشباب العربي تنمو من خلال شروطها الواقعية ، وظروفها الإقليمية، وليس من بين هذه الشروط على الإطلاق الالتزام بجهد شخص معين ، أو وثيقة بعينها ، ولو كانت "بيان طارق"!

تاسعاً- هذا هو رأيي ، قياساً لما فهمته من البيان . ولست مستطيعاً ، طبقاً لهذا ، اعتبار أي نشاط ، أو تحرك ، خلاف ذلك ، مطابقاً لأسلوب البيان في بناء التنظيم القومي.

ومن المؤسف ، كما فهمت ، وشهدت مراراً ، أن يكون البعض ، عوناً للبعض الآخر ، في تحويل كلمة "الأنصار" إلى تهمة ، أو وصمة عار ، لأنهم يجعلون الفكر الذي أنشره على الناس كافة مبرراً للانحراف به عما أنشده من ورائه . فيسعى هؤلاء لجعل أفكاري عباءة يحتمون بها ، وشرطاً مسبقاً للتنظيم القومي الذي يفصلوّنه لأنفسهم. بالتالي يجعلونها ، وسيلة الشللية التي تقف عثرة ، كأداة ضدّ دعوة الشباب العربي كما بيّنها البيان. في نفس الوقت ، فهي تؤلف ذريعة الشلل الأخرى ، لإبعاد قواعدها عن هذا الهدف أيضاً!؟

- إني لا أنكر أن الأفكار التي أنشرها تلقى استجابة متزايدة لدى بعض الشباب العربي ، لأنها مسخّرة لخدمة التنظيم القومي ، وليس لأي شيء آخر. عليه ، أرجو التمعّن في رؤية الفارق بين موقفي ، وموقف الآخرين ، على ضوء البيان دون سواه:

أ- فمن ناحية أولى يظهر البعض حماساً زائداً لهذا الفكر ، ويجعلونه محور نشاطهم ، بوصفه فكر التنظيم القومي المقبل. ويصّدون أنفسهم عن سواه . ويطلبون مني المزيد منه ، أي ، أن أتحول إلى كاتب نشرات لمنظماتهم ، وشللهم التي تنصلتّ ، موضوعياً ، من التزامات التحضير للتنظيم القومي ، التي نذرت لها جهدي ، وعمري..

ب- أما ، من ناحيتي ، فإني أرى أن هذا الفكر ، إذ لاقى استجابة لا يمكن تجاهلها من الشباب العربي ، فإنني ، شخصياً ، لم أعد أصلح كي أكون مؤسّساً ، أو شريكاً ، في تأسيس أي تنظيم قومي . بل أعتبر ، أني أصبحت أمثلّ خطراً على ديمقراطية تأسيسه، بناء على ذات الفكر الذي أؤمن به ، وأدعو له.. !

من هنا رأيت وفاء مني لمسؤولية العمل القومي أن أطرح كل ما أستطيعه من فكر على الشباب العربي قبل أن تدخل جهودهم أية مرحلة تنفيذية لتأسيس التنظيم القومي.

ثم إني أمتنع عن المساهمة في هذه المرحلة التنفيذية ، على أي وجه من الوجوه ، إلى أن يقوم التنظيم القومي فعلاً. فأتقدم بعد هذا مثل أي مواطن عادي ، للحصول على شرف عضويته في الموقع الذي يضعني ، هو ، فيه. أي ، غالباً ، حيث توضع فئة المثقفين ، ليؤدوا وظائفهم المحددة لهم في هذا التنظيم!

.. وإني أعتقد مخلصاً ، أني لو استجبت لتصرفات هؤلاء ، واجتهاداتهم المنحرفة عن البيان نصاً ، وروحاً. التي تجعل نفسها نواة التنظيم القومي ، وقيادته المنتظرة.. . فسوف أناقض عندئذ جميع ما قلته ، وآمنت به عن ضرورة أن يقوم التنظيم القومي ، ديموقراطياً . وأرجو أن تكونوا على يقين ، أني لا أسمح لأحد في الدنيا ، أن يستجرّني إلى موقع الزعامة الفكرية ، أو الحركية. أو أن يجعلني قميصاً لزعامته المحلية.. في الوقت الذي تتكشّف أمامنا جميع مواقف الزيف ، والخيانة ، التي يتبعّها أصحاب الشعارات الزائفة ، في الوطن العربي!

إني أعتقد ، أن التطلع للزعامة ، مرض عضال يمنع صاحبه أن يكون قومياً مهما أحسن الحديث في ذلك . أكثر من هذا ، فهو يشّكل بذرة خطيرة قابلة للفتك ، بالتنظيم القومي.. حتى تحت شعار الرغبة في تعجيل قيامه ، بعيداً عن شروطه ، وقواعده الحقيقية!

.. وأنا قومي ، لحماً ، ودماً ، وفكراً ، ووجداناً ، ولن أخون قوميتي ، أو أسيء لها قط .



عصمت سيف الدولة - القاهرة – 10 مارس – آذار : 1971



( 5 )

أما بعد ، أيها الشباب العربي

تلك كانت رسالة عصمت سيف الدولة إليكم في الذكرى الرابعة عشرة لتوحّده بالأرض العربية ، في يوم الأرض ، علكمّ تستنبطون منها ، ما يساهم في حثّ الخطى باتجاه تأسيس أداة انتشال الأمة مما هي فيه ، إلى مصير مختلف ، تستحقه ، والرهان عليكم ، الأمة تراهن على وعيكم ، ومقدرتكم على حمل رايتها في التحرر ، والتقدم ، والأنّسنة ، والذين يستثمرون واقعها ، ومحنتها الراهنة ، يراهنون على تغييّبكم ، والزج بكم في صراعات ، وفتن ، تتيح لهم الاستمرار في وضع اليد ، الغاصبة ، الطاغية ، الفاسدة ، الناهبة ، على الأمة ، وأنتم ، أنتم ، من سيحسم الصراع ، ويقرر ، إن كانت راية الأمة العربية سترفرف في ربوعها ، كل ربوعها ، أم أن رايات الغزاة ، والطغاة ، .... ستبقى ... ، إنها ، أيها الشباب العربي ، ليست رسالة من الماضي ، وليست رسالة عن الماضي ، إنها رسالة من الحاضر ، وإنها رسالة عن المستقبل ، تجيب عن الكثير من الأسئلة التي تتعلق بجهودكم ، أنتم ، لبناء التنظيم القومي ، الآن ، لبناء "الطليعة العربية" ، الآن .....

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com

سليم حجار 04-12-2010 09:14

على بساط الثلاثاء 70
 
على بساط الثلاثاء

70

يكتبها : حبيب عيسى



17 نيسان"أبريل" 1946 :

جلاء الجيوش الأجنبية عن "سورية"

وقضية الحرية في الوطن العربي ... !







(1)

■ عندما تحتفل الشعوب بذكريات تحررها من المحتلين ، فإنها لا تحتفل بذلك ، لمجرد الفخر .. ، ولا تحتفل بذلك ، لمجرد إحياء ذكرياتها .. ، ولا تحتفل بذلك لمجرد تطويق شهدائها الأبرار بالزهور ، والرياحين ، وحسب ، ولا تحتفل بذلك ، لمجرد الحصول على يوم إجازة من العمل ، ولا تحتفل بذلك ، لتستعيد الأيام الغابرة كي تعيش فيها ، أو تعيد صياغتها من جديد ، فالماضي ، بإيجابياته كلها ، وسلبياته ، أصبح ملكاً للتاريخ ، وأكبر من القدرة الإنسانية ، للعبث فيه .

■■ إن الشعوب تحتفل بأيام تحررها ، وانتصاراتها .. لتستخلص منها العبّر ، والدروس – بالدرجة الأولى – لصنع مستقبل أكثر حرية ، وتقدماً ، لبناء مجتمع قادر على الدفاع عن نفسه ضد أية محاولة جديدة ، لتدنيس أرضه ، واحتلالها .

■■■ إن "اليوم الوطني" في حياة الأمم – بهذا المعنى – هو ذلك اليوم الذي يقف فيه .. المنتمون إلى الأمة مع التاريخ ، يقدمّون إليه أسئلتهم ، ويقدمّ لهم بأمانة ، أجوبة علمية عليها .. ثم – وبعد ذلك مباشرة – يمدوّن نظرهم إلى المستقبل ، لصياغة حياتهم فيه ، حسب إمكانياتهم ، وقدراتهم ، والظروف الموضوعية المستجدة . وبذلك يمكن القول أن اليوم الوطني في حياة الأمة ، أو هذه الالتفاتة إلى التاريخ تصبح دون معنى ، وبلا فائدة ، إذا لم تكن مقدمة موضوعية ، لرؤيا علمية ، وشاملة لصياغة مستقبل للأمة أكثر تقدماً ، وحرية ، وعدلاً ، وأكثر مقدرة لإشباع حاجات أبناء هذه الأمة : علماً ، واقتصاداً ، وثقافة ، وحرية .

(2)

■ وبمناسبة ذكرى السابع عشر من نيسان "أبريل" 1946 تخفق القلوب العربية في سورية ، والوطن العربي ، إجلالاً وتقديراً للشهداء ، والأبطال العرب الذين صنعوا هذا اليوم الأغرّ ، بالدم ، والفداء ، والتضحية .. كما تخفق هذه القلوب ، في الوقت نفسه ، وبالمقدار نفسه من الحب والوفاء لهؤلاء الأبطال الذين يمتزجون بثلوج جبل الشيخ هذه الأيام (1974 كانت المعارك مستمرة مع العدو الصهيوني في الجولان عند كتابة هذا المقال) ، ويحتضنون الأرض العربية على امتداد خطوط القتال مع البرابرة الجدد ، يزرعون الأرض حباً ، ويسقونها دماء ، ويطردون من بين شعابها أعداء الزرع ، والحياة ، والتقدم .. ليضيفوا بذلك إلى التاريخ العربي ، أياماً أخرى خالدة ، وغراء .. إنهم أحفاد أولئك الذين صنعوا السابع عشر من نيسان ، في الأربعينات ، وهم الامتداد الطبيعي لبطولاتهم ، وتضحياتهم .

■■ وفي ذكرى الجلاء عن سورية تتزاحم الأفكار عن ملاحم البطولة التي امتدت على طول هذا الجزء من الأرض العربية ، وعرضها .. في دمشق ، وغوطتها .. في جبل العرب ، ووديانه ، ودرعا .. في وادي العاصي ، وشوارع حماه .. في قمم الجبال الساحلية ، وعلى رباها ، ووديانها ، وساحلها .. في حلب ، وفي المناطق المحيطة بها ، في جزيرة الفرات ، وامتدادها.. حتى يمكن القول انه لم يبق شبر من هذه الأرض العربية في سورية .. لم تسقه دماء الشهداء .

وتلك البطولات تحفر أخاديدها بعمق في الوجدان العربي ، فقد تلقيناها أطفالاً ، على لسان الجدات ، و قرأناها ، كباراً ، في كتب التاريخ .

■■■ لكن السؤال الذي ما زال يحتاج إلى المزيد من التوضيح هو : أين يقع الجلاء عن سورية من معارك الحرية في الوطن العربي .. ؟، وهذا بدوره سيقودنا إلى الكيفية التي عالج فيها المستعمرون ، الثورات العربية في الوطن العربي عموماً ، ضد احتلالهم ، وكيف تمكنّوا في النهاية من عزل هذه الثورات العربية عن بعضها البعض ، ضمن مناطق معينة رسموا لها الحدود ، لتأكيد تشتت قوى الثورة العربية .

(3)

■ لقد كانت اتفاقية "سايكس- بيكو" الشهيرة ، بداية لمرحلة جديدة ، واجه خلالها شعبنا العربي .. في مشرق الوطن ، ومغربه استعمارا أوروبيا جديداً ، وذكياً .

■■ فبعد أربعة قرون من احتلال عثماني مرير لأرضنا العربية تنفس شعبنا الصعداء .. عندما لاحت بوادر الحرية في الأفق ، وطاردت القوات العربية عساكر العثمانيين حتى جبال طوروس .

■■■ لكن فسحة الحرية كانت متواضعة جدا ... فبينما كان المواطنون العرب ... ينفضون عن كواهلهم غبار القتال ضد الاحتلال العثماني ، كان المنتصرون الجدد في الحرب العالمية الأولى يدفعون بجيوشهم إلى الموانيء العربية في البصرة ، وبيروت ، واللاذقية ، وطرابلس الغرب ، ويعززّون قواتهم في مغرب الوطن ، وفي الاسكندرية ، وامتداداً إلى الخليج العربي .

وكانت هذه القوات الغازية تتدفق على وطننا وفق مخطط واحد رسمت أبعاده ، وحددت منطلقاته ، وأهدافه في مكاتب الدول الغازية .


(4)

■ في مواجهة الاحتلال الجديد للأرض العربية تداعى المناضلون العرب إلى القتال ضد الغزاة ، ورغم تواضع الإمكانيات العسكرية ، والمادية التي كانت في حوزتهم سجلوا صفحات خالدة من صفحات البطولة ، وفداء الوطن .

- فعلى عتبات دمشق ، وقف المناضلون العرب بقيادة يوسف العظمة وتصدوا للدبابة ، ببارودة ( الدك ) ، وأبوا أن تمر قوات الغزاة إلا على أجسادهم الطاهرة .

- وفي البصرة ، وبيروت ، وطرابلس الغرب ، والخليج العربي ، والمغرب العربي ، ومصر ، والسودان تكررت الصورة نفسها ، لمواجهة الغزاة المقيمين ، والقادمين ، وليسجل الثوار العرب ملاحم خالدة من البطولات ، والتضحيات .

■■ في مواجهة تلك الثورات العربية ، استجمع المستعمرون كل خبراتهم في استعباد الشعوب ، واستعمارها ، لضرب فصائل الثورة العربية بعد أن تعاظمت قدرات هذه الثورة ، وأصبحت مواجهتها وجهاً ، لوجه ، غير ممكنة ، وغير مضمونة النتائج ، واعتمدوا في ذلك على عدة مرتكزات أساسية ، وثابتة كان أهمها :

* تجزئة حركة الثورة الشعبية في الوطن العربي ، والعمل على قطع سبل الاتصال فيما بينها ، وذلك لتسهيل مهمة القوات الغازية في ضرب هذه الثورة ، قطعة ، قطعة ، وتصفيتها ، ومحاصرة كل فصيل منها ، ومحاربته على حدة .
* إضفاء صفة الشرعية على هذه الأجزاء باعتبارها كيانات سياسية قائمة ، بحد ذاتها ، حتى داخل الإقليم الواحد ، وضمن هذا المفهوم ، نفهم مثلاً إقامة دولة في اللاذقية ، ودولة أخرى في حلب ، ودولة ثالثة في دمشق ، ودولة رابعة في جبل العرب ، ودولة خامسة في جزيرة الفرات ... وسادسة في جبل لبنان ، وسابعة شرق الأردن ، وثامنة في الغرب منه ، وتاسعة في بغداد ، وعاشرة في الكويت ، وهكذا ...، إضافة إلى آخر التقسيمات الصورية التي شملت أرجاء وطننا العربي كله .

■■■ ثم ، ولحماية هذه الكيانات من الالتحام في دولة واحدة ، قامت بريطانيا بالعمل جدياً على تنفيذ وعدها للصهاينة ، بإقامة كيان لهم في فلسطين يكون حاجزاً بين مغرب الوطن العربي ، ومشرقه ، ولم يخف المستعمرون أن هدفهم من إقامة كيان صهيوني في القلب العربي لم يكن عطفاً على اليهود ، وإنما كان جزءاً من مخطط استعماري شامل يهدف إلى تأكيد تجزئة الوطن العربي ، لضمان استمرار تخلفه ، واستمرار قدرة المستعمرين على استغلال ثرواته خاصة ، وأن الإمكانيات الاقتصادية ، والمواد الأولية الدفينة في أرض هذا الوطن تستحق أن يفعل المستعمرون من أجلها الكثير ، لاستمرار تدفقها على مصانعه ، ومرافقه الحيوية .

ولتضليل الجماهير العربية حاول المستعمرون اختلاق بعض العملاء ، وتنصيبهم حكاماً متنفذيّن في مواجهة الثورات العربية .

(5)

■ لكن المناضلين العرب ، اكتشفوا اللعبة الاستعمارية ، فصعّدوا من عملياتهم القتالية ضد الغزاة ، ورفضوا أشكال التجزئة . ففي بلاد الشام ، مثلاً ، امتدت الثورات الشعبية منذ دخول المستعمرين إلى دمشق ، لتشمل كل الأرض العربية في بلاد الشام ، والعراق ، فتفجرت ثورة جبل العرب ، ثم ثورة حماه ، فحلب ، فثورة الجبال الساحلية ، فثورة الغوطة ، ودمشق ، وثورة فلسطين ، وشرق الأردن ، وقد تمكنت تلك الثورات من تحويل حياة القوات الغازية على أرضنا إلى جحيم مما اضطر قوات الاحتلال إلى الموافقة على إلغاء التجزئة بين دمشق ، وحلب ، وجبل العرب ، واللاذقية ، والجزيرة ، وقامت فصائل الثورة هناك ، بالاتصال مع ثورة رشيد كيلاني في العراق عام 1941 وتحركت الجماهير العربية في مغرب الوطن العربي ، ومشرقه ، لتشكل ثورات عربية قادرة فرضت على المستعمر الخضوع لمطالبها ، في الحرية ، والاستقلال .

■■ وخلال الحرب العالمية الثانية أعلن المستعمر عن استعداده الكامل للخضوع ، لمطالب الحركات الشعبية العربية ، وبالفعل تشّكلت عدة حكومات عربية ، وأقرّت دساتير لها ، ودعي إلى انتخابات في بعضها .

لكن ، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية ، تبيّن أن المستعمرين كانوا يهدفون إلى تجميد الحركات الثورية في الوطن العربي ، إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ليتثنى لهم بعد ذلك إجهاض تلك الثورات من جديد .

■■■ إلا أن الحركات الثورية في معظم أرجاء الوطن العربي كانت قد وصلت إلى حد كبير من القوة ، يصعب معه على المعتدين مجابهتها ، وبالفعل تمكنت تلك الحركات الثورية العربية من طرد المحتلين ، من معظم الأرض العربية في أربعينات القرن العشرين ، وتحقق الجلاء عن سورية ، ولبنان ، والعراق ، والأردن ، وليبيا ، وغيرها من الأراضي العربية .

وهكذا صنع الأبطال العرب في سورية يوم 17 نيسان 1946 بالدم ، والتضحية ، والفداء ، كما تمكن أبطال عرب في مشرق وطننا العربي ، ومغربه من صنع أيام أخرى خالدة أزاحت كابوس الاحتلال ، عن الأرض العربية .

(6)

■ لكن المستعمرين لم يرحلوا عن الأرض العربية إلا بعد أن حاولوا تشويه معالمها ، فكما استغلوا التجزئة العربية إلى أقصى حد ، لمحاربة الثورات العربية الشعبية ضد الاحتلال ، وتسهيل مهمة القوات الغازية ، كذلك حاول هؤلاء المستعمرون أن يرسخّوا التجزئة ، ويعملوا كل ما أمكن لاستمرارها على أرضنا العربية بعد رحيلهم عنها بقوة الثوار العرب ، ومقدرتهم ، وتضحياتهم .

(7)

■ إن الجماهير العربية في سورية ، التي حققت الجلاء في 17 نيسان ، وطردت المحتل ، لم تقف عند حّد الحصول على الجلاء ، بل شاركت هذه الجماهير الثورية في محاربة المستعمر أينما وجد على الأرض العربية ، وبذلك تشكلت فرق المتطوعين لقتال الصهاينة في فلسطين ، إلى جانب الثوار العرب الآخرين ، من فلسطين ، والعراق ، ومصر .

■■ وعندما وقعت مأساة 1948المتمثلة بنكبة فلسطين ، وأثبتت عجز الدول الإقليمية عن حماية الأرض العربية ، تداعت الجماهير العربية إلى النضال من اجل الوحدة العربية ، وخلال الخمسينات حققت هذه الجماهير انتصارات بارزة ، وتعاظم التيار القومي العربي ، إلى الحد الذي تمكن معه هذا التيار من فتح ثغرة في خريطة التجزئة العربية ، بإقامة الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 .

■■■ إن نظرة سريعة على التاريخ العربي ، منذ طرد جيش الاستعمار الفرنسي المباشر من سورية في 17 نيسان عام 1946 ، وحتى الآن توضح أن المناضلين العرب ما زالوا في ثياب الميدان حتى الآن ، وقد كانت نكسة 1967 بالنسبة لفصائل الثورة العربية دليلاً على أن حرية الأجزاء في الوطن العربي ، لا يمكن أن تكون فعّالة ، وقادرة ، إلا في ظل حرية الأرض العربية كلها ، فعندما تعاظم مد الثورة العربية ، تحركت الصهيونية من فلسطين ، لتحتل الأرض المحررة ، من دولتين عربيتين ، بالإضافة إلى بقية أرض فلسطين ، دون أن تتحرك ما يسمى الشرعية الدولية للدفاع عن استقلال دول نشأت بقرارات من هيئة الأمم المتحدة .

(8)

وهكذا خاض المقاتلون العرب معارك بطولية أخرى ضد الوافد الصهيوني الذي تركه الاستعمار الأوروبي على أرضنا ، حتى تكللت بمعارك تشرين العربية ، حيث خاض المقاتلون العرب ، وما زالوا يخوضون ، معارك مشرفة ضد عدو لا يفهم إلا لغة القوة ، وفي سبيل استعادة حقوق مشروعة لأمتنا العربية كلها ، لا يمكن أن تستعاد ، إلا بالقوة ، والتضحية ، والفداء .

■ لقد أردنا من كل ما تقدم ، القول : أن معركة الحرية في الوطن العربي واحدة ، وأن هذه المعركة لم تنقطع طوال الحقبة الزمنية المعاصرة ، وأن هذه المعركة ستستمر بشكل ، أو بآخر إلى أن تحققّ الجماهير العربية أهدافها في الحرية الشاملة ، لوطننا العربي ، لا خيار في ذلك لأحد ، ولا يستطيع أي عربي ، ذلك ، بمعزل عن باقي أبناء الأمة العربية ، وأردنا أن نقول ، أيضاً : أن بصمات المستعمرين على أرضنا العربية غير مشروعة ، وان القتال ضدها أمر مشروع قانونياً ، وعملياً ، بالإضافة إلى أنه أمر واجب وطنياً ، وقومياً . فالنضال العربي لإلغاء التجزئة يستهدف – ضمن ما يستهدف – القضاء على كبريات مشكلات التخلف في الواقع العربي التي تجد جذورها ، واستمرارها في ظل هذه التجزئة .

■■ إن القتال لتحرير الأرض العربية من الغزاة ، أمر مشروع ، وواجب على كل المنتمين إلى الأمة العربية .

والجماهير العربية ، لم تكتسب صفتها " العربية " اعتباطاً ، وإنما اكتسبتها عبر نضال طويل ، وأصبحت صفة ملزمة تاريخياً ، وعلميا ، لكل من يحملها بالعمل ، والتضحية ، والموت – إذا اقتضى الأمر في سبيل تحرير الأمة ، والحفاظ على شخصيتها وكرامتها .

■■■ بذلك ، وبذلك فقط ، نفهم التضحيات ، وأعمال الفداء التي يقدمها المقاتلون العرب في جبل الشيخ الآن ، وعلى امتداد الجبهة (1974) ، لا دفاعاً عن دمشق فقط ، وإنما دفاعاً عن القدس ، والأرض العربية المحتلة كلها ، وبهذا أيضا يمكن أن نفهم التضحيات الجليلة التي صنعت 17 نيسان 1946 ، منذ 28 عاماً .

( 9 )

إن الوجود القومي للأمة العربية صنع عبر تطور تاريخي ، لا يملك أحد حق

إلغائه ، وقد قدمت الأجيال العربية المتعاقبة ، وتقدم الآن ، ملايين الشهداء لصيانة هذا الوجود ، وتوضيح ملامحه .

لقد قدمّت الأمة العربية ملايين الشهداء لتصنع الجلاء عن دمشق ، وحلب ، والموصل ، وبغداد ، وبور سعيد ، وطرابلس ، والجزائر ، والدار البيضاء .

وهي ستقدّم في المستقبل ، وعلى المدى البعيد ملايين أخرى من الشهداء حتى تنتصر الثورة العربية ، وتبني دولة للأمة منسجمة مع الوجود الاجتماعي ، والقومي لهذه الأمة مروراً ، بتحرير كل الأرض ، وكل الشعب ، وكل الموارد .

إنها مسؤولية كبيرة ، حقق جزءاً هاماً منها ، الجيل الذي صنع الجلاء 1946، ويحقق جزءاً آخر منها الجيل الذي يستمر في المعارك العربية .

فتحية للأبطال ، وللشهداء الخالدين الذين صنعوا لنا 17 نيسان الأغرّ 1946 ، وتحية لأبنائهم ، وأحفادهم الذين يكملون المسيرة ، وينطلقون بها ، نسوراً ، وأبطالا ، وفدائيين ، لتحقيق غايتها في الحرية الشاملة ،لأمتنا العربية .

نشر هذا المقال في صحيفة "الثورة" السورية بتاريخ 19/4/1974

( 10 )

هكذا كانت أحلامنا في ذكرى الجلاء عام :1974 منذ 36 عاماً ، ومازالت ، فالجلاء عن جزء من الأرض العربية خطوة على الطريق إلى الحرية ، التي لن تتحقق إلا بوحدة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ...فالجلاء لن يكتمل ناجزاً إلا بدولة الوحدة العربية ، لهذا أيها الشباب العربي ، فإن ذكرى 17 نيسان "أبريل" تؤكد التلاحم بين الجلاء عن سورية ، وبين مشروع الوحدة العربية ، ففي 17 نيسان "أبريل" 1963 ولد ميثاق تأسيس جمهورية عربية متحدة أخرى ، تم ارتكاب جريمة انفصالية أخرى ، لوأدها في المهد ، سنترك الحديث عنها إلى الثلاثاء القادم .....................

حبيب عيسى

E-mail:habib.issa@yahoo.com


الساعة الآن 03:31.

Copyright 2008 © www.alfikralarabi.net = Designed & Upgraded By : Rami Elias S. Suleiman